لوران فابيوس.. وحلم الفوز بجائزة نوبل للسلام

بعد مغادرته وزارة الخارجية الفرنسية

لوران فابيوس.. وحلم الفوز بجائزة نوبل للسلام
TT

لوران فابيوس.. وحلم الفوز بجائزة نوبل للسلام

لوران فابيوس.. وحلم الفوز بجائزة نوبل للسلام

غادر وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس هذا الأسبوع، في أعقاب تعديل وزاري أجراه رئيس الحكومة مانويل فالس. ومع أن هذه النقلة لا تشكل نهاية الحياة السياسية الحافلة لإحدى ألمع الشخصيات السياسية الفرنسية خلال العقود القليلة الماضية، لكنها تشكل على الأقل عند المعجبين بفابيوس، الذي سبق له أن كان رئيسًا للوزراء ورئيسًا لمجلس النواب، نكسة لوزارة الخارجية التي ستفتقد هالة لافتة وثقلاً كبيرًا على المسرح الدولي.
لن يصبح لوران فابيوس وزير الخارجية الراحل عن الدبلوماسية يومًا رئيسًا للجمهورية، وهو المنصب الوحيد الذي لم يصل إليه في الجمهورية الفرنسية، رغم محاولته مرتين الحصول على ترشيح الحزب الاشتراكي. فالرجل تنقل بين المناصب العليا بفضل قربه من الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران، الذي حارب الجنرال ديغول وأدخل اليسار إلى قصر الإليزيه لولايتين امتدتا 14 سنة (1981 – 1995). ميتران أدخل فابيوس المتحدر من عائلة ثرية والمتدرِّج في أرقى المعاهد الفرنسية والمتخرج في المدرسة العليا للإدارة ENA المرموقة إلى عالم السياسة من الباب الواسع إذ عيّنه مباشرة بعد انتخابه رئيسًا وزيرا للخزانة في أولى حكوماته، ثم عهد إليه بوزارة الصناعة والبحث العلمي، قبل أن يرقيه إلى منصب رئيس للحكومة وهو في سن السابعة والثلاثين من عمره، ليغدو أصغر رئيس للحكومة في الجمهورية الخامسة بفرنسا.
لا تزال الطبقة السياسية تتذكر كلمة فابيوس الذي سأله يوما أحد الصحافيين عن علاقته بميتران، «الأب الروحي». وكان جوابه قاطعا ومقتضبا: «أنا أنا.. وهو هو»، وبذلك أراد أن يؤكد أن له شخصية متميزة وآراؤه الخاصة وسياسته المستقلة. لكن الحقيقة أن هناك جيلا كاملا من السياسيين الفرنسيين (وفابيوس أولهم)، ومنهم الرئيس الحالي فرنسوا هولاند ورفيقة دربه السابقة ووزيرة البيئة في الحكومة الحالية سيغولين رويال، ورئيس الوزراء الأسبق ليونيل جوسبان ووزير الاقتصاد ميشال سابان، وكثيرون آخرون هم من يسمون في باريس «جيل ميتران».
وبينما كان الرئيس الأسبق جاك شيراك يعرّف الآن جوبيه الذي تسلم منه فابيوس وزارة الخارجية بأنه «الألمع في ما بيننا»، كانت الطبقة السياسية تطلق على فابيوس لقب «ابن ميتران المدلل». بيد أن هذا «الابن» الذي انضم باكرا إلى الحزب الاشتراكي وانتخب نائبا عن إحدى ضواحي مدينة روان في منطقة النورماندي وشغل مناصب وزارية «الخزانة، الصناعة، الاقتصاد وأخيرا وزارات الخارجية والسياحة والتجارة الخارجية» كما تولى رئاسة البرلمان مرتين والأمانة العامة للحزب الاشتراكي وكان له مؤيدوه وتياره، لم يكن أبدًا رجلاً يتمتع بشعبية إذ إن صورته الشخصية لم تلعب أبدا لصالحه. فهو «نخبوي»، وحتى عندما أخذ يقدم نفسه على أنه ينتمي إلى الجناح اليساري للحزب الاشتراكي، وأنه صوت في استفتاء عام 2005 ضد الدستور الأوروبي بينما كان الخط الرسمي للحزب الاشتراكي هو الدعوة لإقراره، فإن ما وقف حائلا دون وصول فابيوس إلى أعلى المناصب في الدولة ربما شخصيته.
ففي وزارة الخارجية، لن يترك فابيوس وراءه للعاملين في هذه الوزارة السيادية صورة إيجابية إذ إنه حسب وصف البعض سلطوي، بارد، يعين ويقيل من غير رادع أو وازع وأحيانًا من غير سبب واضح أو من غير سبب بتاتًا. ونعرف جيدا حالات كثيرة لسفراء أو مسؤولين أساسيين في الوزارة فقدوا مراكزهم لغرض يجهلونه ولكنه «في نفس يعقوب».
يبدو الرجل في مظهره الخارجي ولغته التكنوقراطية أرستقراطي الأداء. لكن ما حال دون طموحاته العليا أنه وجد دائما من يقف بوجهه. المرة الأولى، في العام 2002 كان العائق اسمه ليونيل جوسبان، الذي رأس حكومة «اليسار المتعدد» لمدة خمس سنوات (1997 – 2002)، وبالتالي أصبح «المرشح الطبيعي» للحزب الاشتراكي. وما بين الرجلين عداء سياسي قديم، لا بل حرب ضروس، عندما كان فابيوس رئيسا للحكومة وجوسبان - بفضل ميتران - أمينا عاما للحزب الاشتراكي. وبعدها بخمس سنوات وعقب إقرار مبدأ الانتخابات التمهيدية لتعيين مرشح الاشتراكيين للرئاسة، قطعت سيغولين رويال، أول امرأة فرنسية طامحة للوصول إلى الإليزيه، الطريق على فابيوس وعلى غيره بحصولها على ستين في المائة من أصوات «الرفاق» بينما لم يحصل الأخير إلا على 12 في المائة من الأصوات.
الهزيمة كانت مرة الطعم بين الطامحين للمنصب الأول. وبعد خمس سنوات، صعد نجم فرنسوا هولاند الذي لم يكن أحد داخل الحزب الاشتراكي يعتقد أن له حظًا بالوصول يومًا إلى الرئاسة، فإذا بفابيوس يدعم منافسته الوزيرة السابقة مارتين أوبري، رئيسة بلدية مدينة ليل (شمال فرنسا) حاليًا، وابنة جاك ديلور رئيس المفوضية الأوروبية الأسبق وإحدى الشخصيات الأكثر شعبية في فرنسا. والفرق بين فابيوس ورئيس الحكومة الحالية مانويل فالس أن الأول بقي إلى جانب مارتين أوبري بعد الدورة الأولى بينما الثاني وقف إلى جانب هولاند. ولقد عرف هولاند أن يسامح وأن يجيّر فابيوس لصالحه فكلفه بالملف الاقتصادي وبالبرنامج الإصلاحي لأشهر رئاسته الأولى. وعندما فاز بالرئاسة وهزم منافسه اليميني الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، عهد لفابيوس بوزارة الخارجية. واحتفظ الأخير بحقيبته، التي أضاف إليها في عام 2004 وزارتي السياحة والتجارة الخارجية 45 شهرا، وقطع خلالها آلاف الكيلومترات وهو أمر مرهق.
ولكن في الأشهر الأخيرة أخذت مظاهر التعب تبدو على فابيوس لا بل إنه «غفا» للحظات خلال الاجتماع مع مسؤولين جزائريين. كذلك، فإن كثيرين لاحظوا عنده ارتجافًا في اليدين مما يؤشر لإصابته بمرض باركنسون. وخلال اختتام «قمة المناخ» التي رأسها نهاية العام الماضي، بدا الارتجاف واضحا عندما أراد أن يعلن نهاية أعماله رافعًا المطرقة الخشبية التي أهداها له وفد البيرو.
من الخارجية، سينتقل فابيوس إلى رئاسة المجلس الدستوري الواقع قريبا من متحف اللوفر. ومهمة المجلس المكون من تسعة أعضاء، يضاف إليهم رؤساء الجمهورية السابقون مدى الحياة (هم حاليا فاليري جيسكار ديستان وجاك شيراك ونيكولا ساركوزي)، مراقبة مدى تلاؤم القوانين التي تسن مع الدستور الفرنسي، ويعطي رأيه القاطع فيها كما يراقب ويعلن رسميا نتائج الانتخابات الرئاسية والاستفتاءات وخلاف ذلك من المهام. ولذا فإن كمية العمل والمهام الموكولة إليه، وهي تقنية بالدرجة الأولى، لا تقارن بمهام ومسؤوليات وزير الخارجية. ولكن للمنصب فوائد وتشريفات، وفابيوس البالغ من العمر 69 سنة سيكون رئيسا له لتسع سنوات يستطيع خلالها أن يرتاح وأن يبقى في الوقت نفسه في قلب الحدث في فرنسا.
بيد أن طموح الأخير لا يتوقف عند هذا الحد، إذ إنه قرر البقاء رئيسا لقمة المناخ حتى نهاية شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل عندما تنتقل الرئاسة للمغرب. وفي حديث صحافي صباح الخميس، أكد أنه لا تضارب في الصلاحيات بين الوظيفيتين، وأنه في حال حصل أمر كهذا فإنه «سينأى» بنفسه مؤقتا عن المجلس الدستوري لتجنب أي نزاع. لكن الأهم في بقائه رئيسا لقمة المناخ 21 احتفاظه بمكتب وسكرتارية في وزارة الخارجية. ويقول عارفون إن فابيوس يرنو للفوز بجائزة نوبل للسلام بفضل المساهمة التي يعتبرها «حاسمة» في إنجاح قمة المناخ التي استضافتها فرنسا، ورأسها هو شخصيًا بعد الإخفاقات الكثيرة التي أصابتها في السابق. وتكفي مراجعة الكلمات التي ألقاها الوزير الفرنسي إن في بداية القمة أو في ختامها لاستكناه صورة الدور الذي ينسبه فابيوس لنفسه في نجاح قمة المناخ.
لكل سياسي ورجل عام أمور يريد أن يطويها الزمن أو أن يخبئها عن أعين الجمهور. ميتران سعى لإخفاء عائلته «الثانية» وابنته غير الشرعية مازارين بانجو التي اعترف بها في آخر أيامه وأصبحت اليوم كاتبة معروفة. وشيراك أبعد عن الأضواء لورانس، ابنته المريضة. وقبلهما الجنرال ديغول الذي كانت له أيضًا ابنة مريضة اسمها آن وتوفيت في العشرين من عمرها. أما «وجع» فابيوس فمزدوج: شخصي وآخر سياسي: الشخصي اسمه «توماس» ابنه البكر الذي أصبح شهيرًا على صفحات الجرائد خصوصا تلك التي تهتم بالفضائح. فهذا الابن «غير البار» بوالده، مولع بالقمار، وتحديدًا بلعبة البوكر التي أوقعته في الكثير من المشكلات وستقوده حتمًا في الأسابيع المقبلة أمام المحاكم. ولقد أسس شركة أفلست بسبب الاحتيال، واشترى شقة تطل على بولفار سان جيرمان الشهير في باريس بستة ملايين يورو بينما يفتقر لمداخيل «رسمية». ودار في كازينوهات لاس فيغاس الأميركية تاركا وراءه ديونا بمئات الآلاف من الدولارات. وبعكس أخيه فيكتور، البعيد عن الأضواء، فإن توماس فابيوس لطخ اسم والده الذي لم يأتِ أبدًا على ذكر فضائح ابنه علنًا، كما أن الصحافة الفرنسية لا تربط أبدًا بينه وبين ابنه.
أما جرح فابيوس الثاني فعنوانه فضيحة الدم الملوّث التي تعود للفترة التي كان يشغل فيها منصب رئيس الحكومة. وفحوى القصة أن «المركز الفرنسي لنقل الدم» سوق لدم فاسد ملوث بفيروس الإيدز داخل فرنسا وخارجها رغم علمه بأن كمية كبيرة من هذا الدم فاسدة وخطرة على صحة المرضى. وعلاقة فابيوس بذلك أنه كان رئيسا للحكومة الاشتراكية في تلك الفترة ولذا قدمت شكاوى بحقه وحق ثلاثة وزراء، إلا أن العدالة برأت في النهاية ساحة السياسيين بمن فيهم فابيوس.
ماذا سيبقى من «إرث» فابيوس الدبلوماسي؟
ربما سيحفظ له تاريخ الخارجية أنه أسس لما يسمى «الدبلوماسية الاقتصادية»، إذ اعتبر أن عمل الدبلوماسي في الزمن الراهن قد تغير، وأن مهمة السفراء والبعثات هي مساعدة اقتصاد فرنسا والترويج له في الخارج. وهذا معنى ضم وزارتي التجارة الخارجية والسياحية لوزارته الأصلية حتى تتوافر له «الأدوات» المؤسساتية الضرورية لعملية الترويج. ولم يتردد فابيوس في أن يتحول كذلك إلى داعية لـ«المطبخ الفرنسي» وفنون الطاولة على الطريقة الفرنسية.
بالطبع، يريد فابيوس أن يعترف له التاريخ بدوره في تلافي مآسي الاحتباس الحراري وما سيفضي إليه ارتفاع حرارة الأرض من كوارث بيئية واجتماعية وديموغرافية وهجرات وحروب بفضل التزامات قمة المناخ التي يتعين مراقبة مدى تنفيذ الالتزام بها. لكنه يرغب أيضًا بأن يعرف العالم أنه لعب دورا مهما في التوصل إلى الاتفاق «التاريخي» بخصوص برنامج إيران النووي الذي وقع في فيينا في 14 يوليو (تموز) الماضي. ويروي الوزير الفرنسي أنه «حذّر» المجتمعين في فيينا من أنه سيعود إلى باريس للمشاركة في العيد الوطني صباح 14 يوليو سواءً وقع الاتفاق أو لم يوقع. وهو يتساءل عما إذا كان لهذا دور في دفع الأفرقاء المتفاوضين لوضع حد لمسار تفاوضي بلا نهاية. وفي أي حال، فإنه يعتبر أنه «نجح» في الحصول على اتفاق «متين» وعلى ضمانات لجهة «شفافية» البرنامج الإيراني مما يعد في نظره مساهمة في تجنيب العالم، وخصوصًا منطقة الشرق الأوسط سباقا للحصول على السلاح النووي.
من جهة أخرى، يترك فابيوس الخارجية والملف السوري الذي استحوذ على الكثير من وقته، ما زال على حاله: «الحرب مستمرة والمعارضة التي دعمته باريس في وضع حرج والتدخل الروسي متزايد والولايات المتحدة متأرجحة». وبما أنه يغادر منصبه الوزاري، فقد استفاد فابيوس من أيامه الأخيرة لـ«يصفي حساباته» مع واشنطن بهجوم حاد اتهمها فيه بـ«الغموض» وبالازدواجية ما بين الأقوال والأفعال. لكنه في الوقت عينه شن هجومًا قاسيًا على روسيا وإيران «الشريكيتين» في عمليات القتل في سوريا. كذلك فإن فابيوس يترك الدبلوماسية وملف النزاع الفلسطيني الإسرائيلي على حاله. وليست آخر تصريحاته التي يعلن فيها عن عزم بلاده على الدعوة إلى مؤتمر دولي لإيجاد حل سياسي ينهض على قيام دولتين - فلسطين وإسرائيل - والتهديد بالاعتراف الأحادي بالدولة الفلسطينية إذا فشلت جهود السلام إلا من باب «رفع العتب». فالوزير المغادر يعرف أن مبادرة بلاده لن تقدم أو تؤخر طالما أن واشنطن فاترة تجاهها وأن الأوروبيين غير متحمسين بينما إسرائيل ترفضها كلية.
يبقى أن الدبلوماسية الأوروبية - ومن ضمنها الفرنسية - بقيت عاجزة عن التفاهم من أجل عمل جماعي وفاعل في ملف الهجرات الجماعية الزاحفة باتجاه «القارة القديمة» أو بشأن التعامل مع الملف الليبي والتعاون بين ضفتي المتوسط والجوار العربي للاتحاد الأوروبي الغارق في أزماته.



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.