الروس يحولون قاعدة {حميميم} السورية إلى خلية نحل عسكرية

عمليات القوات المسلحة الروسية تعكس التطور الكبير في تجهيزها وتأهيلها.. واستفادوا من مرحلة حربي الشيشان الأولى والثانية

طائرة نقل تابعة لسلاح الجو الروسي لحظة هبوطها في قاعدة حميميم الجوية قرب مدينة اللاذقية (أ.ب)
طائرة نقل تابعة لسلاح الجو الروسي لحظة هبوطها في قاعدة حميميم الجوية قرب مدينة اللاذقية (أ.ب)
TT

الروس يحولون قاعدة {حميميم} السورية إلى خلية نحل عسكرية

طائرة نقل تابعة لسلاح الجو الروسي لحظة هبوطها في قاعدة حميميم الجوية قرب مدينة اللاذقية (أ.ب)
طائرة نقل تابعة لسلاح الجو الروسي لحظة هبوطها في قاعدة حميميم الجوية قرب مدينة اللاذقية (أ.ب)

تنطلق الطائرات الحربية الروسية المحملة بالقنابل الخارقة للتحصينات هادرةً في سماء سوريا، في حين يمرّ العسكريون الروس ذوو السترات العسكرية الخضراء بالقرب من صف من المساكن الجميلة في القاعدة العسكرية الروسية، داخل مجمع مطار حميميم العسكري أحد أكبر المطارات السورية في البلاد.
وحسب تقرير أوردته وكالة {أسوشيتدبرس} فإن الحملة الجوية في سوريا، وهي أول عمل عسكري تنفذه روسيا خارج حدود الاتحاد السوفياتي السابق منذ حربه الأخيرة في أفغانستان، تُظهر الجيش الروسي بعد تجديده، وهو هنا يبدو مختلفًا اختلافًا كبيرًا من حيث القدرات والعقلية العسكرية عما كانت عليه الآلة العسكرية السوفياتية القديمة. فلقد صار الجيش الروسي قادرًا على عرض القوة بسرعة كبيرة بعيدًا عن الحدود الوطنية الروسية، وبات يستخدم الطائرات من دون طيار (الدرون) على نطاق واسع مع الأسلحة الدقيقة، في ظل مراعاة راحة الضباط والجنود.
والواقع، أنه لا يمكن سماع هدير الحرب الأهلية السورية في حميميم، تلك القاعدة – المطار التي تطل على البحر في محافظة اللاذقية الساحلية، والتي ظلت إلى حد كبير بعيدة عن الفوضى والدمار على مدار أكثر من أربع سنوات ونصف السنة من القتال الدائر في مختلف أنحاء سوريا.
لقد زارت مجموعة صغيرة من المراسلين الأجانب القاعدة الجوية الروسية خلال هذا الأسبوع وشاهد أفرادها عشرات القاذفات من طراز «سوخوي سو - 24» وهي تقلع أثناء الليل وهديرها يصم الآذان، منطلقة في الظلام مع ألسنة اللهب القرمزية المنبعثة من محركاتها النفاثة. كانت مثل هذه المهام تعد مستحيلة قبل بضع سنوات قليلة. فيومذاك كانت القوات الجوية الروسية لا تملك إلا بضع طائرات معدودة قادرة على ضرب الأهداف أثناء الليل. غير أن سلاح الجو الروسي، كجزء من برنامج التحديث العسكري الكبير، الذي أمر به واعتمده الرئيس فلاديمير بوتين، تسلّم مئات الطائرات الجديدة والحديثة، مزوّدة كلها بأحدث الأجهزة الإلكترونية فباتت هذه الطائرات الحربية المتطورة تقف على قدم المساواة مع نظيرتها الأميركية وتلك التابعة لدول حلف شمال الأطلسي (ناتو).
الجنرال إيغور كوناشينكوف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الروسية، يقول شارحًا «كل الطائرات في القاعدة (حميميم) مجهزة بأنظمة الاستهداف التي تسمح بضرب الأهداف بدقة متناهية». وفي مجال آخر، نفى كوناشينكوف ما اعتبره «مزاعم المعارضة السورية بأن الغارات الجوية الروسية تستهدف المدنيين وتلحق بهم إصابات»، ووصفها بأنها «محض هراء وهذيان». وتابع كلامه قائلاً إن «الطائرات لا تستهدف إلا مستودعات الذخيرة والتحصينات وغيرها من الأهداف البعيدة كل البعد عن المناطق المأهولة بالسكان».
من ناحية ثانية (في نطاق الحرب الإعلامية الحالية) أصدرت وزارة الدفاع الروسية مقطع فيديو من قمرة قيادة إحدى الطائرات الحربية لدعم مزاعمها السالفة الذكر، تماما كما فعلت وزارة الدفاع الأميركية أثناء حربي الخليج الأولى والثانية.
من جانب آخر، تختلف الضربات الجوية الدقيقة هذه المرة في سوريا، عن ضربات سلاح الجو الروسي إبان حربي الشيشان الأولى والثانية، فحينذاك كان الجيش الروسي يستخدم بشكل عشوائي الأسلحة غير الدقيقة التي عفا عليها الزمان، مما أدى إلى دمار كبير في العاصمة الشيشانية غروزني.
هنا، توفر محافظة اللاذقية، وهي معقل عائلة الرئيس السوري بشار الأسد العلوية، بيئة آمنة للجيش الروسي - وكذا يلقى العسكريون الروس ترحيبًا حارًا من المواطنين الذين يطلقون نفير سياراتهم ابتهاجًا وفرحًا ويهتفون «شكرا» باللغة الروسية إلى الضباط والجنود في القاعدة. وفي معسكر للاجئين في اللاذقية، يضم الآلاف من اللاجئين من الطائفة العلوية النازحين من محافظات سوريا أخرى، يهتف الأطفال السوريون الصغار «شكرًا بوتين!» ويرحب السكان بحرارة وعلى مسافة آمنة من حدود القاعدة بالعسكريين الروس العاملين في القاعدة الجوية بحميميم، التي تبدو هادئة ومريحة.
مع هذا، لا يزال الجيش الروسي يدير نقاط التفتيش مع قوات الأمن السورية فيتفحص المركبات المارة، وتتولى القوات الخاصة حراسة المرافق المهمة، وتحوم سفن «إم 24» الحاملة للهليكوبترات حول القاعدة في دوريات منتظمة رصدًا لأي نشاط مشبوه. كذلك شهدت المنطقة نصب نظام الدفاع الجوي «بيتسار» على أطراف مهبط الطائرات لتكتمل فقاعة الأمن. ومن جهة ثانية، يزهو العسكريون الروس داخل القاعدة بزيهم المموّه الجديد وأحذيتهم المرتفعة ذات اللون القريب من لون الرمال، في تضارب شديد مع اللون الرمادي الفاقع الذي يميّز الزي السوفياتي الذي ظل مستخدما حتى زمن قريب.
هذا، وتدعم القوات الجوية الأطقم التي تعمل على وضع القنابل الثقيلة والصواريخ تحت أجنحة الطائرات، ويرتدي جنودها سراويل قصيرة وأحذية رياضية حديثة مريحة في طقس حار يختلف كليا عن طقس روسيا الذي يقترب من 30 درجة مئوية. مع الإشارة إلى أنه في الأيام الاعتيادية، تقوم الطائرة الواحدة بعدة غارات على مدار الليل والنهار.
كوناشينكوف، بما يخصه، لم يبد اهتماما يذكر بالانتقادات الأميركية التي ركزت على انتقاد استهداف الروس الجماعات المعارضة المعتدلة المناهضة للأسد بدلاً من استهداف تنظيم داعش، الذي كان الهدف الرئيس الذي أعلنه الكرملين. وقال كوناشينكوف في تصريح صحافي «لا يوجد فرق بين هذا العدد الوافر من الجماعات المسلحة التي تمتلك قدرات لتصنيع الأحزمة الناسفة وقنابل لتفجير الشاحنات في العمليات الانتحارية، كلهم يعتبرون أهدافا للطائرات الروسية».
ولكن بعيدًا عن المواقف السياسية، وفي تحديث جديد للتقاليد العسكرية الروسية القديمة، يراعى المخططون في قاعدة حميميم الجوية توفير الراحة للجنود، على غير المعتاد في العسكرية الروسية التي لا تبالي كثيرا براحة جنودها. وتشتمل الوحدات السكنية المتراصة التي يسكنها من شخصين إلى ثمانية أشخاص، حسب الرتبة، على أجهزة تكييف للهواء، الذي يعتبر ضروريًا في مثل هذا الطقس الحار، بالإضافة إلى وحدات للاستحمام. وبدا المطبخ والمقصف نظيفين إلى حد كبير، وهذا أيضًا مشهد غير مألوف لكل من يعرف الأسلوب القديم الفظ الذي طالما اتصفت به العسكرية الروسية.
المقدم آلكساندر يوفيكيموف تحدث بحماسة عن نظام تنقية الماء المتعدّد الذي يقوم بتنقية ماء الصنبور السوري ليصل إلى أعلى المعايير القياسية ليمنع أي تهديد بعدوى بكتيرية أو كيميائية. وقال للصحافيين «تذوقوها من فضلكم، فطعمها جيد». وبالنسبة للطعام، يتولى مخبز القاعدة العسكرية بعمل الخبز للجنود ويقوم المطبخ بطهي وجبات بسيطة لكنها تحاكي تقاليد المطبخ الروسي. كذلك يعرض متجر الجيش الهدايا، ومستحضرات التجميل، والملابس، بينما يبيع مقهى قريب الحلوى والكعك والمثلجات (الآيس كريم) المجلوبة من روسيا.
كوناشينكوف، المحارب القديم الذي حارب في الشيشان وفى مناطق أخرى شهدت صراعات ما بعد الاتحاد السوفياتي، يحرص على الإشارة إلى التطور الذي حققته العسكرية الروسية. فيوضح «تَذَكّر الشيشان، حيث تغطى كل شيء بالأوساخ»، مشيرا إلى أراضي القاعدة المرصوفة حديثًا التي تحافظ على نظافة الزي الرسمي والوحدات السكنية.
أما الضباط الآخرون في القاعدة فيبدون مرتاحين لتصميمها الهادئ وخدماتها اللوجيستية المدروسة جيدًا، التي تعكس العناية الشخصية من جانب وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، الذي يبدو أنه يحظى بشعبية واسعة النطاق في صفوف الجنود، بعكس سلفه أناتولي سيرديوكوف.
وللعلم، سيرديوكوف، الذي تلقى أوامر بوتين بتنظيم الجيش المتضخم، والذي كان يعاني من نقص التمويل بعد الحرب الروسية – الجورجية عام 2008، اضطر لإجراء تقليصات واقتطاعات حادة مؤلمة بجانب بعض التغييرات الجذرية الأخرى، لكنه أُقيل في نهاية المطاف وسط تذمر أفراد الجيش. وبعدها، رحب الجيش بتعيين شويغو، الذي كان قد شغل منصب وزير الطوارئ الروسي لعقدين من الزمن، وحاز على سمعة بأنه واحد من ضمن عدد قليل من المسؤولين الذين يمكنهم إنجاز الأمور على أرض الواقع.
وحقًا، طوّر شويغو، الذي انضم أخيرًا إلى «دائرة بوتين الداخلية»، علاقات شخصية قوية مع الرئيس، حتى أنهما ذهبا في رحلة صيد معًا. ويبدو أن وزير الدفاع الحالي هو الآن أحد المسؤولين القلة الذين يثق بوتين بهم بشكل خاص.
الإنفاق على الجيش ازداد تحت قيادة شويغو، بتمويل المئات من الطائرات والصواريخ الحربية الجديدة، والتكليف بتصنيع الكثير من الأسلحة الجديدة الأخرى. وأجرت القوات المسلحة الروسية سلسلة من المناورات الضخمة، تضمنت إشراك مئات الآلاف من القوات، ومئات الطائرات الحربية، في مناطق شاسعة، تبدأ من البلطيق إلى المحيط الهادي، ومن بحر قزوين إلى القطب الشمالي. أتت تلك المناورات ثمارها عندما تحرّك بوتين نحو ضم شبه جزيرة القرم. ففي غضون ساعات، نقل سرب من طائرات النقل الروسية القوات الخاصة التي حاصرت سريعًا القوات الأوكرانية في قواعدها دون الاضطرار لإطلاق رصاصة واحدة. واندهش الغرب من هذه العملية السريعة.
وبعكس الماضي، عندما دفع انهيار الجيش في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي الكرملين للاعتماد على الأسلحة النووية بشكل متزايد، تزداد ثقة الكرملين اليوم في قدرات قواته التقليدية. ولقد كان الهدف من الانتشار السريع لقوة كبيرة العدد عن طريق البحر والجو – وهي حملة جوية قصفت العشرات من الطائرات خلالها الأهداف بلا هوادة على مدار الساعة لمدة أسابيع، بجانب إطلاق صواريخ «كروز» بعيدة المدى من بحر قزوين – هو إرسال رسالة واضحة مضمونها «يمكن للجيش الروسي أن ينافس القدرة التشغيلية لمنافسته الولايات المتحدة».
وخلال تصريحات أخيرة، أوضح بوتين أن إطلاق 26 صاروخ «كروز» (تسياري) من القطع البحرية الروسية في بحر قزوين على أهدف في سوريا التي تبعد 1500 كيلومتر، بمثابة إشارة للولايات المتحدة بأن روسيا قادرة أيضًا على شن ضربات قوية مماثلة. وحول قول وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إن أربعة صواريخ من الصواريخ الـ26 سقطت في إيران، تجاهل الجنرال كوناشينكوف الأمر، لكنه رد مع ابتسامة تهكمية «إذن لا بد وأن كل تلك الأهداف (في سوريا) انفجرت جميعها من تلقاء نفسها»، مُصرًّا على أن كل تلك الصواريخ أصابت أهدافها.



السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي: مصر تدعم الحقوق العربية بلا مهادنة

الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري خلال خطابه بمناسبة ذكرى تحرير سيناء (الرئاسة المصرية)

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، أن بلاده تدعم «الحقوق العربية بلا مواربة أو مهادنة»، مؤكداً أن التضامن هو السبيل الوحيد لتجاوز المحن، وحذر «من مساعٍ مدبرة لإعادة رسم خريطة الشرق الأوسط»، ما عده خبراء بمثابة رسائل توضح استراتيجية القاهرة ورؤيتها بشأن مختلف الأزمات وسبل مواجهتها.

وقال السيسي، في كلمة مسجلة، السبت، بمناسبة الاحتفال بالذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، إن «منطقة الشرق الأوسط تمر بظروف دقيقة ومصيرية، حيث تشهد مساعي مدبرة لإعادة رسم خريطتها، تحت دعاوى آيديولوجية متطرفة»، مؤكداً أن «الطريق الأمثل لمستقبل المنطقة لا يقوم على الاحتلال والتدمير وسفك الدماء، بل على التعاون والبناء والسلام».

وشدد السيسي على «ضرورة احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها، ووقف محاولات تقسيم دول المنطقة وتفكيكها، والاستيلاء على مقدرات شعوبها، وإذكاء أسباب الاقتتال الداخلي والحروب الأهلية والدولية»، مؤكداً أن «الحلول السياسية والمفاوضات هي السبيل الأمثل لتجنيب المنطقة مزيداً من الكوارث والدماء والدمار».

وفي هذا الصدد، أشار السيسي إلى «إدانة مصر بكل وضوح وحزم الاعتداءات التي تعرضت لها بعض الدول العربية مؤخراً، ورفضها القاطع لأي مساس بسيادة تلك الدول، أو انتهاك سلامة أراضيها»، وقال: «تتخذ مصر مواقف سياسية مشهودة لدعم الحق العربي أمام المنظمات الدولية دون مواربة أو مهادنة». وأضاف الرئيس المصري أن «التضامن هو السبيل الأوحد لتجاوز المحن، وأن بلاده ستظل السند والركيزة لأمتها، تدافع عن قضاياها، وتعمل بإخلاص من أجل تحقيق مصالحها العليا».

وسبق وأدانت مصر مراراً الاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وزار الرئيس المصري عدداً من الدول الخليجية في رسالة دعم وتضامن.

فيما أدان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال اتصاله مع الشيخ جراح جابر الأحمد الصباح، وزير خارجية دولة الكويت، الهجوم الذي استهدف موقعين بالمراكز الحدودية البرية الشمالية الكويتية، أمس، باستخدام طائرات مسيرة.

وأكد «تضامن مصر الكامل مع حكومة وشعب الكويت وسائر دول الخليج الشقيقة في مواجهة أي محاولات لزعزعة أمنها واستقرارها، مشدداً على دعم مصر لكافة الإجراءات والتدابير التي تتخذها السلطات الكويتية لحماية حدودها وصون مقدراتها».

وحدة الصف العربي

رأى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن، أن خطاب السيسي تضمن رسالة مهمة تضمنت التأكيد على «أهمية وحدة الصف العربي باعتباره السبيل لمواجهة التحديات»، وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الخطاب عبّر عن «موقف مصر المبدئي بعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة، وأنه لا تنازل عن الحقوق العربية في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة».

وجدد السيسي خلال كلمته التي تطرقت لملفات عديدة، التأكيد على «أهمية التطبيق الكامل للمرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، بما يشمل إدخال المساعدات الإنسانية دون معوقات، والشروع الفوري في إعادة إعمار القطاع»، مشدداً على «رفض مصر القاطع؛ الذي لا يقبل تأويلاً أو مساومة، لأي مسعى يرمى إلى تهجير الفلسطينيين، تحت أي ظرف كان»، ومؤكداً «ضرورة وقف الاعتداءات المتكررة، ضد أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية».

الرئيس المصري يؤكد الدفاع عن الحقوق العربية بلا مواربة (الرئاسة المصرية)

وأعاد السيسي التأكيد على أن «خيار مصر دائماً هو السلام». وقال إن هذا «خيار ينبع من قوة وحكمة وقناعة ثابتة، لا من ضعف أو تردد أو خوف»، مشدداً على أن «القوات المسلحة المصرية؛ بعقيدتها وجدارتها، قادرة على حماية الوطن والدفاع عنه، والتصدي لكل من يحاول المساس بأمنه القومي، أو تهديد استقراره».

طريق التنمية

وأشار إلى أن بلاده «اختارت، بإرادة صلبة وعزم لا يلين، أن تسلك طريق البناء والتنمية، دون توقف أو تأجيل، رغم ما واجهته من تحديات جسيمة خلال العقد الأخير»، لافتاً في هذا الصدد إلى «الحرب على الإرهاب، وجائحة (كورونا)، والحرب الروسية - الأوكرانية، وحرب غزة، وأخيراً الحرب الإيرانية»، وقال إن هذه التحديات «ترتب عليها تداعيات ثقيلة، منها خسارة مصر نحو عشرة مليارات دولار، من إيرادات قناة السويس... ولجوء نحو عشرة ملايين وافد إلى مصر... فضلاً عن الارتفاع العالمي في أسعار الغذاء والطاقة».

وسبق أن أشارت مصر مراراً لما تعرضت له من خسائر اقتصادية بسبب الاضطرابات الجيوسياسية، واتخذت أخيراً إجراءات تقشفية لترشيد الاستهلاك ومواجهة تداعيات أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الإيرانية.

وتضمن خطاب الرئيس المصري في ذكرى تحرير سيناء رسائل عدة؛ أبرزها بحسب الخبير العسكري اللواء سمير فرج «التأكيد على السلام باعتباره خياراً استراتيجياً»، وقال فرج لـ«الشرق الأوسط»، إنه في ظل تأكيد السيسي على خيار السلام، «تحتفظ مصر بالقوة العسكرية اللازمة للدفاع عن الوطن»، ما «يجعل الجيش قوة ردع لا هجوم واعتداء».

وأضاف فرج أن الرئيس المصري أكد «أهمية تنمية سيناء باعتبارها السبيل لتأمينها ضد أي محاولات اعتداء مستقبلية»، مشدداً على أن الرئيس المصري كان حريصاً على التحذير من محاولات تقسيم المنطقة، أو المساس بسيادة دولها، والتأكيد على رفض التهجير، وأن الخطاب في مجمله تضمن توضيحاً لرؤية مصر واستراتيجيتها في مواجهة الأزمات ودعم الحقوق العربية.


إصلاح الطرق يُنعش الاقتصاد الريفي في اليمن

مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
TT

إصلاح الطرق يُنعش الاقتصاد الريفي في اليمن

مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)
مشروعات الطرق في اليمن وفّرت أكثر من 10 آلاف فرصة عمل (الأمم المتحدة)

في بلدٍ أنهكته سنوات الحرب وتتابع الكوارث الطبيعية والانهيارات الاقتصادية، تبرز مشاريع البنية التحتية بوصفها واحدة من أكثر الأدوات فاعلية في دعم قدرة المجتمعات على الصمود، ليس فقط من خلال إصلاح ما دمرته الأزمات، بل عبر إعادة وصل السكان بالخدمات والأسواق ومصادر الدخل.

في هذا السياق، يقدم المشروع الطارئ لتحسين طرق الربط الحيوي في اليمن نموذجاً عملياً لكيفية تحول الطرق الريفية من ممرات معزولة وموسمية إلى شرايين حياة تنقل الناس والسلع والخدمات، وتعيد تنشيط الاقتصاد المحلي في مناطق ظلت لسنوات رهينة العزلة وصعوبة الوصول.

ووفق بيانات أممية، نجح المشروع الذي ينفذه مكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع بتمويل من البنك الدولي في إعادة تأهيل 153 كيلومتراً من الطرق الريفية، مما أتاح لأكثر من 1.5 مليون شخص الوصول بصورة أكثر انتظاماً إلى الأسواق والمدارس والمرافق الصحية، والحصول على الخدمات الأساسية رغم التحديات المناخية القاسية التي تشمل الفيضانات والانهيارات الأرضية والسيول الموسمية التي كانت تعزل قرى ومناطق واسعة عن محيطها لأيام وربما أسابيع.

إصلاح أكثر من 150 كيلومتراً من الطرقات في اليمن (الأمم المتحدة)

ولا تتوقف أهمية هذا المشروع عند إعادة تأهيل البنية التحتية المادية، بل تمتد إلى إعادة صياغة الحياة اليومية في المجتمعات الريفية. ففي محافظتي إب وتعز، لم تعد الطرق تُجرف بالكامل مع كل موسم أمطار كما كان يحدث سابقاً، ولم يعد الوصول إلى المستشفيات أو مراكز الرعاية الصحية رحلة شاقة تستغرق أياماً بسبب انقطاع المسارات وارتفاع منسوب السيول.

هذا التحول انعكس بصورة مباشرة على حياة السكان، خصوصاً النساء والأطفال وكبار السن، الذين كانوا الأكثر تأثراً بعزلة المناطق الريفية. كما بات بإمكان الطلاب الوصول إلى مدارسهم بصورة أكثر انتظاماً، وهو ما يمنح العملية التعليمية قدراً أكبر من الاستقرار في بيئة تعاني أصلاً من تحديات مركَّبة تشمل الفقر والنزوح وتراجع الخدمات العامة.

دفعة قوية

على المستوى الاقتصادي، شكَّلت الطرق المؤهلة حديثاً عنصراً حاسماً في تنشيط الحركة التجارية، لا سيما في المناطق الزراعية التي يعتمد سكانها على بيع منتجاتهم في الأسواق المحلية والإقليمية. فقبل هذه الإصلاحات، كانت وعورة الطرق أو انقطاعها خلال مواسم الأمطار تؤدي إلى تلف جزء كبير من المحاصيل الزراعية قبل وصولها إلى الأسواق، مما يضاعف خسائر المزارعين ويقلل من عوائدهم.

وحسب البيانات الأممية، فقد أصبح بمقدور المنتجين نقل محاصيلهم بسرعة أكبر وتكلفة أقل وكفاءة أعلى، بما يحافظ على جودة المنتجات ويزيد من فرص تسويقها بأسعار أفضل. وهذا التحسن لا يدعم دخل الأسر الزراعية فقط، بل يسهم أيضاً في تعزيز الأمن الغذائي عبر استقرار تدفق السلع الزراعية إلى الأسواق وتقليل فجوات العرض التي كانت تتسبب في ارتفاع الأسعار أو شح بعض المنتجات.

وتشير المعطيات إلى أن كل كيلومتر من الطرق التي أُعيد تأهيلها أسهم في تحريك النشاط الاقتصادي في محيطه، سواء عبر زيادة حركة النقل، أو تنشيط التجارة المحلية، أو تسهيل وصول التجار والموردين إلى مناطق كانت في السابق شبه معزولة اقتصادياً.

مشروع الطرق في اليمن ساعد على سرعة الوصول إلى المستشفيات (المتحدة)

إلى جانب الأثر الخدمي والاقتصادي، وفَّر المشروع مكاسب مباشرة لسوق العمل المحلية. فقد أسهم في توفير نحو 80 ألف يوم عمل، إلى جانب آلاف فرص العمل غير المباشرة خارج مواقع التنفيذ، كما أتاح وظائف لأكثر من 10700 يمني، بينهم نساء وأسر تعاني من انعدام الأمن الغذائي، وهو ما وفر مصدر دخل بالغ الأهمية لشرائح اجتماعية شديدة الهشاشة.

وفي إطار دعم الاقتصاد المحلي، شمل المشروع تدريب 42 مقاولاً محلياً، بينهم سبع شركات مقاولات مملوكة لنساء، مع منحهم فرصاً للمشاركة في تنفيذ أعمال الصيانة والتأهيل. ولم يقتصر الدعم على العقود التشغيلية، بل شمل أيضاً تطوير المهارات في مجالات إدارة المشاريع، وسلامة الطرق، والمعايير البيئية، بما يعزز جاهزية الكفاءات المحلية للمشاركة في مشاريع إعادة الإعمار المستقبلية.

كما عززت العقود الممنوحة للشركات المحلية من شعور المجتمع بالملكية والمسؤولية تجاه هذه المشاريع، ووفرت قاعدة تشغيلية يمكن البناء عليها في مرحلة ما بعد الصراع، حيث يصبح القطاع الخاص المحلي شريكاً رئيسياً في التنمية وإعادة البناء.

تمويل إنساني صاعد

بالتوازي مع هذه المشاريع التنموية، أظهرت بيانات الأمم المتحدة تحسناً نسبياً في وتيرة تمويل خطة الاستجابة الإنسانية في اليمن خلال العام الجاري، في مؤشر يعكس تنامي إدراك المجتمع الدولي لحجم الاحتياجات الإنسانية والتنموية في البلاد.

ووفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بلغ إجمالي التمويل المستلم لخطة الاستجابة حتى أبريل (نيسان) 2026 نحو 264.3 مليون دولار، بزيادة قدرها 61.4 مليون دولار مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، أي بارتفاع نسبته 30.3 في المائة. كما ارتفع إجمالي التمويل المخصص لليمن داخل الخطة وخارجها إلى 293 مليون دولار، مقارنةً بـ228.9 مليون دولار في الفترة المقابلة من 2025.

مع تحسن الطرق باتت المنتجات تُنقل إلى الأسواق بسهولة (الأمم المتحدة)

وارتفعت نسبة تمويل الخطة إلى 12.2 في المائة، مقابل 8.2 في المائة فقط في الفترة نفسها من العام الماضي، وهي زيادة تعكس تحسناً في حجم التعهدات والصرف، وإن كانت لا تزال أقل بكثير من حجم الاحتياجات الفعلية.

وتصدرت المفوضية الأوروبية قائمة المانحين بقيمة 73.4 مليون دولار، تلتها بريطانيا بـ37.9 مليون دولار، ثم ألمانيا بـ23.4 مليون دولار، واليابان بـ19.6 مليون دولار، وكندا بـ16.2 مليون دولار، مما يشير إلى استمرار الحضور الدولي في دعم اليمن، سواء عبر التدخلات الإنسانية المباشرة أو عبر المشاريع التنموية التي تركز على بناء الصمود.


اليمن يصعّد ملاحقة شبكات تهريب المهاجرين الأفارقة

مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)
مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)
TT

اليمن يصعّد ملاحقة شبكات تهريب المهاجرين الأفارقة

مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)
مهربو البشر قاوموا اقتحام القوات في سواحل مديرية أحور (إعلام محلي)

في ظل تصاعد تدفقات الهجرة غير الشرعية إلى السواحل اليمنية منذ مطلع العام الحالي، صعّدت السلطات اليمنية من عملياتها الأمنية ضد شبكات تهريب المهاجرين، ونفذت حملة مداهمات واسعة استهدفت أوكاراً تستخدمها تلك الشبكات في محافظة أبين، لاحتجاز المهاجرين وتعذيبهم، في تحرك يعكس تنامي القلق الرسمي من تحول بعض المناطق الساحلية إلى ممرات مفتوحة لأنشطة التهريب والاتجار بالبشر.

وقالت مصادر أمنية في محافظة أبين (شرق عدن)، إن قوة مشتركة من الأمن العام والقوات الخاصة والأمن الوطني، نفذت، بتوجيهات من السلطة المحلية، عمليات مداهمة استهدفت مواقع في مديرية أحور الساحلية، تُستخدم من قبل مهربين لإيواء مهاجرين غير شرعيين، قبل نقلهم عبر مسارات غير قانونية نحو مناطق داخلية، أو إلى وجهات حدودية.

وذكرت السلطات أن القوة الأمنية واجهت مقاومة مسلحة من المهربين أثناء تنفيذ الحملة، ما أدى إلى اندلاع اشتباكات انتهت بالسيطرة على المواقع المستهدفة، واعتقال عدد من المتورطين في عمليات الاحتجاز والتعذيب، إلى جانب ضبط أسلحة ومعدات كانت تستخدم في إدارة هذه الأنشطة غير القانونية، فضلاً عن إحراق مواقع اتُّخذت مراكز احتجاز مؤقتة للمهاجرين.

المهاجرون الأفارقة إلى اليمن يتعرضون لأشكال متعددة من الانتهاكات (إعلام محلي)

وبحسب مسؤولين محليين، تأتي هذه العمليات ضمن خطة أمنية أوسع تهدف إلى تفكيك شبكات التهريب المنظمة التي تنشط على امتداد السواحل الجنوبية والشرقية، مستفيدة من اتساع الشريط الساحلي وصعوبة مراقبته بصورة كاملة، إلى جانب هشاشة الأوضاع الأمنية التي أفرزتها سنوات الحرب.

وأكدت السلطة المحلية في مديرية أحور، أن الحملة لن تكون إجراءً عابراً؛ بل بداية لسلسلة عمليات متواصلة لتعقب المتورطين، وملاحقة الشبكات التي تدير عمليات تهريب البشر، وتستخدم وسائل عنيفة بحق المهاجرين؛ من بينها الاحتجاز القسري والتعذيب والابتزاز المالي، وصولاً إلى استغلال بعضهم في أنشطة غير مشروعة.

ورغم عدم إعلان السلطات الحصيلة النهائية للموقوفين، تحدثت مصادر محلية عن ضبط عدد من العناصر المتورطة، في حين تمكن آخرون من الفرار إلى مناطق وعرة، ما دفع الأجهزة الأمنية إلى توسيع نطاق التحري والملاحقة، مع تشديد الرقابة على المنافذ الساحلية التي تنطلق منها قوارب التهريب.

40 ألف مهاجر

تأتي هذه التطورات في وقت تظهر فيه بيانات رسمية استمرار التدفق الكبير للمهاجرين من القرن الأفريقي إلى اليمن؛ إذ وصل نحو 40 ألف مهاجر منذ بداية العام الحالي، غالبيتهم الساحقة من الجنسية الإثيوبية، فيما سجلت الأيام الماضية وحدها، وصول أكثر من 200 مهاجر إلى سواحل محافظة شبوة ضمن موجات متواصلة.

وتشير هذه الأرقام إلى أن اليمن، رغم الحرب والانهيار الاقتصادي والأوضاع الإنسانية المعقدة، ما زال يمثل محطة رئيسية على طريق الهجرة المختلطة من القرن الأفريقي نحو دول الخليج، سواء باعتباره نقطة عبور أو وجهة مؤقتة للباحثين عن فرص اقتصادية أفضل.

تدمير مواقع تستخدم لاحتجاز وتعذيب المهاجرين غير الشرعيين (إعلام محلي)

لكن هذا المسار تحول، وفق تقارير حقوقية، إلى واحد من أخطر طرق الهجرة غير النظامية في المنطقة، حيث يتعرض القادمون عبره إلى سلسلة واسعة من الانتهاكات تبدأ منذ لحظة وصولهم إلى الشواطئ اليمنية، مروراً بعمليات احتجاز وتعذيب وابتزاز، ولا تنتهي عند الاستغلال في أعمال قسرية أو أنشطة مرتبطة بالجريمة المنظمة.

وتحمل تلك التقارير شبكات التهريب المسؤولية عن النسبة الأكبر من الانتهاكات بحق المهاجرين، يليها تأثير أطراف النزاع، إلى جانب ظروف الحرب التي جعلت كثيراً من المناطق خارج الرقابة القانونية الفاعلة، وهو ما أتاح لتلك الشبكات توسيع نفوذها وتحويل معاناة المهاجرين إلى تجارة مربحة تدر ملايين الدولارات سنوياً.

طريق محفوف بالموت

يرى مراقبون أن تشديد الإجراءات الأمنية في بعض السواحل الجنوبية باليمن، دفع شبكات التهريب إلى تحويل نشاطها تدريجياً نحو السواحل الشرقية، ما خلق مسارات جديدة أقل رقابة، لكنها أكثر خطورة من حيث الانتهاكات، في ظل ضعف الحماية القانونية وغياب التنسيق الإقليمي الكافي لمواجهة الظاهرة.

ووفقاً لتقديرات حكومية، يشكل الإثيوبيون نحو 89 في المائة من إجمالي المهاجرين الوافدين إلى اليمن سنوياً، مقابل 11 في المائة من الصوماليين، فيما تم تسجيل أكثر من 600 حالة وفاة منذ عام 2024 وحتى الآن، سواء بسبب الغرق أو العنف أو الظروف القاسية التي يواجهها المهاجرون خلال رحلتهم.

كما حذرت تقارير إنسانية من أن تراجع التمويل الدولي للمساعدات المخصصة للمهاجرين زاد من هشاشتهم، ودفع كثيرين، خصوصاً النساء والفتيات، إلى الوقوع ضحايا للاستغلال الجنسي والعمل القسري مقابل الغذاء أو المأوى أو وعود بإكمال الرحلة.

وفي مواجهة هذا الواقع، تؤكد المنظمة الدولية للهجرة أن عشرات الآلاف يواصلون سنوياً مغادرة القرن الأفريقي باتجاه اليمن مدفوعين بالفقر والنزاعات وانعدام الفرص، غير أن كثيراً منهم يجد نفسه في دائرة الاستغلال والعنف، بدلاً من الوصول إلى الأمان الذي سعوا إليه، ما يجعل مكافحة شبكات التهريب وحماية الضحايا تحدياً إنسانياً وأمنياً متصاعداً يتجاوز حدود اليمن إلى الإقليم بأسره.