مسار «فيينا 2»: سوريا موحدة غير طائفية.. ومصير الأسد إلى اجتماع ثالث

كيري: لا سبيل لحكومة موحدة مع استمرار الأسد في السلطة.. وسوريا تستحق خيارًا آخر * لافروف: اتفقنا على الحفاظ على سلامة ووحدة أراضي سوريا

جانب من الاجتماع الموسع حول سوريا الذي عقد أمس في العاصمة النمساوية (إ.ب.أ)
جانب من الاجتماع الموسع حول سوريا الذي عقد أمس في العاصمة النمساوية (إ.ب.أ)
TT

مسار «فيينا 2»: سوريا موحدة غير طائفية.. ومصير الأسد إلى اجتماع ثالث

جانب من الاجتماع الموسع حول سوريا الذي عقد أمس في العاصمة النمساوية (إ.ب.أ)
جانب من الاجتماع الموسع حول سوريا الذي عقد أمس في العاصمة النمساوية (إ.ب.أ)

اعترف المشاركون في الاجتماع الموسع حول سوريا في العاصمة النمساوية أمس بوجود «خلافات كبيرة» لا تزال قائمة، قالت مصادر مشاركة في الاجتماع لـ«الشرق الأوسط» إنها تتلخص بنقطتي تحديد المنظمات الإرهابية ومصير الأسد. لكن المجتمعين أعلنوا اتفاقهم على ضرورة «تسريع كل الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب». وطلبوا من الأمم المتحدة أن تجمع معا ممثلي الحكومة السورية والمعارضة لتدشين عملية سياسية تؤدي إلى «تشكيل حكومة جديرة بالثقة وغير طائفية ولا تقصي أحدا يعقبها وضع دستور جديد».
وقالت مصادر شاركت في الاجتماع لـ«الشرق الأوسط» إن أجواء الاجتماع غلب عليها التوتر بين الأطراف المشاركة، خصوصا مع الجانب الإيراني الذي كان متشبثًا بمواقفه، ووزع الاتهامات بدعم الإرهاب.
وأوضحت المصادر أن نقطة التباعد الأساسية لا تزال قائمة حول توصيف الإرهاب الذي اتفق الجميع على ضرورة مواجهته، مع اختلاف في النظرة إلى مواجهة هذا الإرهاب. وقال مصدر آخر لـ«الشرق الأوسط» إن ثمة إقرارًا من جميع الأطراف بفكرة المرحلة الانتقالية، مع اختلاف في توصيف هذه المرحلة. وأشار المصدر إلى تشدد إيراني في وضع الرئيس السوري بشار الأسد يختلف عن الموقف الروسي الذي يوحي بإمكانية تجاوز هذه النقطة. وأشار إلى أن وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف قال في الاجتماع إن مسألة رحيل الرئيس السوري «أمر يقرره السوريون وليس أي من المجتمعين»، مشيرا إلى أن إيران تدعم «ما يقرره السوريون»، ورأى المصدر أن إيران وافقت على مرجعية «جنيف 1» أساسًا للحل بموافقتها على البيان الختامي الذي ينص بشكل واضح على خريطة الطريق التي أقرت في جنيف.
وقال مصدر تركي لـ«الشرق الأوسط» إن الإصرار الروسي - الإيراني على ضم الجميع إلى عملية «مكافحة الإرهاب» لا يزال نقطة خلاف أساسية، مشيرا إلى أن وزير الخارجية التركي قال في الاجتماع إن نظام الأسد لا يقل خطوة عن بقية التنظيمات الإرهابية، مشددا على ضرورة البدء بمرحلة انتقالية «واضحة المعالم ومحددة التفاصيل»، مشددا على ضرورة عدم الركون إلى «مفاهيم عامة يمكن لأي طرف أن يفسرها وفقا لوجهة نظره لاحقا». وكان المصدر التركي لفت إلى أن الروس يبحثون عما هو أبعد من سوريا، مشيرا إلى أن الاجتماع الرباعي الذي عقد ليل الخميس حمل محاولة روسية لوضع ملفات المنطقة وملفات أخرى في خانة «التعاون الدولي».
وأشار وزير شارك في الاجتماع لـ«الشرق الأوسط» إلى أن ثمة توافقا نظريا يُبنى عليه بين الأطراف المختلفة، وهو يتعلق بطبيعة النظام في سوريا في المرحلة المقبلة، وضرورة تمثيله أوسع الفئات السورية، كما أشار إلى اتفاق على وحدة الأراضي السورية وعدم القبول بتقسيمها في أي مشروع حل.
وكان الاجتماع الموسع حول سوريا عقد أمس في فيينا بمشاركة 17 دولة، في مقدمتها الدول الأربع التي تقود عملية الحوار، وهي الولايات المتحدة وروسيا والسعودية وتركيا، بالإضافة إلى الوافد الجديد إيران، التي تخوض لأول مرة مفاوضات حول الوضع السوري بعدما تم استثناؤها من كل الجهود الدولية والإقليمية السابقة. وتوافقت الأطراف على اجتماع ثالث يعقد في فيينا بعد أسبوعين لمتابعة المساعي. وفي بيان مشترك عقب المحادثات قال المشاركون إن «خلافات كبيرة لا تزال قائمة» رغم اتفاقهم على ضرورة «تسريع كل الجهود الدبلوماسية لإنهاء الحرب». وجاء في البيان أن المشاركين في المحادثات يطلبون من الأمم المتحدة أن تجمع معا ممثلي الحكومة السورية والمعارضة لتدشين عملية سياسية تؤدي إلى «تشكيل حكومة جديرة بالثقة وغير طائفية ولا تقصي أحدًا يعقبها وضع دستور جديد».
وإذ أكد وزير الخارجية السعودية عادل الجبير، بعد انتهاء جولة المحادثات الدولية، أن النقاط الخلافية أُرجئت إلى الموعد المقبل، قال وزيرا الخارجية الأميركي جون كيري والروسي سيرغي لافروف في مؤتمر صحافي تبع انتهاء المحادثات التي استمرت نحو ثماني ساعات إنهما «اتفقا على ضرورة أن تخرج سوريا من الحرب كدولة علمانية موحدة».
وقال كيري خلال مؤتمر صحافي بعد المحادثات الدولية في فيينا حول سوريا إن مؤسسات الدولة السورية يجب أن تبقى قائمة رغم أنه اختلف مع نظيره الروسي حول ما إذا كان الرئيس السوري بشار الأسد يجب أن يتنحى على الفور أم لا. فت وزير الخارجية الأميركي جون كيري على أن «الرد على الحرب بسوريا هو بدعم مبادرة لعملية انتقالية وفقا لاتفاق جنيف».
ولفت إلى أن «وجهة النظر الأميركية تجاه سوريا لم تتغير، ونحن نرى أن سوريا تستحق خيارًا آخر غير الرئيس السوري بشار الأسد، ولا يمكننا أن نسمح للاختلافات بأن تعوق الدبلوماسية وسبل إيجاد الحل». وأشار إلى «أننا نعزز حملتنا المضادة لـ(داعش)، ونعزز جهودنا الدبلوماسية لحل الأزمة السورية». وفي حين اعتبر أنه «يجب إطلاق عملية مفاوضات حقيقية بشأن سوريا»، رأى أنه «لا سبيل لحكومة موحدة مع استمرار الأسد في السلطة». وأكد «أهمية إيجاد السبل لإعادة كل الجهات السورية إلى الحوار». وأفاد بأن الحوار في فيينا «كان صعبا وصريحا ولكن رأينا إرادة والتزامًا من جميع الجهات للحديث عن الخطوات الملموسة للوصول إلى حل». ولفت إلى «أننا حققنا تقدمًا، وسنجتمع مجددًا بعد أسبوعين لاستئناف المحادثات». وأعلن: «اتفقنا على أن وحدة سوريا واستقلاليتها أساسية، وعلى أن تبقى مؤسسات سوريا سليمة»، مشددًا على أنه «من حق كل السوريين أن يحصلوا على الحماية».
وبدوره قال لافروف إن المحادثات «فشلت في التوصل لاتفاق على مصير الرئيس السوري بشار الأسد». وأوضح لافروف أنه يرى أن «الشعب السوري هو من يقرر مصير الأسد» معربًا عن أمله في المزيد من التسويات لإنهاء الحرب الأهلية السورية. ولفت إلى أنه «لأول مرة جلس في طاولة حوار واحدة كل الدول التي تؤثر على مجريات الأحداث في سوريا، وقد اقترحنا منذ البداية حل هذه المشكلة»، موضحًا أن «موضوع الكفاح ضد الإرهابيين تحدث عنه الجميع، وتوصلنا إلى هذا الموضوع اليوم، حيث اتفقنا على مكافحة المجموعات الإرهابية كلها، وسلطات روسيا ملتزمة بمكافحة الإرهاب بالاستناد إلى القانون الدولي، ويجب أن يتم تنسيق العمليات العسكرية مع الأمم المتحدة ومجلس الأمن».
وأشار لافروف إلى أن «موقفنا لم يتغير ونريد أن نستمر بمكافحة الإرهاب بالتفاهم المشترك مع أميركا، وقد اتفقنا على الحفاظ على سلامة أراضي سوريا موحدة لتكون دولة فيها حكم غير ديني، وينبغي حماية حقوق كل السوريين على الرغم من انتماءاتهم الدينية والسياسية، وينبغي السماح بوصول المساعدات الإنسانية وحشد الزخم لمساعدة اللاجئين والمهجرين». وأوضح أنه «من بين أهم اتفاقات اجتماع اليوم هو أن هذه المجموعة تطلب من الأمم المتحدة القيام بدعوة أصحاب المصالح من حكومة سوريا والمعارضة لإطلاق العملية السياسية، هذه المجموعة السياسية الشاملة، حيث يجب أن تعمل على بناء أسس لأداة شاملة من شانها أن تضع الدستور الجديد والمؤسسات الجديدة» .وشدد بقوله: «اتفقنا على أن الانتخابات الجديدة ينبغي أن تقام تحت مراقبة الأمم المتحدة وبمشاركة اللاجئين في الدول المجاورة ودول أخرى، كذلك ناقشنا مسألة وقف إطلاق النار بالتوازي مع العملية السياسية وينبغي أن يتم ذلك بالتشاور مع الأمم المتحدة»، مؤكدًا أنه «يحق للشعب السوري أن يقرر مستقبل سوريا ومصير الرئيس السوري بشار الأسد، كما أن العملية السياسية يجب أن يقودها الشعب السوري، وأن يقرر هو مستقبل بلاده».
وفي حين أكد كيري أن توقيت إعلان واشنطن أنها سترسل عشرات من عناصر القوات الخاصة إلى شمال سوريا لتقديم المشورة لقوات معارضة في القتال ضد تنظيم داعش هو محض مصادفة، رأى وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن هذا القرار «سيزيد من أهمية التعاون بين القوات المسلحة للبلدين». وقال لافروف إن المناقشات بشأن التوصل إلى وقف لإطلاق النار في الحرب السورية ستستمر، لكنه ذكر أن محاربة الجماعات الإرهابية لن تتوقف.
وقال وزير خارجية ألمانيا فرانك فالتر شتاينماير إنه لم يكن هناك اتفاق خلال المحادثات بشأن مصير الرئيس السوري بشار الأسد في نهاية عملية انتقال سياسي، فيما قال وزير الخارجية اللبناني جبران باسيل لـ«الشرق الأوسط» إنه متفائل بالعملية الدبلوماسية، رغم اعترافه بأنها لا يزال أمامها «مسار طويل وصعب». وقال باسيل: «مشاركتنا في اللقاءات تسهيلية لحل الأزمة السورية التي تؤثر علينا مباشرة في لبنان على جميع الأصعدة». وأضاف: «قدمنا أفكارا تجمع ولا تفرق حول مواضيع كمحاربة الإرهاب وقضية اللاجئين والديمقراطية وكيفية المشاركة في السلطة»، كما تحدث عن تقديمه «صيغًا لإعادة بناء سوريا سياسيا تمهيدا لإعادة بنائها فعليا»، مشيرا إلى أن هذه الصيغ تنطلق من التجربة اللبنانية.
وأكد باسيل أن الحل في نهاية المطاف في يد السوريين، ونحن نرى أن الأهم فيما جرى (أمس) هو مشاركة الجميع على الرغم من أجواء الاحتقان التي سادت. وقال: «هذه بداية مسار جديد، لكنه صعب وطويل». وأضاف: «إنها بداية طريق جديدة قائمة على مشاركة الجميع في الحرب ضد الإرهاب ومشاركة السوريين في الحل».
وكانت إيران لمحت أمس إلى أنها تفضل مرحلة انتقالية في سوريا مدتها ستة أشهر تعقبها انتخابات لتحديد مصير الرئيس بشار الأسد. وقالت مصادر إن الاقتراح يرقى إلى حد تنازل طهران عن التمسك ببقاء الأسد في السلطة، لكن خصوم الأسد يقولون إن إجراء انتخابات جديدة سيبقيه في الحكم إذا لم تتخذ خطوات أخرى لتنحيته.
ونسبت وسائل إعلام إيرانية إلى أمير عبد اللهيان نائب وزير الخارجية الإيراني وعضو الوفد الإيراني في المحادثات بشأن سوريا قوله إن إيران لا تصر على بقاء الأسد في السلطة للأبد.
ونقلت وكالة رويترز عن مسؤول كبير من الشرق الأوسط مطلع على الموقف الإيراني أن الأمر قد يصل إلى حد الكف عن دعم الأسد بعد المرحلة الانتقالية. وقال المسؤول: «المحادثات تدور كلها عن الحلول الوسط، وإيران مستعدة للتوصل لحل وسط بقبول بقاء الأسد ستة أشهر.. بالطبع سيرجع تحديد مصير البلاد للشعب السوري».



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».