قواعد اشتباك «الجيش الحر» تتغير بعد وصول دفعات كبيرة من الصواريخ

السوخوي الروسية بلغت 100 طائرة.. و150 «تاو» أوقفت تقدم قوات النظام

دبابة تابعة لقوات الأسد في حرستا قرب دمشق حيث يقاتل النظام قوات المعارضة (أ.ب)
دبابة تابعة لقوات الأسد في حرستا قرب دمشق حيث يقاتل النظام قوات المعارضة (أ.ب)
TT

قواعد اشتباك «الجيش الحر» تتغير بعد وصول دفعات كبيرة من الصواريخ

دبابة تابعة لقوات الأسد في حرستا قرب دمشق حيث يقاتل النظام قوات المعارضة (أ.ب)
دبابة تابعة لقوات الأسد في حرستا قرب دمشق حيث يقاتل النظام قوات المعارضة (أ.ب)

دخلت روسيا الحرب السورية بقوة، تتزايد مع الوقت، لكن 150 صاروخا من طراز «تاو» أوقفت الزحف الذي أراد النظام السوري وحلفاؤه القيام به مستفيدين من هذا الغطاء. يأمل المعارضون السوريون أن تزيد الدول الداعمة لهم من «جرعات» التسليح هذه التي ارتفعت إلى حد كبير في الآونة الأخيرة من دون أن تصل إلى الحد الذي ترغب فيه المعارضة حتى الآن.
ورغم أن المعارضة السورية ترغب في المزيد من الدعم، فإن وصول هذه الصواريخ حقق توازنا مقبولا على الجبهات، فيما يعكف المعارضون على محاولة فك لغز الطائرات الروسية الحديثة التي لا يمتلكون بعد «الدواء الشافي» في مواجهتها. وأشار مصدر سوري معارض إلى أن الثوار بدأوا يكتسبون خبرات في مواجهة القدرات الروسية. وقال: «ندرس مجموعة من الخيارات لمواجهة الطيران الروسي، بعد وصول طوافات وطائرات تحلق على ارتفاعات منخفضة ولا تؤثر بها مدافع الجيش الحر بسبب تصفيحها الشديد». وأشار إلى أن هناك مجموعة من الاستراتيجيات التي يتم درسها لمواجهة هذه الطوافات، كما كشف عن تدريبات تجري حول كيفية التعامل مع هذه الطائرات.
وقال مصدر لبناني قريب من النظام السوري زار العاصمة السورية مؤخرا لـ«الشرق الأوسط» إن الحشد العسكري الروسي يرتفع باطراد في سوريا، كاشفا أن عدد طائرات السوخوي المشاركة في المعركة بلغ نحو مائة طائرة بالإضافة إلى طائرات ميغ، مشيرا إلى إمكانية رفع عدد الطائرات إلى نحو 700 طائرة بعد توسيع المدارج في القاعدة الروسية المنشأة حديثا في منطقة اللاذقية.
وأوضح المصدر أن الروس أنزلوا في محيط المطار قوة عسكرية كبيرة الهدف الأساسي منها حماية القاعدة والطائرات الروسية الموجودة فيها، كاشفا عن وجود دبابات روسية حديثة من طراز «تي 92» التي لا يمتلكها النظام السوري والتي تتمركز فقط في محيط القاعدة ولا تشارك في العمليات القتالية، كما كشف عن استيلاء الروس على الكثير من القمم الجبلية القريبة من القاعدة حيث نصبت بطاريات وصواريخ، بالإضافة إلى حماية المنطقة بشبكة صواريخ مضادة للطائرات.
ويؤكد المصدر أن التدخل الروسي أحدث فارقا بالفعل، مشيرا إلى أن الطيران السوري أصيب مؤخرا بحالة من الإرباك الشديد حيث إنه لم يعد هناك من مطارات كافية لاستعمالها بعد سقوط مطارات وتحييد أخرى، كما أن نوعية الطائرات التي تستعملها القوات الروسية أفضل بكثير من تلك الموجودة لدى النظام السوري التي تستوجب النزول إلى ارتفاعات منخفضة للإغارة ودقتها أقل بكثير من دقة الطائرات الروسية المستعملة في المعارك حاليا. أما لجهة الطوافات، فقد أشار المصدر إلى أن الطائرات الروسية أحدثت الفارق الكبير في تغطية ثغرة كانت موجودة لدى النظام، وتتمثل بتوقف سلاح طيرانه خلال الليل وخلال الأحوال الجوية السيئة حيث تنعدم الرؤية، فيما تستطيع الطائرات الروسية الإغارة في الليل والنهار بالكفاءة ذاتها، ما أفقد المعارضة نقطة قوة كبيرة كانت تستطيع من خلالها أن تتسيد الساحة ليلا في غياب الدعم الجوي، فيما ينشط الجيش النظامي نهارا. وتحدث المصدر عن نقطة أخرى تتعلق بعدم ثقة النظام بطياريه، والتشديد الكبير على عدم خروج الطيارين للمشاركة في المعارك إلا من كان موثوقا من البعثيين والعلويين تحديدا. وقال المصدر إن الاستراتيجية التي يتبعها التحالف القائم على الأرض حاليا تتركز على عدة محاور، أبرزها تأمين محيط العاصمة السورية التي اقترب منها المعارضون إلى حد خطير في الآونة الأخيرة، موضحا أن الجيش النظامي بدأ حملة في منطقة درعا والقنيطرة أدت إلى استعادته المبادرة، مشيرا إلى أن أولويات النظام حاليا هي تأمين العاصمة من جهة الغوطة التي تشكل العامل الخطر الأساس. أما استراتيجيته الحالية فتتمثل في استعادة جسر الشغور، أولا باعتبار أن مدينة إدلب لا تمثل ثقلا استراتيجيا للنظام، خلافا لجسر الشغور التي تربط مناطق كثيرة ببعضها وعقدة مواصلات هامة جدا. ويضاف إلى ذلك فك الحصار عن الجهة التي يسيطر عليها النظام في حلب، ومحاصرة الجهة التي توجد فيها المعارضة من المدينة.
أما الثقل الإيراني في المعركة فيتركز على محاولة فك الحصار عن بلدتي كفريا والفوعة الشيعيتين، بالإضافة إلى بلدتي نبل والزهراء التي يتمركز فيها نحو 10 آلاف مقاتل محاصرين من ثلاث جهات، فيما يوجد الأكراد في الجهة الرابعة.
وفي المقابل، أكد رئيس مركز «مسارات» السوري المعارض لؤي المقداد، الموجود في الرياض، في اتصال هاتفي، وصول أكثر من 150 صاروخ «تاو» إلى «تشكيلات مختارة من الجيش الحر» مؤكدا تدمير العشرات من دبابات النظام ومدرعاته وآلياته على مختلف الجبهات.
وتحدث المقداد عن «نتائج هامة للصواريخ، كونها أوقفت محاولات تقدم النظام على جبهات عدة، وأوقفت خططا عسكرية بين الروس والنظام لاجتياح مناطق مثل ريف حماه التي حاول النظام والميليشيات المتحالفة معه التقدم فيها تحت غطاء جوي روسي، فتم تدمير 32 دبابة وسبع عربات مدرعة». وأوضح أن الأمر تكرر بعد يومين في محور مدينة كفرنبودة حيث دمر الثوار 7 دبابات للنظام، ليعود السيناريو ويتكرر في المنطقة الساحلية أثناء محاولة النظام السيطرة على منطقة سلمى، فاستطاع الثوار تدمير عدد من الدبابات، بل واستطاعوا السيطرة على منطقة دورين.
ورأى المقداد أن أهم ما يميز المرحلة الحالية عن المراحل السابقة التي تم فيها تسليم دفعات صغيرة وقليلة من صواريخ «التاو» للجيش الحر، هو قواعد استعمال الصواريخ، ففي العام الماضي عندما تسلم المقاتلون بعض الصواريخ، كانت قواعد الاشتباك تقضي باستعمال هذه الصواريخ ضد نوع معين من آليات النظام، وتحديدا دبابات تي 72 وتي 62. بينما في الوضع الحالي اختلفت الأمور نتيجة توفر كميات مقبولة من الصواريخ، فبات استعمال الصواريخ يتم وفق الحاجة العسكرية بغض النظر عن نوع الآلية، حيث تم استهداف دبابات من طرازات أقل تقدما من الطرازين المذكورين، كما تم استهداف باص مدرع ينقل جنودا وصهاريج محروقات وآليات تحمل مدافع رشاشة متوسطة. وأوضح أن هذه الصواريخ وصلت إلى عدة جبهات في وقت واحد من درعا جنوبا إلى إدلب وحماه شمالا إلى المنطقة الساحلية غربا. ورأى أن مجريات الأيام الماضية أثبتت قدرة عالية للجيش الحر في استخدام الصواريخ، حيث كانت معدلات الإصابة شبه كاملة، مع انضباط عال، وتم توثيق كل حالات إطلاق الصواريخ ولم تتسرب إلى الأيدي الخاطئة، مشددا على أن ما عرف بـ«مجزرة التاو» تمت على أيدي مقاتلي الجيش الحر. وأكد المقداد وجود حالات تسليم مستمر لصواريخ التاو، لكنه أشار إلى أن الدول الداعمة تقدم الصواريخ حسب حاجة الاستهلاك، لا للتخزين، وأن توثيق إطلاق هذه الصواريخ يتم بكاميرتين، الأولى عند الإطلاق والثانية عند الإصابة.
وإذ شدد المقداد على أن صاروخ «التاو» أوجد توازنا في الجبهات، ناشد الدول الداعمة للشعب السوري المساعدة على وقف الغزو الروسي - الإيراني، معتبرا أن الدعم الذي يصل ليس كافيا بعد لتحقيق هذه المهمة. وشدد على أن «من يريد دعم الثورة السورية فهذا هو الوقت المناسب، ومن يريد أن ينصر الشعب السوري فهذا أوان نصرته، ومن يتوانى عن ذلك يقدم بتردده الدعم للمشروع الإيراني التدميري في المنطقة». وقال: «هناك حاجة فعلية لدعم الجيش الحر، لأن دخول الروس بهذا الشكل الوقح، أعاد المعنويات للثوار وشد عزيمتهم، والوقت الأمثل لمساعدة الجيش الحر هو الآن، وأي تأخير قد يؤدي إلى آثار سلبية».
وفي جردة منه لتقدم النظام برا بعيد التدخل الروسي، يشير المقداد إلى أن النظام لم يحقق الانتصار في أي معركة خاضها، ولم يحقق أي تقدم استراتيجي، مكتفيا بانتصارات وهمية بالسيطرة على قرى صغيرة، معتبرا أن التدخل الروسي قد يكون فضح إمكانات بشار الأسد البرية حتى أمام الروس، لأنهم حاولوا دعم تقدم النظام في أكثر من جبهة وفشل في تحقيق أي تقدم.
وأكد المقداد أنه يعلم تماما، وجود استياء من بعض الدول الغربية، خصوصا بريطانيا والولايات المتحدة، جراء استهداف تشكيلات الجيش الحر. وقال: في الأيام الأولى للغارات (الروسية) كانت الصورة مشوشة، لكن لاحقا بات الجميع على قناعة أن الروس لا يستهدفون إلا الجيش الحر، وبعض التشكيلات الإسلامية، ولم يستهدفوا حتى الآن مواقع «داعش»، أو قياداته المعروفة للجميع من تدمر حتى الرقة. وأضاف: «خلال لقاءاتي مع عدد من المسؤولين الغربيين كنت أسمع أن استهداف الجيش الحر غير مقبول ولا يخدم إلا أجندة داعش»، معربا عن اعتقاده أنه سيكون هناك تحرك دولي جدي للضغط على روسيا من أجل وقف هذا العدوان.



الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تحسم الجدل حول دار إيواء المعنفات بحضرموت

تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)
تدخل حكومي يمني لحماية 730 امرأة معنفة في حضرموت (إعلام حكومي)

حسمت الحكومة اليمنية الجدل الواسع الذي أثير خلال الأيام الماضية بشأن دار إيواء النساء المعنفات في محافظة حضرموت (شرق) بعد موجة من الاعتراضات، والانتقادات التي رافقت الإعلان عن الدار في بعض الأوساط الاجتماعية، مؤكدة أن المنشأة لا تستهدف تشجيع النساء على التمرد على أسرهن، أو تقويض بنية الأسرة اليمنية، وإنما تمثل آلية للحماية الاجتماعية، والإنسانية تخضع لإشراف حكومي مباشر، وضوابط قانونية محددة.

وجاء التوضيح الحكومي عقب أيام من النقاشات الحادة، والتفسيرات المتباينة بشأن طبيعة عمل الدار، وأهدافها، إذ أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أكد فيه أن كثيراً من المعلومات المتداولة استندت إلى روايات غير دقيقة، وأن الصورة التي جرى ترويجها لا تعكس طبيعة الدور الذي أنشئت من أجله الدار.

وأوضح المكتب أن دار الإيواء ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية، أو تفكيك الروابط الاجتماعية، كما أنها لا تمثل ملاذاً للهروب من الأسرة، بل خدمة اجتماعية مؤقتة تستهدف النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية تستدعي الحماية، والرعاية وفقاً للقوانين النافذة، والضوابط المعمول بها.

وبحسب البيان الحكومي، فإن الدار مخصصة لاستقبال النساء اللاتي لا يجدن مأوى آمناً نتيجة مشكلات اجتماعية أو أسرية معقدة، أو اللواتي يتعرضن للعنف، أو التهديد، أو الاستغلال، بما يضمن حمايتهن من المخاطر المحتملة التي قد تواجههن في حال بقائهن دون رعاية، أو مأوى.

حملة تحريض استهدفت دار إيواء المعنفات في حضرموت (إعلام حكومي)

وأشار المكتب إلى أن وجود مثل هذه المرافق يسهم في الحد من حالات الابتزاز والاستغلال التي قد تتعرض لها بعض النساء في الظروف الاستثنائية، كما يتيح معالجة الإشكالات الأسرية عبر تدخلات اجتماعية ومهنية تراعي أحكام الشريعة، والقانون، وتحافظ على السرية، والخصوصية.

وأكدت السلطات أن الدار تعمل تحت إشراف مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، وبالتنسيق مع مكتب وزارة الأوقاف والإرشاد، والجهات المختصة الأخرى، بما يضمن توجيه خدماتها نحو الإصلاح الاجتماعي، والحماية الإنسانية بعيداً عن أي أهداف أخرى يجري الترويج لها.

الحالات المستقبَلة

أوضح البيان الحكومي اليمني أن الدار لا تستقبل الحالات بشكل عشوائي، وإنما تستقبل النساء المحالات من الجهات المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الأمنية، والجهات الاجتماعية، بعد دراسة أوضاعهن، والتأكد من حاجتهن إلى الرعاية المؤقتة.

كما تشمل الخدمات النساء القادمات من خارج المحافظة ممن لا يجدن مكاناً آمناً للإقامة إلى حين تسوية أوضاعهن، إضافة إلى بعض الحالات التي تنتهي إجراءاتها القانونية في السجون، بينما يرفض ذووها استقبالها، الأمر الذي يضعها أمام ظروف اجتماعية وإنسانية صعبة.

اتحاد نساء اليمن يلعب دوراً فاعلاً في حماية المعنفات (إعلام محلي)

وكشف مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل في ساحل حضرموت أنه تدخل خلال الأعوام الثلاثة الماضية في أكثر من 730 حالة احتاجت إلى الحماية، والرعاية الاجتماعية، وهو ما يعكس حجم الحاجة إلى مثل هذه الخدمات في ظل التحديات الاجتماعية والاقتصادية التي تشهدها البلاد.

وفيما يتعلق بتمويل المشروع، أوضح المكتب أن إنشاء المبنى تم بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، واقتصر الدعم على عملية البناء، قبل أن تُسلَّم الدار رسمياً إلى الحكومة اليمنية لتتولى إدارتها، والإشراف عليها.

تحذير من حملات التشويه

ردّت السلطات اليمنية على ما وصفته بحملات التحريض التي استهدفت الدار خلال الأيام الماضية، مؤكدة احتفاظها بحقها القانوني في مقاضاة كل من نشر معلومات مضللة، أو صوراً معدلة باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي وبرامج التلاعب الرقمي بهدف تشويه صورة المؤسسة، وإثارة البلبلة المجتمعية.

ورأى البيان أن تلك الحملات تتعارض مع القيم الاجتماعية والأخلاقية، وتسعى إلى إثارة الفتنة، وتغذية الانقسامات بدلاً من دعم الجهود الرامية إلى حماية الفئات الأكثر هشاشة.

وأكدت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أن الإسلام أولى المرأة عناية خاصة، وحث على صون كرامتها وحمايتها، مشيرة إلى أن الظروف التي فرضتها الحرب والأزمة الاقتصادية جعلت الحاجة أكبر إلى آليات مهنية توفر الحماية للحالات الأكثر عرضة للمخاطر، والانتهاكات.

وفي حين لا تتوافر إحصاءات رسمية دقيقة بشأن حجم العنف الأسري ضد النساء في اليمن، بسبب ضعف الإبلاغ، والخوف من الوصمة الاجتماعية، فإن تقارير محلية ودولية تشير إلى تصاعد الظاهرة خلال سنوات الحرب.

كما تؤكد الأمم المتحدة أن النزاع المسلح والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية، كلها ساهمت في ارتفاع معدلات العنف المنزلي ضد النساء والفتيات اليمنيات في مختلف أنحاء البلاد.


جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

جيل يمني كامل يدفع ثمن الانقلاب الحوثي

منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)
منظر عام للعاصمة اليمنية صنعاء (الشرق الأوسط)

في المدن والقرى الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، يتشكل وعي جيل كامل على وقع انقلاب ممتد دخل عامه الثاني عشر، حتى باتت تفاصيل الصراع جزءاً من المشهد اليومي الذي نشأ فيه ملايين الأطفال والشباب، فبالنسبة إلى كثيرين منهم، لم تعد الحرب حدثاً استثنائياً، بل أصبحت الإطار الذي تشكلت داخله طفولتهم ومراهقتهم وبدايات نضجهم.

هذا الجيل الذي وُلد بعض أفراده بعد اندلاع الحرب، أو كان في سنواته الأولى عندما انفجرت الأزمة، لم يعرف من اليمن سوى صور الانقسام السياسي والانهيار الاقتصادي وتراجع الخدمات الأساسية. وبينما يتحدث الآباء عن سنوات أكثر استقراراً شهدت حياة طبيعية نسبياً، تبدو تلك الحكايات بالنسبة إلى كثير من الشباب أشبه بقصص تنتمي إلى زمن بعيد يصعب تخيله.

ويقول عدد من الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين لـ«الشرق الأوسط» إن أولى ذكرياتهم لا ترتبط بالمناسبات المدرسية أو الرحلات العائلية بقدر ما ترتبط بأصوات الانفجارات وأخبار الجبهات ومشاهد النزوح والقلق الدائم من المجهول.

ويؤكد هؤلاء أن سنوات مراهقتهم مرت بين أزمات معيشية متلاحقة، وانقطاعات متكررة للخدمات، ومخاوف مستمرة من تدهور الأوضاع، في وقت كان أقرانهم في بلدان أخرى يعيشون تجارب أكثر استقراراً وانفتاحاً على المستقبل.

آلاف المراهقين وصغار السن أخضعهم الحوثيون للتعبئة العقائدية والقتالية (إ.ب.أ)

ويصف مروان، وهو اسم مستعار لطالب جامعي من صنعاء يبلغ من العمر 22 عاماً، شعوره تجاه تلك الفجوة الزمنية بين جيله وجيل والده بقوله إن الأحاديث عن اليمن قبل الحرب تجعله يشعر وكأنها تدور حول بلد مختلف تماماً.

ويشير إلى أنه اضطر إلى تعليق مسيرته الدراسية مؤقتاً والعمل لمساعدة أسرته على مواجهة الأعباء المعيشية المتزايدة، موضحاً أن سقف أحلام كثير من الشباب لم يعد يدور حول تحقيق إنجازات كبيرة أو مشاريع طموحة، بل حول الحصول على وظيفة مستقرة تضمن دخلاً يكفي للعيش بكرامة.

ويعكس هذا الحديث واقعاً أوسع يعيشه آلاف الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة أجبرتهم على إعادة ترتيب أولوياتهم. فبدلاً من التفكير في التطور المهني أو استكمال الدراسات العليا، أصبح التركيز منصباً على تأمين الاحتياجات الأساسية ومساندة الأسر التي استنزفتها سنوات الحرب الطويلة.

ورغم استمرار العملية التعليمية بدرجات متفاوتة، فإن التحديات التي واجهها قطاع التعليم خلال سنوات الصراع تركت آثاراً عميقة على جودة المخرجات التعليمية ومستوى التأهيل الأكاديمي. ويتحدث طلاب وخريجون عن نقص الإمكانات التعليمية، وضعف فرص التدريب والتأهيل، وغياب البيئة المناسبة لاكتساب المهارات التي تتطلبها سوق العمل الحديثة.

بطالة متصاعدة

مع تزايد أعداد خريجي الجامعات عاماً بعد آخر، تتقلص في المقابل فرص التوظيف في كثير من القطاعات، الأمر الذي يضع آلاف الشباب أمام واقع معقد يتسم بندرة الوظائف وغياب الاستثمارات القادرة على استيعاب الطاقات الجديدة.

ويقول خريج في كلية الهندسة بجامعة إب إنه يشعر بقلق متزايد من أن تتحول سنوات الدراسة الطويلة إلى مجرد شهادة لا تفتح له باباً حقيقياً نحو الاستقرار المهني أو الاجتماعي.

جانب من سوق شعبية في العاصمة صنعاء (الشرق الأوسط)

وتتراوح الخيارات المتاحة أمام كثير من الشباب بين أعمال مؤقتة منخفضة الأجر، وانتظار فرص غير مضمونة، والتفكير في الهجرة بحثاً عن مستقبل أفضل إذا توفرت الإمكانات. كما يواجه بعضهم مخاوف مرتبطة بمحاولات الاستقطاب والتجنيد في ظل استمرار الصراع.

ولا تقتصر الخسائر التي يتحدث عنها الشباب على الجوانب الاقتصادية فقط، بل تمتد إلى أبعاد اجتماعية ونفسية أكثر عمقاً. فالكثير منهم فقدوا أقارب أو أصدقاء خلال سنوات الحرب، كما تضررت شبكات العلاقات الاجتماعية نتيجة النزوح والهجرة والانقسامات التي أصابت المجتمع اليمني.

ويقول أحد الشباب من محافظة عمران (شمال صنعاء) إنه كان في العاشرة من عمره عندما بدأت الحرب، بينما أصبح اليوم على وشك إنهاء دراسته الجامعية، مشيراً إلى أن كامل مسيرته التعليمية جرت في ظل ظروف استثنائية. ويضيف أن أكثر ما يخشاه هو الوصول إلى لحظة التخرج دون أن يجد فرصة عمل تمنحه القدرة على بناء حياة مستقرة.

السلام... الحلم المشترك

في محافظة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، تقول أسماء، وهي طالبة في المرحلة الثانوية تبلغ من العمر 17 عاماً، إنها لا تتذكر يوماً لم تكن فيه الحرب أو الأزمة الاقتصادية جزءاً من الأحاديث اليومية. وتوضح أن التفكير في المستقبل بات يرتبط أولاً بالسؤال عما إذا كانت البلاد ستتمكن من استعادة الاستقرار الذي يسمح للأجيال الجديدة بالتخطيط لحياتها بصورة طبيعية.

ويرى باحثون اجتماعيون أن سنوات الحرب الطويلة أوجدت لدى قطاع واسع من الشباب قدرة ملحوظة على التكيف مع الظروف المتغيرة والتعامل مع الأزمات المتكررة، إلا أنها في الوقت نفسه تركت آثاراً نفسية عميقة مرتبطة بحالة القلق المستمر وعدم اليقين تجاه المستقبل.

عناصر أمن حوثية تجوب شوارع صنعاء (رويترز)

وعند سؤال الشباب عن أحلامهم المستقبلية، تتباين التفاصيل لكن تتشابه المضامين. فمعظمهم لا يتحدث عن الثراء أو الشهرة أو الطموحات الاستثنائية، بل عن أمور تبدو بديهية في المجتمعات المستقرة، مثل الحصول على وظيفة دائمة، وتوفر الكهرباء والمياه والخدمات العامة، والقدرة على التخطيط للمستقبل دون خوف.

ويقول حميد، وهو شاب عشريني من محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، إن حلمه لا يتجاوز العيش في بلد طبيعي يستطيع فيه الناس العمل والدراسة وبناء حياتهم بعيداً عن الحروب والمخاوف اليومية.

ويؤكد مختصون اجتماعيون أن الشباب في مناطق سيطرة الحوثيين يمثلون اليوم شريحة واسعة تشكلت هويتها في ظل الحرب والانقسام والأزمات المتراكمة. ورغم اختلاف تجاربهم الفردية، فإنهم يتشاركون شعوراً عاماً بأن سنوات مهمة من أعمارهم مضت في ظروف لم يكن لهم دور في صنعها.

ومع ذلك، لا يزال كثير منهم يتمسكون بفكرة أن المستقبل يمكن أن يكون مختلفاً. فبالنسبة إلى جيل لم يعرف السلام إلا عبر روايات الآباء، يبدو السلام أكثر من مجرد مطلب سياسي؛ إنه الشرط الأساسي لاستعادة الحياة الطبيعية، والفرصة الأولى لبناء ما حرمته الحرب من فرص وأحلام ومسارات كان يمكن أن ترسم ملامح جيل كامل بصورة مختلفة.


«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
TT

«إم إس سي» تعلن إصابة سفينة لها بقذيفتين في ميناء أم قصر بالعراق

صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)
صورة لسفينة تابعة لشركة «إم إس سي» لدى استيلاء «الحرس الثوري» الإيراني عليها بمضيق هرمز في أبريل الماضي (أرشيفية - رويترز)

قالت شركة (إم إس سي)، أكبر مجموعة شحن حاويات في العالم، اليوم الثلاثاء، إن قذيفتين أصابتا سفينتها (ساريسكا 5) أثناء وجودها في ميناء أم قصر بالعراق أمس الاثنين، مضيفة أن جميع أفراد الطاقم بخير ولم يصابوا بأذى.

وذكرت الشركة أن «الحرس الثوري» الإيراني أعلن مسؤوليته عن الواقعة التي وصفتها بأنها هجوم غير مبرر على ناقلة تجارية محايدة لا علاقة لها بالولايات المتحدة أو إسرائيل، وفقا لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت المجموعة في بيان «تشعر (إم إس سي) بقلق بالغ إزاء هذه الهجمات غير المبررة والمخاطر التي تشكلها على بحارتها الأبرياء والتجارة البحرية الحيوية في المنطقة».