«لست شارلي».. سقطات «إيبدو» وازدواجية المعايير

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: خطابها انتقائي وبات يغذي «الإسلاموفوبيا» في فرنسا اليوم

«لست شارلي».. سقطات «إيبدو» وازدواجية المعايير
TT

«لست شارلي».. سقطات «إيبدو» وازدواجية المعايير

«لست شارلي».. سقطات «إيبدو» وازدواجية المعايير

بعد مرور عام على الاعتداء الإرهابي الذي طال مبنى الصحيفة الفرنسية الساخرة «شارلي إيبدو»، انتشر وسما «أنا شارلي» و«لست شارلي» على مواقع التواصل الاجتماعي، تأكيدا على أن الانقسام لا يزال واضحا بين متضامن مع سياسة تحرير الصحيفة التي تعتبر نفسها رافعة لراية حرية التعبير، ومندد بمحتوى «إيبدو» الانتقائي الذي بات يعكس مناخ الإسلاموفوبيا في فرنسا اليوم، أو حتى يعمل على تغذيته.
وللكشف عن نهج الصحيفة المثير للجدل نرصد تاريخها منذ انطلاقها لتحل مكان مطبوعة حظرت في سبعينات القرن الماضي، مرورا بأمثلة تؤكد ازدواجية المعايير في التعامل مع المواضيع الشائكة، وانتهاء بالاطلاع على مطبوعات الصحيفة الأسبوعية بعد عام من الهجمات، حيث باتت تستقطب قراء اليمين المتطرف. ومن خلال حديث مع خبير في شؤون التطرف وباحثة في شؤون الجالية المسلمة في فرنسا، نكشف أن الوضع في فرنسا بات معاديا للأقلية المسلمة فيها، وأسلوب «شارلي إيبدو» الانتقائي - خصوصا بعدما صور آخر عدد لها الطفل الغريق السوري إيلان كردي على متحرش جنسي - بات يسهم في نشر الإسلاموفوبيا وعدم تقبل الآخر، الأمر الذي يتنافى مع حرية التعبير التي تنشدها الصحيفة.

اجتاحت موجة من الغضب مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام الأسبوع الماضي، بعد أن نشرت صحيفة «شارلي إيبدو» الفرنسية الأسبوعية الساخرة رسما كاريكاتيريا يصور الطفل السوري إيلان كردي (ثلاث سنوات) الذي عثر على جثته على شاطئ تركي العام الماضي وقد تحول إلى متحرش جنسي في الكبر. ويصور الكاريكاتير اثنين من الذكور يجريان خلف امرأة مذعورة، ويقول التعليق على الصورة «ما هو مصير الشاب إيلان لو كان قد كبر؟.. متحرش في ألمانيا».
ونشر الكاريكاتير بعد مرور أسبوع على ذكرى الهجمات على مقر الصحيفة الأسبوعية في باريس والتي أسفرت عن مقتل 12 شخصا في يناير (كانون الثاني) من العام الماضي. وحينها تبنى مستخدمو الإنترنت عبارة «أنا شارلي» لإبداء التعاطف مع الصحيفة.
لكن هذه المرة قال كثيرون على مواقع التواصل الاجتماعي إن الكاريكاتير مسيء، بينما قال آخرون إن «شارلي إيبدو» تواصل أسلوبها الاستفزازي المعتاد لإثارة النقاش حول المواقف الأوروبية من أزمة المهاجرين.
منذ تأسيسها عام 1970، رفعت الصحيفة لواء «حرية التعبير» وسخرت من كل ما يُسمى اللباقة السياسية. وتعود أصول الصحيفة إلى مطبوعة ساخرة أخرى اسمها «هارا كيري» نجحت في صنع اسم كبير لها في الستينات من القرن الماضي، ثم جرى حظرها بسبب محتواها الذي اعتبرته السلطات الفرنسية عدائيا للغاية حينئذ. إذ كانت الأخبار آنذاك تدور حول خبرين أساسيين هما اندلاع حريق أدى إلى مصرع أكثر من 100 شخص في ملهى ليلي، ووفاة الرئيس الأسبق الجنرال شارل ديغول.
وعلى صدى ذلك، صدرت مطبوعة «هارا كيري» لتحمل عنوانا يسخر من وفاة الجنرال ديغول يقول: «رقصة مأساوية في كولومبي - مقر إقامة ديغول - تسفر عن مقتل شخص واحد». وأدى ذلك إلى حظر مطبوعة «هارا كيري». فسارع محرروها بإصدار «شارلي إيبدو» عام 1970 لتحمل راية «هارا كيري».
وحول ذلك، تقول مخرجة الأفلام الوثائقية انيس دي فيو والباحثة بشؤون الجالية المسلمة في فرنسا، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «في تلك الفترة، كانت الرقابة على الإعلام شديدة في فرنسا، فاستطاعت الحكومة حظر المطبوعة». وتضيف المخرجة الفرنسية: «لكن الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران رفع الحظر والتشديدات؛ الأمر الذي استنزفته (شارلي إيبدو) بعدها».
مع تغيرات المناخ السياسي العالمي بنهاية الحرب الباردة، كان على الصحيفة اليسارية أن تجابه عاصفة داخلية، بدأت بموجة من الاستقالات وانتهت بخروج كل المؤسّسين من «شارلي إيبدو». وأصبحت المجلة بالتالي بين يدي جيل جديد على رأسه رسّام الكاريكاتير شارل فولنسكي. وبعد تخبط إداري عادت للصدور أسبوعيا سنة 1992. كانت صورة الغلاف كاريكاتيرا للرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران، يظهر فيها وقد وضع أمامه ملفات خطيرة مثل الأمن والتدهور الاقتصادي والتغوّل الأميركي، وهو يقول: «وإلى جانب كل ذلك، عادت (شارلي إيبدو)».
وخلال السنوات، تناولت رسومات الصحيفة الكاريكاتيرية مواضيع شائكة وصادمة مثل رسم لرجال شرطة يحملون رأس مهاجر يقطر دما، وآخر يسيء لبابا الفاتيكان والمسيحية، أو حتى رسوما تنتقد اليمين الفرنسي بشدة. وكانت الصحيفة مثار جدل في فبراير (شباط) 2006 حين أعادت نشر اثنين من الرسوم الدنماركية المسيئة للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهي رسوم كانت قد أدت إلى أعمال احتجاج قاتلة قبل ذلك. إلى ذلك، قدمت مجموعة من الجمعيات الإسلامية شكوى في المحكمة ضد الصحيفة بسبب هذه القضية التي باعت على أثرها نحو نصف مليون نسخة، وهو رقم أكثر بكثير من عدد نسخها المتداولة أسبوعيا الذي يتراوح بين 55 و75 ألف نسخة.
لكن المحكمة الفرنسية انحازت إلى جانب الصحيفة، معتبرةً أن الرسوم الكاريكاتيرية استهدفت «الإرهابيين» وليس المسلمين. ومن حينها، لم تنفك «شارلي إيبدو» عن نشر صور تستهزئ بالإسلام وتسيء للمسلمين. ففي ينير (كانون الثاني) 2013، نشرت الصحيفة إصدارا مؤلفا من 64 صفحة مخصصا فقط للإساءة للدين الإسلامي. وعلق رئيس تحرير الصحيفة ستيفان شاربونييه حينذاك، قائلا إنه إذا أراد الناس الشعور بالصدمة فإنهم سيشعرون بالصدمة عند تصفح هذا الإصدار من الصحيفة. إلى ذلك، تشير انيس فيو إلى أن «الأمر الأهم للصحيفة هو الاستهزاء من كل ما يحدث حولها من دون أن تكون لرسوماتها عواقب». وتضيف: «لكن للأسف، انغمست الصحيفة اليوم في تغذية الفكر السائد بفرنسا الذي يحاول تغريم المسلمين».
اللافت في الموضوع أنه في الوقت الذي تدعي فيه الصحيفة حرية التعبير المطلقة والاستهزاء من أي كيان أو فكر كان، تكشف حادثة طرد الرسام الفرنسي موريس سيني عام 2008 ازدواجية في المعايير التي تتبعها «شارلي إيبدو». ففي تلك الحادثة، أقالت الصحيفة الرسام سيني بتهمة معاداة السامية، عندما كتب في عموده إن ابن الرئيس السابق نيكولاس ساركوزي يرغب في اعتناق اليهودية قبيل زواجه من خطيبته اليهودية، وريثة أحد مؤسسي إحدى الشركات المتخصصة في الأجهزة المنزلية والمعلوماتية؛ مستطردا أن هذا الزواج سيمكّن «ابن ساركوزي» من بناء مسارٍ ناجح في الحياة - في إشارة إلى الفكر العنصري السائد أن اليهود طماعون وحريصون على أموالهم. ومع أن المحكمة قضت بتعويض سيني بمبلغ 40 ألف يورو بقضية رفعها ضد «شارلي إيبدو»، فإن الصحيفة لم تتراجع عن قرار الطرد، ولم تسحب اعتذارها لساركوزي.
وعن تلك الحادثة، أكد الباحث البريطاني مسؤول التوعية لدى مؤسسة «كويليام» لمكافحة التطرف ومقرها لندن آدم دين، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن «هذه معايير مزدوجة»، موضحا أن «صحيفة (شارلي إيبدو) تحاول أن تصور أنه ليس هنالك أي شيء مقدس، وأن الشيء الوحيد المقدس هو حرية التعبير، إلا أن تلك الحادثة تبطل هذه الرسالة». وأضاف دين «باعتقادي أن (شارلي إيبدو) تشن حملة ضد الدين إلى درجة أن الصحيفة تعاني من (فوبيا) الأديان. وذلك يضعف مكانة رسالتها التي تدعو لحرية التعبير وتؤكد معايير (إيبدو) المزدوجة».
على موقعها الإلكتروني كتبت «إيبدو» تحت قسم «من نحن»: «نوفر جانبا مختلفا للأخبار ونتعمق في المسائل الساخنة أكثر من وسائل الإعلام الأخرى من خلال السخرية والفكاهة»، ويضيف الموقع: «(شارلي إيبدو) مطبوعة لجميع الناس ونحن ضد الكراهية والحروب». وعن ذلك قال الباحث البريطاني آدم دين: «أسلوب (شارلي إيبدو) صنع ليذهل أو يصدم القراء». وأضاف: «في هذا السياق، الصحيفة مدانة بصنع ونشر التطرف؛ عكس ما تناشده برسالتها على صفحتها الإلكترونية». وهنا تلح الحاجة للتمعن بالخط الرفيع الذي يكمن بين حرية التعبير وخطاب الكراهية. وعن ذلك، قال دين: «ما يعتبر إساءة لمعايير حرية التعبير هو نشر مواد ذات طابع اضطهادي أو هجومي أو بغرض إهانة طرف معين». وشرح بقوله مؤكدا أنه «عندها، تتحول حرية التعبير إلى خطاب كراهية. ويعتمد ذلك أيضا على المناخ السياسي وأنظمة القوى المعنية». ويستطرد: «في هذا السياق بات المسلمون تحت خطر وتهديد في خضم ارتفاع جرائم الإسلاموفوبيا، وبرأيي رسومات الصحيفة مهينة لأنها توجه خطابا يهاجم أقلية حساسة تتعرض للهجوم حاليا والتهديد. لذلك، يصبح خطاب (شارلي إيبدو) قريبا لخطاب الكراهية».
في مقال تحليلي نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية الأسبوع الماضي، أكدت زيادة خطاب الكراهية المعادي للإسلام في فرنسا اليوم، الذي يؤول لارتفاع ظاهرة «الإسلاموفوبيا» في البلاد. وأشارت الصحيفة إلى أن ذلك الخطاب يحور ويستغل لأغراض سياسية. إذ يتيح المجال لزعماء اليمين لإظهار كراهية علنية وعنصرية ضد المجتمع الإسلامي في فرنسا، وعلى رأسهم زعيمة حزب الجبهة الوطنية السياسي الفرنسي اليميني ماريان لوبن. فهذه المرأة أعلنت مؤخرا إشادتها بالنهج السويسري الذي عارض الهجرة الجماعية، وإغلاق الباب في وجه المهاجرين السوريين والعراقيين. ودعت إلى التضييق على بناء المساجد، كما أنه تمت منذ فترة محاكمتها بتهمة تشبيه صلاة العيد للمسلمين في فرنسا بالاحتلال النازي. وفي الوقت الذي تزداد فيه شعبية اليمين المتطرف في فرنسا، تصبح رسومات هذه الصحيفة انعكاسا لمناخ التعصب في البلاد. إذ قالت فيو إن «فرنسا شهدت حملة ضد المسلمين منذ الهجوم على مقر الصحيفة وزيادة غير مسبوقة لمبيعات نسخها الأسبوعية». وأضافت: «لكن نوع القراء اختلف اليوم؛ ففي الوقت الذي كانت تعتبر فيه (شارلي إيبدو) صحيفة يسارية، باتت شريحة كبيرة من قرائها تنتمي لليمين المتطرف المعادي للإسلام».
وكما ندد العالم بالهجوم الدامي على مقر الصحيفة العام الماضي، وكما اعتبره الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند عملا «همجيا» أو «بربريا» متطرفا، أكد أيضا أنه من صنع المتطرفين. وفي حينها، دان العالم العربي والإسلامي الهجوم معتبرا العنف أمرا يرفضه الإسلام، ومؤكدا أن ما حصل هو اعتداء إرهابي متطرف. لكن عقب الهجمات، ازداد هجوم الصحيفة على الأقلية المسلمة في البلاد من خلال رسوماتها الأسبوعية. وتعليقا على سياسة «إيبدو» خلال العام بعد الهجمات قال الباحث آدم دين: «الرسومات الكاريكاتيرية لا تعتبر نموذجا من العنف، لكنها مثيرة للاشمئزاز، والغاية منها تغذية الإسلاموفوبيا والتمييز ضد المسلمين في فرنسا واضطهادهم».
ورصدت الفرنسية دي فيو التغيير في غرض «شارلي ايبدو» بقولها: «كان قراء الصحيفة قبل الاعتداء شبابا يساريين، ولم يقرأها المجتمع اليميني المعادي للمسلمين». وأوضحت: «لكن بعد الاعتداء باتت الصحيفة مقروءة من قبل متبني فكر الإسلاموفوبيا؛ وأصبحت وسيلة لانتقاد الإسلام والمسلمين». وأخيرا، يوضح آدم دين أن تلك الظاهرة باتت تغذي الإسلاموفوبيا بالمجتمع الفرنسي اليوم. وأشار إلى أنه «لو كان المنظور للأقلية المسلمة في فرنسا على أنها تتساوى مع باقي الشعب (لكن ليست هذه هي الحقيقة على الأرض)، لما كانت اشتعلت هذه الظاهرة». وأضاف: «الوضع في فرنسا بات معادٍ للجالية المسلمة والمسلمين هناك، و(شارلي إيبدو) تنشط بخطابها في مناخ مضطهد للمسلمين؛ مما يزيد من ذلك الاضطهاد ويسهم في نشر الإسلاموفوبيا، وهذا يتنافى مع حرية التعبير».
في الذكرى السنويّة الأولى للاعتداء على الصحيفة، استعاد العالم الافتراضي الانقسام حول الحادثة، محللا ظهور وسم «لست شارلي» على موقع «تويتر»، مقابل وسم «أنا شارلي»، الذي حصد نحو 3.5 مليون تغريدة، وكان من بين الأكثر تداولا على الموقع خلال عام 2015. وبدوره، عمل الباحث رومان بادوار على الدراسة بعنوان «لست شارلي: تعدد المواقف على شبكة الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي». وبحسب تقرير لموقع «سلايت»، تظهر الدراسة أنّ معظم مستخدمي وسم «لست شارلي»، ليسوا من المروّجين لنظريّات المؤامرة، أو الاعتذاريين عن الإرهاب. وتؤكّد أيضا أنّ معظم مستخدمي الوسم يدينون الجريمة معتبرين إياها إرهابية، لكنّهم يرفضون إظهار دعمهم وتماهيهم مع إدارة تحرير الأسبوعية الساخرة المروجة للكراهية. وبذلك، تشير الدراسة إلى أن عدم تبني فكر الصحيفة التي جرى الإثبات أنها متطرفة بدورها أيضا، لا يعني الامتناع عن إدانة الهجوم الإرهابي الدامي، بل قد تكون معاداة خطاب الكراهية الذي باتت تنشره الصحيفة وسيلة للقضاء على التطرف، وإعادة إحياء قيم التعايش.



«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
TT

«إلباييس» و«لا ريبوبليكا»... مسيرة نصف قرن

ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)
ترويسة "لا ريبوبليكا" (لا ريبوبليكا)

اثنتان من كبريات الصحف الأوروبية، «إلباييس» الإسبانية و«لا ريبوبليكا» الإيطالية، تحتفلان هذه الأيام بمرور خمسين سنة على انطلاقتيهما في ظروف متباينة في الظاهر، لكن متشابهة من حيث الدور الذي لعبته كل منهما على الصعيدين الإعلامي والصحافي. وبالتحديد، في إسبانيا بُعيد سقوط نظام الجنرال فرنشيسكو فرنكو وعودة الديمقراطية، وفي إيطاليا مع بداية انهيار المنظومة السياسية التقليدية التي حكمت البلاد منذ نهاية الحرب العالمية ونشوء التشكيلات السياسية الجديدة على أنقاض الحزبين الكبيرين؛ أي «الحزب الديمقراطي المسيحي» و«الحزب الشيوعي الإيطالي».

وهنا تجدر الإشارة إلى أنه بجانب «اللوموند» الفرنسية و«الغارديان» البريطانية، تشكل هاتان الصحيفتان ما اصطلحت الأوساط الإعلامية على تسميته بـ«المربّع الذهبي» للصحافة الأوروبية المكتوبة، والمعروفة برصانتها وتأثيرها العميق في النخب السياسية والفكرية.

«إلباييس»... ودورها في ترسيخ الديمقراطية

في الاحتفالات التي أطلقتها صحيفة «إلباييس» - ويعني اسمها بالإسبانية «البلد» - منذ مطالع الشهر الحالي بمناسبة يوبيلها الذهبي برعاية العاهل الإسباني، نوّه فيليبي السادس، بالدور الذي لعبته الصحافة المكتوبة في الدفاع عن المؤسسات وترسيخه إبان محاولة الانقلاب العسكري يوم 23 فبراير (شباط) 1981.

وحقاً، صدرت الصحيفة فجر اليوم التالي تحت عنوان «إلباييس مع الدستور»، بينما كان البرلمان مجتمعاً في جلسة محاسبة للحكومة، وهو لا يزال تحت سيطرة ضبّاط الحرس المدني الانقلابيين. وحينذاك، كانت الدلائل تشير إلى أن الانقلاب في طريقه إلى النجاح، قبل أن يدلي الملك (السابق) خوان كارلوس الأول بخطابه الشهير الذي دعا فيه القوات المسلحة إلى الالتزام بأحكام الدستور، ورفض السير وراء محاولة إجهاض النظام الديمقراطي اليانع.

يومذاك، لم تكن إسبانيا قد انضمت بعد إلى «السوق المشتركة» - «الاتحاد الأوروبي» حالياً، كونها أصبحت عضواً مطلع عام 1986 -. وكان رهان «إلباييس» الأساسي منذ صدورها الانخراط الكامل في المشروع الأوروبي الذي أصبحت اليوم أحد محركاته الرئيسة. وبالفعل، لعب موقف الصحيفة المتقدّم على الصحف الإسبانية الأخرى في معارضة الانقلاب دوراً أساسياً في نجاحها السريع. ومنذ ذلك الحين أصبحت مرجعاً لإسبانيا الديمقراطية، التي كانت تحاصرها وتتربص بها المكائد للعودة إلى النظام الديكتاتوري السابق. ولقد بيّنت معلومات كشفت لاحقاً عن أن الصحافي خوان لويس ثيبريبان، مدير «إلباييس» في تلك الحقبة، سعى إلى إقناع بعض زملائه بإصدار عدد مشترك يؤيد الدستور ويرفض المحاولة الانقلابية، لكنه لم يلق تجاوباً؛ لأن الصحف الأخرى كانت تفضّل التريّث للتأكد من نتيجة المحاولة.

الفكرة وراء التأسيس

صاحب فكرة تأسيس «إلباييس» هو الناشر والكاتب الإسباني خوسيه أورتيغا سبوتورنو، نجل الفيلسوف والمفكر الليبرالي الشهير خوسيه أورتيغا غاسيت، الذي جمع حوله عدداً من كبار الموظفين في الدولة، والمهنيين الأحرار، والأساتذة الجامعيين، الذين كانوا ينتمون جميعاً إلى المعارضة المعتدلة لنظام الجنرال فرنكو، أو الجناح المؤيد للتغيير في النظام. ولقد تقدّم في مطلع عام 1972 بطلب إلى وزارة الإعلام لإصدار جريدة يومية تحمل الاسم نفسه الذي حملته صحيفة أخرى ليبرالية مغارب القرن التاسع عشر ومطالع القرن التالي.

غير أن الحكومة الإسبانية ماطلت في منح الترخيص المطلوب حتى ربيع عام 1976، ليصدر يوم 4 مايو (أيار) العدد الأول من الصحيفة، التي سرعان ما تحولت إلى رائد للصحافة الإسبانية المكتوبة، وإحدى أهم الصحف الناطقة بالإسبانية في العالم.

لصحيفة «إلباييس» مكاتب تحرير منتشرة عالمياً في مكسيكو سيتي وبوغوتا وواشنطن وسانتياغو وبوينوس آيريس، فضلاً عن مكاتب العواصم الإقليمية الإسبانية التي تصدر عنها طبعات محلية في مدن برشلونة وبلنسية وإشبيلية ولا كورونيا ولاس بالماس وبورغوس ومايوركا. كذلك تصدر عنها طبعتان مختصرتان باللغتين الإنجليزية والبرتغالية، إلى جانب ملحق أسبوعي في شكل مجلة يتجاوز مبيعها المليون نسخة أسبوعياً.

من جهة ثانية، يبلغ عدد قراء النسخة الورقية من «إلباييس» حالياً 758 ألفاً، بينما يبلغ عدد قراء النسخة الإلكترونية 14.5 مليون وفق الإحصاءات الأخيرة. ثم إن الصحيفة هي عماد شركة قابضة تملك أوسع شبكة إذاعية في إسبانيا، وصحيفة اقتصادية يومية، وصحيفة رياضية، وداراً للنشر.

الصفحة الأولى من أحد أعداد "إلباييس" (إلباييس)

أقلام لامعة

ولجهة كبار الكتّاب، تتناوب على صفحات «إلباييس» نخبة من كبار الكتّاب والمفكّرين الإسبان والأميركيين اللاتينيين، كان أبرزهم غابرييل غارسيا ماركيز، الحائز جائزة نوبل للآداب، والذي بدأ ينشر مقالات دورية فيها منذ صدورها حتى قبيل وفاته عام 2014. وأيضاً ماريو فارغاس يوسا، الحائز الآخر على نوبل للآداب، الذي نشر فيها مقالات أسبوعية طيلة 33 سنة، واستضافته «الشرق الأوسط» على صفحاتها حتى وفاته ربيع العام الفائت.

على صعيد آخر، تعزَّز موقع «إلباييس» في المشهد الإعلامي الإسباني بعد الفوز الساحق الذي حقّقه الحزب الاشتراكي بزعامة فيليبي غونزاليس (تولى الحكم بين عامي 1982 و1996) في الانتخابات العامة، وكانت الصحيفة قد دعمته بقوة، بالتعاون مع عدد من الصحف والحكومات «التقدمية» في أوروبا. بل كانت «إلباييس» أول صحيفة إسبانية تستحدث شخصية «المدافع عن القارئ» التي يلجأ إليها القراء لطرح تظلّماتهم، كما وضعت مجموعة من القواعد والمعايير لضمان جودة وصدقية المعلومات التي تنشرها، وأصدرت «كتاب الأسلوب» الذي غدا مرجعاً للصحافيين الناطقين بالإسبانية.

في المقابل، خلال السنوات الأخيرة بدأ يتردد في أوساط قراء الصحيفة أنها «لم تعد كما عرفوها في الماضي»؛ إذ باتوا يفتقدون موقعها المتقدم في الدفاع عن العديد من القضايا السياسية والاجتماعية، ويأخذون عليها ترجيح الكفة الليبرالية على الهوية «التقدمية» التي كانت علامتها الفارقة.

في هذا السياق، يقول جوزيف أوغورليان، الرئيس التنفيذي للشركة القابضة المالكة للصحيفة: «(إلباييس) صحيفة تقدمية، تلتزم بعمق أحكام الدستور الإسباني والنظام الملكي البرلماني. وأميركا اللاتينية جوهرية بالنسبة إلينا، إعلامياً وعاطفياً وثقافياً وسياسياً». ويضيف: «صحيح أن إلباييس قد تغيّرت... ولكن لأن إسبانيا تغيّرت، والعالم تغيّر، ولأن الصحافة لم تعد كما عرفناها. هاجسنا الأول، كان ولا يزال، هو القارئ. ونحن نراهن على ذكائه وفطنته، ونؤمن بحقه في الحصول على معلومات موثوقة، وبقدرته على استخلاص العبر منها». بقي أن نشير إلى أن «إلباييس» تمنح جوائز سنوية للصحافيين والمدافعين عن حرية الرأي تحمل اسم خوسيه أورتيغا غاسيت «البوصلة الفكرية» للصحيفة. وكانت جائزة هذه السنة من نصيب الكاتبة والصحافية سفيتلانا ألكسيفيتش من بيلاروسيا، الحائزة جائزة نوبل للآداب.

«لا ريبوبليكا» الإيطالية

أما عن «لا ريبوبليكا» - أي «الجمهورية» - فإنها أُسست عام 1976 على يد الصحافي والكاتب المعروف أوجينيو سكالفاري، بدعم من الناشر أرنولدو موندادوري، بوصفها صحيفة يسارية أطلقت على نفسها مسمى «الصحيفة الحزب»، وكانت في بداياتها منبراً لمجموعة واسعة من الكتاب والصحافيين والمفكّرين الذين تتراوح مواقفهم بين اليسار الإصلاحي واليسار المتطرف. ولكن على مغارب القرن الماضي ومطالع هذا القرن، بدأت تجنح نحو معسكر «وسط اليسار» السياسي، وهي اشتهرت بمواقفها المعارضة لرئيس الوزراء الإيطالي الأسبق اليميني الملياردير سيلفيو برلوسكوني، الذي كان يعرف عنه أيضاً تذمّره منها، ومحاولاته العديدة الفاشلة لامتلاكها وضمّها إلى إمبراطوريته الإعلامية التي كانت المنصة الأساسية لنشاطه السياسي، والتي تضمّ ثلاث قنوات تلفزيونية وعدة صحف يومية ومجلات أسبوعية وداراً كبرى للنشر ومؤسسة للتسويق الإعلاني.

وفي هذا المجال، يذكر رئيس الوزراء الإيطالي الأسبق جوليو أندريوتي في مذكراته أنه أجهض «في اللحظات الأخيرة» صفقة كان وراءها برلوسكوني للاستحواذ على الصحيفة، التي كانت قد تحوّلت إلى خصمه السياسي الألدّ. وبالتالي، حال أندريوتي - وهو يميني أيضاً - دون سيطرة برلوسكوني شبه الكاملة على المشهد الإعلامي الإيطالي. مع هذا، خاض برلوسكوني عدة معارك قضائية ضد الصحيفة، مطالباً بتعويضات مليونية لكنها باءت جميعاً بالفشل.

فضيحة دي بيلّا... وملكية عائلة آنييلي

عام 1981، عصفت بـ«لا ريبوبليكا» فضيحة كبيرة عندما تبيّن أن رئيس تحريرها فرنكو دي بيلّا كان عضواً في تنظيم ماسوني سرّي محاط بفضائح كبرى. وهو ما أدى إلى إقالته من منصبه، واتجاه الإدارة إلى التعاقد مع كتّاب مشهورين ومستقلين لاستعادة ثقة القراء.

وعام 2020، انتقلت ملكية «لا ريبوبليكا» إلى عائلة آنييلي الثرية المعروفة، صاحبة مجموعة «فيات» والمؤسّسات المتفرّعة عنها، ومالكة صحيفة «لا ستامبا» الصادرة في ميلانو. وقررت العائلة تعيين الصحافي ماوريزيو موليناري مديراً لها، وهو المعروف بعلاقاته الوطيدة مع إسرائيل ورئيس وزرائها الحالي بنيامين نتنياهو.

تعيين موليناري أثار احتجاجات في أوساط المحرّرين الذين استقال بعضهم من الصحيفة. ومع موليناري جنحت الصحيفة نحو الوسط، خارج المعسكرين اليساري واليميني. لكنها ركّزت أيضاً على معارضة التيْار الشعبوي الذي كان يتمدد بقوة في إيطاليا مع حزب «النجوم الخمس». وفي عام 2024، أقيل موليناري من منصبه الذي تولاه المدير الحالي ماريو أورفيو.

أخيراً، مع أن سياسة عائلة آنييلي، التي رسمها المؤسس جياني آنييلي، والتي تقوم على دعم الخط الحاكم بغض النظر عن ميوله واتجاهاته السياسية، تشكّل «لا ريبوبليكا» حالياً رأس حربة الوسائل الإعلامية المناهضة لحكومة جورجيا ميلوني، وبخاصة، حليفها الشعبوي ماتّيو سالفيني زعيم حزب «الرابطة»، المعروف بعلاقاته الوثيقة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.


هل تحديثات «ثريدز» البصرية كافية لإعادة الزخم إلى المنصة؟

هل تحديثات «ثريدز» البصرية كافية لإعادة الزخم إلى المنصة؟
TT

هل تحديثات «ثريدز» البصرية كافية لإعادة الزخم إلى المنصة؟

هل تحديثات «ثريدز» البصرية كافية لإعادة الزخم إلى المنصة؟

أطلقت منصة «ثريدز» المملوكة لـ«ميتا» مزايا بصرية جديدة تهدف إلى «تحفيز سلوك النشر لدى المستخدمين»، في خطوة يرى خبراء أنها محاولة لاستعادة الزخم إلى المنصة التي صعدت بوتيرة متسارعة في البدايات ثم عانت من خفوت.

وتشمل تحديثات «ثريدز» التي أُطلقت في مايو (أيار) الجاري «إدراج ميزة آلية تُمكن المستخدم من تقسيم الكتل النصية الطويلة إلى منشورات متعددة ومتسلسلة»، بينما ركزت الخطوة الثانية على اختبار ملصقات متحركة مصممة لإبراز المنشورات وجعلها أكثر جاذبية بصرية داخل تجربة المستخدم.

لقد كانت بدايات «ثريدز» لافتة إلى حد أنها سجلت رقماً قياسياً في تاريخ الإعلام الرقمي عند إطلاقها في يوليو (تموز) 2023 كأسرع التطبيقات نمواً واكتساباً للمستخدمين.

وحسب بيانات أدلى بها الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، مارك زوكربيرغ، عقب إطلاق التطبيق مباشرةً فإن «المنصة نجحت في جذب مليون مستخدم في الساعة الأولى من إطلاقها، ثم تجاوز حاجز مائة مليون مستخدم في غضون أربعة أيام وست ساعات فقط، وسط معدلات تفاعل استثنائية بلغت 95 مليون منشور في اليوم الأول». غير أن هذه الوتيرة لم تستمر طويلاً، بينما بدأت المنصة -التي أطلقتها «ميتا» بالأساس لمنافسة «إكس» مستغلةً عثراته- في التراجع الفوري عقب التدشين، وفق مراقبين.

وذكرت بيانات سابقة لمؤسسة «سنسور تاور» للأبحاث الرقمية أنه «بعدما سجلت المنصة ذروة تفاعل تاريخية بلغت نحو 44 مليون مستخدم نشط يومياً في يوليو (تموز) 2023 انخفض هذا الرقم بنسبة تجاوزت 70 في المائة، ليستقر عند حدود 13 مليون مستخدم نشط يومياً بحلول أغسطس (آب) من العام نفسه».

ولم يقتصر التراجع على أعداد الزوار؛ بل امتد أيضاً، وفقاً لتقارير شركة «سيميلار ويب» المتخصصة في تحليل البيانات الرقمية، خلال أغسطس 2023، إلى البقاء الزمني للمستخدم، إذ «انخفض متوسط الوقت الذي يقضيه المستخدم النشط يومياً من 21 دقيقة إلى ما يتراوح بين 4 و6 دقائق فقط بعد ثلاثة أسابيع من التدشين، ويمثل هذا الانخفاض تراجعاً يقارب 79 في المائة في قدرة التطبيق على الاحتفاظ بالجمهور».

عبد الكريم الزياني، أستاذ الإعلام الرقمي بجامعة العين في أبوظبي، يرى أن الميزات البصرية وحدها لن تكفي لإنعاش «ثريدز». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «المشكلة الأساسية ليست في شكل المنشورات؛ بل في غياب هوية واضحة تجعل المستخدم يشعر بأن المنصة تقدم له قيمة يومية مختلفة عن باقي التطبيقات».

ويضيف أن «ميتا» تحاول جعل «ثريدز» أكثر جاذبية من الناحية البصرية، وهذا يعني أنها تقترب تدريجياً من روح «إنستغرام»، وهذا قد يساعد على جذب المستخدمين المعتادين على المحتوى المرئي، لكنه قد يُضعف تميّزها كمنصة للنقاشات النصية السريعة التي تنافس «إكس».

وعن جدوى تحديثات «ثريدز» في استعادة الزخم، يقول الزياني: «قد تزيد التحديثات من التفاعل على المدى القصير، لأنها تمنح المستخدمين أدوات تعبير أكثر تنوعاً؛ لكن نجاح المنصة يبقى مرتبطاً بجودة الخوارزمية وقدرتها على عرض محتوى مهم وتحفيز النقاش الحقيقي بين المستخدمين». ويتابع: «المستخدم لن يعود يومياً بسبب الملصقات المتحركة فقط، بل لأنه يجد أخباراً سريعة ونقاشات مؤثرة ومحتوى يهمه».

ومن ثم «إذا لم توفر (ثريدز) هذه العناصر، فلن تكون الإضافات البصرية وحدها كافية للإقناع باستخدام المنصة باستمرار».

وعلى الرغم من إعلان زوكربيرغ في أكتوبر (تشرين الأول) 2024 استعادة التطبيق لمسار النمو التدريجي ووصوله إلى نحو 275 مليون مستخدم نشط شهرياً، فإن مراقبين لا يرون نمو الحسابات النشطة شهرياً دليلاً على الوصول للمستخدم.

وهنا، في لقاء مع «الشرق الأوسط» قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن تراجع «ثريدز» لا يعود إلى ضعف الإبهار البصري حتى تؤتي هذه التحديثات جدواها، بينما تكمن الأزمة في أن المنصة لم تأتِ للمستخدم بجديد، إذ اعتمدت على تكرار تجربة «إكس» فحسب.

وأردف رمزي أن «مواجهة الخفوت على المنصة يحتاج إلى الابتكار والتجديد، والخروج بجديد يختلف حتى عن منصات (ميتا) نفسها». وعدّ تحديثات المنصة سطحية ولم تأتِ بجديد للمستخدم، إذ قال: «جميع التحديثات تركز على تجربة المستخدم، وهو أمر غير كافٍ لاستعادة الصعود بعد خفوت مدوٍّ، لا سيما وسط منافسة محتدمة مع منصات مخضرمة في السوق».

ثم تطرق رمزي إلى تحديثات «ثريدز» وما إذا كانت تمثل فرصة للأخبار، فذكر أن السياسة الأوسع لشركة «ميتا» فيما يتعلق بالأخبار باتت واضحة؛ «إذ إن (ميتا) تتَّبع سياسة ممنهجة مفادها الابتعاد عن المحتوى الجاد مثل الأخبار والتحليلات، ظناً أنها تورطها في مشكلات سياسية وقانونية».

واستطرد: «ظهر هذا التوجه منذ ألغت الشركة خاصية المقالات الفورية، وصولاً إلى تقليص مشروع (فيسبوك) للصحافة والحد من وظائفه وتمويله». ومن ثم استبعد أن تتحول «ثريدز» إلى منصة للأخبار الجادة أو النقاشات الرصينة، مشيراً إلى أن «المحاولات الراهنة لجذب انتباه الجمهور مجدداً تفتقر إلى الفاعلية المطلوبة، فقد توفر تجربة جيدة للمستخدم، غير أنها لن تحقق الصعود المستدام للمنصة».


وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
TT

وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)

وليد عبود، صاحب خبراتٍ متراكمة في عالم الإعلام اللبناني، ويمثّل نموذجاً للمهني المتمرّس. ولقد تنقّل بين صروحٍ عديدة، منذ كان طالباً في كليات الإعلام والأدب والحقوق، حيث كان شغفه الأول الثقافة، إلا أن عالم السياسة سرعان ما جذبه، ليصبح أحد أبرز المحاورين التلفزيونيين في لبنان. وعبود راهناً يشغل منصب رئيس تحرير نشرات الأخبار في قناة «إم تي في» المحلية، ويقدّم 3 برامج حوارية هي: «أبيض وأسود» على منصة «هلا أرابيا»، و«الحكي يوصل» على منصة «صوت كل لبنان»، و«مع وليد عبود» على شاشة «تلفزيون لبنان».

بالنسبة لمسيرته، فإنه استقى خبراته الأولى من عمله في «دار الصياد» عندما كان في الثامنة عشرة من عمره، ويومذاك تولّى مهام التحرير في نشرة دورية كانت تُرسل إلى أصحاب القرار في لبنان والعالم العربي. بعدها تنقّل بين عدد من الصحف اللبنانية والعربية، من بينها «المسيرة» و«الحياة» و«نداء الوطن» و«النهار»، حيث كتب مقالات ثقافية.

وفي «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (إل بي سي آي)، شارك في إعداد برامج ثقافية مثل «كبارنا». أما تجاربه السياسية الأولى فانطلقت عبر برنامج «ع صوت عالي» على شاشة «تلفزيون لبنان» خلال مرحلة إدارتها من قِبل فؤاد نعيم.

ومع الراحل جبران تويني، خاض تجربة تلفزيونية جديدة من خلال إعداد برنامج «فخامة الرئيس» على شاشة «إل بي سي آي»، ليتولى بعدها برنامج «رئاسيات». ويعلقّ وليد عبود على تلك الحقبة بالقول: «تعاوني مع الراحل جبران تويني ترك أثره الإيجابي في مشواري المهني. كان قامة سياسية وإعلامية لا يمكن أن تمر مرور الكرام».

في انتقاله إلى «إم تي في» عام 1989، بدأ إعداد برنامج «سجّل موقف». وبقي فيها حتى عام 2001، حين استدعته «إل بي سي آي» للعمل في إدارة تحرير نشرات الأخبار، وهي مرحلة أكسبته خبرة واسعة. ثم عاد مجدداً إلى «إم تي في» لتولّي رئاسة تحرير نشرات الأخبار حتى اليوم، إلى جانب تقديمه برنامج «بموضوعية» حتى عام 2018. ويؤكد أن مجمل هذه المحطات صقل تجربته المهنية، التي تجاوزت اليوم 46 عاماً من العمل الإعلامي.

«تلفزيون لبنان» وعوْدٌ على بدء

على الرغم من التجارب الكثيرة واللامعة التي خاضها عبود في صروح إعلامية عدّة، فإنه لفت متابعيه أخيراً بانضمامه إلى عائلة «تلفزيون لبنان». كانت عودة إلى واحدة من أقدم تجاربه الإعلامية في عام 1994، حيث يقدّم عبره مساء كل أربعاء برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود».

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال عن هذه الخطوة: «لا شك أن هذه المحطة تسمها العراقة والتاريخ المضيء، وقد تربّينا على شاشتها. ومجرّد أن يُوضع اسمي إلى جانب الرعيل الأول من الإعلاميين أمثال عادل مالك وكميل منسّى وجان خوري، فهذا يشكل حافزاً وفخراً كبيرين لي». وأضاف مستعيداً لحظة دخوله إلى مبنى التلفزيون: «ممرّ طويل يقود إلى الاستوديوهات، وعلى جدرانه صور هؤلاء الإعلاميين، إلى جانب صورة الرئيس الراحل كميل شمعون وهو يضع حجر الأساس لتلفزيون لبنان. هناك اجتاحتني مشاعر الحنين إلى زمن الإعلام اللبناني الذهبي والرائد، حين كان لبنان بين أوائل الدول العربية التي تخطو هذه الخطوة الكبرى في المنطقة. وكذلك استعدت ذكرياتي مع هذه الشاشة المرتبطة بوجداني».

من ناحية ثانية، خيار العودة إلى «تلفزيون لبنان» لم يكن مجرد محطة عابرة في مسيرة عبود، بل جاء نتيجة مجموعة اعتبارات مهنية وواقعية. وهو يوضح أن تعذّر تقديم برنامج تلفزيوني على محطة محلية منافسة دفعه إلى اختيار هذه العودة، بوصفه الخيار الأنسب والأكثر انسجاماً مع المرحلة.

ومن خلال هذا المنبر، قدّم برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود»، الذي يُعرض مساء كل أربعاء، ويستضيف شخصيات سياسية بارزة. وقد استهلها مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. وأشار إلى أنها كانت أولى إطلالاتهما الإعلامية فشكّلت نقطة تحوّل في مسار البرنامج، إذ أسهمت المقابلتان في تثبيت حضوره وتعزيز انتشاره. وهو يرى أن «تلفزيون لبنان»، في ظل إدارته الجديدة، بدأ يخطو باتجاه رؤية مستقبلية أكثر تنظيماً ووضوحاً، ما انعكس إيجاباً على موقع البرنامج داخل المشهد الإعلامي.

إعلامي متميز... وخبرات متراكمة (إم تي في)

الذاكرة الإعلامية

قال عبود إن تجربة العودة إلى تلفزيون لبنان «أعادت إليَّ شيئاً من الذاكرة الإعلامية الأولى، لكنها في الوقت نفسه أتاحت لي مساحة عمل مختلفة، تجمع بين الخبرة المتراكمة والفرصة المتجددة لإعادة تقديم نفسي ضمن سياق وطني جامع».

وفي سياق كلامه عن تجربته الطويلة مع قناة «إم تي في»، استعاد عبود محطات من إدارة نشرات الأخبار، معتبراً أن العلاقة بين الإعلامي والمحطة تقوم أساساً على الانسجام في الرؤية والخط التحريري. وأردف: «نحن مَن نشبه المحطة وليس العكس»، موضحاً أن نجاح التجربة الإعلامية «يرتبط بمدى التقاطع بين قناعة الإعلامي ونهج المؤسسة، وإلا فإن الخلافات تصبح نتيجة طبيعية».

وعلى الصعيد الشخصي، قال إن «الحروب الإعلامية» ليست من طبعه، فهو يميل إلى تجنّب المواجهات المباشرة. ويفضّل التركيز على العمل والمضمون. ويرى أن بيئة التفاهم داخل أي مؤسسة إعلامية تُسهّل تجاوز التحديات، وتُقلّل من حدّة الإشكالات، في حين أن غياب التفاهم هو ما يخلق الأزمات، ويؤدي إلى المغادرة أو الاختلاف.

النقد ضرورة من أجل التطور

أما في ما يتعلق بالنقد، فيشدّد وليد عبود على أنه «عنصر أساسي في المهنة وليس تهديداً لها، بل لعله أداة تطوير حقيقية». ويضيف أن «كل إعلامي، سواء كان في موقع التحرير أو التقديم، يتعرّض للنقد بشكل دائم، سواء من سياسيين أو جمهور أو زملاء في المهنة، والمهم هو كيفية التعامل معه». وبالنسبة له، النقد لا يُقابل بالانزعاج، بل بالاستفادة؛ لأنه يكشف نقاط الضعف التي قد لا تكون واضحة خلال عمل يومي يستمر 18 ساعة متتالية. ويؤكد أنه بعد كل حلقة من برنامجه يطلب آراء المشاهدين بصدق؛ لأن المديح لا يهمّه بقدر ما يهمّه النقد البنّاء الذي يساعده على التطوير.

ويشرح من ثم أن مسيرته الإعلامية الطويلة علّمته أن كل يوم يحمل تجربة جديدة، وأن العمل المتواصل لساعات قد يرافقه بعض الهفوات، لكن التحدي الحقيقي هو في تقليل الأخطاء وتحاشي تكرارها. ومن ثم، يرى أن المعيار ليس في غياب الخطأ، بل في القدرة على ضبط نسبته مقارنة بمحطات أخرى.

الإعلامي يبقى في الذاكرة

واختتم عبود اللقاء معه بالتأكيد على أن «الإعلام مهنة متعبة»، ولا يعرف كيف انخرط فيها بهذا الشغف الكبير، ثم إنه كان يخطط لمسار أكاديمي في الأدب والفلسفة، لكن الإعلام جذبه بشكل غير متوقع. وتابع أنه يؤمن بأن «الإعلامي الحقيقي يبقى حاضراً في ذاكرة الناس إذا استطاع أن يترك بصمة واضحة، وأن هذه المهنة، رغم صعوبتها، تبقى وفية لصاحبها بقدر وفائه لها». ويعود ليصف الإعلام بأنه «عالم ساحر وجميل، لكن الأهم ألا ينقلب السحر على ساحره في اللحظات المفصلية».