الروس يحولون قاعدة {حميميم} السورية إلى خلية نحل عسكرية

عمليات القوات المسلحة الروسية تعكس التطور الكبير في تجهيزها وتأهيلها.. واستفادوا من مرحلة حربي الشيشان الأولى والثانية

طائرة نقل تابعة لسلاح الجو الروسي لحظة هبوطها في قاعدة حميميم الجوية قرب مدينة اللاذقية (أ.ب)
طائرة نقل تابعة لسلاح الجو الروسي لحظة هبوطها في قاعدة حميميم الجوية قرب مدينة اللاذقية (أ.ب)
TT

الروس يحولون قاعدة {حميميم} السورية إلى خلية نحل عسكرية

طائرة نقل تابعة لسلاح الجو الروسي لحظة هبوطها في قاعدة حميميم الجوية قرب مدينة اللاذقية (أ.ب)
طائرة نقل تابعة لسلاح الجو الروسي لحظة هبوطها في قاعدة حميميم الجوية قرب مدينة اللاذقية (أ.ب)

تنطلق الطائرات الحربية الروسية المحملة بالقنابل الخارقة للتحصينات هادرةً في سماء سوريا، في حين يمرّ العسكريون الروس ذوو السترات العسكرية الخضراء بالقرب من صف من المساكن الجميلة في القاعدة العسكرية الروسية، داخل مجمع مطار حميميم العسكري أحد أكبر المطارات السورية في البلاد.
وحسب تقرير أوردته وكالة {أسوشيتدبرس} فإن الحملة الجوية في سوريا، وهي أول عمل عسكري تنفذه روسيا خارج حدود الاتحاد السوفياتي السابق منذ حربه الأخيرة في أفغانستان، تُظهر الجيش الروسي بعد تجديده، وهو هنا يبدو مختلفًا اختلافًا كبيرًا من حيث القدرات والعقلية العسكرية عما كانت عليه الآلة العسكرية السوفياتية القديمة. فلقد صار الجيش الروسي قادرًا على عرض القوة بسرعة كبيرة بعيدًا عن الحدود الوطنية الروسية، وبات يستخدم الطائرات من دون طيار (الدرون) على نطاق واسع مع الأسلحة الدقيقة، في ظل مراعاة راحة الضباط والجنود.
والواقع، أنه لا يمكن سماع هدير الحرب الأهلية السورية في حميميم، تلك القاعدة – المطار التي تطل على البحر في محافظة اللاذقية الساحلية، والتي ظلت إلى حد كبير بعيدة عن الفوضى والدمار على مدار أكثر من أربع سنوات ونصف السنة من القتال الدائر في مختلف أنحاء سوريا.
لقد زارت مجموعة صغيرة من المراسلين الأجانب القاعدة الجوية الروسية خلال هذا الأسبوع وشاهد أفرادها عشرات القاذفات من طراز «سوخوي سو - 24» وهي تقلع أثناء الليل وهديرها يصم الآذان، منطلقة في الظلام مع ألسنة اللهب القرمزية المنبعثة من محركاتها النفاثة. كانت مثل هذه المهام تعد مستحيلة قبل بضع سنوات قليلة. فيومذاك كانت القوات الجوية الروسية لا تملك إلا بضع طائرات معدودة قادرة على ضرب الأهداف أثناء الليل. غير أن سلاح الجو الروسي، كجزء من برنامج التحديث العسكري الكبير، الذي أمر به واعتمده الرئيس فلاديمير بوتين، تسلّم مئات الطائرات الجديدة والحديثة، مزوّدة كلها بأحدث الأجهزة الإلكترونية فباتت هذه الطائرات الحربية المتطورة تقف على قدم المساواة مع نظيرتها الأميركية وتلك التابعة لدول حلف شمال الأطلسي (ناتو).
الجنرال إيغور كوناشينكوف، المتحدث الرسمي باسم وزارة الدفاع الروسية، يقول شارحًا «كل الطائرات في القاعدة (حميميم) مجهزة بأنظمة الاستهداف التي تسمح بضرب الأهداف بدقة متناهية». وفي مجال آخر، نفى كوناشينكوف ما اعتبره «مزاعم المعارضة السورية بأن الغارات الجوية الروسية تستهدف المدنيين وتلحق بهم إصابات»، ووصفها بأنها «محض هراء وهذيان». وتابع كلامه قائلاً إن «الطائرات لا تستهدف إلا مستودعات الذخيرة والتحصينات وغيرها من الأهداف البعيدة كل البعد عن المناطق المأهولة بالسكان».
من ناحية ثانية (في نطاق الحرب الإعلامية الحالية) أصدرت وزارة الدفاع الروسية مقطع فيديو من قمرة قيادة إحدى الطائرات الحربية لدعم مزاعمها السالفة الذكر، تماما كما فعلت وزارة الدفاع الأميركية أثناء حربي الخليج الأولى والثانية.
من جانب آخر، تختلف الضربات الجوية الدقيقة هذه المرة في سوريا، عن ضربات سلاح الجو الروسي إبان حربي الشيشان الأولى والثانية، فحينذاك كان الجيش الروسي يستخدم بشكل عشوائي الأسلحة غير الدقيقة التي عفا عليها الزمان، مما أدى إلى دمار كبير في العاصمة الشيشانية غروزني.
هنا، توفر محافظة اللاذقية، وهي معقل عائلة الرئيس السوري بشار الأسد العلوية، بيئة آمنة للجيش الروسي - وكذا يلقى العسكريون الروس ترحيبًا حارًا من المواطنين الذين يطلقون نفير سياراتهم ابتهاجًا وفرحًا ويهتفون «شكرا» باللغة الروسية إلى الضباط والجنود في القاعدة. وفي معسكر للاجئين في اللاذقية، يضم الآلاف من اللاجئين من الطائفة العلوية النازحين من محافظات سوريا أخرى، يهتف الأطفال السوريون الصغار «شكرًا بوتين!» ويرحب السكان بحرارة وعلى مسافة آمنة من حدود القاعدة بالعسكريين الروس العاملين في القاعدة الجوية بحميميم، التي تبدو هادئة ومريحة.
مع هذا، لا يزال الجيش الروسي يدير نقاط التفتيش مع قوات الأمن السورية فيتفحص المركبات المارة، وتتولى القوات الخاصة حراسة المرافق المهمة، وتحوم سفن «إم 24» الحاملة للهليكوبترات حول القاعدة في دوريات منتظمة رصدًا لأي نشاط مشبوه. كذلك شهدت المنطقة نصب نظام الدفاع الجوي «بيتسار» على أطراف مهبط الطائرات لتكتمل فقاعة الأمن. ومن جهة ثانية، يزهو العسكريون الروس داخل القاعدة بزيهم المموّه الجديد وأحذيتهم المرتفعة ذات اللون القريب من لون الرمال، في تضارب شديد مع اللون الرمادي الفاقع الذي يميّز الزي السوفياتي الذي ظل مستخدما حتى زمن قريب.
هذا، وتدعم القوات الجوية الأطقم التي تعمل على وضع القنابل الثقيلة والصواريخ تحت أجنحة الطائرات، ويرتدي جنودها سراويل قصيرة وأحذية رياضية حديثة مريحة في طقس حار يختلف كليا عن طقس روسيا الذي يقترب من 30 درجة مئوية. مع الإشارة إلى أنه في الأيام الاعتيادية، تقوم الطائرة الواحدة بعدة غارات على مدار الليل والنهار.
كوناشينكوف، بما يخصه، لم يبد اهتماما يذكر بالانتقادات الأميركية التي ركزت على انتقاد استهداف الروس الجماعات المعارضة المعتدلة المناهضة للأسد بدلاً من استهداف تنظيم داعش، الذي كان الهدف الرئيس الذي أعلنه الكرملين. وقال كوناشينكوف في تصريح صحافي «لا يوجد فرق بين هذا العدد الوافر من الجماعات المسلحة التي تمتلك قدرات لتصنيع الأحزمة الناسفة وقنابل لتفجير الشاحنات في العمليات الانتحارية، كلهم يعتبرون أهدافا للطائرات الروسية».
ولكن بعيدًا عن المواقف السياسية، وفي تحديث جديد للتقاليد العسكرية الروسية القديمة، يراعى المخططون في قاعدة حميميم الجوية توفير الراحة للجنود، على غير المعتاد في العسكرية الروسية التي لا تبالي كثيرا براحة جنودها. وتشتمل الوحدات السكنية المتراصة التي يسكنها من شخصين إلى ثمانية أشخاص، حسب الرتبة، على أجهزة تكييف للهواء، الذي يعتبر ضروريًا في مثل هذا الطقس الحار، بالإضافة إلى وحدات للاستحمام. وبدا المطبخ والمقصف نظيفين إلى حد كبير، وهذا أيضًا مشهد غير مألوف لكل من يعرف الأسلوب القديم الفظ الذي طالما اتصفت به العسكرية الروسية.
المقدم آلكساندر يوفيكيموف تحدث بحماسة عن نظام تنقية الماء المتعدّد الذي يقوم بتنقية ماء الصنبور السوري ليصل إلى أعلى المعايير القياسية ليمنع أي تهديد بعدوى بكتيرية أو كيميائية. وقال للصحافيين «تذوقوها من فضلكم، فطعمها جيد». وبالنسبة للطعام، يتولى مخبز القاعدة العسكرية بعمل الخبز للجنود ويقوم المطبخ بطهي وجبات بسيطة لكنها تحاكي تقاليد المطبخ الروسي. كذلك يعرض متجر الجيش الهدايا، ومستحضرات التجميل، والملابس، بينما يبيع مقهى قريب الحلوى والكعك والمثلجات (الآيس كريم) المجلوبة من روسيا.
كوناشينكوف، المحارب القديم الذي حارب في الشيشان وفى مناطق أخرى شهدت صراعات ما بعد الاتحاد السوفياتي، يحرص على الإشارة إلى التطور الذي حققته العسكرية الروسية. فيوضح «تَذَكّر الشيشان، حيث تغطى كل شيء بالأوساخ»، مشيرا إلى أراضي القاعدة المرصوفة حديثًا التي تحافظ على نظافة الزي الرسمي والوحدات السكنية.
أما الضباط الآخرون في القاعدة فيبدون مرتاحين لتصميمها الهادئ وخدماتها اللوجيستية المدروسة جيدًا، التي تعكس العناية الشخصية من جانب وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو، الذي يبدو أنه يحظى بشعبية واسعة النطاق في صفوف الجنود، بعكس سلفه أناتولي سيرديوكوف.
وللعلم، سيرديوكوف، الذي تلقى أوامر بوتين بتنظيم الجيش المتضخم، والذي كان يعاني من نقص التمويل بعد الحرب الروسية – الجورجية عام 2008، اضطر لإجراء تقليصات واقتطاعات حادة مؤلمة بجانب بعض التغييرات الجذرية الأخرى، لكنه أُقيل في نهاية المطاف وسط تذمر أفراد الجيش. وبعدها، رحب الجيش بتعيين شويغو، الذي كان قد شغل منصب وزير الطوارئ الروسي لعقدين من الزمن، وحاز على سمعة بأنه واحد من ضمن عدد قليل من المسؤولين الذين يمكنهم إنجاز الأمور على أرض الواقع.
وحقًا، طوّر شويغو، الذي انضم أخيرًا إلى «دائرة بوتين الداخلية»، علاقات شخصية قوية مع الرئيس، حتى أنهما ذهبا في رحلة صيد معًا. ويبدو أن وزير الدفاع الحالي هو الآن أحد المسؤولين القلة الذين يثق بوتين بهم بشكل خاص.
الإنفاق على الجيش ازداد تحت قيادة شويغو، بتمويل المئات من الطائرات والصواريخ الحربية الجديدة، والتكليف بتصنيع الكثير من الأسلحة الجديدة الأخرى. وأجرت القوات المسلحة الروسية سلسلة من المناورات الضخمة، تضمنت إشراك مئات الآلاف من القوات، ومئات الطائرات الحربية، في مناطق شاسعة، تبدأ من البلطيق إلى المحيط الهادي، ومن بحر قزوين إلى القطب الشمالي. أتت تلك المناورات ثمارها عندما تحرّك بوتين نحو ضم شبه جزيرة القرم. ففي غضون ساعات، نقل سرب من طائرات النقل الروسية القوات الخاصة التي حاصرت سريعًا القوات الأوكرانية في قواعدها دون الاضطرار لإطلاق رصاصة واحدة. واندهش الغرب من هذه العملية السريعة.
وبعكس الماضي، عندما دفع انهيار الجيش في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي الكرملين للاعتماد على الأسلحة النووية بشكل متزايد، تزداد ثقة الكرملين اليوم في قدرات قواته التقليدية. ولقد كان الهدف من الانتشار السريع لقوة كبيرة العدد عن طريق البحر والجو – وهي حملة جوية قصفت العشرات من الطائرات خلالها الأهداف بلا هوادة على مدار الساعة لمدة أسابيع، بجانب إطلاق صواريخ «كروز» بعيدة المدى من بحر قزوين – هو إرسال رسالة واضحة مضمونها «يمكن للجيش الروسي أن ينافس القدرة التشغيلية لمنافسته الولايات المتحدة».
وخلال تصريحات أخيرة، أوضح بوتين أن إطلاق 26 صاروخ «كروز» (تسياري) من القطع البحرية الروسية في بحر قزوين على أهدف في سوريا التي تبعد 1500 كيلومتر، بمثابة إشارة للولايات المتحدة بأن روسيا قادرة أيضًا على شن ضربات قوية مماثلة. وحول قول وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إن أربعة صواريخ من الصواريخ الـ26 سقطت في إيران، تجاهل الجنرال كوناشينكوف الأمر، لكنه رد مع ابتسامة تهكمية «إذن لا بد وأن كل تلك الأهداف (في سوريا) انفجرت جميعها من تلقاء نفسها»، مُصرًّا على أن كل تلك الصواريخ أصابت أهدافها.



مصر تؤكد أهمية دعم آفاق التعاون العسكري مع تركيا

رئيس أركان الجيش المصري ونظيره التركي في القاهرة السبت (المتحدث العسكري المصري)
رئيس أركان الجيش المصري ونظيره التركي في القاهرة السبت (المتحدث العسكري المصري)
TT

مصر تؤكد أهمية دعم آفاق التعاون العسكري مع تركيا

رئيس أركان الجيش المصري ونظيره التركي في القاهرة السبت (المتحدث العسكري المصري)
رئيس أركان الجيش المصري ونظيره التركي في القاهرة السبت (المتحدث العسكري المصري)

أكد رئيس أركان حرب الجيش المصري الفريق أحمد خليفة، أهمية تنسيق الجهود ودعم آفاق التعاون العسكري مع تركيا بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين، وذلك خلال لقائه نظيره التركي الفريق أول سلجوق بيرقدار أوغلو في القاهرة.

وقال بيان صادر عن المتحدث العسكري المصري، السبت، إن رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة التركية يزور القاهرة حالياً في زيارة رسمية تستغرق عدة أيام، وأن اللقاء ناقش عدداً من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك، وسبل تعزيز أوجه التعاون العسكري في العديد من المجالات.

وأضاف أن رئيسَي أركان البلدين ترأسا الجلسة الختامية للاجتماع الخامس للجنة التعاون العسكري المصرية - التركية، ووقّعا على محضر الجلسة، الذي تضمن تنفيذ العديد من الأنشطة الرامية إلى تعزيز آفاق التعاون العسكري، ونقل وتبادل الخبرات بين القوات المسلحة المصرية والتركية.

وأكد رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية الفريق أحمد خليفة، «على عمق علاقات الشراكة والتعاون الثنائي بين القوات المسلحة المصرية والتركية»، مشيراً إلى أهمية تنسيق الجهود ودعم آفاق التعاون العسكري بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين الصديقين.

تدريب «نسر الأناضول 2026» في تركيا (المتحدث العسكري المصري)

من جانبه، أعرب رئيس هيئة الأركان التركية الفريق أول سلجوق بيرقدار أوغلو، عن تقديره لعمق الروابط والعلاقات التي تجمع بين البلدين، مؤكداً حرص بلاده على تعزيز أوجه العلاقات العسكرية المثمرة بين القوات المسلحة لكلا الجانبين خلال المرحلة المقبلة.

تأتي الزيارة في إطار الحراك العسكري المزداد بين البلدين في الفترة الأخيرة، الذي يظهر من خلال تعدد التدريبات المشتركة بين الجيشين بعد التوقيع على «اتفاق عسكري إطاري» قبل أربعة أشهر أثناء زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى القاهرة في فبراير (ِشباط) الماضي.

ويوم الخميس الماضي، أعلن الجيش التركي عن تدريب جوي ثلاثي مع مصر وأذربيجان، وقالت وزارة الدفاع التركية، «إن التدريبات التي ستستمر حتى الثالث من يوليو (تموز) المقبل، تتضمن العمل على تحسين القدرات التشغيلية وتطبيق إجراءات جديدة للعمليات الجوية الفنية والتكتيك».

ويحمل التدريب الثلاثي المشترك اسم «تمرين نسر الأناضول 2026»، وتشارك فيه أنواع مختلفة من المقاتلات، من بينها «طائرتان من طراز (سو - 25) من أذربيجان، و5 طائرات من طراز (إف - 16) من مصر»، حسب وزارة الدفاع التركية.

يأتي التدريب الثلاثي بعد أيام من انتهاء فعاليات التدريب الجوي المصري - التركي، بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام ومن مختلف الطرازات، التي استضافتها قواعد جوية مصرية في الفترة من 11 حتى 21 يونيو (حزيران) الحالي، وذلك من أجل «صقل مهارات القوات المشاركة، وصولاً لأعلى معدلات الكفاءة، والاستعداد لتنفيذ المهام الجوية المشتركة بكفاءة عالية تحت مختلف الظروف»، حسب المتحدث العسكري المصري.

 

 

Your Premium trial has ended


مصر تدفع لمفاوضات جديدة بين أفرقاء السودان خوفاً من «التقسيم»

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني في القاهرة الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني في القاهرة الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تدفع لمفاوضات جديدة بين أفرقاء السودان خوفاً من «التقسيم»

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني في القاهرة الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني في القاهرة الأسبوع الماضي (الخارجية المصرية)

جددت مصر تحذيراتها من محاولات تقسيم السودان، واعتبرت أن أي ترتيبات مؤقتة لا يجب التعامل معها على أنها قبول بتقسيم جارها الجنوبي، في حين أكد عضو بـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية» أن القاهرة تضغط لتحريك مسار التسوية والدفع نحو حوار سياسي شامل بين الفرقاء.

وأكد السفير إيهاب عوض مندوب مصر الدائم لدى الأمم المتحدة أن مصر تواصل تنسيقها مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما في ذلك العمل ضمن إطار «الآلية الرباعية» (تضم السعودية ومصر والولايات المتحدة والإمارات)، للوصول إلى وقف إطلاق النار، وإقرار هدنة إنسانية تمهد الطريق لعملية سياسية يقودها السودانيون بأنفسهم.

وأشار في كلمته أمام جلسة مخصصة لمناقشة أوضاع السودان في مجلس الأمن الدولي، الجمعة، إلى أن استقرار السودان يمثل عنصراً محورياً في منظومة الأمن الإقليمي، وأن الحفاظ على البلد الموحد والمستقر يتطلب بيئة إقليمية داعمة تتحلى بالمسؤولية والحكمة، محذراً من استمرار تدفق السلاح والمرتزقة والمقاتلين الأجانب إلى الداخل السوداني؛ لما لذلك من تداعيات خطيرة على أمن دول الجوار والقرن الأفريقي والبحر الأحمر.

وجدد التأكيد على ما ورد في بيان الرئاسة المصرية الصادر في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أن «الحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه خط أحمر، وأن مصر ترفض أي محاولات لتقسيمه أو الاعتراف بأي كيانات موازية»، مشدداً على ضرورة دعم المؤسسات الوطنية السودانية ومنع المساس بها.

ويأتي الموقف المصري الذي أعاد التأكيد على رفض تقسيم السودان، والذي تضمن مخاوف مصرية متزايدة جراء الاتجاه نحو هذا المسار، في أعقاب محادثات استضافتها القاهرة الأسبوع الماضي لمناقشة خطوات التحرك نحو إقرار هدنة إنسانية ووقف إطلاق النار، وبالتزامن مع تصعيد عسكري ميداني، خصوصاً في مدينة الأُبيّض، عاصمة ولاية شمال كردفان (وسط السودان).

لقاء سعودي - مصري - تركي تناول في القاهرة الأسبوع الماضي تطورات الأزمة السودانية (الخارجية المصرية)

عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» السفير صلاح حليمة، أكد في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن مصر تضغط باتجاه تحريك مسار تسوية الأزمة السودانية بعد أن تراجعت المبادرات الدولية مؤخراً، وأن القاهرة تعمل على أن يكون الحل في إطار «الرباعية الدولية» بالتنسيق مع «الخماسية» (تضم الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي ومنظمة «إيغاد» والاتحاد الأوروبي).

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن القاهرة تهدف إلى الضغط على طرفَي الصراع (الجيش والدعم السريع) من أجل الجلوس على طاولة التفاوض، وذلك عبر مسار أمني عسكري، على أن يكون هناك مسار سياسي موازٍ تشارك فيه كافة القوى السياسية باستثناء التي ترتبط مباشرة بطرفَي الصراع.

وأكد أن التحركات المصرية تستهدف التوصل إلى اتفاق هدنة مبدئي يعقبه مفاوضات في مسارات أمنية وعسكرية وسياسية، وكذلك مباحثات أخرى لإعادة الإعمار، وتعول على ممارسة ضغوط حقيقية على الجيش و«الدعم السريع» نحو الذهاب إلى طاولة التفاوض.

وعكس حديث مندوب مصر لدى مجلس الأمن موقف بلاده من الحل السياسي؛ إذ شدد على أن «أي حلول تساوي بين القوات المسلحة السودانية والميليشيا المتمردة (في إشارة لقوات الدعم السريع) محكوم عليها بالفشل»، مشدداً على «ضرورة إخضاع الميليشيا للمساءلة عن الفظائع التي ارتُكبت بحق الشعب السوداني، في إطار مسار العدالة الانتقالية عبر آليات وطنية خالصة».

وأكد السفير إيهاب عوض أن أي رهان على الفوضى أو الكيانات الموازية في السودان هو «رهان خاسر لن يُكتب له النجاح»، لافتاً إلى أن الحل المستدام للأزمة السودانية لا يمكن أن يكون إلا سودانياً خالصاً نابعاً من إرادة السودانيين أنفسهم، ومدعوماً من مؤسسات الدولة الوطنية.

وكان الملف السوداني حاضراً أيضاً في لقاء وزير الخارجية المصري مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي مسعد بولس الأسبوع الماضي، إلى جانب الاجتماع الرباعي الذي دعت له وزارة الخارجية المصرية، بحضور وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، وبولس.

وأوضح مساعد وزير الخارجية المصري السابق لشؤون السودان السفير حسام عيسى، أن «التحركات المصرية الأخيرة، بما فيها التحذيرات المتصاعدة من تقسيم السودان، ترجع إلى تطورات الموقف الميداني الخطيرة مع حصار (قوات الدعم السريع) لمدينة الأُبيّض، وإمكانية وقوع مجازر وحشية أسوة بما حدث في مدينة الفاشر (عاصمة إقليم دارفور)، مع تقديرات مصرية بإمكانية تضرر أعداد هائلة من المدنيين المحاصرين يفوق ما حدث في الفاشر».

مصر تستهدف تحريك جهود حل الأزمة السودانية (الخارجية المصرية)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وبعد أن أعلنت «قوات الدعم السريع» سيطرتها على مدينة الفاشر، أفادت تقارير دولية بأن «(الدعم السريع) ارتكبت مجزرة في المدينة قُتل فيها أكثر من 2000 شخص، منهم 460 مريضاً، وأشخاص يرافقونهم في المستشفى السعودي للولادة في الفاشر»، في حين أُجبر نحو 26 ألف شخص على الفرار «وهم في حالة من الرعب».

وأضاف عيسى في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن البيان المصري أمام مجلس الأمن يدق ناقوس الخطر أمام المجتمع الدولي، وبخاصة أن سقوط الأُبيّض بيد «الدعم السريع» يعني أن السودان دخل مرحلة التقسيم الفعلي، وفي تلك الحالة سوف تتمكن «الحكومة الموازية» من السيطرة على أطراف وهوامش السودان، وهي مناطق تقدر بـ45 في المائة من مساحة السودان، في حين توجد الحكومة المعترف بها دولياً في باقي الولايات.

وأشار إلى أن الاتصالات المصرية جارية لاستئناف التفاوض، لكنه في الوقت ذاته شدد على أن هناك صعوبات وتحديات تعترض التئام أي محادثات، لعدم رغبة طرفَي الصراع في الانخراط في مفاوضات جديدة، مع عدم الاستجابة لمبادرة «الرباعية»، وكذلك ما طرحته «الخماسية»، إلى جانب ضعف تأثير القوى السياسية على المشهد القائم في البلاد.


تقرير حقوقي يوثِّق تصاعد التعذيب داخل السجون الحوثية

الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)
الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)
TT

تقرير حقوقي يوثِّق تصاعد التعذيب داخل السجون الحوثية

الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)
الحوثيون يُرهِبون المجتمع اليمني بالاعتقالات وتلفيق تهم التجسس (إ.ب.أ)

وثَّقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات ما وصفته بواحدة من أوسع حملات التعذيب والانتهاكات داخل السجون الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكدة تسجيل 1893 حالة تعذيب منذ مطلع عام 2018 وحتى بداية عام 2026، في تقرير أصدرته بالتزامن مع اليوم العالمي لمساندة ضحايا التعذيب، الذي يوافق السادس والعشرين من يونيو (حزيران).

وقالت الشبكة إن فريقها الميداني رصد تعرض مختطفين في 15 محافظة يمنية لشتى أشكال التعذيب الجسدي والنفسي، بينهم أطفال ونساء ومسنون، معتبرة أن الأرقام الموثقة تعكس جانباً فقط من حجم الانتهاكات، في ظل صعوبة الوصول إلى كثير من أماكن الاحتجاز، واستمرار القيود الأمنية المفروضة في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة.

وحسب التقرير، فإن 394 مختطَفاً تعرضوا على يد الحوثيين لأشد أنواع التعذيب التي أفضت إلى الوفاة، بينهم أطفال ونساء ومسنون؛ حيث توفي بعضهم داخل السجون، بينما فارق آخرون الحياة بعد الإفراج عنهم بفترة قصيرة نتيجة تدهور أوضاعهم الصحية.

عشرات المعتقلين في سجون الحوثيين يواجهون أوامر بالإعدام (إ.ب.أ)

كما وثَّق التقرير 32 حالة تصفية جسدية داخل المعتقلات الحوثية، إلى جانب حالات انتحار قال إنها ارتبطت بظروف الاحتجاز القاسية، فضلاً عن تسجيل عشرات الوفيات بسبب الإهمال الطبي أو الإصابة بنوبات قلبية أثناء الاحتجاز.

وأشار التقرير إلى أن 218 شخصاً أصيبوا بإعاقات دائمة نتيجة التعذيب الحوثي، بينها حالات شلل كلي وجزئي، وفقدان للبصر أو السمع، إضافة إلى أمراض مزمنة واضطرابات نفسية وفقدان للذاكرة، بينما تعرض أكثر من 1300 مختطف لأشكال مختلفة من التعذيب وسوء المعاملة.

شبكة واسعة من السجون

أكدت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات أن الجماعة الحوثية تدير نحو 739 سجناً ومعتقلاً، منها 382 سجناً رسمياً استولت عليها عقب سيطرتها على مؤسسات الدولة، إضافة إلى 357 سجناً سرياً أنشأتها خلال سنوات النزاع.

ووفق التقرير، فإن أماكن الاحتجاز الحوثية لا تقتصر على السجون التقليدية؛ بل تشمل مباني حكومية ومواقع عسكرية ومقرات لوزارات وإدارات عامة، ومراكز دينية، ومقرات حزبية، ومنازل خاصة، وهو ما يجعل عمليات الرصد والتوثيق أكثر تعقيداً.

وأضافت الشبكة أن آلاف المختطفين لا يزالون محتجزين لدى الجماعة بتُهم وصفتها بالكيدية، رغم أن كثيراً منهم لا تربطهم أي صلة مباشرة بالأعمال القتالية، مشيرة إلى أن الاحتجاز يُستخدم كوسيلة لإسكات المعارضين والناشطين والضغط على الخصوم السياسيين.

ويرى التقرير أن التعذيب داخل تلك المعتقلات الحوثية يتم بصورة ممنهجة، ويستهدف انتزاع اعترافات قسرية أو معاقبة المحتجزين بسبب مواقفهم السياسية أو الفكرية، مؤكداً أن المختطفين يتعرضون لضغوط نفسية وجسدية متواصلة خلال فترات الاحتجاز.

كما أشار إلى أن كثيراً من الضحايا حرمتهم الجماعة الحوثية من التواصل مع أسرهم أو الحصول على الرعاية الصحية، بينما تعرَّض بعضهم للإخفاء القسري لفترات طويلة، قبل الكشف عن أماكن احتجازهم أو الإفراج عنهم.

اتهامات ودعوات للتحقيق

اتهمت الشبكة الحقوقية الحوثيين بممارسة التعذيب في إطار سياسة منظمة، وقالت إن الانتهاكات تتم -وفق ما وثقته- بإشراف قيادات في الجماعة، مضيفة أن بعض الممارسات تنتهي بعمليات تصفية جسدية أو وفيات داخل السجون.

عناصر حوثيون في صنعاء يحرسون تجمعاً نظمته الجماعة (إ.ب.أ)

وأكدت أن ما تمكنت من توثيقه لا يمثل سوى جزء من الواقع، بسبب استمرار وجود معتقلات حوثية مغلقة لم يتمكن فريقها من الوصول إليها، مع بقاء آلاف المختطفين والمخفيين قسراً داخل أماكن احتجاز غير معلنة.

وجددت الشبكة الحقوقية دعوتها إلى الأمم المتحدة، ومجلس حقوق الإنسان، والمنظمات الدولية، للتحرك العاجل من أجل وقف الانتهاكات الحوثية، وفتح تحقيق دولي مستقل في جرائم التعذيب والإخفاء القسري، والعمل على الإفراج عن جميع المختطفين في سجون الجماعة، ومحاسبة المسؤولين عن تلك الانتهاكات، بوصفها جرائم لا تسقط بالتقادم وفق القانون الدولي.