كيف نفذ المهاجمون اعتداءات باريس؟

مسؤول فرنسي: الإرهابيون يحاولون ويفشلون ثم يتعلمون ليحاولوا مجددًا ولديهم صبر.. وجيش من الانتحاريين

رواد مسرح باتاكلان يهربون من موقع تفجيرات نوفمبر الماضي (نيويورك تايمز)
رواد مسرح باتاكلان يهربون من موقع تفجيرات نوفمبر الماضي (نيويورك تايمز)
TT

كيف نفذ المهاجمون اعتداءات باريس؟

رواد مسرح باتاكلان يهربون من موقع تفجيرات نوفمبر الماضي (نيويورك تايمز)
رواد مسرح باتاكلان يهربون من موقع تفجيرات نوفمبر الماضي (نيويورك تايمز)

لم يتوقف إطلاق النار، وكل من استطاع الفرار أطلق ساقيه للريح لينجو بنفسه. وسط كل هذا الضجيج دخل شخص باريس ليكون قريبا من مشاهد الموت.
ففي 13 نوفمبر (تشرين الثاني) وبعد العاشرة مساء بقليل، أوقف عبد الحميد أباعود سيارته المؤجرة، التي استخدمها في الهروب، في ضاحية مونتريل شرق العاصمة وترك خلفه بندقيته الآلية «كلاشنيكوف» التي يعتقد أنه استخدمها في إطلاق النار على رواد المطعم بوسط باريس قبل ذلك بنصف ساعة. غير مبال بكاميرات المراقبة التي سجلت تحركاته، استقل عبود مترو الأنفاق، الخط رقم 9، ليعود للجانب المحاصر من العاصمة. وقبل انقشاع ظلمة الليل، أفاد المحققون أنه مر على المقاهي المحطمة وقاعة الحفلات التي كانت من بين أهدافه.
بعد عام من نشر الرعب في أوروبا لم يشهد سوى أربع محاولات فاشلة، كان عبود على يقين من أن هذه المحاولة مختلفة عن سابقاتها. فقد وجد هذه المرة بنفسه في مسرح الأحداث ولم يكتف بالإدارة عن بعد، ففي هذه المرة كان يرصد فريقه من القتلة، الفريق الذي تألف من أصدقاء قدامى ومتعصبين جدد. أفاد المحققون أنه أعد لموجة ثانية من الاعتداءات بعد الأولي بأيام وأنه خطط للقيام بعملية انتحارية بتفجير نفسه في حي الأعمال بقلب العاصمة باريس.
تحول أباعود (28 عاما) بلجيكي الجنسية، من جندي مشاة إلى ملازم في جيش تنظيم داعش، وكان تحت ضغط متزايد لتنفيذ عمل كبير، بحسب مسؤولي استخبارات غربيين. قال لويس كابريولي، النائب السابق لرئيس وحدة مكافحة الإرهاب الفرنسية، إن «كل العمليات التي تمت في 2015 انتهت بفشل ذريع»، لكن هذه المرة «كان مصرا على التأكد من نجاح العملية».
وبعد مرور أسبوعين على الهجمات، وبعد ما دفنت فرنسا ضحاياها وأعدت قائمة مطولة بالمشتبهين من شركاء أباعود، ظهرت أدلة جديدة عن قيام مجموعة من تسعة مسلحين على الأقل مشتبهين في تنفيذ الاعتداءات، وأدلة عن وجود ثغرات أمنية واستخباراتية ساعدتهم على تنفيذ خطتهم.
كيف تسلل أباعود الذي خطط لهجمات الثالث عشر من نوفمبر بباريس من بين أيدي السلطات في أوروبا والشرق الأوسط رغم كونه مدرجا على قائمة المراقبة في بلجيكا.
كان هناك كثير من الدلائل عن نياتهم وعن جهودهم لتنمية مهاراتهم حسبما أظهرت كثير من المقابلات الشخصية، ووثائق المحاكم وما كشفت عنه الحكومات. وعلى الرغم من تزايد التحذيرات في دوائر مكافحة الإرهاب الفرنسية عن التهديد الذي يمثلونه، عجزت الأجهزة الأمنية المثقلة بالأعباء والتي تعاني من نقص الاستعداد عن مواجهة عدو متمرس على ما أطلق عليه المسؤولون «إرهاب النيشان»، أي تحديد أهداف مميتة متعددة ثم استهدافها عن بعد مرارا وتكرارا إلى أن يصاب الهدف.
في يناير (كانون الثاني) الماضي قامت الشرطة بالهجوم علي بيت بمدينة فرفيرز البلجيكية وأحبطت خطة تمهد لجرائم القتل التي حدثت في العاصمة الفرنسية بعد ذلك بعشرة شهور. كشف الهجوم عن ترسانة أسلحة تضمنت نفس الخامات المستخدمة في صناعة المتفجرات في هجمات باريس، حسب وثيقة استخباراتية أميركية.
قال مسؤول استخباراتي إن المسلحين أصبحوا «أكثر احترافية بعدما تعلموا من أخطائهم. ففي بداية العام الحالي خطط أباعود لشن هجوم على كنيسة فرنسية وقتل أعداد كبيرة من المصليين بداخلها، لكن العملية فشلت بعد أن أطلق النار على ساقه بالخطأ. لكن في عملية باريس الأخيرة خاض غالبية المسلحين تجربة الحرب في سوريا وأصبحوا أكثر تمرسا. وبعدما كشفت المكالمات الهاتفية عن خطة فيرفيرز، شرع عبود في استخدام تكنولوجيا التشفير، وربما أخفى اتصالاته مع فريق عمله بباريس، وفق مسؤولي الاستخبارات.
استغل أباعود المناطق التي لا تستخدم جوازات السفر فيها في أوروبا والنقص في تبادل المعلومات بين بعض الدول وأخذ في التنقل مع فريقه، ليس فقط داخل القارة الأوروبية لكن توجهوا إلى سوريا ذهابا وإيابا. فعلوا كل ذلك على الرغم من الاستجوابات في المطارات ورغم العلامات التي وضعتها الجهات الأمنية إلى جوار أسمائهم ورغم توقيفهم في النقاط المرورية المعتادة. ورغم إدراج اسم أباعود في قاعدة البيانات بجميع الدول الأوروبية، فإنه عاد إلى أوروبا وكأنه يرتاد ناديه المعتاد»، بحسب أم متطرف بلجيكي قتل في سن الثامنة عشرة بداية العام الحالي بعد انضمامه لنفس كتيبة «داعش» التي ينتمي إليها كثير من منفذي تفجيرات باريس.
تعتبر هجمات باريس الأكثر دموية في أوروبا كلها خلال السنوات العشر الأخيرة، حيث قتل فيها 130 شخصًا لتهز أرجاء المنطقة، وأجبرت الهجمات بروكسل إغلاق مطاراتها لأربعة أيام متواصلة، واضطرت ألمانيا لأن تؤجل مباراة في كرة القدم، وبريطانيا لأن ترفع ميزانيتها العسكرية بعد سنوات من الترشيد في النفقات العسكرية.
وفى محاولة لطمأنة الناس تعهد الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند بإلحاق الهزيمة بجماعة الموت، في إشارة إلى تنظيم داعش، بيد أن مسؤولي الاستخبارات حذروا من سهولة اختراق أوروبا، ويُخشى أن تكون تلك العمليات نذيرا بالمزيد من الهجمات الإرهابية في شوارع العواصم الأوروبية في السنوات المقبلة.
أفاد مسؤول فرنسي طلب عدم ذكر اسمه بأن هؤلاء الإرهابيون «يحاولون، ويفشلون، ثم يتعلمون ليحاولوا مجددا»، مضيفًا أن «لديهم صبر ولديهم جيش من التواقين للشهادة، جيش يتغذى على آيديولوجية محصنة من الرصاص».
وكشفت تقارير صحافيه أن مسؤولا بالبوليس الأوروبي «يوروبول» قام بزيارة عاجلة إلى اليونان للمطالبة بالمساعدة في تعقب البلجيكي عبد الحميد أباعود. وعلى مدى شهور، استمر المحققون في تعقب مكالمات هاتفية مريبة صادرة من مدينة بنغراتي القريبة من أثينا، وفق مسسؤول أوروبي متقاعد سرد التفاصيل.
اتضح أن أباعود، 27 عاما حينها، كان يخطط لشن هجوم على بلده الأم، وهي الاحتمالية التي لم تكن واردة الحدوث في البداية. كان عبود يبدو كغيره من الشباب الأوروبيين ممن انضموا لـ«داعش»؛ شاب متعصب أطلق تهديدات دموية عبر الإنترنت، لكنه لم يكن يمتلك خبرة التنفيذ أو الشبكة التي تساعده في تنفيذ مجزرة في الأراضي الأوروبية.
كشفت وثيقة صادرة عن وحدة الاستخبارات الأمنية بوزارة الأمن الداخلي للولايات المتحدة أنه بعد رصد المكالمات الهاتفية الصادرة إلى مدينة فيرفيرز البلجيكية، نفذ فريق من القوات الخاصة «سوات» هجوما على منزل في 15 يناير (كانون الثاني) الماضي ليعثر على أدلة متقدمة، حيث عثرت الشرطة على بنادق آلية، ومبالغ كبيرة من المال، وكاميرا تثبت على الجسم، وكثير من الهواتف المحمولة، وأجهزة لاسلكي، وأوراق ثبوتية مزورة.
عثر الفريق كذلك على المواد الكيميائية الخام التي يصنع منها مواد الترارسيتون، والترايبكوكسيد، أو ما يسمى بالـ«تي إيه تي بي»، وفق الوثيقة، وهى نفس المواد التي استخدمت في صنع الأحزمة الناسفة في تفجيرات باريس. أكد كلود مونكيت، الذي عمل بوحدة مكافحة التجسس الفرنسية لعقدين كاملين، أن تلك المواد شديدة الانفجار وأنه لو أنك لم تتعامل معها بشكل صحيح فقد تفقد يديك، أو لن يحدث الانفجار من الأساس، مضيفًا أن «هذا يعني وجود خبير في صناعة المتفجرات بالمكان».
كان الاكتشاف سببا لبدء مطاردة في اليونان لكن حدث أن توقفت شريحة الهاتف المحمول الخاص بعبود عن العمل بعد الهجوم مباشرة، وعثرت الشرطة على الحامض النووي «دي إن إيه» لعبود في شقة بالعاصمة أثينا، حسب تقارير إخبارية، لكن المحققين فقدوا أثره.
بعد ذلك بثلاثة أسابيع، ظهر عبود في مجلة «داعش» الإلكترونية يتفاخر بتخطيطه لعمليات إرهابية رغم أنف السلطات الأوروبية. «اسمي وصوري كانوا في كل نشرات الأخبار، ورغم ذلك استطعت البقاء على أراضيهم والتخطيط لعمليات ضدهم وغادرت في أمان»، وفق عبود.
حتى ذلك الحين، بحسب ديفيد طومسون مؤلف كتاب عن المتطرفين الفرنسيين، لم يكن هناك ما يميز أباعود داخل صفوف «داعش»، فقد «كانوا يتحدثون عنه كما يتحدثون عن غيره، وليس كشخص مهم».
لو أن هناك ما يميزه فهو مقاطع «داعش» المصورة المنفرة التي ظهر فيها يهتف ويضحك بينما يجر جثثًا خلف سيارة دفع رباعي يقودها.

* «نيويورك تايمز»



أميركا وحلفاؤها يحذّرون إيران من سلوك «غير مقبول» بعد واقعة «فيرفورد»

قاذفة أميركية من طراز «بي - 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية 27 سبتمبر الماضي (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي - 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية 27 سبتمبر الماضي (رويترز)
TT

أميركا وحلفاؤها يحذّرون إيران من سلوك «غير مقبول» بعد واقعة «فيرفورد»

قاذفة أميركية من طراز «بي - 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية 27 سبتمبر الماضي (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي - 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية 27 سبتمبر الماضي (رويترز)

حذّرت الولايات المتحدة وشركاؤها، ومنهم بريطانيا وأستراليا وكندا وفرنسا وألمانيا، إيران، الاثنين، من الإقدام على أعمال عدائية على أراضيها، عقب حادثة أثارت قلقاً كبيراً في قاعدة «فيرفورد» الجوية البريطانية، ورجّحت لندن أنها تمّت بتوجيه من «الحرس الثوري» الإيراني.

وجاء في بيان مشترك نشرته وزارة الخارجية الأميركية ووقّعت عليه 29 جهة، أن «أي محاولة من جانب إيران لتهديد أشخاص على أراضينا، أو إسكاتهم، أو ترهيبهم، أو مضايقتهم، أو إلحاق الأذى بهم، أو إكراههم، سواء كان ذلك عبر وكلاء أو بأي وسيلة أخرى، يُعد أمراً غير مقبول».

رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام يلقي بياناً أمام مجلس العموم 12 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

وقال رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام، الاثنين، إن هناك «احتمالاً كبيراً» لأن يكون ما يُشتبه بأنه مخطط استهدف قاعدة «فيرفورد» الجوية قد جرى تنسيقه في إيران، وأن «الحرس الثوري» هو الذي وجّهه على الأرجح، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف أمام البرلمان: «لن نتسامح مع هذه التهديدات على أراضينا. سنتصدى بحزم لاستخدام إيران الشبكات الإجرامية، وسنستخدم كامل صلاحياتنا لاستهداف هذه الشبكات ومصادر تمويلها، وسنفرض كذلك المزيد من العقوبات للحد من قدرة إيران و(الحرس الثوري) على إلحاق الضرر بنا».

وأصدرت وزارة الخارجية البريطانية، مساء الاثنين، بياناً مشتركاً وقّعت عليه أكثر من 25 دولة، بينها الولايات المتحدة، أيدت اتهام بريطانيا لإيران بالتورط في واقعة قاعدة «فيرفورد» الجوية.

مَركبة مدرعة خفيفة عند مدخل قاعدة «لاكنهيث» الجوية بمقاطعة سوفولك البريطانية وسط إجراءات أمنية مشددة عقب حادثة قاعدة «فيرفورد» 27 سبتمبر الماضي (رويترز)

في سياق متصل، أعلنت بريطانيا، الاثنين، عن فرض عقوبات على اثنين من مواطني إيران، وقالت الحكومة إن أحدهما متورط في أنشطة إيرانية تهدف إلى التهديد بشن هجمات في بريطانيا أو دولة ثالثة أو التخطيط لمثل هذه الهجمات أو تنفيذها.

وتعود حادثة قاعدة «فيرفورد» إلى 27 سبتمبر (أيلول) الماضي، حين اعتقلت الشرطة البريطانية خمسة رجال بريطانيين قرب هذه القاعدة الجوية، والتي استخدمتها قاذفات أميركية في الحرب لشن ضربات على إيران، للاشتباه بتورطهم في مخطط يستهدف القاعدة. وأوقفت السلطات لاحقاً شخصين آخرين، أحدهما يحمل الجنسيتين البريطانية والإيرانية، قبل الإفراج عن الموقوفين السبعة بكفالة، في حين استمرت التحقيقات.

وقال الرئيس الأميركي ‌دونالد ترمب، الأسبوع الماضي، إن تهديداً مرتبطاً بإيران دفع واشنطن إلى سحب قاذفات قنابل أميركية من طراز «بي-1» ‌من قاعدة «فيرفورد». وكشف مسؤولون أميركيون لوكالة «رويترز» عن وجود مخطط مشتبه ⁠به ⁠تورطت فيه إيران لشن هجوم بطائرات مسيّرة.

وسبق أن رفضت إيران أي إيحاء بتورطها في واقعة «فيرفورد» قائلة إن الأمر لا يعدو كونه «تكهنات لا أساس لها وخبيثة».

وذكرت وكالة «إرنا» الإيرانية الرسمية، الاثنين، ‌أن ‌السفير ​الإيراني ‌لدى بريطانيا، ⁠سيد ​علي موسوي، ⁠نفى أي دور لطهران ⁠فيما ‌يُشتبه ‌أنه ​مخطط لاستهداف قاعدة ‌«فيرفورد» ‌التابعة لسلاح الجو ‌الملكي البريطاني، وقال إن إيران ⁠مستعدة ⁠للتعاون مع السلطات البريطانية في التحقيق في القضية.

واتهمت السلطات البريطانية إيران بالضلوع في كثير من المخططات داخل بريطانيا.

واستخدمت لندن في يوليو (تموز) صلاحيات جديدة لوقف استخدام وكلاء ترعاهم دول أخرى بهدف حظر تقديم أي دعم لـ«الحرس الثوري» الإيراني وجماعة مرتبطة به متهمة ​بالوقوف وراء هجمات ​استهدفت مواقع في البلاد مرتبطة باليهود والإسرائيليين ووسائل إعلام ناطقة بالفارسية.


الاتحاد الأوروبي يسير بعكس التيار الأميركي في التعامل مع موسكو

مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد في لوكسمبورغ الاثنين (إ.ب.أ)
مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد في لوكسمبورغ الاثنين (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يسير بعكس التيار الأميركي في التعامل مع موسكو

مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد في لوكسمبورغ الاثنين (إ.ب.أ)
مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد في لوكسمبورغ الاثنين (إ.ب.أ)

لم يتأخر الرد الأوروبي على قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، رفع جانب من العقوبات المفروضة على مبيعات مشتقات البترول الروسي،من خلال الاتفاق الذي أبرمه مع نظيره فلاديمير بوتين، من التشاور بشأنه مع قادة القارة القديمة.

فبعد التعليقات الأوروبية التي أجمعت على اعتبار أن قرار ترمب لا يأتي في التوقيت الصحيح، وأنه يوفر «بالون أكسيجين» للاقتصاد الروسي ولمجهود بوتين العسكري، عجّل وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بمناسبة اجتماعهم في لوكسمبورغ، الاثنين، في إقرار سلة جديدة من العقوبات على روسيا، هي الأضخم منذ انطلاق الهجوم الروسي على أوكرانيا في فبراير (شباط) 2022. وتستهدف العقوبات الجديدة، وفق كايا كالاس، مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد، 1600 كيان وفرد على علاقة بالحرب الروسية على أوكرانيا. ووصفت المسؤولة الأوروبية، في تغريدة لها، الاثنين، على منصة «إكس» القرار بأنه «أكبر عملية توسيع لقائمة العقوبات التي نفرضها منذ بداية الحرب»، مضيفة أن أوروبا «تظهر مجدداً بأنها تقف صفاً واحداً» إلى جانب كييف.

وزير خارجية أوكرانيا أندريي سيبيها خلال اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد في لوكسمبورغ الاثنين (إ.ب.أ)

وتبين التفاصيل التي كشفت عنها كالاس، وكذلك وزير الخارجية الفرنسية جان نويل بارو، أن المستهدفين بالعقبات الجديدة مرتبطون بقطاع الصناعات العسكرية الروسي وهم يتشكلون من 743 فرداً و826 كياناً. وبحسب كالاس، فإن «أكثر من نصف المستهدفين (بالعقوبات) مرتبطون بإنتاج الصواريخ الباليستية، ونحن نعمل على جعل إنتاج الصواريخ الروسية المستخدمة لقتل الأوكرانيين أكثر صعوبة وبطئاً وتكلفة». ومع السلة الجديدة، يكون عدد الخاضعين للعقوبات الأوروبية التي بدأ فرضها مباشرة بعد انطلاق الحرب الروسية 4600 كيان وشخص.

مؤتمر حول «الأسطول الشبح»

أما الوزير بارو فقد رأى، الاثنين، أن من شأن الخطوة الجديدة «أن تسهم في زيادة الأعباء والتكاليف التي يدفعها بوتين ثمناً لهذه الحرب الاستعمارية والإمبريالية، التي يجب أن تتوقف حتماً» داعياً إلى ضرورة مواصلة فرض العقوبات على روسيا. وفي هذا السياق، أشار بارو إلى العمل الذي سيقوم به الاتحاد «خلال الأسابيع المقبلة» من أجل فرض حزمة العقوبات الثانية والعشرين على روسيا. وبالتوازي، وفي إطار الجهود الهادفة إلى مفاقمة الضغوط الاقتصادية على روسيا وحرمانها من مبيعات النفط ومن لجوئها إلى ما يسمى «الأسطول الشبح»، فإن باريس ستستضيف خلال فصل الخريف الحالي، مؤتمراً دولياً مخصصاً للتدابير والآليات التي تتيح وضع حد لالتفاف موسكو على العقوبات النفطية من خلال «الأسطول» المذكور.

إقرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب إعفاءً مؤقتاً لصادرات مشتقات نفطية روسية يثير قلقاً عميقاً في أوروبا (د.ب.أ)

يوماً بعد يوم، يتبين أن واشنطن والعواصم الأوروبية تسير في سياقات متباينة؛ فالجانب الأوروبي المتخوف من الهجمات السيبرانية الروسية ومما يسميه «الحرب الهجينة» ومن خطط روسية عسكرية مستقبلية بعضها يمكن أن يستهدف دولاً أوروبية، لا يرى وسيلة لمواجهتها إلا من خلال فرض مزيد من الضغوط متعددة الأشكال. وفي الوقت نفسه، فإنه ينظر بـ«حزن وأسى» كما تقول مصادر سياسية في باريس، لمقترحات ترمب وأيضاً لدعوته إلى تنحي الرئيس زيلينسكي من منصبه، ووصول رئيس جديد في أوكرانيا قادر على التوصل إلى اتفاق سلام مع موسكو. وفي هذا الإطار، يتعين وضع تصريح المستشار الألماني، الاثنين، وقد جاء فيه أن موسكو «لن تتفاوض بجدية إلا تحت الضغط؛ ولهذا السبب نتمسك بعقوباتنا المفروضة عليها». وبحسب فريدريش ميرتس، فإنه «يتعين علينا بالفعل تشديد هذه العقوبات بشكل أكبر في أعقاب الهجمات الروسية الوحشية على البنية التحتية للطاقة المدنية في أوكرانيا». ورد الأخير على توجهات الرئيس الأميركي بقوله إن «الحرب في أوكرانيا لم تنته بعد بعكس الهدف الذي وضعه الأخير منذ بدء ولايته».

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون شدد على رفض «الرضوخ للابتزاز الروسي» (إ.ب.أ)

قلق أوروبي

ما يدعو إليه ميرتس ينطبق أيضاً على الرئيس الفرنسي ورئيس وزراء بريطانيا ورئيسة المفوضية الأوروبية وآخرين؛ فإيمانويل ماكرون ندد، من جانبه، بالهجمات الروسية الأخيرة على منشآت أوكرانية للطاقة؛ ما يتناقض مع دعوة الرئيس ترمب لهدنة تتناول منشآت الطاقة الخاصة بها، كما دعا إلى توسيعها لتتناول البحر الأسود، لكن الصعوبة تكمن في أن الكشف عن الهدنة المزعومة جاء على لسان الرئيس ترمب، الأحد، وكان بمنزلة «مفاجأة» لأوكرانيا وللأوروبيين معاً.

ويقوم الموقف الأوروبي المشترك على رفض ما سماه ماكرون «الرضوخ للابتزاز الروسي»، ولكن رغم هذا التضارب، فإن المشاورات بين جانبي الأطلسي بخصوص أوكرانيا ما زالت متواصلة. ويتخوف الأوروبيون من انعكاس التوتر المستجد بين ترمب وزيلينسكي على مشتريات الأوروبيين للسلاح الأميركي لصالح كييف. من هنا، يمكن فهم ما قاله ماكرون خلال زيارته لمعرض السيارات في باريس، ظهر الاثنين، من أنه سيتواصل مع ترمب في «وقت لاحق».

كذلك، أعلن ميرتس أن 3 مستشارين للسياسة الخارجية في كل من برلين وباريس ولندن توجهوا إلى واشنطن، نهاية الأسبوع، لجولة محادثات مع نظرائهم الأميركيين حول الملف الأوكراني.

ثمة قناعة أوروبية مفادها أن روسيا تخطط لما هو أبعد من أوكرانيا. ونقلت وكالات الأنباء الغربية عن سينان سيلين، رئيس جهاز المخابرات الداخلية الألماني، أن موسكو تسعى إلى إعادة رسم المشهد الجيوسياسي في أوروبا، وأن سلوك روسيا العدائي تجاه أوروبا سوف يتواصل، وأنه لا يرتبط بمدة الحرب الدائرة في أوكرانيا. وتتهم برلين موسكو بتنفيذ مجموعة من عمليات التخريب والتضليل والتجسس ومنها محاولة لتفجير طائرة أوكرانية من خلال مسيّرة مفخخة في مطار لايبزيغ، شرق ألمانيا، ومنه تنطلق المساعدات الحربية لكييف. وحذر سيلين، بمناسبة مؤتمر استضافته برلين من أن «التهديد الروسي الهجين قائم بالفعل، وقد انفصل منذ مدة طويلة عن تطورات الوضع في أوكرانيا». وسبق لرئيس الأركان الألماني أن توقَّع عملية عسكرية روسية في أوروبا قبل نهاية العقد الحالي؛ ما يبرر زيادة الإنفاق العسكري الألماني والأوروبي، وهو التوقع السائد فرنسياً. وفي الاتجاه عينه، نُقل عن ميخائيل دوديلكا، رئيس جهاز الأمن التشيكي في المناسبة عينها قوله إن روسيا قد تلجأ خلال الأشهر المقبلة إلى تنفيذ عمليات أكثر خطورة وتأثيراً في الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي التي تدعم أوكرانيا، وإن الأنشطة الروسية الهجينة تهدف إلى إضعاف وحدة الحلف الأطلسي العسكري.


فرنسا تستعد لموجة جديدة من الاحتجاجات الطلابية

متظاهرون في دينة مونبلييه الخميس 8 أكتوبر (أ.ف.ب)
متظاهرون في دينة مونبلييه الخميس 8 أكتوبر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستعد لموجة جديدة من الاحتجاجات الطلابية

متظاهرون في دينة مونبلييه الخميس 8 أكتوبر (أ.ف.ب)
متظاهرون في دينة مونبلييه الخميس 8 أكتوبر (أ.ف.ب)

تشهد فرنسا، الثلاثاء، موجة احتجاجات طلابية جديدة، وسط الحراك الرامي إلى تحسين الظروف التعليمية، وذلك بينما استمر إغلاق عدد من المدارس في مختلف أنحاء البلاد الاثنين.

وفيما يسعى الطلاب إلى الحفاظ على زخم الحراك الذي بدأ في منتصف سبتمبر (أيلول)، ينظر البعض إلى الاحتجاجات المقررة الثلاثاء باعتبارها نقطة تحول، فيما تأمل الحكومة في أن تكون الحركة قد بدأت الانحسار.

والجمعة، أشارت الحكومة إلى انخفاض كبير في عدد الثانويات التي شهدت تعليقاً للدروس أو احتجاجات أمام أبوابها. وقالت وزارة التربية إن أكثر من 96 في المائة من الثانويات كانت مفتوحةً الجمعة.

وفي حادث لم تثبت حتى الآن أي صلة له بالتحرك الطلابي، أطلق مراهق النار من بندقية صيد الاثنين، فأصاب مدير مدرسة إعدادية ومعلمة في أوباني قرب مرسيليا (جنوب)، قبل أن يُنزع سلاحه. ومن المرتقب أن يتوجه وزيرا التربية إدوار جيفري والداخلية لوران نونييز إلى المكان.

وندد جيفري عبر منصة «إكس» بـ«عمل غير مقبول»، معتبراً أنه يعكس «تنامي عنف منفلت في مجتمعنا».

من جانبه، أشاد الرئيس إيمانويل ماكرون بـ«رباطة جأش الفريق التربوي ورد فعله المثالي» الذي «سمح بتجنّب الأسوأ».

تخريب في إحدى قاعات مدرسة في لورمون قرب مدينة بوردو (أ.ف.ب)

وفي ما يتعلق بتحرّك طلاب الثانويات، كانت 96.5 في المائة من المؤسسات التعليمية مفتوحة صباح الاثنين، فيما أُغلقت 130 مؤسسة، مقابل 172 الجمعة. وأكدت وزارة التربية أن «التحرك يتراجع بالتالي بوضوح...»، لكنها لم تعلن عدد المؤسسات التي تعطلت أنشطتها بسبب إغلاق مداخلها.

وقالت إنّه «رغم تراجع إغلاق المؤسسات، فإن أعمال العنف تتصاعد»، مشيرة إلى أن «ثمانية من العاملين في التربية الوطنية على الأقل أصيبوا» صباح الاثنين.

وطالب ماكرون بأن يجري التحرك «بهدوء وانتظام، وفي إطار احترام الأشخاص والممتلكات على حد سواء».

ونادراً ما علّق الرئيس الفرنسي على التحرك الطلابي منذ انطلاقه منتصف سبتمبر (أيلول)، قبل أن يتسع ليشمل أنحاء فرنسا.

ولا تزال مؤسسات تعليمية في عدد من المدن الكبرى مغلقة بفعل الاحتجاجات، أو تشهد اضطراباً في أنشطتها. وفي منطقة باريس، حيث تعطلت أنشطة نحو 80 مدرسة ثانوية، أُصيب مدير مدرسة وأحد أولياء أمور الطلاب وموظف صباح الاثنين.

وتحرص السلطات على إنهاء موجة الاحتجاجات الطلابية، لا سيما بعدما أطلق ناشطون عبر الإنترنت دعوات لمظاهرات إضافية السبت المقبل احتجاجاً على الأوضاع المعيشية.

وتعيد هذه الدعوات إلى الأذهان حركة «السترات الصفراء» التي أدت في عام 2018 إلى مظاهرات حاشدة تخللتها اشتباكات مع الشرطة احتجاجاً على خطة لرفع أسعار الوقود خلال ولاية ماكرون الأولى.

* أضرار كبيرة

ولا تزال السلطات الفرنسية تحصي الخسائر التي نجمت عن الاحتجاجات حتى الآن. وقال مصدر حكومي لصحافيين، الأسبوع الماضي، إن تكلفة الأضرار «لا تقل عن 30 مليون يورو».

والجمعة، أعلنت وزارة العدل أنه تم توقيف أكثر من 6800 شخص منذ بدء المظاهرات، 86 في المائة منهم من القُصَّر.

مدخل ثانوية في باريس تعرضت لتخريب (رويترز)

وأسفرت الاشتباكات مع قوات مكافحة الشغب عن إصابات خطيرة في صفوف الطلاب، ما أثار انتقادات واسعة لممارسات الشرطة ودفع الحكومة إلى منع استخدام القنابل الصوتية مؤقتاً بعدما تسببت إحداها في بتر يد أحد الطلاب. وباشرت الشرطة 18 تحقيقاً داخلياً بشأن اتهامات تطال عناصرها.

والأسبوع الماضي، حاولت الحكومة الاستجابة لمطالب الطلاب من خلال تقديم مقترحات ملموسة.

ووعد رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو، الأحد، بأن تتضمن ميزانية عام 2027 المزيد من الموارد المخصصة للمدارس، بهدف الاستجابة لعدد من المطالب التي عبر عنها الطلاب عبر منصة إلكترونية أنشأتها الحكومة.

ومع ذلك، لم تكن هذه المبادرات كافية لإقناع المنظمات الطلابية التي تقف خلف الاحتجاجات.

واعتبر اتحاد طلاب الثانويات أن إعلانات الحكومة لا ترقى بأي شكل إلى المطالب، التي تشمل استثمار 10 ملايين يورو إضافية لتحسين وضع الثانويات في مختلف أنحاء البلاد.

ويتخوف 10 آلاف طالب طب في فرنسا حالياً من التداعيات المحتملة للاحتجاجات على امتحانات مقررة الاثنين، ستحدد اختصاصهم المستقبلي، وتعد بالتالي لحظة حاسمة في مسارهم التعليمي.

وكانت المظاهرات الطلابية نجحت الأسبوع الماضي في استقطاب عشرات الآلاف في جميع أنحاء البلاد. وحسب أرقام وزارة الداخلية، بلغ عدد المشاركين فيها الخميس الماضي نحو 71500 شخص. وشارك ما يقرب من 256 ألف شخص خلال يوم التعبئة الثلاثاء الماضي.

وأظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسسة «إيبسوس - بي في آي»، ونُشر الأحد، أن 54 في المائة من المستطلَعين يؤيدون الاحتجاجات الطلابية الأخيرة.

ويؤيد هؤلاء بشكل خاص المطالب المتعلقة بالحد من الاكتظاظ في الصفوف، وضرورة ترميم المدارس، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended