ليبيون يبحثون عن حد أدنى للتوافق لمواجهة «داعش» وشبح التقسيم

حراك طرابلس يزيد التفاؤل.. والأنظار تتجه إلى جلسة حاسمة للبرلمان

د. محمد الزبيدي ...د. خليل المجعي ...عبد العزيز الروَّاف
د. محمد الزبيدي ...د. خليل المجعي ...عبد العزيز الروَّاف
TT

ليبيون يبحثون عن حد أدنى للتوافق لمواجهة «داعش» وشبح التقسيم

د. محمد الزبيدي ...د. خليل المجعي ...عبد العزيز الروَّاف
د. محمد الزبيدي ...د. خليل المجعي ...عبد العزيز الروَّاف

يبحث كثيرٌ من الليبيين عن حد أدنى من التوافق لمواجهة خطر «داعش» وشبح تقسيم البلاد، وذلك بعد نحو عشرة أيام من دخول المجلس الرئاسي بقيادة فايز السراج إلى طرابلس. ويقول الشاب حمزة الشيباني، الذي كان من بين كوادر الثورة ضد معمر القذافي في بلدة «ودان» جنوب شرقي طرابلس: «على المجلس الرئاسي أن يضع حدا للمجموعات المسلحة داخل نطاق العاصمة، وأن يحاول دمجها في مؤسسات رسمية تحت اسم (رئاسة) الأركان أو (وزارة) الداخلية».
وشغل الشيباني عضوية اللجنة الإعلامية في بلدته أثناء ثورة 17 فبراير (شباط) 2011. وأقام بعد ذلك في طرابلس، وهو يشعر، مثل مئات من الكوادر الجديدة، بتأخير تحقيق شعارات الثورة في دولة ديمقراطية. ويقف مع أقرانه اليوم في العاصمة على أمل المشاركة في تأسيس نظام سياسي عصري، بعد أربعة عقود من حكم القذافي.
إلا أن المشاحنات المسلحة ما زالت تخيم على طرابلس، رغم رعاية الأمم المتحدة لمفاوضات صعبة طول الـ18 شهرا الأخيرة للوصول لحكومة توافق.
ومن الجانب الآخر يقول ابن مدينة «مصراتة» الواقعة غرب طرابلس، الدكتور خليل المجعي، وهو أستاذ للقانون ومستشار وناشط سياسي معروف في المدينة، إن المجلس الرئاسي «جاء بالتأكيد في إطار التوافق العام الموجود في ليبيا». ويضيف بعد أن وصل إلى طرابلس يوم أول من أمس: «الليبيون، بالفعل، في حاجة لجسم يوحدهم بشكل حقيقي وفي حاجة لجسم يقرب بين أطراف الدولة وقواها بالكامل، من الشرق والغرب والجنوب».
ويعد الموقف من الجيش وقيادته الموجودة في الشرق، وكذا الموقف من الميليشيات المسلحة التي تهيمن على طرابلس، من النقاط الخلافية التي لا يحبذ كثيرون مناقشتها علانية. لكن بضعة عشرات من سكان طرابلس، خرجوا قبل يومين إلى ساحة الشهداء بوسط العاصمة، وهتفوا أمام الملأ، لأول مرة منذ نحو ثلاث سنوات، من أجل جيش موحد لحماية الدولة، إلا أن بعض الهتافات كانت مناوئة للسراج أيضا.
الأوضاع ربما لن تكون بتلك السهولة، فهناك من ينظر بتشكك لمجلس السراج الرئاسي والأطراف الدولية المساندة له، كما يقول عبد العزيز الروَّاف، وهو كاتب ومحلل سياسي ليبي من مدينة بنغازي. ويضيف: «المتابع للشأن الليبي عن قرب يدرك أن مسألة اعتماد حكومة الوفاق، مسألة معقدة جدا، لأن أسبابا كثيرة تجعل هذه الحكومة غير مرغوبة من الليبيين، رغم محاولات تلميعها من مراكز القرار الدولي سواء عن طريق الأمم المتحدة، أو الدول الغربية الكُبرى».
إجمالا، يمكن القول إنه رغم سطوة الجماعات المسلحة التي تناهض الجيش في طرابلس، يتزايد الحراك الشعبي في العاصمة لتأييد المجلس الرئاسي، لكن بشروط منها الالتزام بالإعلان الدستوري فيما يتعلق بمنح الحكومة الثقة من البرلمان، والتعاون مع الجيش في محاربته للإرهاب. ويبدو وجود تعب وإرهاق على وجوه المواطنين جراء الفوضى الأمنية والتدهور الاقتصادي. ويقف ألوف الليبيين في مدن مثل طرابلس وبنغازي ساعات طويلة أمام الأفران للحصول على الخبز.
رغم الغيوم، توجد علامات للتفاؤل بشأن وضع نظرية التوافق على أرض الواقع، حيث إن أنظار قطاعات من الليبيين تتجه إلى جلسة حاسمة للبرلمان خلال أيام، يمكن أن تؤدي إلى تعضيد حكومة التوافق، مما يسهم في إبعاد مخاوف عن دخول البلاد في خيارات صعبة. ويقول أحد المتظاهرين في ميدان الشهداء في طرابلس: «سئمنا من الجدل.. نريد حكومة موحدة، وجيشا قويا».
وبعد ساعات من رفع بعض المتظاهرين من طرابلس لافتات وشعارات مؤيدة للجيش، شنت عناصر ميليشياوية مسلحة حملة مداهمات ضد نشطاء أغلبهم من الشباب. كما وقعت اشتباكات مسلحة في الليل بين موالين ومعارضين للمجلس الرئاسي. ومن شأن تأخير البرلمان لموقفه من حكومة السراج تعقيد الموقف أكثر مما هو معقد أصلا. قيادات برلمانية ليبية قدمت في لقاء عقد في القاهرة أخيرا، تطمينات عن عقد جلسة لهذا الغرض بحد أقصى يوم 18 من الشهر الحالي. وكان من المتوقع عقد هذه الجلسة يوم 11 من هذا الشهر.
ابن مدينة بني وليد، والرئيس السابق للجنة القانونية في مؤتمر القبائل الليبية، الدكتور محمد الزبيدي، معروف عنه أنه من الرافضين لـ«ثورة فبراير» منذ البداية، لكنه يستغرب من سرعة اندفاع مجلس السراج الرئاسي وحكومته المقترحة في اتخاذ خطوات تنفيذية قبل أن تحصل على ثقة البرلمان. ويقول: «حكومة السراج بدأت تمارس صلاحياتها وسلطاتها، واستولت على بعض المقار، وأصدرت قرارات، والتقت بمحافظ مصرف ليبيا المركزي إلى آخره.. لكن إذا لم تحصل على موافقة البرلمان فستعود المشكلة إلى المربع صفر».
مدينة ودان التي ينتمي إليها الشيباني هي نفس مدينة الدكتور علي زيدان رئيس الوزراء الليبي الأسبق الذي خرج من السلطة بعد نزاع مع الميليشيات. وفي الأسبوع الماضي جرت مناوشات على تخوم المدينة مع عناصر من «داعش»، سقط فيها قتيل من أبناء المدينة، وعدد من الدواعش. وهي المرة الأولى التي يقترب فيها التنظيم المتطرف من هذه المنطقة. ويتركز التنظيم في مدينة سرت، لكنه تمكن من التمدد في اتجاه طرابلس ومصراتة ومناطق أخرى. ويعد «داعش» من المخاطر التي تجعل عموم الليبيين أكثر رغبة في طي صفحة النزاع السياسي، والالتفاف حول حكومة واحدة. يقول الشيباني وهو ينظر إلى الأخطار المحدقة ببلاده، إن أهم شيء أمام حكومة السراج، تفعيل المؤسسات والوزارات مع إعطاء ضمانات للأقاليم والأطراف المتنازعة، بالبقاء في الحكومة، مع طرح الأوراق، وتحديد رؤية واضحة، وعدم استخدام النفوذ في الصراعات الحزبية والآيديولوجية التي تتحول إلى صراعات مسلحة باستخدام ميليشيات تتحرك داخل نطاق العاصمة.
ويضيف: «النجاح يعتمد على حل الملف الأمني أولا، ثم إنعاش الاقتصاد، لكي يشعر المواطن بوجود حكومة تشتغل على الأرض، مع تقريب وجهات النظر بين المنطقة الشرقية والغربية».
ويعد الدكتور المجعي، من الشخصيات التي تعقد آمالا عريضة على المجلس الرئاسي. ويقول من جانبه: «نأمل من المجلس الرئاسي أن يوحد الواجهة السياسية للدولة ويعيد لها هيبتها.. ويمارس نوعا من الأعمال السيادية مثل سلامة الحدود ومكافحة الإرهاب والجريمة.. مثل هذه الأشياء ملحة جدا.. ونحن متفائلون».
ويدور الجدل بين قيادات سياسية وأهلية في طرابلس عن كيفية تجاوز مشكلة تأخير مجلس النواب (البرلمان) عقد جلسة في طبرق لمنح الثقة لحكومة السراج. لكن الدكتور المجعي يقول: «أعتقد أن هذه مشكلة قابلة للحل»، مشيرا إلى أن «الإرادة موجودة لدى النواب لتأييد حكومة الوفاق، إلا أن هناك بعض الإشكاليات السياسية بين الأعضاء، ولكنها ستحل من خلال الاتفاقات بين الأطراف ومن خلال التفاهم فيما بينهم.. مجلس النواب يقع بين سندان الوطن ومعارضي الحكومة، وبين مطرقة الدول الكُبرى الباحثة عن مصالحها». هكذا يقول عبد العزيز الروَّاف ابن بنغازي التي تشهد حربا ضروسا منذ نحو عامين بين الجيش الوطني بقيادة الفريق أول خليفة حفتر، وجماعات من المتطرفين. ويضيف: «هناك نسبة كبيرة من الليبيين غير راضية عن حكومة السراج، ليس بسبب رفض الوفاق في حد ذاته، لكن للأساليب التي اتبعت في إنتاج هذه الحكومة، مثل تجاهل المسودة الرابعة التي تم الاتفاق عليها (في حوار الصخيرات) بالحروف الأولى، أيضا تم تجاوز البرلمان في عدة نقاط تم الاتفاق عليها في الخطوات الأولى للحوار، ومنها أن يتم ترشيح رئيس الحكومة من بين أسماء يطرحها البرلمان، بينما فايز السراج جاء اسمه فجأة ومن خارج القائمة التي قدمها مجلس النواب. ومع ذلك يقول ابن مدينة بنغازي، التي تقع في نطاق ما يعرف تاريخيا باسم «إقليم برقة»، إن «مسألة عقد جلسة البرلمان يكتنفها الغموض، ولو عُقدت لن يستطيع أحد أن يجزم بأنها ستكون في صف المعارضين أو المؤيدين»، ويشير إلى أن «النتائج المترتبة على اعتماد الحكومة من خارج البرلمان، ستكون أقرب إلى تقسيم البلاد.. فإقليم برقة هو الأكثر نفطا وثروات والأكبر مساحة». وبالنظر إلى الحراك الشعبي المتنامي في طرابلس، والجدل الدائر في مدن الشرق والجنوب، يفتش الليبيون الطامحون في سلطة موحدة، في كلمات وتصرفات المجلس الرئاسي. كيف يتحرك وكيف يخاطب الخصوم والمنافسين؟
ويوضح عبد العزيز الروَّاف: «يمكننا القول إن السيد فايز السراج، يستطيع أن يتلافى مثل هذه المخاوف، لو خرج في تصريح يطمئن أهالي إقليم برقة حول عدة نقاط منها احترام مؤسسة الجيش وقيادته الحالية، والعمل على دعمه، وتوزيع مؤسسات الدولة على مدن ليبيا خصوصا بنغازي عاصمة إقليم برقة، والبدء في عمل الحكومة من مدينة بنغازي التي تحتاج لإعمار بعد الحرب الشرسة التي قادها الجيش وأبناء الإقليم ضد التنظيمات الإرهابية».
ويشارك الدكتور الزبيدي، ابن قبيلة ورفلة، في لقاءات قبلية وسياسية داخل ليبيا وخارجها، بحثا عن مستقبل آمن لبلاده. ويقول إن «داعش» اقترب أيضا من تخوم مدينته بني وليد، مستغلا النزاع الذي يضرب الدولة. ومع ذلك لا يبدو متفائلا من قرب حل المشكلة بين حكومة السراج والمنطقة الشرقية التي يوجد فيها البرلمان، مشيرا إلى أن الخطوات التي اتخذها المجلس الرئاسي رغما عن أنف البرلمان، ربما ستجعل هذا البرلمان يرفع من سقف المطالب في جلساته المقبلة، و«قد يؤدي ذلك إلى انفصال المنطقة الشرقية في نهاية المطاف».



البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
TT

البحرين: السجن المؤبد لأفغانيَّيْن و3 مواطنين بتهمة التخابر مع «الحرس الثوري»

قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)
قضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد وبراءة متهم واحد (بنا)

أعلن رئيس نيابة الجرائم الإرهابية في البحرين أن المحكمة الكبرى الجنائية أصدرت، الثلاثاء، حكمها في قضيتين منفصلتين تتعلقان بالتخابر مع جهات أجنبية، اتهم فيهما ستة متهمين، من بينهم اثنان يحملان الجنسية الأفغانية، وأربعة مواطنين، بالتخابر مع «الحرس الثوري» الإيراني، وذلك للقيام بأعمال إرهابية وعدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وقضت المحكمة بمعاقبة خمسة متهمين بالسجن المؤبد، وبراءة متهم واحد، وأمرت بمصادرة المضبوطات، وإبعاد المتهمين الأفغانيين من البلاد نهائياً بعد تنفيذ العقوبة.

وبحسب «وكالة الأنباء البحرينية»؛ تعود تفاصيل هذه الواقعة إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية، تفيد بقيام «الحرس الثوري» الإيراني بالتواصل مع أحد المتهمين (أفغاني الجنسية)، وتجنيده لتنفيذ مخططاته الإرهابية في مملكة البحرين، حيث كُلف بمهام استخباراتية للقيام بأعمال عدائية ضد البحرين، والإضرار بمصالحها.

وتمثلت المهمة الموكلة للمتهمين في مراقبة وتصوير المنشآت الحيوية والمهمة داخل البلاد، وجمع المعلومات بشأنها، ونفاذاً لذلك قام المتهم برصد إحدى المنشآت الحيوية، وجمع معلومات عنها مقابل مبالغ مالية تلقاها من «الحرس الثوري» الإيراني، كما قام هذا المتهم بتجنيد المتهم الثاني، وهو من ذات الجنسية، لمعاونته في تلك العمليات الاستخباراتية لصالح المنظمة المشار إليها، وعلى أثر ذلك تم ضبط المتهمَيْن وبحوزتهما أدوات استُخدمت في ارتكاب الجريمة.

كما تعود تفاصيل الواقعة الثانية إلى ورود معلومات أكدتها تحريات الإدارة العامة للمباحث والأدلة الجنائية بشأن قيام بعض عناصر «الحرس الثوري» الإيراني بتجنيد أحد المتهمين (مواطن بحريني هارب وموجود في إيران)، وإقناعه بالعمل لصالحهم ضد مملكة البحرين، وكُلف بالبحث عن عناصر محلية داخل المملكة لتجنيدها، وتسخيرها لتنفيذ مخططات المنظمة الإرهابية المشار إليها.

وذكرت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه نفاذاً لذلك تمكن المتهم من تجنيد المتهمين الثلاثة الآخرين (وهم مواطنون بحرينيون) في ذات الواقعة، وأسندت إليهم مهام تستهدف الإضرار بأمن البلاد، ومصالحها، شملت رصد ومراقبة وتصوير المنشآت الحيوية، وجمع المعلومات عنها، وتزويد «الحرس الثوري» الإيراني بها.

وقد باشرت النيابة العامة التحقيق في الواقعتين فور تلقي البلاغين، حيث استجوبت المتهمين المضبوطين، وندبت الخبراء الفنيين لفحص الأجهزة الإلكترونية المضبوطة، كما استمعت إلى أقوال الشهود، ومن بينهم مجري التحريات الذي أفاد بأن تحرياته توصلت إلى أن البيانات والمعلومات التي قدمها المتهمون لمنظمة «الحرس الثوري» الإيراني شكلت ركيزة أساسية في الأعمال العدائية الإرهابية التي استهدفت عدداً من المنشآت الحيوية داخل المملكة، بما عرض أمن البلاد واستقرارها للخطر.

وأضافت «وكالة الأنباء البحرينية» أنه على ضوء ذلك، أمرت النيابة العامة بإحالة المتهمين إلى المحكمة الكبرى الجنائية، وقد نُظرت الدعويان المنفصلتان على عدة جلسات روعيت خلالها كافة الضمانات القانونية المقررة، بما في ذلك حضور محامي المتهمين، وتمكينهم من إبداء دفاعهم، حتى أصدرت المحكمة حكمها المتقدم بجلسة اليوم. كما كانت المحكمة قد أصدرت قراراً بحظر النشر في الدعويين، نظراً لما تنطويان عليه من معلومات تتعلق بالأمن القومي.

وتعكف النيابة العامة على دراسة الحكم فيما قُضي به من براءة المتهم، والنظر بالطعن فيه بالاستئناف استناداً إلى الأدلة القائمة ضده.

وأكدت النيابة العامة أن جريمة التخابر مع الجهات الأجنبية المعادية لمملكة البحرين تُعد من أخطر الجرائم الماسة بالأمن الوطني، لما تنطوي عليه من تمكين تلك الجهات من الحصول على معلومات تُستغل في تنفيذ أعمال عدائية تستهدف المملكة، ومصالحها.

وشددت النيابة العامة على مضيّها، في إطار ما خولها القانون، في التصدي بحزم لكل من يرتكب مثل هذه الأفعال المجرمة، واتخاذ الإجراءات القانونية الرادعة بحقه، صوناً لأمن البلاد واستقرارها.


الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
TT

الحرب على إيران تلقي بتبعاتها على معيشة اليمنيين

بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)
بسبب الحرب على إيران تأخرت الإمدادات المنقذة للحياة عن 130 ألف يمني (الأمم المتحدة)

دقّت المنظمات الإنسانية العاملة في اليمن ناقوس الخطر، محذّرةً للمرة الأولى من التداعيات المباشرة للحرب في إيران على الوضع الإنساني الهش في البلاد، في وقت يواجه فيه ملايين اليمنيين مستويات غير مسبوقة من انعدام الأمن الغذائي، بينما تتعرض سلاسل الإمداد الدولية، التي تمثل شريان الحياة للمساعدات الإنسانية، لضغوط متزايدة تهدد بانهيار الاستجابة المحدودة أصلاً.

ووفق تقرير إنساني حديث، فإن تصاعد الصراع الإقليمي ألقى بظلال ثقيلة على طرق الإمدادات الرئيسية للمساعدات، مما تسبب في تأخر وصول أكثر من 150 طناً من الشحنات الإنسانية المصنفة على أنها مواد منقذة للحياة، تشمل معدات طبية ثقيلة، وأدوية، ومستلزمات خاصة بالبنية التحتية للمياه، في وقت لا تزال فيه مواعيد وصول هذه الشحنات غير واضحة، وسط اضطرابات متواصلة في الممرات البحرية وارتفاع كبير في تكاليف الشحن.

ويشير التقرير إلى أن استمرار حالة عدم اليقين في خطوط الملاحة الدولية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المنظمات الدولية غير الحكومية على إيصال الإغاثة الطارئة، إذ أصبحت عمليات الإنقاذ تواجه مخاطر التأخير الحاد أو التوقف، بما يهدد بتوسيع رقعة الاحتياجات الإنسانية في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الخارجية لتأمين الحد الأدنى من مقومات البقاء.

وعلى الرغم من أن الموانئ الوطنية الرئيسية في اليمن ما زالت تعمل من الناحية الفنية، فإن المنظمات الإنسانية أكدت أن الاضطرابات التي طالت خطوط الملاحة الإقليمية والدولية تسببت فعلياً في تعطيل وصول الإمدادات، وأدت إلى تكدس شحنات حيوية في نقاط انتظار غير معلومة المصير.

41 ألف شخص في اليمن معرضون لمخاطر كارثية تشبه المجاعة (الأمم المتحدة)

ووفقاً لما أوردته أربع من أصل 12 منظمة دولية غير حكومية شملها الاستطلاع وتعمل في اليمن، فإن هذه التأخيرات تسببت بصورة مباشرة في انقطاع مساعدات حيوية عن أكثر من 130 ألف مستفيد، بينما رجح التقرير أن يكون التأثير الحقيقي على مستوى البلاد أكبر بكثير، بالنظر إلى أن هذه البيانات تمثل شريحة محدودة فقط من إجمالي المنظمات الدولية العاملة في المجال الإنساني.

ويعني ذلك عملياً أن آلاف الأسر التي تعتمد على الأدوية، ومشروعات المياه، والخدمات الصحية المدعومة، باتت مهددة بانقطاعات متزايدة في الخدمات الأساسية، في وقت تتراجع فيه قدرة القطاعين الصحي والخدمي على امتصاص أي صدمات إضافية، نتيجة سنوات الحرب الطويلة وما خلّفته من هشاشة هيكلية واسعة.

فاتورة التصعيد

ولم تتوقف انعكاسات الأزمة عند حدود العمليات الإنسانية، بل امتدت سريعاً إلى الأسواق المحلية في مختلف أنحاء اليمن، حيث بدأت مؤشرات التضخم بالتصاعد بوتيرة لافتة، مدفوعةً بتراجع الواردات التجارية والإنسانية، وارتفاع تكلفة النقل والشحن والتأمين.

وأكدت المنظمات الإنسانية أن أسعار المياه المعبأة قفزت خلال شهر واحد بنسبة 50 في المائة، فيما ارتفع سعر كل من زيت الطهي والغاز المسال بنحو 80 سنتاً، في حين واصلت أسعار الوقود صعودها بوتيرة متسارعة بلغت 24 في المائة، وهو ما انعكس فوراً على تكاليف النقل، وأسعار السلع الأساسية، وسلسلة توريد المواد الغذائية والاستهلاكية.

ويرى العاملون في المجال الإنساني أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الوقود يمثل مؤشراً على ضغوط تضخمية متنامية ستنعكس بصورة مباشرة على مستويات الأمن الغذائي، خصوصاً في بلد يعاني فيه السكان أصلاً من تآكل القدرة الشرائية، وتراجع مصادر الدخل، واتساع رقعة الفقر، مما يجعل أي زيادة إضافية في أسعار السلع الأساسية عبئاً يفوق قدرة ملايين الأسر على الاحتمال.

المعدات الثقيلة والأدوية والبنية التحتية للمياه تأخرت في الوصول جراء اضطرابات الشحن (إعلام محلي)

وفي ظل هذه التطورات، تزداد المخاوف من انتقال مزيد من المجتمعات المحلية إلى مراحل أكثر حدة في التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهو المؤشر العالمي الذي تعتمد عليه منظمات الإغاثة في قياس مستويات الجوع وتتبع مخاطر المجاعة.

وتكشف بيانات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي عن صورة شديدة القتامة، إذ يشير أحدث التقديرات إلى أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن سيواجهون مستويات أزمة جوع أو ما هو أسوأ خلال النصف الأول من العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق في سلم التصنيف الغذائي.

كما يوجد أكثر من 5.5 مليون شخص في حالة طوارئ غذائية، وهي المرحلة الرابعة التي تسبق المجاعة، فيما يواجه ما لا يقل عن 41 ألف شخص ظروفاً كارثية تشبه المجاعة، ضمن المرحلة الخامسة، وهي أعلى درجات الخطر الغذائي، حيث يصبح البقاء نفسه مهدداً.

ويؤكد التقرير أن أي اضطراب إضافي في تدفق المساعدات أو استمرار الارتفاع في أسعار السلع الأساسية والوقود سيضاعف من حجم هذه الأرقام، ويدفع مزيداً من السكان إلى حافة الانهيار المعيشي، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة، التي تعتمد بشكل شبه كامل على التدخلات الإنسانية المباشرة.

ضغط مزدوج

إلى جانب التداعيات المعيشية، عبّرت المنظمات الإنسانية عن خشيتها من أن يؤدي تصاعد التوترات الإقليمية إلى تقويض فرص السلام في اليمن، من خلال تحويل الانتباه السياسي والدبلوماسي بعيداً عن الملف اليمني، وإعادة ترتيب أولويات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.

وأكدت المنظمات أن استدامة الحوار بين الأطراف اليمنية تتطلب انخراطاً إقليمياً فاعلاً، فيما يؤدي المناخ المتقلب الحالي إلى زيادة حالة عدم اليقين، وتراجع الزخم السياسي اللازم لدفع مسار التسوية، بما يهدد بإطالة أمد الأزمة الإنسانية والاقتصادية.

في السياق نفسه، تواجه المنظمات الإنسانية قيوداً حوثية متزايدة على حركة موظفيها، حيث أظهرت نتائج دراسة استقصائية حديثة أن 91 في المائة من المنظمات غير الحكومية الدولية تعاني من تأخيرات أو اضطرابات شديدة في حركة كوادرها، سواء في الدخول إلى البلاد أو التنقل داخلها أو مغادرتها، وهو ما ينعكس مباشرةً على قدرة هذه المنظمات على إدارة عملياتها بكفاءة.

العاملون في المجال الإنساني في اليمن يواجهون قيوداً حوثية على الحركة (إعلام محلي)

ودعت المنظمات إلى تحرك عاجل لتسهيل حركة العاملين في المجال الإنساني بصورة آمنة، وتسريع إصدار التصاريح اللازمة لنقل الإمدادات الحيوية، وإعطاء الأولوية لخفض التصعيد في المنطقة، وضمان حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية، مع دعم قنوات الشراء الوطنية والإقليمية لتخفيف الاعتماد على سلاسل الإمداد الدولية، وتعزيز القدرة المحلية على مواجهة الصدمات المستقبلية.

وشددت المنظمات في ختام تقريرها على أن عمليات إنقاذ الأرواح يجب أن تبقى بمنأى عن النزاعات الإقليمية والداخلية، محذرةً من أن أي إخفاق في حماية الاستجابة الإنسانية من مزيد من الاضطرابات ستكون تكلفته البشرية كارثية على اليمنيين الذين يواجهون بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.


الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون ينفقون ببذخ على ذكرى «الصرخة الخمينية»

حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد للجماعة الحوثية في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

تشهد المناطق اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، تصاعداً في وتيرة الإنفاق على الفعاليات ذات الطابع الآيديولوجي، وفي مقدمتها المناسبة المرتبطة بما يُعرف بذكرى «الصرخة الخمينية»، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية بصورة غير مسبوقة، ويجد ملايين اليمنيين أنفسهم عالقين بين الجوع، وانقطاع الرواتب، وتراجع الخدمات الأساسية، وتآكل ما تبقى من قدرتهم على الصمود في مواجهة واقع معيشي بالغ القسوة.

وفي مقابل الانكماش الاقتصادي الحاد، واستمرار التدهور في قيمة الدخول، والارتفاع المتواصل في معدلات الفقر والبطالة، تمضي الجماعة في تخصيص موارد مالية كبيرة لتمويل الفعاليات التعبوية، بما يشمل الحشد الإعلامي، وطباعة الشعارات، وتنظيم الأنشطة الجماهيرية، في مشهد يثير تساؤلات واسعة بشأن أولويات الإنفاق في مناطق تعاني من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق مصادر مطلعة، فقد رصدت الجماعة الحوثية، عبر ما تُسمى اللجنة العليا للاحتفالات، ما يقارب مليون دولار لتمويل فعاليات ذكرى «الصرخة الخمينية»، ضمن مساعٍ متواصلة لترسيخ خطابها الآيديولوجي وتعزيز حضورها التعبوي داخل المجتمع، خصوصاً بين فئة الشباب، عبر سلسلة من الأنشطة المكثفة التي شملت المدارس والمعاهد والجامعات، إلى جانب مهرجانات جماهيرية ومحاضرات تعبوية أُقيمت في عدد من المدن والمناطق الواقعة تحت سيطرتها.

أطفال في محافظة حجة حشدتهم الجماعة الحوثية لإحدى فعالياتها (إكس)

وعلى امتداد الأيام الماضية، شهدت مناطق سيطرة الجماعة أكثر من 150 فعالية واحتفالية مرتبطة بهذه المناسبة، وهو ما فجّر موجة استياء واسعة بين السكان الذين يرون أن الأولوية يجب أن تُمنح لمعالجة الملفات المعيشية الملحة، وفي مقدمتها صرف الرواتب المتوقفة، وتحسين خدمات الكهرباء والمياه، والحد من التدهور الاقتصادي الذي يدفع مزيداً من الأسر نحو دائرة الفقر المدقع.

وتعكس شهادات السكان حجم الفجوة بين ما يُصرف على الأنشطة التعبوية وبين الاحتياجات الأساسية للمواطنين؛ فهناك موظفون حكوميون يؤكدون أنهم لم يتسلموا رواتبهم منذ سنوات، فيما تعتمد أسر كثيرة على الديون، أو على مساعدات متقطعة بالكاد تكفي لسد الرمق.

ولا يقتصر أثر الأزمة على جانب واحد من الحياة اليومية؛ إذ تمتد تداعياتها إلى التعليم والصحة وفرص العمل، مع اتساع رقعة العجز داخل الأسر عن تأمين الاحتياجات الأساسية، واضطرار كثير من الأطفال إلى ترك مقاعد الدراسة، في حين يواجه المعلمون والعاملون في القطاع العام ظروفاً معيشية خانقة نتيجة توقف المرتبات وغياب أي معالجات اقتصادية ملموسة.

أولويات طائفية

يرى مراقبون يمنيون أن استمرار توجيه الموارد نحو هذه الفعاليات الحوثية، يعكس طبيعة الأولويات التي تحكم سياسات الجماعة، حيث تتقدم الاعتبارات الآيديولوجية والسياسية على الملفات الخدمية والمعيشية الأكثر إلحاحاً بالنسبة للسكان.

وبحسب هذه القراءة، فإن الاستثمار في المناسبات التعبوية لا يُنظر إليه بوصفه حدثاً موسمياً فحسب؛ بل بوصفه جزءاً من استراتيجية أوسع تستهدف إعادة تشكيل الوعي العام وترسيخ خطاب الجماعة في المجال الاجتماعي والتعليمي والثقافي.

فعالية تعبوية أقامها الحوثيون في صعدة حيث معقلهم الرئيسي (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن هذا النمط من الإنفاق، في ظل الموارد المحدودة والاقتصاد المنهك، يسهم بصورة مباشرة في تعميق الاختلالات القائمة، ويزيد الضغوط على المجتمع الذي يواجه أصلاً مستويات غير مسبوقة من الفقر، في وقت تتراجع فيه فرص العمل، وتتآكل القدرة الشرائية بوتيرة متسارعة، وسط غياب أي مؤشرات على انفراج اقتصادي قريب.

كما يربط بعض المراقبين هذه المناسبة بسياقات رمزية تتجاوز البعد المحلي، باعتبارها جزءاً من منظومة شعارات وطقوس جرى إدخالها إلى خطاب الجماعة منذ سنوات، لتصبح لاحقاً ركناً ثابتاً في نشاطها العام، وأداة متكررة للحشد والتعبئة، بما يعكس استمرار توظيف البعد الآيديولوجي بوصفه أولوية تتقدم على متطلبات الحياة اليومية للمواطنين.

خطر المجاعة يقترب

في موازاة هذا المشهد، تتزايد التحذيرات الدولية من انزلاق اليمن نحو مستويات أشد خطورة من الأزمة الإنسانية؛ إذ حذرت «منظمة الأغذية والزراعة» التابعة للأمم المتحدة، من التدهور المستمر في الوضع الغذائي.

الحوثيون يحرمون الموظفين من الرواتب ويبددون الأموال لإحياء مناسبة طائفية (إكس)

وأكدت المنظمة أن اليمن بواجه خطراً حقيقياً بالانزلاق نحو المجاعة خلال الفترة المقبلة، في ظل استمرار القيود على إيصال المساعدات، وتراجع التمويل الإنساني، وتأثيرات التصعيد الإقليمي على الوضع الاقتصادي والإنساني.

ووفق أحدث التقديرات، يعاني نحو 18.3 مليون شخص في اليمن، من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي مع بداية عام 2026، وهو رقم يعكس حجم الكارثة المتفاقمة، ويضع البلاد ضمن أعلى المعدلات العالمية في مستويات الطوارئ المرتبطة بالجوع وسوء التغذية.