البرازيل: فضيحة شركة «بتروبراس» النفطية الحكومية تواصل ارتداداتها السياسية والمالية

الشرطة تتحدث عن أدلة تؤكد تورط عشرات السياسيين ورجال الأعمال

أندريه إستيفيس بعد اعتقاله على خلفية فضيحة «بتروبراس» تقدم باستقالته من منصب رئيس مجلس إدارة بنك «بي تي جي باكتوال» وتخلى عن جميع أسهمه في تلك المؤسسة التي كانت تمثل رمزًا للبرازيل الصاعدة (نيويورك تايمز)
أندريه إستيفيس بعد اعتقاله على خلفية فضيحة «بتروبراس» تقدم باستقالته من منصب رئيس مجلس إدارة بنك «بي تي جي باكتوال» وتخلى عن جميع أسهمه في تلك المؤسسة التي كانت تمثل رمزًا للبرازيل الصاعدة (نيويورك تايمز)
TT

البرازيل: فضيحة شركة «بتروبراس» النفطية الحكومية تواصل ارتداداتها السياسية والمالية

أندريه إستيفيس بعد اعتقاله على خلفية فضيحة «بتروبراس» تقدم باستقالته من منصب رئيس مجلس إدارة بنك «بي تي جي باكتوال» وتخلى عن جميع أسهمه في تلك المؤسسة التي كانت تمثل رمزًا للبرازيل الصاعدة (نيويورك تايمز)
أندريه إستيفيس بعد اعتقاله على خلفية فضيحة «بتروبراس» تقدم باستقالته من منصب رئيس مجلس إدارة بنك «بي تي جي باكتوال» وتخلى عن جميع أسهمه في تلك المؤسسة التي كانت تمثل رمزًا للبرازيل الصاعدة (نيويورك تايمز)

لم يكن أندريه إستيفيس هو الثري القوي الوحيد الذي تمت الإطاحة به في تحقيقات الفساد التي هزت البلاد مؤخرا. يقول مسؤولو الشرطة البرازيلية إنهم عثروا على أدلة تفيد بأن عشرات السياسيين ورجال الأعمال قد اختلسوا الأموال من شركة «بتروبراس» النفطية المملوكة للحكومة وبعض من المتعاقدين معها.
ولكن الأمر المميز لقضية أندريه إستيفيس - الذي أنشأ وترأس بنك «بي تي جي باكتوال» الاستثماري - بصرف النظر عن الرجال والنساء الآخرين الذين نالتهم الاتهامات، أن حماقاته كانت واضحة.
يقول لويس ميغيل سانتاكريو، المحلل في القطاع المالي لدى التصنيفات المالية البرازيلية في وكالة «أوستن للتصنيفات الائتمانية»: «كانت الصفقات التي أبرمها بنك (بي تي جي باكتوال) مع شركة (بتروبراس) ومع الحكومة صغيرة نسبيا، ولم تكن على صلة مباشرة بالأعمال الرئيسية للبنك، والتي كانت مربحة للغاية. فهم لم يكونوا في حاجة فعلية إلى أي من تلك الصفقات للمحافظة على نمو البنك».
في واقع الأمر، كان التعاون المشترك ما بين بنك «بي تي جي باكتوال» والحكومة وشركة «بتروبراس» أكثر إنتاجا للخسائر عن الأرباح والمنافع. فقد كانت أقسام التداول، والمبيعات، وإدارة الأصول، وإدارة الثروات في البنك - ولم يكن لدى أي منها كثير لكسبه عبر العلاقات مع الحكومة - تجني مزيدا ومزيدا من الأموال. ولقد كانت تلك المجالات هي المسؤولة عن 84 في المائة من الأرباح للبنك خلال الربع الثالث من عام 2015.
ومع ذلك، فإن الصفقات محل التحقيقات قد أدت إلى سقوط مفاجئ ومذهل للسيد أندريه إستيفيس، البالغ من العمر (47 عاما)، الذي تمكن خلال أقل من عقدين من بناء قوة من العمل المصرفي الاستثماري تلك التي تضاهي، في محيط أميركا اللاتينية، كلا من «وول ستريت» الأميركية والبنوك الكبرى الأوروبية.
نفى السيد أندريه إستيفيس الضلوع في ارتكاب أي مخالفات، ولكن عقب إلقاء القبض عليه في نوفمبر (تشرين الثاني)، إثر اتهامات بالتآمر لعرقلة التحقيقات الحكومية، تقدم باستقالته من منصب رئيس مجلس إدارة بنك «بي تي جي باكتوال»، وتخلى عن كل أسهمه في تلك المؤسسة.
ولقد أطلق سراح السيد أندريه إستيفيس في ديسمبر (كانون الأول) الماضي من زنزانة جماعية في واحد من أعتى سجون البرازيل، «مجمع سجون بانغو» العملاق في ريو دي جانيرو، لكن المحكمة العليا في البرازيل فرضت عليه الإقامة الجبرية في منزله ومنعته من الاضطلاع بأي مهام إدارية في البنك الذي يمثله.
سبّب سقوط السيد أندريه إستيفيس هزة عارمة في الأوساط المالية البرازيلية. فلقد كان أكثر من أي ممول آخر يعد واجهة طموحات البرازيل العالمية خلال السنوات الأخيرة، والطفرة الاقتصادية قصيرة الأجل، في انطلاق غير متأن نحو النمو والمنافسة ضد أي كيان في أي مكان.
ولج السيد أندريه إستيفيس إلى عالم المال بمحض الصدفة. ففي عام 1989، بينما كان لا يزال يدرس علوم الحاسوب في الكلية، تسلم وظيفة فني للحواسيب في أحد البنوك الاستثمارية في ريو دي جانيرو، بنك «باكتوال». وبمجرد عمله هناك قرر أنه يحب العمل في مجال المال والأعمال.
يقول لويز سيزار فيرنانديز، مؤسس البنك: «عمل على تعليم نفسه، في أوقات الفراغ، كيفية عمل تداول السندات. وخلال عام واحد، كان يعرف عن ذلك الأمر أكثر مما يعرفه أي متداول مخضرم. ولذا عرضت عليه العمل معنا».
حصل السيد أندريه إستيفيس على مكافآت كبرى، والتي لم يكن ينفق منها شيئا. بدلا من ذلك، تحول إلى شريك في البنك، واستخدم تلك الأموال التي اكتسبها من التداول في شراء حصة مزيدة من أسهم البنك عاما بعد عام، وفي عام 1999 قاد مجموعة من صغار الشركاء الآخرين في التخلي عن السيد فيرنانديز ثم السيطرة الكاملة على بنك «بي تي جي باكتوال».
كان السيد فيرنانديز، الشريك الحالي في بنك «إنفيكس» التجاري في ساو باولو، ساخطا لفترة من الوقت، غير أنه تصالح بمرور الوقت مع تلميذه السابق.
يقول السيد فيرنانديز إن «مهارته الأولى هي الاستراتيجية. كما لديه رؤية ثاقبة. وهو يثير حالة نادرة من الولاء بين موظفيه. إنه مدفوع بشيء ما لا محالة، لكنه ليس المال أو السلطة، بل إنه النجاح».
ولقد امتلك العناصر الثلاثة في وقت وجيز. حيث نما بنك «بي تي جي باكتوال»، إثر أخلاقيات العمل الصارمة والمكافآت الكبيرة لكبار الشركاء. وفي عام 2006، باع السيد أندريه إستيفيس برفقة شركائه البنك إلى عملاق المصارف السويسرية «يو بي إس» مقابل 1.3 مليار دولار. وكجزء من الصفقة الكبيرة، انتقل للعمل في بنك «يو بي إس».
وبعد عامين من ذلك، وبعد ترنح بنك «يو إس بي»، إثر الأزمة المالية العالمية وقتئذ، أشاعت الأنباء في كل من زيورخ وساو باولو أن السيد أندريه إستيفيس، وبمساعدة من أثرى أثرياء البرازيل، غورغي باولو ليمان، كان يحاول شراء الشركة المصرفية السويسرية.
لم تخرج التقارير بأي إفادات بعد ذلك. ولكن السيد أندريه إستيفيس قال في وقت لاحق إنه كان ينظر فقط في شراء حصة صغيرة من مجموعة «يو بي إس».
لكن السيد ليمان، والذي قاد فيما بعد جهود الاستحواذ على «برغر كنغ»، و«هاينز»، و«كرافت»، و«ساب ميللر»، صرح لإحدى مجلات الأعمال البرازيلية في عام 2009 قائلا «إن أندريه إستيفيس هو أكثر الشخصيات التي أعرفها طموحا».
غادر السيد أندريه إستيفيس منصبه في مجموعة «يو بي إس» عائدا إلى البرازيل، حيث أسس هناك بنكا جديدا، وهو بنك «بي تي جي»، الذي اشترى في وقت لاحق بنك «باكتوال» من مجموعة «يو بي إس» مقابل 2.5 مليار دولار.
ومع دمج المؤسستين في بنك «بي تي جي باكتوال»، ارتفعت أرباح البنك الجديد بسرعة كبيرة. وطرحت اكتتاب عام مبدئيا عاد على البنك بأرباح قدرت بملياري دولار. ولقد توسعت أعمال البنك في مختلف أرجاء أميركا اللاتينية وحتى أوروبا، حيث سعى السيد أندريه إستيفيس لتحويل بنك «بي تي جي باكتوال» إلى لاعب اقتصادي عالمي.
تضاعفت ثروة السيد أندريه إستيفيس مرتين وربما ثلاثة بمليارات الدولارات عبر مسيرته المهنية، غير أنه لم ينغمس في المفاخرة والإسراف. وفي بنك «بي تي جي باكتوال»، لم يكن لديه مكتب خاص، بل كان يعمل على طاولة عادية في غرفة عمليات البنك المفتوحة على مصراعيها مع بقية شركائه وزملائه في البنك.
كان يعرب عن فخره في المقالات الإعلامية والأحاديث الخاصة مع طلاب الجامعات كيف أن البنك خاصته يمنح الشباب الصغير من محدودي الدخل، كما كان الأمر معه تماما، الفرصة للعمل الجاد والشاق، لكي يكونوا شركاء ويصبحوا أثرياء. وكما فعل كثير من المواطنين الآخرين خلال هذا العقد عندما كانت البرازيل تشهد نموا مطردا وسريعا، بدأ في الرهان على أن ذلك النمو سوف يستمر إلى ما لا نهاية.
وعلى العكس من أغلب البنوك في البرازيل، والتي خجلت كثيرا في وجه المخاطر، بدأ بنك «بي تي جي» في استخدام أمواله الخاصة في شراء الأسهم من مختلف الشركات، بما في ذلك الصناعات الدوائية، ومواقف السيارات الكبرى، ومحطات الطاقة، ومراكز اللياقة البدنية.
وكانت بعض تلك الاستثمارات هي التي أتاحت للبنك العمل مع الحكومة الاتحادية في البلاد.
وبحلول نهاية عام 2012، كان بنك «بي تي جي» يدير بنكا للتجزئة المصرفية، وتكمن قوته في بيع بوالص التأمين على السيارات، بالشراكة مع بنك مملوك للحكومة. وكان لدى بنك «بي تي جي» مشروعا مشتركا مع شركة «بتروبراس» النفطية المملوكة للحكومة لاستكشاف وإنتاج النفط في أفريقيا. كما كان البنك من أكبر المساهمين في الحفار البحري الخارجي «سيت برازيل»، الذي أنشئ لتلبية إحدى أولويات الرئيسة ديلما روسيف؛ لصناعة الخدمات النفطية المحلية لإمداد شركة «بتروبراس»، التي يتعين عليها الشراء من السوق المحلية.
يقول سيرجيو لازاريني، البروفسور في كلية «إنسبر» لإدارة الأعمال في ساو باولو: «ظل القطاع العام هنا يشهد نموا مطردا عبر سنوات، وكان يمنح مزيدا ومزيدا من العقود. وإذا ما أرادت إحدى الشركات النمو السريع، كانت تيمم وجهها شطر الحكومة. ولقد كان الفساد جزءا لا يتجزأ من قواعد اللعبة هنا».
غير أن اللعبة تغيرت، فقد أصيب الاقتصاد البرازيلي بالجمود أولا، ثم سقط في هوة من الركود العميق، فعمدت الحكومة إلى تخفيض الإنفاق العام، وبدأت تحقيقات النيابة العامة في معاقبة الفساد المتفشي في مختلف الشركات التي تعاون بنك «بي تي جي باكتوال» فيها مع الحكومة.
وألقي القبض على أندريه إستيفيس إلى جانب أحد النواب البارزين بعدما سجلت الحكومة مناقشة النائب لخطط دفع رشى للشاهد في تحقيقات الفساد بشركة «بتروبراس»، ليهرب خارج البلاد. وعلى الرغم من عدم وجود أندريه إستيفيس في ذلك الوقت، إلا أن المشتبه بهم الآخرين أشاروا إلى أنه جزء من المؤامرة.
وعثرت الشرطة على مذكرة تشير إلى أنه في عام 2013، قد يكون بنك «بي تي جي» قد دفع رشوة لأحد النواب، والذي يشغل الآن منصب رئيس مجلس النواب بالكونغرس البرازيلي، وتقدر بمبلغ 12 مليون دولار لبعض الخدمات التشريعية الخاصة. ويبحث المحققون حاليا في كثير من الصفقات التي أبرمها بنك السيد أندريه إستيفيس مع شركة «بتروبراس» وغيرها من الشركات الخاضعة للتحقيقات.
ولقد طالب المدعي العام البرازيلي من المحكمة العليا توجيه الاتهام إلى السيد أندريه إستيفيس بعرقلة سير العدالة، وهي الجريمة التي، إذا أدين فيها، قد تؤدي إلى سجنه لمدة ثماني سنوات. كما أن المدعي العام يتجهز حاليا، كما يقال، لتوجيه مزيد من الاتهامات بحق الرجل.
هذا ولقد نفى السيد أندريه إستيفيس، وبنك «بي تي جي باكتوال»، ورئيس مجلس النواب، كل الاتهامات الموجهة، كما لم تفضل المحكمة العليا حتى الآن في طلب المدعي العام.
يقول أنطونيو كارلوس دي ألميدا كاسترو، محامي السيد أندريه إستيفيس، إن موكله لن يستأنف قرار المحكمة بالإقامة الجبرية، ولكن الدفاع سوف يثبت براءته. غير أن المستثمرين في بنك «بي تي جي باكتوال» يشعرون بقلق شديد.
فلقد هبطت أسهم بنك «بي تي جي» بمقدار 50 في المائة منذ اعتقال السيد أندريه إستيفيس، كما تراجعت قيمة السندات بصورة كبيرة وغير مرغوب فيها، ولقد بدأ البنك في بيع الأصول، لضمان السيولة المالية المهمة لاستمرار البنك.
ومن المفارقات المحيطة بسقوط السيد أندريه إستيفيس، إثر فضيحة الفساد الوطنية في البرازيل، أن البنك خاصته لم يعد برازيليا خالصا، حيث أفاد تقرير عائدات الربع الثالث للبنك بأن أكثر من 60 في المائة من عوائد البنك باتت تأتي من خارج البلاد في عام 2016.
يقول جواو أوغوستو ساليس، محلل القطاع المالي لدى مؤسسة «لوبيز فيلهو» للاستشارات المالية في ريو دي جانيرو: «إذا كان أندريه إستيفيس ضالعا بالفعل في أنشطة غير مشروعة، فقد دخل في مخاطرة هائلة مقابل ما يمكن وصفه في نهاية المطاف بأنه فائدة متدنية للغاية. لكنه كان يدير البنك بنشاط محموم وكان طموحه بلا حدود».
* خدمة (نيوريوك تايمز)



زيادة تحويلات المغتربين لا تكبح ارتفاع سعر الدولار في مصر

رجل مصري يمر أمام شاشة عرض لعملة الدولار الأميركي (رويترز)
رجل مصري يمر أمام شاشة عرض لعملة الدولار الأميركي (رويترز)
TT

زيادة تحويلات المغتربين لا تكبح ارتفاع سعر الدولار في مصر

رجل مصري يمر أمام شاشة عرض لعملة الدولار الأميركي (رويترز)
رجل مصري يمر أمام شاشة عرض لعملة الدولار الأميركي (رويترز)

أعاد الحديث عن زيادة تحويلات المصريين بالخارج بصيص أمل لدى قطاعات من المصريين في كبح ارتفاع سعر صرف الدولار، إثر موجة تقلبات في العملة الأميركية أعقبت الحرب الإيرانية وما رافقها من تداعيات اقتصادية إقليمية ودولية، غير أن اقتصاديين وخبراء استبعدوا هذا السيناريو في ظل القلق من احتمال استئناف الحرب التي لا تزال رهناً بالمفاوضات.

وأبدت وسائل إعلام مصرية ومدونون عبر منصات التواصل الاجتماعي قدراً من التفاؤل عقب إعلان البنك المركزي المصري ارتفاع تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنسبة 28 في المائة خلال الفترة من يوليو (تموز) 2025 إلى فبراير (شباط) 2026، لتصل إلى نحو 29.4 مليار دولار، مقابل نحو 23 مليار دولار خلال الفترة نفسها من العام المالي 2024 - 2025.

لكن اقتصاديين، من بينهم هاني توفيق، الرئيس التنفيذي السابق لشركة «مصر لرأس المال المخاطر»، حذروا من أن الارتفاع الأخير في تحويلات المصريين العاملين بالخارج لا يعكس بالضرورة تحسناً مستداماً في أوضاع سوق النقد الأجنبي، عاداً أن هذه الأرقام تعود إلى فترة سابقة للتوترات العسكرية الأخيرة في المنطقة التي بدأت في مارس (آذار)، مستنتجاً أنها «قد لا تكون كافية لكبح الضغوط المتزايدة على سعر صرف الدولار في مصر».

ارتفاع جديد قبل الحرب

وبحسب بيانات البنك المركزي، ارتفعت تحويلات المصريين بالخارج خلال شهر فبراير (شباط) وحده بنسبة 25.7 في المائة، لتسجل نحو 3.8 مليار دولار، مقابل نحو 3 مليارات دولار خلال الشهر نفسه من العام الماضي، علماً بأن عدد المصريين العاملين بالخارج يتجاوز 5 ملايين مصري، بحسب وزير العمل المصري حسن رداد.

وتوقع توفيق، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن يظل الدولار في «منحنى صعودي» خلال الفترة المقبلة، في ظل ارتباط الاقتصاد المصري بالتغيرات الجيوسياسية الإقليمية وما تفرضه من ضغوط على مصادر النقد الأجنبي، مشيراً إلى أن توقع مستويات الارتفاع المقبلة يبقى أمراً بالغ الصعوبة في ظل تسارع التطورات الإقليمية والدولية.

ولم يستبعد الخبير الاقتصادي المصري أن تحمل البيانات المقبلة تراجعاً في تدفقات تحويلات العاملين بالخارج، مع تقلص أعداد المصريين العاملين في بعض دول الخليج نتيجة الظروف الاقتصادية والتوترات التي تشهدها المنطقة، إلى جانب استمرار الضغوط على إيرادات قطاعي السياحة وقناة السويس.

وأوضح توفيق أن استمرار الاضطرابات الإقليمية ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد المصري، سواء عبر تراجع حركة الملاحة في البحر الأحمر وتأثيرها على إيرادات قناة السويس، أو من خلال تباطؤ النشاط السياحي، وهو ما يزيد الحاجة إلى مصادر أكثر استدامة للعملة الأجنبية.

رجل يحصي جنيهات مصرية خارج أحد البنوك في القاهرة (رويترز)

ومنذ اندلاع الحرب الإيرانية، استمر تذبذب سعر الدولار في مصر، فبعدما صعد عقب اندلاعها في مطلع مارس من نحو 47 جنيهاً إلى أكثر من 54 جنيهاً، شهد تراجعاً إلى نحو 51 جنيهاً. وأربكت تقلبات الدولار أمام الجنيه الأسواق المصرية هذا الأسبوع بعدما كسرت العملة الأميركية حاجز 53 جنيهاً مجدداً خلال تعاملات الأربعاء والخميس.

حدود آمنة

وكان الأكاديمي والباحث الاقتصادي خالد الشافعي أكثر تفاؤلاً؛ إذ قال إن التحركات الأخيرة في سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري لا تزال ضمن «الحدود الآمنة»، مشيراً إلى أن تذبذب العملة الأميركية بين مستويات 50 و55 جنيهاً خلال الفترة الماضية «لا يمثل مؤشراً يدعو إلى القلق حتى الآن».

وأوضح الشافعي أن حالة التذبذب الحالية يصعب تحديد سقفها الزمني بصورة دقيقة، في ظل ارتباط موارد مصر الدولارية بعوامل خارجية تتأثر بحركة الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد والتطورات الجيوسياسية والاقتصادية الدولية.

وأضاف أن الاقتصاد المصري يعتمد بصورة رئيسية على 5 مصادر أساسية للنقد الأجنبي، تشمل: إيرادات السياحة، وعائدات قناة السويس، وتحويلات المصريين العاملين بالخارج، والصادرات، إلى جانب تدفقات «الأموال الساخنة»، وهي جميعها مصادر تتأثر بشكل مباشر بالتقلبات الاقتصادية العالمية.

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد أكد في أكثر من مناسبة أن «مصر تكبدت خسائر بنحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس بسبب الهجمات على السفن في مضيق باب المندب، إلى جانب استضافة نحو 10 ملايين وافد، فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وأشار الشافعي إلى أن الحكومة المصرية اتخذت خلال الفترة الأخيرة خطوات وصفها بـ«الإيجابية» لاحتواء الضغوط المرتبطة بسوق الصرف، من بينها تخفيف بعض قرارات إغلاق المحال التجارية، إلى جانب التحرك المبكر لملاحقة أي مؤشرات على عودة السوق السوداء للعملة الأميركية، بهدف الحفاظ على استقرار السوق النقدية ومنع المضاربات.

وكانت وزارة الداخلية قد أكدت، الأربعاء، «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 26 مليون جنيه (نحو 490 ألف دولار)»، معتبرة أن ذلك يأتي في إطار «تواصل الضربات الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية، لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي».

ولا يرى هاني توفيق بديلاً لمواجهة تحديات سعر الصرف المتقلب سوى «المضي في تنشيط عمليات الاستكشافات النفطية والغازية، إلى جانب تبني سياسات أكثر فاعلية لترشيد الاستهلاك وتقليل ضغوط الطلب على الدولار، بما يسهم في تعزيز قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية».


تيسيرات مصرية للتوسّع في مشروعات قطاع التعدين

جانب من اجتماع مجلس الوزراء المصري خلال مناقشة قانون الثروة المعدنية الأربعاء (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
جانب من اجتماع مجلس الوزراء المصري خلال مناقشة قانون الثروة المعدنية الأربعاء (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
TT

تيسيرات مصرية للتوسّع في مشروعات قطاع التعدين

جانب من اجتماع مجلس الوزراء المصري خلال مناقشة قانون الثروة المعدنية الأربعاء (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)
جانب من اجتماع مجلس الوزراء المصري خلال مناقشة قانون الثروة المعدنية الأربعاء (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

عبر «خفض إيجارات مناطق البحث والاستكشاف، وتسريع استخراج الموافقات»، تُقدم الحكومة المصرية تيسيرات جديدة للتوسع في مشروعات قطاع التعدين.

ووفق وزير البترول والثروة المعدنية، كريم بدوي، فإن «بلاده تعمل على تطوير بيئة استثمارية أكثر استقراراً وجاذبية في قطاع التعدين، من خلال تحديث الأطر التشريعية والتعاقدية والتحول إلى نماذج متوافقة مع أفضل الممارسات العالمية وتوفير حوافز مناسبة للمستثمرين».

وأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية، في بيان، الجمعة، أنه في إطار توجه الدولة نحو تطوير قطاع التعدين وتعظيم الاستفادة من الثروات المعدنية، وافق مجلس الوزراء على تعديلات اللائحة التنفيذية لـ«قانون الثروة المعدنية». وأوضحت أن التعديلات تهدف إلى «تهيئة بيئة استثمارية جاذبة، وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية، وزيادة مساهمة قطاع التعدين في الاقتصاد القومي».

وحسب الوزارة، تضمنت التعديلات تيسيرات منها «خفض القيمة الإيجارية لمناطق البحث والاستكشاف بنسب تصل إلى 60 في المائة لتخفيف الأعباء المالية على المستثمرين خلال المراحل الأولى للمشروعات وتشجيع التوسع في أعمال البحث وزيادة فرص الاستكشاف، وتحديد مدة زمنية لا تتجاوز 30 يوماً لإصدار الموافقات والتنسيقات بما يدعم تبسيط الإجراءات وتسريع وتيرة العمل، فضلاً عن السماح باستغلال أكثر من خام داخل منطقة الامتياز الواحدة بما يحقق الاستفادة المثلى من الموارد التعدينية ويعزز الجدوى الاقتصادية للمشروعات».

وأكدت الوزارة أنه تم تعديل نسبة مساهمة هيئة الثروة المعدنية والصناعات التعدينية في المشروعات المشتركة لتصبح 10 بدلاً من 25 في المائة، بما يسهم في زيادة جاذبية الاستثمار وتشجيع ضخ استثمارات جديدة، كما شملت «وضع إطار واضح لتحديد الإتاوات الخاصة بالخامات غير المدرجة مسبقاً، بما يحقق الشفافية ووضوح الالتزامات المالية للمستثمرين».

«انفوغراف» نشره مجلس الوزراء عبر صفحته بـ«فيسبوك» الجمعة عن تعديلات قانون الثروة المعدنية في مصر

وأشار أستاذ هندسة البترول والطاقة، جمال القليوبي، إلى أن «التيسيرات الحكومية الجديدة تستهدف زيادة الإيرادات بطريقة أكثر استدامة عبر دخل ثابت من الإيجارات، والإتاوات المرتبطة بالإنتاج، والضرائب على الأرباح وهذا أفضل من عملية التقاسم التعاقدية».

أضاف القليوبي لـ«الشرق الأوسط» أن الهدف من التعديلات «تحسين مناخ الاستثمار في التعدين، وتبسيط إجراءات التراخيص، وتقليل زمن الموافقات، وتوحيد جهة التعامل، وإدخال نظام طرح عبر المزايدات العالمية».

وتابع: «فضلاً عن التحول من نظام مشاركة إلى نظام إتاوة وضرائب». ويفسر: «قبل التعديلات كان النظام المعمول به هو الاعتماد على اتفاقيات شبيهة بالبترول (تقاسم الإنتاج) بالدخول في الإنتاج بنسبة 50 إلى 50، لكن بعد التعديل أصبح يعتمد على نظام إتاوة يصل من 5 إلى 20 في المائة، ويعتمد على ضرائب أرباح، وعلى رسوم إيجارات ومساحات، وهو نظام مألوف عالمياً، ويقلل المخاطر القانونية والتعاقدية، ويجعل مصر دولة ذات تنافسية».

وأطلقت مصر في وقت سابق المنطقة الاقتصادية الخاصة للمثلث الذهبي بهدف تطويرها، إذ تتضمن مشروعات تعدين وصناعات ذات قيمة مضافة. وتعد هذه المنطقة بين (قنا وسفاجا والقصير) من أغنى المناطق في مصر من حيث المعادن مثل الحديد، والنحاس، والذهب، والفضة، والجرانيت، والفوسفات، وتمثل نحو 75 في المائة من الموارد المعدنية للدولة.

وتضمنت التعديلات الحكومية، حسب بيان «البترول والثروة المعدنية»، الجمعة، تنظيم إصدار تراخيص المعامل المتخصصة وتحديد اشتراطات تشغيلها بما يضمن إحكام الرقابة على الأنشطة التعدينية ورفع كفاءة عمليات التحليل، وإنشاء فروع ومكاتب لهيئة الثروة المعدنية داخل وخارج مصر بما يسهم في دعم الترويج لفرص الاستثمار وتيسير الإجراءات للمستثمرين، فضلاً عن تعزيز التحول الرقمي من خلال إتاحة التقديم على المناطق التعدينية وسداد الرسوم إلكترونياً عبر بوابة مصر للتعدين.

ويشير القليوبي إلى أن «التيسيرات تتيح مرونة أثناء فترات البحث والاستكشاف، والمرونة تتمثل في أن المستثمر يستطيع أن يستكشف من خلال قطعة الامتياز الواحدة أكثر من معدن، وبالتالي يجعل هناك نوعاً من المرونة خلال فترات البحث والتنقيب ويقلل التقييد بالشراكة عبر تحويل بسيط للرخصة من استكشاف لاستغلال».

وزير البترول والثروة المعدنية خلال «منتدى المعادن الحرجة» في إسطنبول يوم الثلاثاء (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)

وبينما تؤكد «البترول والثروة المعدنية» أن «التعديلات الحكومية تمثل خطوة مهمة نحو تطوير قطاع التعدين، وتهيئة مناخ أكثر تنافسية للاستثمار». يشير مراقبون إلى أن «التعديلات تأخرت بعض الوقت؛ لكنها تعتمد على مُحفزات وتيسيرات لتسريع عمليات الاستثمار».

وكان رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي قد اطلع خلال اجتماع، الاثنين، مع كريم بدوي على جهود وزارة البترول والثروة المعدنية لتحفيز الاستثمار في قطاع التعدين.

ويرى أستاذ البترول والطاقة أن «التعديلات تزيد الإيرادات». ويوضح أن «مصر تستهدف رفع مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي من 1 في المائة حالياً إلى نحو 6 في المائة».

كما أعلن الوزير بدوي أثناء مشاركته في «منتدى المعادن الحرجة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية» بإسطنبول، الثلاثاء الماضي، أن «مصر تستعد لبدء تنفيذ مشروع المسح الجوي الجيوفيزيائي الشامل للمعادن خلال يونيو (حزيران) المقبل، وهو أول مشروع من نوعه منذ عام 1984». وأوضح أن «إتاحة البيانات الجيولوجية الدقيقة تمثل ركيزة أساسية لتقييم الموارد التعدينية، وطرح فرص استثمارية أكثر جاذبية، وجذب المستثمرين، وتسريع قراراتهم الاستثمارية».


«وول ستريت» تواصل الصعود نحو مستويات قياسية بدعم أرباح الشركات

أشخاص أمام بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
أشخاص أمام بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
TT

«وول ستريت» تواصل الصعود نحو مستويات قياسية بدعم أرباح الشركات

أشخاص أمام بورصة نيويورك (إ.ب.أ)
أشخاص أمام بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

تواصل الأسهم الأميركية صعودها نحو تسجيل مزيد من الأرقام القياسية يوم الجمعة، مدعومة بنتائج قوية لشركات كبرى مثل «أبل» و«إستي لودر»، في وقت ساهم فيه التراجع المحدود لأسعار النفط في تهدئة التقلبات ودعم استقرار الأسواق العالمية خلال عطلة عيد العمال.

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.6 في المائة، معززاً المستوى القياسي الذي سجله في الجلسة السابقة. كما صعد مؤشر «داو جونز» الصناعي بمقدار 226 نقطة، أو 0.5 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، فيما زاد مؤشر «ناسداك» المركب بنسبة 0.7 في المائة ليواصل تسجيل قمم تاريخية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

وتصدرت شركة «أبل» قائمة الرابحين بارتفاع سهمها 3.3 في المائة، بعد إعلانها عن نتائج فصلية فاقت توقعات المحللين من حيث الأرباح والإيرادات.

كما ارتفع سهم «إستي لودر» بنسبة 4.2 في المائة عقب إعلانها عن أرباح قوية، مدعومة بشكل جزئي بأداء قوي في السوق الصينية، إلى جانب رفع بعض توقعاتها المستقبلية. وصعد سهم «كولغيت - بالموليف» بنسبة 3.1 في المائة بعد نتائج أفضل من المتوقع، رغم تحذير رئيسها التنفيذي نويل والاس من استمرار التقلبات الاقتصادية الكلية وتباطؤ نمو القطاع خلال عام 2026.

ويظل مسار أسعار النفط العامل الأبرز المؤثر في آفاق الاقتصاد العالمي، في ظل تداعيات الحرب الإيرانية. وقد تراجعت الأسعار يوم الجمعة بعد ارتفاعات حادة شهدتها في وقت سابق من الأسبوع.

وانخفض سعر خام برنت، المعيار العالمي، بنسبة 0.5 في المائة ليصل إلى 109.88 دولارات للبرميل، رغم بقائه مرتفعاً بنحو 11 في المائة على أساس أسبوعي. وجاءت هذه التحركات في ظل استمرار المخاوف من إطالة أمد إغلاق مضيق هرمز، ما قد يعيق تدفقات النفط من الخليج إلى الأسواق العالمية.

وفي سوق السندات، استقرت عوائد سندات الخزانة الأميركية بالتزامن مع تراجع أسعار النفط، حيث انخفض عائد السندات لأجل 10 سنوات بشكل طفيف إلى 4.39 في المائة مقارنة بـ4.40 في المائة في نهاية جلسة الخميس.

وعلى صعيد الأسواق العالمية، أغلقت العديد من البورصات أبوابها بسبب عطلة رسمية، فيما ارتفع مؤشر «نيكي 225» في طوكيو بنسبة 0.4 في المائة، في حين تراجع مؤشر «فوتسي 100» في لندن بنسبة 0.6 في المائة.