موسكو تطلق أكبر تدخل لها في الشرق الأوسط منذ عقود بعمليات عسكرية في سوريا

تمت بطلب من الأسد.. والمرصد يؤكد استهداف مواقع مدنية وأخرى تابعة لـ«الحر» > كارتر: العملية الروسية {تصب الزيت على النار}

الدخان يتصاعد في مدينة تلبيسة بريف حمص بعد تعرضها لقصف الطائرات الروسية (مركز إعلام حمص - أ.ب)
الدخان يتصاعد في مدينة تلبيسة بريف حمص بعد تعرضها لقصف الطائرات الروسية (مركز إعلام حمص - أ.ب)
TT

موسكو تطلق أكبر تدخل لها في الشرق الأوسط منذ عقود بعمليات عسكرية في سوريا

الدخان يتصاعد في مدينة تلبيسة بريف حمص بعد تعرضها لقصف الطائرات الروسية (مركز إعلام حمص - أ.ب)
الدخان يتصاعد في مدينة تلبيسة بريف حمص بعد تعرضها لقصف الطائرات الروسية (مركز إعلام حمص - أ.ب)

استبقت موسكو موافقة مجلس الاتحاد على طلب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استخدام القوة العسكرية خارج البلاد، منطلقة في تنفيذ عملياتها صباح أمس في سوريا، ضدّ مواقع مدنية وأخرى تابعة لـ«الجيش الحر»، أدت إلى سقوط عشرات القتلى والجرحى معظمهم من المدنيين، وفق ما أكدت مصادر عدّة، بينما قالت وزارة الدفاع الروسية إنّ عملياتها كانت ضدّ تنظيم داعش. وأعلن مصدر أمني سوري أنّ قصف سلاح الجو الروسي بالتعاون مع القوات الجوية السورية أتى على مواقع عدة في ثلاث محافظات سورية هي حماه وحمص واللاذقية.
ووافق مجلس الاتحاد الروسي بالإجماع في جلسته أمس (الأربعاء) 30 سبتمبر (أيلول) الماضي على طلب الرئيس فلاديمير بوتين السماح باستخدام القوات الجوية الروسية خارج حدود البلاد، بما يكفل له شرعية مع ما سبق وأعلنه حول احتمالات القصف الجوي للطيران الروسي لمواقع هذا التنظيم الإرهابي.
وقال سيرغي إيفانوف، رئيس ديوان الكرملين، إن القرار الذي اتخذه مجلس الاتحاد - مجلس الشيوخ، وهو المجلس الأعلى للبرلمان في جلسة مغلقة، أمس، يتعلق بعمليات خاصة بالقوات الجوية فقط، وبناء على طلب الرئيس السوري بشار الأسد. وأضاف إيفانوف أن القرار يتفق والشرعية الدولية وسوف يقتصر تنفيذه على دعم القوات السورية من الجو في عملياتها ضد «داعش»، ولا يتعلق بأي عمليات برية. وأكد المسؤول الروسي أن موسكو ستبلغ شركاءها بأبعاد العملية من خلال ما سوف تقدمه من معلومات، خصوصا عبر وزارات دفاع الدول المعنية.
وأضاف أن «المقصود بهذه العملية هو حماية الأمن القومي لروسيا بالدرجة الأولى ولا علاقة له بما يقال حول طموحاتها». وكان ديمتري بيسكوف الناطق الرسمي باسم الكرملين قد قال إن «روسيا ستكون البلد الوحيد الذي سيشارك في العمليات ضد تنظيم داعش في سوريا بشكل شرعي، وتلبية لطلب من الحكومة الشرعية»، مشيرًا إلى أن «القيام بمثل هذه العمليات غير ممكن إلا بعد الحصول على تفويض من مجلس الأمن الدولي أو بطلب من الحكومة الشرعية لبلد ما».
وردًا على سؤال حول احتمال توجيه القوات الجوية الروسية ضربات إلى مواقع لجماعات المعارضة السورية، أكد المتحدث باسم الكرملين أن مهمة العملية تتمثل فقط في مكافحة الإرهاب ودعم سوريا في مكافحتها الإرهاب والتطرف.
وكان بوتين قد كلف رئيس ديوانه سيرغي إيفانوف ومبعوثه الشخصي إلى الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف، ونائب وزير الخارجية ونيكولاي بانكوف، ونائب وزير الدفاع، بتمثيله لدى مناقشة طلبه في مجلس الاتحاد على ضوء ما سبق وقاله في خطابه في الجمعية العامة للأمم المتحدة حول أن بلاده تنوي تقديم المساعدة إلى الحكومة السورية والمشاركة في غارات جوية ضد «داعش» في سوريا والعراق، لكن دون المشاركة في أي عمليات برية وبما يتفق مع قواعد القانون الدولي. وأشار بوتين كذلك إلى أن روسيا تدرس مسألة زيادة الدعم لأولئك الذين يقاتلون حقًا «في الميدان» ضد الإرهابيين، بمن فيهم تنظيم داعش، كالجيش السوري ووحدات الحماية الكردية، مشيرًا إلى أن عملية مكافحة الإرهاب في سوريا يجب أن تسير بشكل متوازٍ مع العملية السياسية في البلاد، حسبما أشارت وكالة «سبوتنيك» الروسية.
في واشنطن أبدى وزير الدفاع الأميركي آشتون كارتر شكوكه حيال قيام روسيا بقصف مناطق يسيطر عليها «داعش» في سوريا. وقال كارتر أمس في البنتاغون: «يبدو أنها (الغارات) كانت في مناطق لا يحتمل وجود قوات لـ(داعش) فيها».
وانتقد كارتر تصرف روسيا ووصفه بأنه «متناقض»، محذرًا من أن الحرب التي أعلنتها روسيا على «داعش» ودعمها المتزامن للرئيس السوري بشار الأسد، «يهدد بتصعيد الوضع» وأضاف أن روسيا «تصب الزيت على النار».
ووصف آشتون النشاط الروسي في سوريا بأنه ينطوي على «مغالطة» مصيرها «الفشل»، في الوقت الذي قال فيه إنه لا يزال بإمكان روسيا أن تلعب دورًا بناء في إنهاء الصراع.
وكان وزير الخارجية الأميركي جون كير، قد قال، أمس، إنه سيكون لدى الولايات المتحدة الأميركية «بواعث قلق بالغة»، إذا لم تستهدف الضربات العسكرية الروسية في سوريا تنظيم داعش، مضيفًا أن هذا سيثير تساؤلات حول نيات موسكو.
في المقابل، أشار مسؤول دبلوماسي فرنسي لوكالة «رويترز» إلى أنّ «الضربات الروسية في سوريا تستهدف المعارضة السورية لا تنظيم داعش»، مرجحا أن يكون هدفها دعم الرئيس السوري بشار الأسد من خلال استهداف جماعات المعارضة الأخرى، وصرح مسؤول إسرائيلي طلب عدم الكشف عن هويته بأن روسيا أبلغت إسرائيل مسبقا بالعملية.
وقال مسؤول أميركي للوكالة نفسها: «الضربات الجوية الروسية في سوريا لا تستهدف فيما يبدو المناطق التي يسيطر عليها مقاتلو (داعش)، وهو أمر حاسم قد يعوق أي تعاون محتمل مع الولايات المتحدة في الحرب». ولفت إلى أن روسيا حذرت الولايات المتحدة لإخلاء المجال الجوي السوري قبل الضربات، مؤكدا أنّ التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة مستمر في القيام بمهام في سوريا، وقال إن ضابطا عسكريا روسيا رفيعا نقل الرسالة إلى الولايات المتحدة في بغداد.
وأكد مصدر قيادي في الجيش الحر لـ«الشرق الأوسط» أن القصف السوري استهدف مواقع تابعة لـ«الحر» في منطقة اللطامنة في إدلب، حيث ما يعرف بـ«تجمع العزة»، بينما أشار رئيس المكتب السياسي في «جيش التوحيد» رامي الدالاتي، إلى أن المواقع المستهدفة في ريف حمص، وهي تلبيسة والزعفراني والرستن، خالية من أي وجود لتنظيم داعش بعدما كان سيطر عليها «الحر»، وسقط نتيجتها 36 مدنيا من النساء والأطفال، مضيفا: «يدخلون تحت عنوان محاربة (داعش)، وإذا بهم يقتلون النساء والأطفال. في كل مناطق ريف حمص الشمالي ليس هناك وجود للتنظيم، بينما هناك منطقة ديرفول تبعد 5 كيلومترات عن الزعفراني بقيت بعيدة عن استهداف القصف الروسي». وقال الدالاتي: «يبدو أن موسكو التي تأكد لدينا جهلها بالواقع السوري، تحصل على معلوماتها من النظام السوري»، لافتا إلى معلومات وصلت إلى المعارضة تشير إلى أن النظام سيقوم بعملية برية في حمص بعد بدء العملية العسكرية الروسية، وهو ما يدّل على أنّ موسكو تدخل لإنقاذ النظام وليس محاربة (داعش)».
وقال الرائد جميل الصالح، قائد جماعة سورية معارضة، لـ«رويترز» إن الطيران شن في الصباح الباكر ضربتين جويتين في مدينة اللطامنة استهدفت إحداهما منطقة مدنية واستهدفت الأخرى تجمع العزة، وهي الجماعة التي قال إنها تأسست قبل نحو عامين وتضم 1500 مقاتل.
ورفض إعطاء مزيد من التفاصيل بشأن الموقع المحدد للضربة، لكنه قال إن القنابل أصابت كهفا تستخدمه الجماعة كمقر لها، وهو قريب من خط الجبهة مع النظام في ريف حماه الشمالي. وأضاف أن كل ضربة شملت ما بين ثمانية وعشرة صواريخ.
ومع انطلاق العمليات الروسية تكون موسكو قد قامت بخطوة إضافية من حيث الالتزام العسكري في سوريا، مما يمهد لأكبر تدخل لها في الشرق الأوسط منذ عقود، لا سيما بعد الضوء الأخضر من مجلس الاتحاد لضربات جوية دعما لجيش النظام السوري، وذلك قبل ساعات من اجتماع لمجلس الأمن الدولي حول «التهديد الإرهابي».
وأعلن يوم أمس رئيس الإدارة الرئاسية سيرغي إيفانوف أن الأسد طلب «المساعدة العسكرية» من حليفه، وهو ما أكدته الرئاسة السورية بعد ساعات عن إعلان قصف الطائرات الروسية مواقع في سوريا، مشيرة إلى أن «إرسال قوات جوية روسية إلى سوريا تم بموجب طلب مباشر من الرئيس بشار الأسد عبر رسالة وجهها إلى الرئيس فلاديمير بوتين تتضمن دعوة لإرسال قوات جوية روسية في إطار مبادرة الرئيس بوتين لمكافحة الإرهاب».
ورحب مصدر أمني في دمشق لوكالة «الصحافة الفرنسية» بالقرار الروسي، مشيرا إلى أن «مستويات التنسيق مع موسكو تأخذ الآن أبعادا أخرى غير تلك الموجودة»، مضيفا أن «مجالات التنسيق تتسع لتشمل ميادين لم تكن مدرجة من قبل، كالاستطلاع وجمع المعلومات وتوجيه الأهداف حسب الضرورة الميدانية».
ومنذ أسابيع، تؤكد واشنطن ومصادر سورية إرسال موسكو تعزيزات عسكرية إلى سوريا، تتضمن طائرات حربية وأنظمة دفاع جوي ودبابات وأسلحة حديثة، بالإضافة إلى بناء قاعدة عسكرية في مطار اللاذقية، أبرز معاقل النظام على الساحل السوري.
ضحايا مدنيون للقصف الروسي
أفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان عن سقوط ما لا يقل عن 27 قتيلا، أربعة منهم من عائلة واحدة، جراء قصف الطيران الحربي لمناطق في مدينتي الرستن وتلبيسة وبلدة الزعفرانة بريف حمص الشمالي، مرجحا ارتفاع العدد بسبب وجود عشرات الجرحى، بعضهم في حالات خطرة ووجود مفقودين تحت الأنقاض.
وأكد موقع «شبكة الدرر الشامية» ارتفاع عدد الضحايا الذين سقطوا جراء استهداف الطيران الروسي في مناطق بريف حمص الشمالي إلى 37 مدنيًّا وعشرات الجرحى.
وأفاد ناشطون بأن الطيران الروسي كثف غاراته الجوية على القرى والبلدات في ريف حمص الشمالي، حيث استهدف بلدة الزعفرانة بالصواريخ الفراغية، ما أسفر عن مقتل 11 مدنيًّا وإصابة العشرات، وقد شهدت البلدة حركة نزوح باتجاه مناطق مجهولة وحالة من الرعب والخوف تسود المنطقة.
وفي الوقت نفسه تعرضت مدينة تلبيسة لعدة غارات جوية من الطيران الروسي، توزعت على أحياء المدينة كافة، وخصوصًا الأحياء السكنية والمدنية البعيدة عن الجبهات وأدت إلى سقوط نحو 20 قتيلاً بينهم أطفال ونساء وعدد كبير من الجرحى، في حين لا يزال بعض المدنيين تحت أنقاض منازلهم، تزامن ذلك مع قصف بالمدفعية من معسكر ملوك على مكان الغارات وعلى باقي الأحياء، وقد تسببت الغارات بدمار غير مسبوق في المباني السكنية، إذ إن البيوت والمناطق المستهدفة دُمِّرت بشكل كامل، وفق الشبكة.



هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.


هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية تتسارع نحو توحيد القرار العسكري

جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)
جندي يمني يمسك مدفعاً رشاساً مُثبّتاً فوق شاحنة دورية عسكرية على ساحل باب المندب (رويترز)

تشهد المؤسسة العسكرية والأمنية اليمنية، الخاضعة للحكومة الشرعية، تحوُّلات تنظيمية متسارعة، في إطار مسار واسع لإعادة بناء هياكل الدولة السيادية، عبر مشروع يهدف إلى توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية المختلفة ضمن إطار مؤسسي مركزي يخضع لوزارتَي الدفاع والداخلية، بما يعيد ضبط منظومة القيادة والسيطرة، ويرفع كفاءة الجاهزية القتالية والأمنية، ويعزِّز قدرة الحكومة على إدارة معركة استعادة الدولة بمؤسسات أكثر تماسكاً وانضباطاً.

ويأتي هذا التحرُّك تحت إشراف مباشر من القوات المشتركة لقيادة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، في سياق جهود متواصلة لإعادة تنظيم الوحدات العسكرية على أسس مهنية حديثة، تقوم على وضوح التسلسل القيادي، وتحديد الاختصاصات، ودمج القوى المسلحة ذات الخلفيات التنظيمية المتعددة داخل بنية عسكرية موحدة، بما يقلص الازدواجية في القرار، ويؤسِّس لعقيدة قتالية مشتركة تتجاوز الانقسامات التي فرضتها سنوات الحرب.

وفي أحدث خطوات هذا المسار، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، سلسلة قرارات رئاسية تضمَّنت تغييرات واسعة في مواقع القيادة العسكرية العليا، شملت المنطقة العسكرية الرابعة (ويقع مقر قيادتها في عدن، وتنتشر في لحج والضالع وأبين وأجزاء من تعز)، إلى جانب مناصب استشارية ولوجستية في وزارة الدفاع، في مؤشر على انتقال عملية إعادة الهيكلة من مرحلة الترتيب النظري إلى إعادة توزيع فعلية لمراكز القرار العسكري.

وقضت القرارات بتعيين العميد حمدي حسن محمد شكري قائداً للمنطقة العسكرية الرابعة وقائداً للواء السابع مشاة، مع ترقيته إلى رتبة لواء، مع احتفاظه بقيادته السابقة للفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وهي خطوة تعكس توجهاً لإعادة تموضع القيادات الميدانية ذات الخبرة القتالية داخل مفاصل الجيش النظامي، بما يمنح المؤسسة العسكرية خبرات ميدانية اكتسبتها خلال المعارك في جبهات الساحل الغربي ومناطق الاشتباك الأخرى مع الحوثيين.

كما شملت القرارات تعيين العميد الركن محضار محمد سعيد السعدي رئيساً لأركان المنطقة العسكرية الرابعة، والعميد الركن علي حسن عبيد الجهوري رئيساً لعمليات المنطقة ذاتها، في إعادة تشكيل لهيكل القيادة العملياتية في واحدة من أهم المناطق العسكرية اليمنية، نظراً لاتساع نطاق مسؤولياتها الجغرافية، وحساسيتها الأمنية، وارتباطها المباشر بمسرح العمليات في عدد من المحافظات الجنوبية والجنوبية الغربية.

ويُنظَر إلى هذه التعيينات بوصفها جزءاً من مقاربة أوسع لإعادة دمج قيادات ميدانية مؤثرة، بعضها ارتبط بتشكيلات قتالية بارزة مثل «ألوية العمالقة»، داخل منظومة القيادة الرسمية، بما يعزِّز التنسيق بين الوحدات، ويربط النفوذ العسكري الميداني بالمؤسسة المركزية، في خطوة تهدف إلى تحويل مراكز القوة العسكرية من تشكيلات منفصلة إلى أذرع منظمة تعمل تحت مظلة الدولة.

وفي السياق ذاته، صدر قرار بتعيين اللواء الركن فضل حسن محمد العمري مستشاراً للقائد الأعلى للقوات المسلحة لشؤون الدفاع، مع ترقيته إلى رتبة فريق، كما جرى تعيين اللواء الركن صالح محمد حسن سالم صالح مستشاراً لوزير الدفاع، إلى جانب تعيين اللواء عبدالناصر عثمان مساعد صالح الشاعري مساعداً لوزير الدفاع للشؤون اللوجستية، وهو قطاع يمثل أحد أكثر الملفات حساسية في بنية الجيش؛ لارتباطه بإمداد القوات، وتوزيع الموارد، وإدارة منظومات الدعم الفني والتشغيلي.

بناء الهرم القيادي

تعكس هذه القرارات، وفق مراقبين، توجهاً يمنياً نحو إعادة بناء الهرم القيادي للمؤسسة العسكرية بصورة أكثر توازناً، تجمع بين الخبرة الميدانية والكفاءة الإدارية، مع منح ملف الإسناد اللوجستي أولوية خاصة، بوصفه عاملاً حاسماً في أي عملية تحديث عسكري مستدام.

وفي موازاة التغييرات القيادية، تكثَّفت الاجتماعات الرئاسية المخصصة لملف إعادة الهيكلة. وخلال لقاء جمع عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي ووزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي، جرى استعراض سير تنفيذ الخطط العسكرية، ومستوى الإنجاز في برامج التطوير، إلى جانب التحديات التي تواجه عملية البناء المؤسسي، والخيارات المطروحة لمعالجتها.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرّمي مجتمعاً مع وزير الدفاع العقيلي (سبأ)

وتركزت المناقشات على تطوير منظومة التدريب والتأهيل، وإعادة بناء القدرات البشرية على أسس مهنية حديثة، عبر تحديث المناهج العسكرية، ورفع كفاءة الكوادر، وتأهيل القيادات الميدانية بما يتلاءم مع طبيعة التحديات الأمنية والعسكرية الراهنة، في ظلِّ قناعة متزايدة داخل دوائر القرار بأنَّ تحديث السلاح يبدأ من تحديث الإنسان الذي يديره.

كما استعرض اللقاء برامج إعادة هيكلة الوحدات العسكرية بما يضمن بناء تشكيلات منظمة تعمل وفق عقيدة موحدة، وتحقق تكاملاً وظيفياً بين مختلف الأفرع والتخصصات، وصولاً إلى توحيد القرار العسكري، وتوجيه الإمكانات بصورة أكثر كفاءة نحو الأهداف الاستراتيجية للدولة.

إصلاح أمني وبحري

في البُعد الأمني، تتقدَّم عملية إعادة التنظيم بوتيرة موازية؛ إذ اطلع عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح على سير الإصلاح المؤسسي داخل وزارة الداخلية، خصوصاً ما يتعلق بتطبيق نظام البصمة الحيوية، وتعزيز التنسيق بين الأجهزة الأمنية، ورفع مستوى الانضباط الإداري، في خطوات تستهدف تحديث قواعد البيانات الأمنية، وضبط الهياكل الوظيفية، وإغلاق الثغرات المرتبطة بازدواجية السجلات أو تداخل الاختصاصات.

طارق صالح يترأس اجتماعاً أمنياً في الساحل الغربي اليمني (سبأ)

كما ناقش مع قيادات الأجهزة الأمنية في الساحل الغربي خطط الأداء الأمني للعام الحالي، وجهود ضبط الجريمة، وتطوير خدمات الأحوال المدنية والجوازات، وتحسين أوضاع المؤسسات العقابية، في إطار رؤية أشمل لإعادة بناء مؤسسات الأمن الداخلي بوصفها ضلعاً موازياً للمؤسسة العسكرية في مشروع استعادة الدولة.

وفي المجال البحري، برزت أيضاً تحركات لتحديث قدرات خفر السواحل، بعدما شدَّد عضو مجلس القيادة الرئاسي الفريق الركن محمود الصبيحي على ضرورة رفع كفاءة الوحدات البحرية والفنية، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية لحماية المصالح الوطنية وتأمين خطوط الملاحة البحرية، في ظلِّ تنامي التحديات المرتبطة بالتهريب والجريمة المنظمة، فضلاً عن التهديدات التي تطال الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.


ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.