ماراثون ملاحق خاصة يجتاح المجلات المصرية

أنعشت سوق توزيعها.. وسباق في تنويع مادتها وطرق إخراجها

ملحق خاص عن قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت، ملحق الزواج الملكي الصادر عن المصور
ملحق خاص عن قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت، ملحق الزواج الملكي الصادر عن المصور
TT

ماراثون ملاحق خاصة يجتاح المجلات المصرية

ملحق خاص عن قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت، ملحق الزواج الملكي الصادر عن المصور
ملحق خاص عن قيثارة السماء الشيخ محمد رفعت، ملحق الزواج الملكي الصادر عن المصور

ماراثون ملاحق خاصة بدأ يجتاح المجلات المصرية الأسبوعية في محاولة للتغلب على كساد التوزيع وجذب القارئ، وإحياء تراث صحافي أصيل، على غرار الملاحق التي كانت تزخر بها المجلات قديمًا، بألوانها البراقة وصورها الجذابة وإخراجها المتميز، رغم إمكانيات الطباعة المحدودة في ذلك الزمان.
لا تزيد الملاحق في سعر البيع المحدد للمجلة، وبدأت بالفعل تجذب الجمهور، وكما يقول عدد من أشهر باعة الصحف في وسط العاصمة القاهرة، فإن ملحق مجلة المصور الأسبوعية، والذي خصصته بعنوان «القناطر الخيرية» وتصدر غلافه صورة الرئيس عبد الفتاح السيسي ساهم في نفاد العدد من الأسواق في فترة قصيرة، لافتًا إلى أن اهتمام المجلات بهذه الملاحق سيرفع حجم مبيعاتها، مشيرًا إلى أنه «على المجلات أن تعيد النظر في زيارة حجم توزيعها من جديد»، قائلا بعفوية شديدة: «نفسنا أيام زمان تعود تاني.. وتكون المجلات بالحجز ذي زمان».
ويرى خبراء إعلام أن «اتجاه المجلات لعمل ملاحق تتعلق بأماكن أو شخصيات أو مشاهير، هو محاولة منها للبقاء على الساحة في ظل عدم وجود إقبال على شراء الصحف والمجلات الورقية»، مشددين على ضرورة التنوع في الملاحق، واختيار موادها بعناية فائقة لحث القراء على الشراء. في حين قال رؤساء تحرير ومسؤولون في المجلات لـ«الشرق الأوسط» إن «المجلات اكتسبت قراء جددا عن طريق الملاحق، وما تنطوي عليه من أفكار شيقة وسهلة لتوصيل رسالة معينة تتعلق بأماكن أو أشخاص وليست عشوائية».
من جانبه، قال محمد عبد الحافظ رئيس تحرير مجلة «آخر ساعة» الصادرة عن مؤسسة «أخبار اليوم» الصحافية: «منذ توليت المسؤولية قبل عام وخمسة أشهر، وعقب ذلك فكرت في عمل ملحق للمرأة، أولا لأن سوق المرأة في الإعلانات رائج جدا، ثانيا لأن مؤسسة أخبار اليوم لديها كثير من الإصدارات والمجلات والصحف المتخصصة في كل المجالات، ليست من بينها المرأة»، مضيفا: «بدأنا بعمل ملحق (هي) داخل صفحات المجلة ووجدنا أن مبيعات المجلة رائعة، فقررنا وقتها إصداره كمجلة منفردة مع المجلة، لافتًا إلى أنه من وقت لآخر نصدر ملاحق متخصصة مثل ملحق (كأس السوبر) المصري، والفنان الراحل (عمر الشريف)، وثورة (30 يونيو) ، و(قناة السويس) فضلا عن عدد من الملاحق الشعبية، دون رفع قيمة سعر المجلة أو تحميل القارئ أي أعباء إضافية، إلى جانب قيامنا بإصدار أسطوانة مدمجة (سى دي) مع عدد المجلة».
وأضاف عبد الحافظ أن «فكرة الملاحق قديمة.. وقمنا في المجلات المصرية بإحيائها، وتعد سجلا في مكتبة القارئ، مثلما أصدرنا ملحق عن (قناة السويس) الذي يعد من أفضل الملاحق التي تم إصدارها.. ويضم معلومات يمكن الرجوع لها بعد سنوات طويلة».
وصدر العدد الأول من «آخر ساعة» عام 1946 كمجلة أسبوعية. وعن أفكار الملاحق، قال عبد الحافظ: «غالبا ما تكون في المناسبات.. وقريبا سوف نصدر ملحق (مجلة كومكس) أي القصة المصورة للشباب، لأنها الأكثر توزيعا في اليابان، ونحاول بقدر الإمكان مخاطبة لغة وأخلاق المجتمع؛ لكن دون إسفاف، لأننا نعلم أن المجلة تدخل كل بيت ويمسك بها جميع أفراد الأسرة صغارًا وكبارًا»، لافتًا إلى أنه حتى ملحق «هي» ليس به أي صورة خارجة حتى في الأزياء.
وحول مردود هذه الملاحق على توزيع المجلة، قال رئيس تحرير «آخر ساعة»: «التوزيع ارتفع بالفعل، فعندما أصدرنا ملحق (هي) تم زيادة سعر المجلة من جنيهين إلى ثلاثة، ورغم أننا رفعنا السعر؛ إلا أننا لم نخسر، وكسبنا قراء جددًا». لافتًا إلى أن «الملاحق في المجلات لن تعود بمكانتها في الصدارة والتي كانت قديما في عصرها الذهبي؛ لكن نحاول الحفاظ فقط على الوجود، خاصة في ظل المنافسة مع الصحافة الإلكترونية والفضائيات التي أصفها بأننا نواجه (غولا)»، موضحًا أنه على الدولة المصرية أن تحبب الأطفال الصغار في المطبوعة الورقية من الآن، حتى إذا ما كبروا لا يتركون القراءة نهائيا.
وتابع بقوله: «أتمنى منافسة الصحافة الإلكترونية والفضائيات ليس في السرعة؛ لكن أنافسهم في (الديليفري) بأن يجد كل قارئ مجلته (تحت باب شقته) دون أي تكاليف إضافية عليه وعلى أسرته؛ لكن ليحدث ذلك لا بد أن تتوفر التكاليف لذلك، بأن يكون هناك مثلا تكامل بين المؤسسات الصحافية العريقة لعمل كيان واحد كبير حتى تقل التكلفة، فمثلا مؤسسات (أخبار اليوم والأهرام والجمهورية) ملك للدولة وسهل جدا لهم الاندماج في كيان واحد وعمل شركة توزيع، حتى تقل تكلفة توصيل المجلات للمنازل».
من جهته، أكد غالي محمد رئيس مجلس إدارة مؤسسة دار الهلال الصحافية، رئيس تحرير مجلة «المصور»، أن «فكرة الملاحق ليست بجديدة على مطبوعات دار الهلال»، لافتا إلى أنها موجودة منذ فترة؛ لكن تم تأصيلها مع نهاية العام الماضي.. فقد تزامن في ديسمبر (كانون الأول) الماضي إصدار عدد تذكاري بمناسبة مرور 90 عاما على مجلة «المصور»، مضيفا: «عقب العدد التذكاري قمنا بتأسيس مركز الهلال للتراث الصحافي، وتم من خلاله إصدار ملاحق مختلفة ومتعددة عن شخصيات تاريخية وعن بعض الأماكن».
فيما قال عادل سعد مدير مركز الهلال للتراث الصحافي التابع لمؤسسة دار الهلال، الذي يقوم بإصدار الملاحق: «إن فكرة الملاحق مع مجلة (المصور) بدأت مع مرور 90 عاما على إصدار العدد الأول منها، وأنتجنا عددًا تذكاريًا بعنوان «المصور في 90 عاما» في 630 صفحة»، لافتًا إلى أن «هذا الملحق كان فاتحة خير تم على أثره عمل مركز الهلال للتراث الذي يتولى إصدار هذه الملاحق، وقمنا بإصدار ملاحق (مصطفي كامل) و(أيام سعد باشا زغلول) و(طلعت حرب) و(أيام أحمد عرابي) و(القناطر الخيرية)، فضلا عن (منيرة المهدية) في مجلة (الكواكب)».
وتعد مجلة «المصور» من أعرق المجلات في مصر وصدر العدد الأول منها في عام 1924.. وتضم مؤسسة دار الهلال مجلة «الهلال» الشهرية وصدر العدد الأول منها عام 1892، ومجلة «الكواكب» عام 1932، ومجلة «حواء» عام 1955.
وقال سعد إن «المصور» أصدرت العدد الذهبي بعنوان «الزواج الملكي» الذي يروي تفاصيل زواج الملك فاروق من الملكة فريدة، وكان الغلاف وقتها مُطعمًا بالذهب، لافتًا إلى أن «المركز بصدد إصدار أربعة ملاحق جديدة خلال الفترة المقبلة، الأول في «الكواكب» بعنوان «سيدات الطرب» من أيام المماليك وحتى القرن الماضي، وفي المصور ثلاثة ملاحق هي: «فيروز 80 سنة» و«أيام إسماعيل باشا» و«الزواج الملكي» وهو إعادة إصدار للملحق السابق بشكل جديد.
وكشف عادل سعد عن أن «المصور» بصدد إصدار ملحق عن الملك عبد العزيز آل سعود يتضمن صورا نادرة لزيارة الملك الراحل لمصر عام 1946، وسوف يكشف الملحق عن تفاصيل الزيارة، لافتًا إلى أن المركز أجرى اتفاقًا مع السعودية لإصدار عدد تذكاري يضم الموضوعات عن السعودية قديما.. وسوف يصدر في «المصور» وجاري الاتفاق على هذه المواد الآن.
وقال سعد: «إن هدفنا إعادة إصدار الإصدارات القديمة للمؤسسة ليتعرف عليها القارئ، ونحاول أن نحقق من خلالها مكاسب كبيرة».
وعن اختيار أفكار الملاحق، قال سعد: «إن الأفكار ليست عشوائية؛ بل نقدمها لتوصيل رسالة معنية، فمثلا تعمدنا إلقاء الضوء على (سعد زغلول) و(مصطفي كامل) لتتعرف الأجيال الجديدة عن تاريخهما، و(أحمد عرابي) لعرض المخاطر التي تعرضت لها مصر في عهده، وهي تتشابه الآن مع ما تتعرض له من مخاطر خارجية، وفي ملحق (القناطر الخيرية) أردنا توجيه رسالة للمطالبة بإنقاذها لتصبح مثل الريف الأوروبي، فهدفنا ليس تقديم الماضي فقط؛ بل توصيل رسالة معينة مثل ملحق (أيام إسماعيل) لنقول كيف كانت القاهرة قديما، للمطالبة بأن يكون فيها الآن تنسيق حضاري، لتكون أجمل عاصمة في العالم».
وحول مردود هذه الملاحق على القارئ، قال سعد: «لو أن هذه الملاحق كانت تخسر كانت لن تكمل الطريق؛ لكن توزيعها كبير جدا، فالعدد التذكاري قد حقق نجاحا كبيرا في التوزيع والعائد المالي على دار الهلال»، لافتا إلى أن من يدعي أن «الناس لا تقرأ أكذوبة.. فالكثيرون يشترون الملاحق لقراءتها».
من جهتهم، قال خبراء الإعلام إن «اتجاه المجلات إلى إصدار الملاحق المتخصصة لم يكن وليد الصدفة، وإنما جاء بعد دراسة متأنية للسوق»، مؤكدين أن «الملاحق باتت عنصر جذب للطبقة الشعبية والمثقفين، فضلا عن كونها تأريخا لحقب زمنية معينة يمكن الرجوع إليها في أي وقت».
في المقابل، نرى مجلة مثل «روز اليوسف» بمؤسسة «روز اليوسف» تحاول الحفاظ على شكلها المعتاد دون إصدار ملاحق، وقال إبراهيم خليل رئيس تحريرها، إن «المجلة تعد منتجًا متنوعًا في جميع أبوابها»، لافتًا إلى أن من طابع المجلة عدم إصدار أي ملاحق؛ «لكن قد تكون هناك أبواب جديدة نواجه ذلك بزيادة عدد الصفحات.. وصدر العدد الأول من (روز اليوسف) عام 1925 كمجلة أسبوعية».



الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
TT

الشاشات العربية... موت وخشوع وصخب

فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)
فلسطينيون يحملون جثمان طفلة قتلتها النيران الإسرائيلية في أثناء تشييعها من مستشفى الشفاء بمدينة غزة (أ.ب)

في مشهد إعلامي عربي يتسم بالتنوع البالغ، تبدو الشاشات المتناقضة وكأنها تتلاعب بمشاعر المشاهدين بين الفرح والخشوع والحزن في غضون ساعات قليلة.

هذا التباين الشديد يفرض تحدياً على المتلقي، فبينما يتابع بلهفة إبراز المواهب الغنائية يوم الأربعاء على برنامج «ذا فويس»، يجد نفسه منغمساً في أجواء روحانية خاشعة الجمعة والسبت مع برنامج «دولة التلاوة» المختص بترتيل القرآن الكريم.

أما الأحد، فيتحول المزاج إلى طاقة وحيوية مع رقصة الدبكة الصاخبة في برنامج «يلا ندبك». وباقي أيام الأسبوع، تأتي الأخبار لتلقي بظلالها على كل ذلك، لتملأ الشاشات بتقارير عن الحروب، والموت، والتطورات السياسية المؤلمة في المنطقة.

هذا التناوب الحاد بين الترفيه والروحانية والمأساة يولد تجربة مشاهدة فريدة ومتقلبة، يتأرجح فيها المشاهد بين الانغماس في المحتوى المرح والروحاني والهروب من واقع الصراعات.

جذب الجمهور

لا تتوقف تأثيرات هذه البرامج عند حدود الشاشات التقليدية، بل تمتد لتغزو منصات التواصل الاجتماعي، لتُغذيها بكم هائل من المشاهدات والتفاعلات التي تعزز انتشارها وتأثيرها.

كل برنامج ينجح في جذب انتباه الجمهور بطريقته الخاصة: «ذا فويس» يشعل روح المنافسة الغنائية ويدفع إلى تفاعلات واسعة النطاق، بينما «دولة التلاوة» يجذب شرائح واسعة من محبي الروحانية وتلاوة القرآن الكريم.

في المقابل، يمثل «يلا ندبك» منصة لإحياء التراث والطاقة الشبابية. يشارك الجمهور بفاعلية عبر التصويت، التعليقات، مشاركة المقاطع، إنشاء الهاشتاغات، ما يعزز ليس فقط انتشار البرامج بل يزيد أيضاً من قيمة المشاهدات والمتابعين للقنوات والمنصات التي تبثها.

دولة التلاوة

في مصر، يقدم برنامج «دولة التلاوة» نافذة للروحانية المطلوبة في خضم واقع متغير مليء بالتحديات. آلاف المتسابقين من مختلف المحافظات المصرية يدخلون في منافسات قوية في ترتيل وتجويد القرآن الكريم، لتصل الحلقات النهائية إلى اختيار أفضل 32 قارئاً، وهم في تنافس على المرتبة الأولى.

صورة جماعية من برنامج «دولة التلاوة» (فيسبوك)

تُبث هذه الحلقات على قنوات رئيسية، كما تُعرض على منصات رقمية، ما يضمن وصولها لجمهور واسع داخل مصر وخارجها. يظهر التفاعل الكبير على منصات التواصل الاجتماعي بوضوح، حيث تصل الجوائز الإجمالية للفائزين إلى 3.5 مليون جنيه مصري (75 ألف دولار تقريباً).

وتشمل الجوائز أيضاً تسجيل المصحف الشريف بأصوات الفائزين وإمامة صلاة التراويح في شهر رمضان، ما يضيف بعداً معنوياً كبيراً للبرنامج. تضفي لجنة التحكيم التي تضم نخبة من كبار العلماء والقراء، مصداقية روحانية فريدة للبرنامج، وتجذب عشاق التلاوة والفن على حد سواء.

«ذا فويس»

أما من الأردن، فيطل برنامج «ذا فويس» كمنصة بارزة لاكتشاف المواهب الغنائية الصاعدة. تعتمد صيغة البرنامج على تقييم الصوت فقط في مرحلة «العروض العمياء» الأولى، ثم تتصاعد المنافسة لتشمل العروض المباشرة والعروض الحية.

«ذا فويس 6» والمدرّبون ناصيف زيتون وأحمد سعد ورحمة رياض (إنستغرام)

الموسم الحالي، وهو السادس لعامي 2025 - 2026، يضم لجنة تحكيم مكونة من نجوم الغناء ناصيف زيتون ورحمة رياض وأحمد سعد. يشارك الجمهور بفاعلية في تحديد الفائز من خلال التصويت، ما يعكس الشغف الجماهيري بالمواهب الفنية ويعيد إحياء برامج المواهب الكبرى بعد سنوات من الانقطاع، ليولد بذلك حالة من الترقب والحماس بين المشاهدين.

«يلا ندبك»

وفي لبنان، يقدم برنامج «يلا ندبك» تجربة مختلفة تماماً، حيث يركز على فرق الدبكة اللبنانية التقليدية التي تتنافس لتقديم أفضل أداء. يتكون الموسم من ست حلقات تُظهر التراث الفولكلوري اللبناني والطاقة الشبابية المفعمة بالحيوية.

«يلا ندبك» على شاشة «إم تي في» اللبنانية (إنستغرام)

يحتفي البرنامج بالهوية اللبنانية الغنية بالثقافة والفن. التفاعل الجماهيري معه كبير وملحوظ، حيث تتصدر هاشتاغات البرنامج منصات التواصل الاجتماعي، ما يعكس اهتمام الجمهور العميق بالتراث والمرح في آن واحد.

دمار ومآسٍ

على الرغم من هذا القدر من الترفيه والروحانية، لا يمكن تجاهل الواقع القاسي والمؤلم الذي يعيشه العالم العربي. نشرات الأخبار والبرامج السياسية تظل على مدار الساعة تتابع الحروب والمجاعات التي تضرب مناطق مثل غزة، السودان، اليمن، لبنان، سوريا، وغيرها. وتُقدم تحديثات شبه لحظية، وتحليلات معمقة، وتقارير ميدانية تظهر الدمار والمعاناة الإنسانية.

مرآة عربية

ينتقل المشاهد بسرعة من فرحة الأغاني والتلاوات والرقصات التراثية إلى صدمة الأخبار الثقيلة، ما يعكس الفجوة بين المحتوى المبهج المتنوع والواقع المأساوي الحقيقي.

هذا التنوع في المحتوى الإعلامي ليس مجرد ترفيه أو سباق على المشاهدات، بل هو مرآة لمجتمع عربي يبحث عن توازنه الخاص بين النقد اللاذع والاحتفال، بين الخشوع الديني والمرح العفوي.

وفي خضم أزيز أخبار الحروب التي لا تتوقف، تبقى الشاشات مساحة واسعة يحاول من خلالها كل فرد أن يجد جزءاً من ذاته، سواء في صوت جميل يلامس الروح، أو في دقة إيقاع تراثي يربطه بأصوله، أو في أداء غنائي آسر للقلوب.


«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
TT

«تايم» بنسخة فرنسية... ومراهنة على نموذج ثلاثي الأبعاد

جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")
جيسيكا سيبلي (مجلة "تايم")

في خطوة وُصفت بأنها «ضخّ دماء جديدة» في عروق المشهد الإعلامي الفرنسي، وفي حين تعاني الصحافة المكتوبة من انحسار لافت، شهدت العاصمة باريس في 18 ديسمبر (كانون الأول) 2025، إطلاق النسخة الفرنسية من مجلة «تايم» الأميركية العريقة.

هذا الحدث يأتي بترخيص من المؤسسة الأم في نيويورك، ويمثل سابقة تاريخية، كونه يجعل من فرنسا الدولة الوحيدة خارج الولايات المتحدة التي تحظى بنسخة محلية مستقلة، تحمل الهوية البصرية والتحريرية لهذه العلامة التي يمتد تاريخها لأكثر من قرن.

جسر بين باريس ونيويورك

شركة «360 بيزنس ميديا» بقيادة الإعلامي دومينيك بوسو، المدير العام لمجلة «فوربس» المالية (الفرع الفرنسي) أشرفت على إطلاق العدد الأول من النسخة الفرنسية لمجلة «تايم»... «تايم فرنسا». وجاء محتوى هذا العدد، المكوّن من 200 صفحة، ليؤكد الهوية «الهجينة» للمجلة، إذ تضّمن 15 قسماً بين التحقيقات المحلية والتقارير الدولية. ولقد تصدّرت غلاف العدد الأول نجمة السينما الأميركية العالمية أنجلينا جولي، في حوار حصري وشامل، تناولت فيه مسارها الإنساني وأدوارها السينمائية الأخيرة، كما تميّز العدد بملفات تحليلية حول الذكاء الاصطناعي بمقابلة مع الفرنسي آرثر مينش، أحد رواد هذا المجال في أوروبا، وفيدجي سيمو، نائبة مدير شركة «أوبن آي». ضّم العدد أيضاً تقارير ميدانية من قلب حوض «الدونباس» الأوكراني، إضافة إلى حوارات مع شخصيات فرنسية بارزة، مثل عالم الرياضيات سيدريك فيلاني، والممثل بيير نيني. أما الفارق بين النسختين الفرنسية والإنجليزية فإنه يكمن في المحتوى، حيث تعتمد «تايم فرنسا» بنسبة 60 في المائة إلى 70 في المائة على محتوى فرنسي بحت، مع الحفاظ على «الثوابت» في الصرامة المهنية والتحقق المزدوج من صحة المعلومات (فاكت تشيكينغ). وبينما تتوحّد النسختان في اختيار «شخصية العام»، تركّز النسخة الفرنسية أكثر على القضايا الأوروبية والمحلية بتحليل أعمق، بعيداً عن مجرد الترجمة الحرفية.

جيسيكا سيبلي، الرئيسة التنفيذية لـ«تايم» الأميركية، شدّدت في تصريح صحافي على أن إطلاق النسخة الفرنسية يعكس «الالتزام بالوصول إلى جماهير جديدة وتقديم صحافة موثوقة برؤية عالمية».

ومن جانبه، صرّح دومينيك بوسو، المدير العام لـ«تايم فرنسا» بأن «الصحافة الفرنسية قد تبدو مأزومة بعض الشيء... لكن (تايم فرنسا) ستقدم نفَساً جديداً» بفضل مصداقية المجلة وتقاليدها الصارمة في تدقيق المعلومات.

وأما إليزابيث لازارو، رئيسة التحرير الفرنكو أميركية، فقد وصفت المجلة الجديدة في افتتاحيتها بأنها «كائن فضائي هجين» يقع في المنطقة الوسطى بين مجلات الأخبار ومجلات الصور، لتكون «جسراً يربط أوروبا بالعالم».

عنوان «تايم فرنسا»... بالفرنسية (مجلة «تايم»)

نموذج اقتصادي ثلاثي الأبعاد...

من جهة أخرى، في إطار نموذجها الاقتصادي، تراهن مجلة «تايم فرنسا» حقاً على مقاربة هجينة تجمع بين الصحافة الورقية، والحضور الرقمي المتنامي، إلى جانب أنشطة موازية تقوم على الفعاليات والرعاية.

ففي الشّق الورقي، تصدر المجلة 4 مرات في السنة في صيغة فصلية، مع طباعة تقارب 100 ألف نسخة لكل عدد، لا تُوزَّع في السوق الفرنسية فقط، بل تمتد إلى عدد من الدول الفرنكوفونية المجاورة، مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وسويسرا وموناكو، في مسعى واضح إلى ترسيخ حضور إقليمي يتجاوز الحدود الوطنية. ولعل أسلوب التوزيع نفسه يعكس رهاناً على تعزيز القيمة الرمزية للعلامة، واستهداف جمهور نوعي. إذ يُباع نحو نصف النسخ (50 ألفاً) في أكشاك الصحف، في حين يُوجَّه النصف الآخر (50 ألفاً) إلى الفنادق الفاخرة وصالات كبار الشخصيات في المطارات، ما سيسمح للمجلة بالوصول إلى شريحة من القرّاء ذوي القدرة الشرائية المرتفعة، ويمنحها موقعاً مميزاً في سوق إعلانية شديدة التنافس.

وبالتوازي مع ذلك، تولي «تايم فرنسا» أهمية خاصة للحضور الرقمي، من خلال إطلاق موقع إلكتروني يعدّ ركيزة أساسية للنمو المستقبلي، سواء عبر الإعلانات الرقمية أو عبر توسيع قاعدة القرّاء والزوار، تمهيداً لاعتماد صيغ الاشتراك الرقمي.

أما الركيزة الثالثة في هذا النموذج الاقتصادي، فتتمثل في الفعاليات والرعاية والإصدارات الخاصة، وهي مقاربة سبق لمجموعة «بيزنس ميديا 360» المشرفة على «تايم فرنسا» أن اعتمدتها في عناوين إعلامية أخرى. وهي تعتمد على تنظيم مؤتمرات ولقاءات ونقاشات حصرية، تحمل توقيع «تايم»، وتؤدي دوراً مزدوجاً يتمثل في توليد عائدات مالية إضافية من جهة، وتعزيز حضور العلامة ومكانتها في المشهد الإعلامي والثقافي الفرنسي من جهة أخرى.

دومينيك بوسو (آ ف ب)

استقبال وسائل الإعلام

استقبلت الأوساط الإعلامية الفرنسية خبر إطلاق «تايم فرنسا» بترحيب غلب عليه التفاؤل. وكانت صحيفة «لوفيغارو» من أبرز المهلّلين لهذا المشروع، إذ أفردت مساحة واسعة للكلام عن «النجاح الريادي» للمجلة العريقة في سوق الصحافة المكتوبة، على الرغم من الوضعية المتأزمة. ولم تكتفِ الصحيفة بنقل الخبر، بل رسمت صورة تفيض بالثناء لدومينيك بوسو، العقل المدبّر وراء المشروع، واصفة إياه بـ«لوكي لوك الصحافة»، كونه الرجل الذي أطلق «فوربس فرنسا» ثم «أونيريك» والآن «تايم فرنسا». وجاء في مقتطفات من تقاريرها ما يلي: «مجلة (تايم) هي تجسيد للعصر الذهبي للصحافة الأميركية، حيث كانت تتدفق الأموال.. إن إطلاق النسخة الفرنسية في هذه السوق الصعبة يعدّ نجاحاً استثنائياً في ريادة الأعمال».

أما صحيفة «لوموند» فقد اعتمدت في تغطيتها بشكل كبير على برقيات وكالة الأنباء الفرنسية (أ.ف.ب)، التي صاغت أخبار الإطلاق بنبرة غلب عليها الانبهار بـ«التميز التحريري». ونقلت الصحيفة تأكيدات حول «الصحافة الموثوقة» و«الرؤية العالمية»، مركّزة على أن وصول «تايم» إلى فرنسا هو اعتراف بأهمية القارئ الفرنكوفوني المتميز. وورد في تقرير «لوموند»، نقلاً عن وكالة الأنباء: «إنه لشرف كبير وصول عنوان أيقوني كهذا إلى فرنسا، ليكون بمثابة همزة وصل بين الامتياز الأميركي والجمهور الفرنسي المثقف».

ومن جهتها، قدّمت صحيفة «ليزيكو» الاقتصادية الحدث على أنه «الخبر السار» الذي انتظرته النخبة الفرنكوفونية طويلاً. وشدّدت الصحيفة على أن «تايم فرنسا» تضع «التميز التحريري الأميركي في خدمة جمهور فرنسي منفتح على العالم». أما «ليبراسيون»، فبالرغم من مواكبتها للخبر، مالت في بعض زواياها إلى طرح تساؤلات حول «النموذج الاقتصادي» القائم على الترخيص أو (Licensing) ومدى قدرة المحتوى الفرنسي الأصلي (المقدّر بـ70 في المائة) على الحفاظ على استقلاليته وتفرده أمام هيمنة الخط التحريري الأميركي.

في خط موازٍ، أشارت بعض المنصّات الإخبارية المتخصصة، مثل «أري سور إيماج»، إلى أن إطلاق «تايم فرنسا» حظي بـ«مباركة» مبالغ فيها من كبريات الصحف، دون قراءة نقدية لمدى استدامة هذا النموذج الاقتصادي في سوق مشبعة، أو التساؤل عن مدى استقلالية هذا المشروع الجديد، ومدى مساهمته في تعزيز الصحافة النقدية والمسؤولة بدلاً من الانخراط في منطق الضجيج أو الترويج التجاري.


مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

مطالب بـ«ضبط» ملخّصات «غوغل» عقب تقرير عن «معلومات زائفة»

شعار "غوغل" (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

ازدادت المخاوف أخيراً بشأن دقة المعلومات التي تظهر للمُستخدمين عبر ميزة ملخصات الذكاء الاصطناعي التي توفرها «غوغل»، وذلك بعد رصد أمثلة لمعلومات صحية وُصفت بأنها «زائفة». وبينما أكدت «غوغل» أن «الملخصات تأتي بمعلوماتها من مصادر معروفة»، شدد خبراء على أن «المرحلة الحالية تستدعي ضبطاً أكبر للمعايير»، وطالبوا بـ«ضبط» الملخّصات عبر تقوية آليات التحقق قبل عرضها.

كان تحقيق أجرته صحيفة «الغارديان» البريطانية مطلع يناير (كانون الثاني) الجاري، قد رصد معلومات صحية تتعلق بمرض السرطان، وصفها بأنها «مضللة». وعلى الأثر رد متحدث باسم «غوغل» قائلاً إن «العديد من الأمثلة الصحية التي جرت مشاركتها معهم كانت لقطات شاشة غير مكتملة. لكن من خلال ما استطاعوا تقييمه، تبين أنها مرتبطة بمصادر معروفة وذات سمعة طيبة».

الدكتور فادي عمروش، الباحث المتخصص في التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي التوليدي، ربط أزمة «المعلومات الزائفة» على ملخصات «غوغل» بـ«سهولة اختراق معايير الدقة الخاصة بالمنصة». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنه «وفق ما تنشره (غوغل) رسمياً، فإنها تعتمد على المعايير ذاتها التي تستخدمها في ترتيب نتائج البحث التقليدية، كما تطبّق أنظمة لرصد وتجنّب المحتوى المضلّل، لكن على الرغم من قوة هذه المعايير نظرياً، فإنّها تبقى عرضة للتلاعب، تماماً كما يحدث في مجال تحسين محركات البحث، إذ يمكن لناشرين التلاعب بالترتيب وجعل محتوى منخفض الجودة يتصدر النتائج بخداع الخوارزمية لأغراض تسويقية أو لجذب الزيارات، مما يعني أن الملخصات التوليدية قد تتأثر هي الأخرى بهذا».

عمروش أشار إلى «أهمية إلزام الملخصات بإظهار مصادر واضحة وقابلة للتتبع»، وقال إنها «خطوة جوهرية لتعزيز الدقة وتقليل فرص التضليل»، لكنه عدّ ما تقوم به «غوغل» حالياً غير كافٍ «وهو وضع إشارة رابط في نهاية النتيجة لا ينتبه له الكثيرون ولا ينقرون عليه، لذلك لا يكفي أن يُذكر المصدر بطريقة شكلية أو ضمنية، بل يجب أن يكون واضحاً، ومباشراً، وقادراً على دفع المستخدم للنقر والتحقق». وطالب بأن «يُصمم النظام بطريقة تُشجع على التحرّي، من خلال عرض الجهة الناشرة، وتاريخ التحديث، وحتى تقييم موثوقية الموقع، إذ ليس من المنطقي تبرير عرض معلومة خاطئة لمجرد أن مصدراً ما قد كتبها».

للعلم، كانت «غوغل» قد أطلقت خدمة الملخصات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي في مايو (أيار) 2024، وكان الهدف «تقديم إجابات سريعة ومباشرة للمستخدم، عبر توليد معلومات مستخلصة من مصادر ويب متعددة وموثوقة»، حسب الوثائق الرسمية الصادرة عن المنصة.

على هذا علق عمروش قائلاً إن «(غوغل) تبحث عن إجابة مدعومة بمحتوى منشور على الإنترنت، لا مجرد نصّ مولّد من دون أساس معرفي واضح»، وأردف: «هنا تكمن أزمة السقوط في فخ المعلومات الزائفة، لأن الإشكالية الكبرى التي يغفل عنها كثيرون، هي أن المحتوى المنشور على الإنترنت ليس بالضرورة دقيقاً أو موثوقاً، إذ تطغى عليه الشعبوية والتضليل ويهدف لحصد الزيارات من المستخدمين». وتابع: «فضلاً عن أساليب التسويق واتباع طرق تحسين محركات البحث (SEO) لكي يكون في المرتبة الأولى، والتي قد تؤدي إلى تصدُّر معلومات غير صحيحة لمجرد تكرارها».

من جهته، قال محمد الكبيسي، خبير الإعلام الرقمي المقيم في فنلندا، لـ«الشرق الأوسط»، إن «ضمانات الدقة والشفافية تبدأ بضمان الاعتراف الدقيق بالمحتوى الأصلي». وأضاف: «بشكل عام، القلق من ظهور محتوى مضلل داخل الملخصات، طبيعي ومبرَّر، لأنه قد يدفع المستخدم إلى تصديق إجابة جاهزة من دون تدقيق». واستطرد أن «المطلوب ليس رفض التقنية، بل تشديد الضمانات، عبر تقوية آليات التحقق قبل عرض الملخصات، والاعتماد على مصادر طبية وعلمية معروفة، ومراجعة المحتوى الذي يُستند إليه دورياً، مع إظهار تنبيه واضح يدعو المستخدم إلى الرجوع إلى مختص عند المعلومات الحساسة حتى تكون النتائج أدق وأكثر موثوقية».

الكبيسي أبدى اعتقاده أن «ثمة دوراً موازياً ينبغي أن تضطلع به المؤسسات الإخبارية الكبرى للمساهمة في ضبط منظومة المعلومات الموثوقة والحد من المحتوى الزائف». وذكر أنه «من المهم أن تعمل هذه المؤسسات على تطوير استراتيجيات رقمية فعالة تتناسب مع التطوّر السريع في العالم الرقمي وآلياته، والتأكد من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي تُبرز المصادر بوضوح».