الجزائر: انتخابات مبكرة وتفعيل المادة 88 من الدستور

طرحان يثيران جدلاً على خلفية استمرار مرض بوتفليقة

جدارية تمجد يوم الاحتفال باستقلال الجزائر عن فرنسا في وقت يسود الغموض حول صحة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ديسمبر الماضي (نيويورك تايمز)
جدارية تمجد يوم الاحتفال باستقلال الجزائر عن فرنسا في وقت يسود الغموض حول صحة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ديسمبر الماضي (نيويورك تايمز)
TT

الجزائر: انتخابات مبكرة وتفعيل المادة 88 من الدستور

جدارية تمجد يوم الاحتفال باستقلال الجزائر عن فرنسا في وقت يسود الغموض حول صحة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ديسمبر الماضي (نيويورك تايمز)
جدارية تمجد يوم الاحتفال باستقلال الجزائر عن فرنسا في وقت يسود الغموض حول صحة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة ديسمبر الماضي (نيويورك تايمز)

سيطر «مرض الرئيس» بشكل لافت، على المشهد السياسي في الجزائر خلال عام 2015. ولأول مرة تتعامل السلطات بنوع من الشفافية مع هذا الملف، عندما أعلنت في نوفمبر (تشرين الثاني) أن بوتفليقة أُجريت عليه فحوصات طبية في عيادة متخصصة في جراحة القلب بفرنسا. ورغم أن الرئاسة قالت إن الأمر لا يعدو كونه «فحوصات روتينية»، تجدد الجدل حول مدى قدرة الرئيس على الاستمرار في الحكم.
وطرح قطاع من المعارضة فكرة تنظيم انتخابات رئاسية مبكرة، بعد تنقل الرئيس إلى فرنسا للعلاج، بحجة أن السلطة مرغمة على اختيار رئيس آخر. وعاد الحديث من جديد حول «من يخلف الرئيس؟»، وعاد معه طرح الأسماء المرشحة لتولي رئاسة الجمهورية، وأبرزها رئيس الوزراء عبد المالك سلال، ووزير الدولة مدير الديوان بالرئاسة أحمد أويحيى، وبدرجة أقل شقيق الرئيس وكبير مستشاريه السعيد بوتفليقة، وقائد أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح الذي أضحى الرجل النافذ في المؤسسة العسكرية، بعد عزل مدير المخابرات محمد مدين. وجرى حديث عن «هيمنة رجال المال على مراكز القرار»، وفهم من ذلك أن كبار أصحاب رؤوس الأموال، المحيطين بالرئيس، هم من سيختارون خليفته حتى يحافظوا على مصالحهم.
غير أن «جبهة التحرير الوطني» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«تجمع أمل الجزائر» و«الحركة الشعبية الجزائرية»، وهي الأحزاب التي تدعم الرئيس، هاجمت بشدة دعاة الانتخابات المبكرة ودعتهم إلى «انتظار عام 2019، إن كنتم تريدون كرسي الرئاسة»، في إشارة إلى الموعد الرئاسي المرتقب بعد 4 سنوات. ولا يتردد الموالون للرئيس في القول إنه سيترشح لولاية خامسة، لو سمحت له حالته الصحية بذلك.
طرح آخر مثير للجدل، هو «تفعيل المادة 88 من الدستور»، الذي روّجت له أحزاب معارضة وصحف محسوبة عليها. وتقول هذه المادة التي تذكر في الإعلام، منذ أن خضع الرئيس لعملية جراحية في المعدة على إثر نزيف حاد (نهاية 2005): «إذا استحال على رئيس الجمهورية أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير ومزمن، يجتمع المجلس الدستوري وجوبا. وبعد أن يتثبت من حقيقة هذا المانع بكل الوسائل الملائمة، يقترح بالإجماع على البرلمان التصريح بثبوت المانع». وبعدها يعلن البرلمان بغرفتيه ثبوت المانع بأغلبية ثلثي الأعضاء، ويكلف رئيس الغرفة البرلمانية الثانية (مجلس الأمة) بتولي رئاسة الدولة لمدة 45 يومًا. وفي حال استمرار المانع بعد انقضاء هذه المدة، يعلن شغور منصب الرئيس بالاستقالة. ثم يتولى رئيس «مجلس الأمة» رئاسة البلاد مدة 60 يومًا، تنظيم خلالها انتخابات رئاسية.
غير أن المشكلة أن رئيس «مجلس الأمة» عبد القادر بن صالح، هو أيضًا مريض وعاد إلى البلاد منذ فترة قصيرة، بعد أن قضى عدة أسابيع في فرنسا بغرض العلاج. ويقول الدستور إن رئيس «المجلس الدستوري» هو من يخلف رئيس «مجلس الأمة» إذا تعذر عليه ممارسة مهامه. ووقف «أولياء» الرئيس، كما يحلو للإسلاميين تسميتهم، بقوة في وجه المطالبين بتطبيق الترتيبات الدستورية المتعلقة بعجز الرئيس عن أداء مهامه. فقد ذكر العربي ولد خليفة رئيس «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية الأولى)، أنه «ينصح الفعاليات التي تكتب وتقول وتريد أن تستثمر في مرض الرئيس، بالالتزام بالأخلاق واحترام الغير مهما كانت العلاقات التي تربطهم به». وقال إن «أي إنسان، صغيرا كان أم كبيرا وحتى لو ولد بالأمس، يمكن أن يصاب بالمرض لأن ذلك طبيعي عند البشر».
أما عبد القادر بن صالح، فندد بـ«الأصوات الناعقة» التي اتهمها بـ«التهويل من خطورة مرض الرئيس». ودعا من سماهم «دعاة نشر اليأس»، إلى «ترك الرجل يرتاح ليواصل رسالة البناء والتشييد».

2015 عام حالك على جنرالات الجزائر

كان عزل مدير المخابرات العسكرية الجزائرية محمد مدين، بعد 25 سنة قضاها على رأس الجهاز الأكثر أهمية في البلاد، الحدث الأبرز خلال العام والأقوى خلال 10 سنوات على الأقل. لم يكن «الجنرال توفيق»، كما اشتهر بتسميته، الرقم واحد في المنظومة الأمنية وحسب، بل كان متغلغلاً في كل مفاصل الدولة بهيئاتها ومؤسساتها الاقتصادية والاجتماعية. والشائع عنه أنه كان أحد النافذين في مؤسسة الجيش ممن تحمّسوا لتولي عبد العزيز بوتفليقة الرئاسة قبل 16 سنة.
13 سبتمبر (أيلول) 2015 هو يوم فارق لا محالة في التاريخ السياسي المعاصر للجزائر. فالرجل الذي يصنع الرؤساء، وتعود له الكلمة الأخيرة في تعيين رؤساء الحكومات والوزراء ومديري الشركات الحكومية الكبيرة، سقط! «توفيق» يعزل من جهاز المخابرات الذي قاده بيد من حديد، ويحال على التقاعد بقرار من عبد العزيز بوتفليقة الرئيس ولكن بصفته وزير الدفاع.
مسلسل إضعاف الجنرال بدأ في خريف 2013 بعودة بوتفليقة من رحلة علاج بفرنسا دامت 88 سنة، فخلال غيابه رفعت الشرطة القضائية التابعة للمخابرات، خلاصة تحريات دقيقة حول فساد في شركة «سوناطراك» للمحروقات المملوكة للدولة، إلى وزير العدل آنذاك محمد شرفي. الوزير أمر النائب العام بالعاصمة بإصدار مذكرة اعتقال دولية بحق وزير الطاقة السابق شكيب خليل، الذي ورد اسمه في تحريات المخابرات كمتهم رئيسي في رشى وعمولات بقيمة 190 مليون دولار، دفعت في صفقات مع شركة إيطالية نفطية معروفة.
شكيب خليل هو صديق طفولة بوتفليقة، كان أحد أبرز الكوادر بالبنك العالمي في تسعينات القرن الماضي. ولما عاد بوتفليقة إلى الحكم عام 1999 أقنعه بالدخول إلى الجزائر ليمسك قطاع الطاقة، الذي يعد شريان الاقتصاد الجزائري. وهكذا ظل خليل مسؤولا على مصدر رزق الجزائريين، لمدة 14 سنة، يتصرف في القطاع كما يشاء مستفيدا من ثقة الرئيس العمياء ومعتمدا على صداقتهما القوية.
بوتفليقة لم يكن يتوقع أن يتلقى «طعنة في الظهر» من جانب مدير المخابرات. فقد كانت ملاحقة خليل بمثابة «خيانة» له، خصوصًا أنه كان خارج البلاد وفوق ذلك ضعيف بدنيًا يعاني المرض. لذلك لما عاد تصرف في جهاز المخابرات كالثور الجريح، فانطلق في تنفيذ خطة «تفكيكه» بإلغاء الشرطة القضائية الاستخباراتية، ثم إلغاء مصلحة مراقبة الإعلام فيه. ومنه انتقل الرئيس إلى تجريد المخابرات من جهاز الأمن الرئاسي الذي نقله إلى رئاسة أركان الجيش. ثم نزع من «توفيق» جهازًا حساسًا هو أمن الجيش، فألحقه برئيس أركان الجيش الفريق أحمد قايد صالح الذي سيصبح شيئًا فشيئًا الرجل الأول في المؤسسة العسكرية.
بعد هذا أصبح «توفيق» مثل الطير مكسور الجناحين، إلى أن جاءت الضربة القاضية التي تمثلت في ملاحقة مسؤول محاربة الإرهاب في المخابرات، اللواء عبد القادر آيت وعرابي الشهير بـ«حسان»، الذي كان أبرز مساعدي «توفيق». وكانت النهاية بعزل الأخير وتعويضه باللواء بشير طرطاق، مسؤول الأمن الداخلي وأحد رجال «توفيق» الذين اشتهروا بالتشدد مع الإسلاميين المتطرفين. في سياق هذه التغييرات، نحى الرئيس وزير العدل شرفي في أول تعديل حكومي.
وبقدر ما كان سقوط «توفيق» مدويًا، صنع خروجه عن صمته الذي لازمه مدة ربع قرن مفاجأة قوية. ففي 4 ديسمبر (كانون الأول) 2015، كتب الجنرال المعزول رسالة إلى الجزائريين يشكو فيها «ظلما» لحق بمرؤوسه سابقًا الجنرال حسان. الرسالة تذكر بشكل صريح بأن الوقائع التي تمت على أساسها متابعة رئيس قسم مكافحة الإرهاب، ملفقة. وكلام «توفيق» موجَّه بشكل مباشر لرئيس أركان الجيش صالح الذي هو نائب وزير الدفاع لأنه هو من أمر النيابة العسكرية بمتابعة «حسان» الذي اتهم بـ«مخالفة تعليمات قيادة الجيش» و«إتلاف وثائق عسكرية».
في تلك الرسالة المشهودة، قال «الجنرال الجريح»: «لقد أصبت بالذهول جرّاء الحكم الذي صدر عن المحكمة العسكرية لوهران (غرب البلاد)، في حق اللواء حسان»، في إشارة إلى إدانة «حسان» بالسجن 5 سنوات. وجاء في الوثيقة التي كانت بمثابة قنبلة في الساحة السياسية: «فيما يخصّ العملية التي أُدين بسببها بتهمة الإخلال بالتعليمات العامة، فإنني أؤكّد أنّه عالج هذا الملف باحترام المعايير وبتقديم التقارير في الوقت المناسب. بعد النتائج المُرْضية التي تمّ إحرازها في المرحلة الأولى للعملية، هنّأتُه، هو ومساعديه، وشجّعته على استغلال كلّ الفرص السانحة بفضل هذا النجاح. وبالتالي، فلقد سَيّر هذا الملف وِفق القواعد المعمول بها، أي باحترام مدوَّنة العمل والخصوصيات التي تستوجب تسلسلاً عملياتيًا موصى به بشدّة في الحالة المعنية».
ولم يذكر مدين ما هي العملية التي توبع بسببها «حسان». ولا أحد من محاميه الثلاثة خاض فيها أمام الإعلام، والسبب أن قيادة الجيش حرصت على أن تظل طي الكتمان، وحتى المحاكمة جرت في سرية ومنع أفراد عائلة المتهم من حضورها. كل ما هو معروف أن مهرب سلاح كان بمثابة «عين» الجنرال داخل عصابات تهريب السلاح في الصحراء الجزائرية الكبرى، هو شاهد إثبات في القضية. ما عدا هذا فالمهمة التي كانت سببًا في سجنه، تظل لغزًا محيرًا.
وأثنى «توفيق» على الجنرال السجين، باستعمال عبارات الشكوى ما أثار دهشة كل المتتبعين؟ إذ كيف لـ«هيلمان» في الدولة أن يستجدي شفقة الجزائريين من جهاز القضاء العسكري الذي كان يأتمر بأوامره، ومن مؤسسة الجيش التي كان الآمر الناهي فيها؟!
ومما جاء في الرسالة أن المتهم المدان «كرّس نفسَه بشكل كامل من أجل هذه المهمّة، وقاد عمليات كثيرة أسهمت في ضمان أمن المواطنين ومؤسّسات الجمهورية، بحيث لا يمكن التشكيك في إخلاصه وصدقه في تأدية عمله. إنّه ينتمي إلى تلك الفئة من الإطارات القادرة على تقديم الإضافة المتفوِّقة للمؤسّسات التي يخدمونها». وأضاف مدين: «إن الأمر المستعجل اليوم يَكْمُن في رفع الظلم الذي طال ضابطًا خَدَم البلد بِشَغَفٍ، واسترجاع شرف الرجال الذين عملوا مثله بإخلاص تامّ من أجل الدفاع عن الجزائر». وأهم ما في كلام «توفيق» أنه وصف القضاء العسكري بـ«الظالم»، وهو هجوم حاد على من أمر بمتابعة «حسان» في المحكمة العسكرية.
بعدها انطلقت الآلة الدعائية المعروفة بتبعيتها للرئيس ومحيطه، ضد «توفيق». قطاع من الإعلام المكتوب وسمعي البصري شن حربا حادة ضده، فتم نعته بكل الأوصاف واتهم بـ«الزجّ بالآلاف من كوادر القطاع الاقتصادي في السجون، بناء على تهم واهية». وقيل عنه إنه «بدل أن يعطينا حلولاً لأزمات الجزائريين، اختزل خروجه عن صمته في الدفاع عن صديقه».
وفي القضية وتشعباتها، ظهرت جزئية مهمة للغاية. فقد دافع وزير الدفاع الأسبق اللواء خالد نزار عن «حسان». وعدّ ذلك «سندًا نوعيًا» له وللجنرال محمد مدين. فأصبحت المعادلة كالتالي: جناح في النظام يقوده الرئيس بوتفليقة وشقيقه السعيد ورئيس أركان الجيش ورئيس الوزراء عبد المالك سلال، وقوة مالية ضخمة يمثلها رجال أعمال. وجناح آخر يمثله المغضوب عليهم في الجيش والمخابرات.
وقال نزار معلقًا على الحكم القضائي الذي فجّر أحقادًا دفينة بين النافذين في النظام: «قسوة الحكم بالسجن هو ما دفعني إلى الخروج عن صمتي، الذي التزمت به طيلة مراحل التحقيق في القضية».
وأوضح نزار بأن التهم التي وجهت للضابط «حسان»، «ما كان ينبغي أن تأخذ طابعًا جزائيًا، فهي في الأصل ذات طابع تأديبي»، مشيرًا إلى أن الجهة التي تابعت الجنرال، كان ينبغي أن تحاسبه في إطار العقوبات الإدارية الداخلية للمؤسسة العسكرية وفقط. معنى ذلك أن التهمة سياسية وأن الهدف الحقيقي هو ضرب «توفيق» وليس متابعة «حسان».
غير أن أبرز ما تضمنته رسالة من يوصف بـ«العدو اللدود للإسلاميين»، أن محمد مدين رفع رسالة إلى بوتفليقة قبل عزله، يقول فيها إنه شرح للرئيس كل تفاصيل هذه القضية، وذكر أنه يتحمل تبعات قضية حسان من موقع مسؤوليته المباشر. وأوضح نزار بأن مدين لم يتلق جوابا على رسالته. معنى ذلك أن بوتفليقة أو ما يعرف بـ«جماعة الرئيس» كانت قد فصلت في مصير «توفيق» بالعزل، وفي مصير مساعده الأبرز بإدخاله السجن.



هل يعزز حديث السيسي والشرع «الودي» في قبرص تقارب البلدين؟

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

هل يعزز حديث السيسي والشرع «الودي» في قبرص تقارب البلدين؟

السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

أعاد حديث وصفته وسائل إعلام مصرية وسورية بأنه «ودي» بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ونظيره السوري أحمد الشرع، مسار علاقات البلدين للواجهة مجدداً.

وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «العلاقات التي شهدت تفاهمات اقتصادية ومساعي مصرية للمشاركة في إعادة إعمار سوريا، سيدفعها اللقاء (الودي) خطوة للأمام في مسار الشراكة، ويعزز فرص التقارب بصورة أكبر». وأشار الخبراء إلى «وجود تحديات يجب تجاوزها لتوسيع العلاقات».

وأفادت وسائل إعلام بالقاهرة ودمشق بأن «حديثاً ودياً» جرى بين الرئيس المصري ونظيره السوري، في «قمة قبرص»، الجمعة، لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون العربي الأوروبي.

وتقدم ذلك المشهد على لقطات أخرى حاولت حسابات بمنصات التواصل وصفها بأنها «تجاهل»، بعدما ادعت أنه «لم يبادر أي منهما بالتحدث إلى الآخر على الرغم من جلوسهما جنباً إلى جنب في الاجتماع».

في حين بادر الإعلامي المصري، عمرو أديب عبر برنامجه على قناة «إم بي سي مصر»، مساء الجمعة، بنفي «هذه الادعاءات حول التجاهل»، قائلاً: «جرت الأمور بشكل طبيعي، وتحدثا الرئيسان معاً، لا سيما عند التقاط الصورة التذكارية».

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي، يرى أنه «في لحظة إقليمية شديدة السيولة، لم يكن الحديث الودي الذي جمع بين الرئيس السيسي ونظيره السوري على هامش لقاء قبرص مجرد لقطة بروتوكولية عابرة، بل يمكن قراءته باعتباره تعبيراً دقيقاً عن دبلوماسية الإشارة الإيجابية التي تلجأ إليها الدول حين تكون المسارات مفتوحة، ولكنها لم تنضج بعد إلى مستوى التحولات الاستراتيجية الكاملة».

القادة عقب «الاجتماع التشاوري» في قبرص الجمعة (الرئاسة المصرية)

وبحسب حجازي، فإن «الانتقال من صورة يُفهم منها التباعد أو التجاهل إلى مشهد حوار مباشر وودي، يعكس وجود إرادة سياسية لتفادي أي انطباع عن العزلة أو القطيعة، ويؤكد أن قنوات الاتصال بين القاهرة ودمشق مفتوحة وتسير إيجاباً نحو الأمام، وأنها لم تنقطع يوماً، بل تعمل بهدوء وإيجابية بعيداً عن الأضواء».

ويتابع: «قد لا يكون الحديث الودي نهاية المطاف؛ لكنه بالتأكيد ليس تفصيلاً هامشياً، بل خطوة وإشارة إيجابية محسوبة في طريق طويل نحو إعادة صياغة علاقة تاريخية، تظل قابلة للتقدم؛ ولكن وفق إيقاع الحذر الاستراتيجي».

ووفق رأي أستاذ العلاقات الدولية السوري، عبد القادر عزوز، فإن «الحديث الودي الذي جرى في قبرص، كان تعبيراً عن إدراك ووعي كبيرين من القيادة السياسية في كلا البلدين بأهمية العلاقات السورية - المصرية المشتركة، خاصة أنها كانت، عبر التاريخ، بمثابة صمام أمان للأمن القومي العربي والأمن الإقليمي على حد سواء».

ويوضح أن «التنسيق السوري - المصري يلعب دوراً كبيراً في تحقيق استقرار المنطقة، خاصة في ظل ما تشهده الساحة الإقليمية حالياً»، ويتوقع أن «يؤدي ذلك إلى تعزيز التقارب والعمل على معالجة أي خلافات أو مشكلات قائمة بين البلدين».

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية في التحرك نحو اتصالات ثنائية وتعاون اقتصادي في قطاع الغاز، قبل تفاعلات الحديث الودي في قبرص بين رئيسي البلدين.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، استضافت دمشق «ملتقىً اقتصادياً واستثمارياً» مشتركاً بين البلدين، بعد أيام من توقيع البلدين مذكرتي تفاهم في مجال الطاقة، «للتعاون في توريد الغاز المصري إلى سوريا، بهدف توليد الكهرباء».

الرئيسان السيسي والشرع خلال لقاء بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

كما التقى السيسي، الشرع، على هامش القمة العربية الطارئة بالقاهرة في مارس (آذار) 2025، بعد سلسلة خطوات اتخذتها القاهرة تجاه دمشق، أبرزها دعوة من الرئيس المصري لنظيره السوري لحضور القمة، عقب تهنئته بالمنصب الرئاسي في فبراير (شباط) 2025، بخلاف اتصالات ولقاءات متكررة بين وزيري خارجية البلدين.

ويرى حجازي أن «هذا التطور لا يأتي من فراغ، بل يندرج ضمن مسار تدريجي شهد خلال العامين الماضيين مؤشرات متراكمة على إعادة اختبار العلاقة بين البلدين، سواء عبر الاتصالات الرسمية أو بوادر التعاون الاقتصادي المحدود».

غير أن هذا المسار، وفق حجازي، «يظل محكوماً بجملة من التحديات المعقدة، في مقدمتها طبيعة التحولات داخل سوريا نفسها، كما يظل ملف التنظيمات المسلحة والتوازنات الأمنية داخل سوريا عنصراً حاسماً في أي انفتاح مصري أعمق؛ إذ لا يمكن فصل التقارب السياسي عن ضمانات الاستقرار الأمني».

ورغم هذه التحديات، شدد حجازي على أن «معادلة الفرص تبدو حاضرة بقوة، مع إدراك متزايد بأن إعادة دمج سوريا في الإطار العربي تمثل مصلحة مشتركة، ليس فقط لسوريا، بل أيضاً لإعادة التوازن إلى الإقليم وتقليص أدوار القوى غير العربية، بخلاف ملف إعادة إعمار سوريا بوصفه مدخلاً عملياً للتعاون بما تمتلكه مصر من خبرات».

وبحسب عزوز، فإنه «لو لم يصل البلدان بعد إلى مرحلة تصفير المشكلات من خلال الحوار المباشر، فعلى الأقل يجب أن يكون هناك نوع من تحييد الخلافات، خاصة أنها ليست جوهرية في مسيرة العلاقات السورية - المصرية المشتركة، في ظل وجود فرص كبيرة للتطوير رغم التعقيدات الدولية بعد حرب إيران».

ودعا إلى «تجسير مزيد من التواصل بين أجهزة الدولة في كلا البلدين، بما يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة ومصلحة الشعبين السوري والمصري، وتطوير هذه العلاقات في مختلف المجالات، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادية».


مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُشدد على وقوفها مع دول الخليج لمواجهة أي تحديات تستهدف أمنها

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

شدّدت مصر على وقوفها مع دول الخليج في مواجهة أي محاولات تستهدف أمنها، وأكدت تطلعها لأن تصل المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهمات تراعي الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.

جاء ذلك خلال اتصالات هاتفية أجراها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظرائه في الكويت والبحرين وسلطنة عمان وباكستان، وفقاً لبيانات صادرة السبت، عن «الخارجية المصرية».

وتأتي الاتصالات المصرية بالتزامن مع بوادر لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان، وترقب لما ستؤول إليه المفاوضات، وفي ظل أوضاع مضطربة في المنطقة، وتهديدات متصاعدة للملاحة البحرية في مضيق هرمز.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً هاتفياً مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت الشقيقة، للتشاور حول التطورات في المنطقة، وتنسيق الجهود لخفض التصعيد.

تبادل الوزيران الآراء بشأن مستجدات المسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية عقد الجولة الثانية لتثبيت وقف إطلاق النار واستدامة التهدئة وإنهاء الحرب، لتجنيب المنطقة تداعيات خطيرة، وشدّد عبد العاطي في هذا السياق على ضرورة مراعاة الشواغل الأمنية لدول الخليج، وفقاً لبيان «الخارجية المصرية».

وجدد عبد العاطي إدانة مصر الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، الجمعة، باستخدام طائرات مسيّرة، مؤكداً «تضامن مصر الكامل مع حكومة الكويت وشعبها وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها»، ومشدداً على دعم مصر لكل الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها.

وكذلك أجرى اتصالاً هاتفياً مع وزير خارجية سلطنة عمان، بدر البوسعيدي، تناول التطورات المتسارعة في المنطقة وتنسيق الجهود المشتركة لخفض التصعيد.

وتبادل الوزيران الرؤى حول أهمية دعم مسار التفاوض للتوصل إلى تفاهمات تُسهم في تثبيت وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب وإرساء دعائم الاستقرار بالمنطقة، وتعزيز الحلول السياسية بعيداً عن التصعيد العسكري.

وجدّد الوزير عبد العاطي التأكيد، خلال الاتصال، على تضامن مصر الكامل ودعمها لسلطنة عمان الشقيقة وسائر دول الخليج العربي، مشيراً إلى أن أمن الخليج يُمثل جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي المصري.

وأجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية مملكة البحرين، عبد اللطيف بن راشد الزياني، جدّد خلاله تضامن مصر الكامل مع البحرين في مواجهة أي تحديات تستهدف أمنها واستقرارها.

وسبق أن أدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

وبالتزامن مع بوادر استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، أجرى عبد العاطي اتصالاً مع وزير خارجية باكستان، محمد إسحاق دار، أكد خلاله ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة الدولية، ومراعاة الشواغل الأمنية لدول المنطقة، وفي مقدمتها دول الخليج العربي.


السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، أن بلاده تدعم «الحقوق العربية بلا مواربة أو مهادنة»، مؤكداً أن التضامن هو السبيل الوحيد لتجاوز المحن، وحذر «من مساعٍ مدبرة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط»، ما عده خبراء بمثابة رسائل توضح استراتيجية القاهرة ورؤيتها بشأن مختلف الأزمات وسبل مواجهتها.

وقال السيسي، في كلمة مسجلة، السبت، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، إن «منطقة الشرق الأوسط تمر بظروف دقيقة ومصيرية، حيث تشهد مساعي مدبرة لإعادة رسم خريطتها، تحت دعاوى آيديولوجية متطرفة»، مؤكداً أن «الطريق الأمثل لمستقبل المنطقة لا يقوم على الاحتلال والتدمير وسفك الدماء، بل على التعاون والبناء والسلام».

وشدد السيسي على «ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، ووقف محاولات تقسيم دول المنطقة وتفكيكها، والاستيلاء على مقدرات شعوبها، وإذكاء أسباب الاقتتال الداخلي والحروب الأهلية والدولية»، مؤكداً أن «الحلول السياسية والمفاوضات هي السبيل الأمثل لتجنيب المنطقة مزيداً من الكوارث والدماء والدمار».

وفي هذا الصدد، أشار السيسي إلى «إدانة مصر بكل وضوح وحزم الاعتداءات التي تعرضت لها بعض الدول العربية مؤخراً، ورفضها القاطع لأي مساس بسيادة تلك الدول، أو انتهاك سلامة أراضيها»، وقال: «تتخذ مصر مواقف سياسية مشهودة لدعم الحق العربي أمام المنظمات الدولية دون مواربة أو مهادنة». وأضاف الرئيس المصري أن «التضامن هو السبيل الأوحد لتجاوز المحن، وأن بلاده ستظل السند والركيزة لأمتها، تدافع عن قضاياها، وتعمل بإخلاص من أجل تحقيق مصالحها العليا».

وسبق وأدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

فيما أدان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال اتصاله مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت، الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، أمس، باستخدام طائرات مسيرة.

وأكد «تضامن مصر الكامل مع حكومة وشعب الكويت وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها، مشدداً على دعم مصر لكافة الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها».

وحدة الصف العربي

رأى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن، أن خطاب السيسي تضمن رسالة مهمة تضمنت التأكيد على «أهمية وحدة الصف العربي باعتباره السبيل لمواجهة التحديات»، وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطاب عبّر عن «موقف مصر المبدئي بعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وأنه لا تنازل عن الحقوق العربية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة».

وجدد السيسي خلال كلمته التي تطرقت لملفات عديدة، التأكيد على «أهمية التطبيق الكامل للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بما يشمل إدخال المساعدات الإنسانية دون معوقات، والشروع الفوري في إعادة إعمار القطاع»، مشدداً على «رفض مصر القاطع؛ الذي لا يقبل تأويلاً أو مساومة، لأي مسعى يرمى إلى تهجير الفلسطينيين، تحت أي ظرف كان»، ومؤكداً «ضرورة وقف الاعتداءات المتكررة، ضد أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية».

الرئيس المصري يؤكد الدفاع عن الحقوق العربية بلا مواربة (الرئاسة المصرية)

وأعاد السيسي التأكيد على أن «خيار مصر دائماً هو السلام». وقال إن هذا «خيار ينبع من قوة وحكمة وقناعة ثابتة، لا من ضعف أو تردد أو خوف»، مشدداً على أن «القوات المسلحة المصرية؛ بعقيدتها وجدارتها، قادرة على حماية الوطن والدفاع عنه، والتصدي لكل من يحاول المساس بأمنه القومي، أو تهديد استقراره».

طريق التنمية

وأشار إلى أن بلاده «اختارت، بإرادة صلبة وعزم لا يلين، أن تسلك طريق البناء والتنمية، دون توقف أو تأجيل، رغم ما واجهته من تحديات جسيمة خلال العقد الأخير»، لافتاً في هذا الصدد إلى «الحرب على الإرهاب، وجائحة (كورونا)، والحرب الروسية - الأوكرانية، وحرب غزة، وأخيراً الحرب الإيرانية»، وقال إن هذه التحديات «ترتب عليها تداعيات ثقيلة، منها خسارة مصر نحو عشرة مليارات دولار، من إيرادات قناة السويس... ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إلى مصر... فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وسبق أن أشارت مصر مراراً لما تعرضت له من خسائر اقتصادية بسبب الاضطرابات الجيوسياسية، واتخذت أخيراً إجراءات تقشفية لترشيد الاستهلاك ومواجهة تداعيات أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الإيرانية.

وتضمن خطاب الرئيس المصري في ذكرى تحرير سيناء رسائل عدة؛ أبرزها بحسب الخبير العسكري اللواء سمير فرج «التأكيد على السلام باعتباره خياراً استراتيجياً»، وقال فرج لـ«الشرق الأوسط»، إنه في ظل تأكيد السيسي على خيار السلام، «تحتفظ مصر بالقوة العسكرية اللازمة للدفاع عن الوطن»، ما «يجعل الجيش قوة ردع لا هجوم واعتداء».

وأضاف فرج أن الرئيس المصري أكد «أهمية تنمية سيناء باعتبارها السبيل لتأمينها ضد أي محاولات اعتداء مستقبلية»، مشدداً على أن الرئيس المصري كان حريصاً على التحذير من محاولات تقسيم المنطقة، أو المساس بسيادة دولها، والتأكيد على رفض التهجير، وأن الخطاب في مجمله تضمن توضيحاً لرؤية مصر واستراتيجيتها في مواجهة الأزمات ودعم الحقوق العربية.