الفن موقف من التدمير الذي يتعرض له العالم

قراءة في لوحة الجيوكندا لأيمن يسري

جيوكندا لأيمن يسري
جيوكندا لأيمن يسري
TT

الفن موقف من التدمير الذي يتعرض له العالم

جيوكندا لأيمن يسري
جيوكندا لأيمن يسري

في هذا العمل الفريد والمتفرد للفنان الفلسطيني المقيم بالسعودية أيمن يسري، نجد تعبيرًا صارخًا عن عمق الأزمة التي يعيشها إنسان ما بعد الحداثة، وعن عمق الأزمة التي أوصلنا إليها «الأفكلورنغ» العقل الأنواري. في هذا السياق، يمكننا قراءة لوحة الجيوكندا للفنان أيمن يسري التي تحتاج إلى رؤية، وإلى استحضار السياق والبعد التاريخي أكثر من المكون اللوني. ومن هنا يستمد هذا العمل الفني تميزه ضمن حقل الفن المعاصر. ويمكن تركيز هذه الأبعاد المهمة التي لا بد من استحضارها عند قراءة هذا العمل الفني الذي عرضه أيمن يسري ضمن معرضه «محارم في جدة» في:
1- البعد التاريخي: قراءة اللوحة باستحضار فلسفة عصر النهضة والقيم التي نادى بها في هذه المرحلة، على اعتبار حضور صورة «الموناليزا»، له دلالته الخاصة والهامة التي تقربنا من رؤية هذا الفنان المتألق للفن ولما بعد الحداثة.
2- الوعي النوعي بالراهن: لا بد من قراءة كل مكون في سياقه التاريخي، باعتباره وعيًا نوعيًا خاصًا بمرحلته وليس استمرارية للموروث، مع ربطه ببقية المكونات الفنية داخل اللوحة، معتمدين القراءة من الداخل، والقراءة المنفتحة على بقية الحقول المعرفية في الآن نفسه، من أجل وعي ملتزم بالسياق الذي أنتجت فيه هذه اللوحة. كما يجب الابتعاد عن القراءة المدرسية التي تركن وتستكين لمحددات قد تجعل من العمل الفني، الذي يحتوي دائمًا بعدًا استشرافيًا، قالبًا جامدًا.
3- البعد القيمي: كل عمل فني حامل لقيم يمكن أن تكون موازية أو مضادة، حسب التصور الذي يؤطر الفنان، والقراءة الفاعلة هي التي تحاور العمل الفني بمعرفة نقدية، قصد الوقوف على خلفياته وسياقه واستشرافاته.
يمكن أن نقسم قراءتنا لهذا العمل المتفرد إلى مستويين: مستوى وصفي لمكونات اللوحة الفنية ولعلاماتها الأيقونية، ومستوى تحليلي تأويلي نحاول، من خلاله، ربط العلامة بدلالتها، لعلنا نقترب من المعنى وليس إعطاء معنى لها.
في المستوى الأول: نلاحظ تبئيرًا la focalisation لأحد مكونات الجيوكندا، وهي صورة المرأة المبتسمة في الجيوكندا، لكن داخل علبة سردين، وهناك مفتاح لهذه العلبة، وفي الأعلى هناك لون أصفر. بينما في الأسفل، هناك موج لألوان قاتمة يمكن أن نحدد منها المكون اللوني الأخضر البارد وكأنه لون غدير، وهناك وجود لوجوه مصطكة وشاحبة، كل منها ينظر إلى الآخر.
يهدف الفنان أيمن يسري، من خلال المكون الدلالي «الجيوكندا»، الحاضر على مستوى بؤرة اللوحة، إلى إثارة الذاكرة واستدعائها لتتمثل Représenter مرحلة ساهمت في تشكيل التاريخ الإنساني. إنها مرحلة الإحياء المسماة بـ: «النهضة» La Renaissance، وإعادة الاعتبار للكائن الإنساني، بوصفه قيمة في ذاته، غير خاضعة لمنطق الاقتصاد والتداول والتسليع. هنا تكمن أصالة هذا المتفرد أيمن يسري، الذي يسمي نفسه بـ«الديدبان». فهو بتعبير هيجل Hegel، «لا يستحضر الفن، الأشكال والألوان والأصوات المحسوسة كغاية في ذاتها، وعبر مظهرها الحسي المباشر، بل يستحضرها لكي يشبع اهتمامات فكرية سامية، لأنها قادرة كلها على أن تخلق صدى داخل أعماق الوعي والفكر». وهذا هو ما يستدعيه توظيف الفنان أيمن يسري للوحة «الجيوكندا» في الكائن الإنساني. إنها تذكره بماضيه، وكذلك بحاضره، وحثه على الإسهام في تثويره (بمعنى تغييره).
هذا الوضع الذي يمكن للفنان أن يساهم فيه. فإذا كان هيدغر تحدث في مقاربته لعصر التقنية، عن أن الإنسان نسي الوجود ولم يعد يستمع إليه، فإن أيمن يسري يؤكد على أن الإنسان نسي ذاته وطبيعته القائمة على التوازن: نسي قيمه وتاريخه وإنسانيته ومثله العليا التي تعتبر «النهضة» أسمى مراحلها. غير أن المثير في هذه اللوحة، هو المكون الدلالي «الجيوكندا»، الدال على الإنسانية والتاريخ والقيم المثلى حيث وضعت داخل علبة سردين رخيصة ومبتذلة فما دلالة هذا التوظيف؟
على هذا الأساس، تصبح علبة سردين مكونًا دلاليًا داخل اللوحة لا يختزل في ذاته، بل مكونًا راهنيًا منفتحًا. وهنا لا أقصد بالراهن الأرشيف أو لحظة فلاشية، بل أقصد به لحظة ديالكتيكية بقدر ما تمتد في الماضي، فهي تستشرف المستقبل بناء على الحاضر. وبالتالي، فمكون علبة سردين لم يعد دالاً على ذاته فقط، بل على حقبة تاريخية ينتمي إليها، تتميز بالتسليع والهيمنة، والسيطرة الشاملة للتقنية وتغلغلها في نسيج الحياة الاجتماعية. فعلبة سردين داخل اللوحة تنتمي لعصر ميزته السرعة والترشيد المتزايد للوقت والأشياء والذوات، من أجل ضبط الفاعلين فيه خدمة للنشاط الاقتصادي المتنامي، الذي لم يعد يعترف بالشيء إلا بمقدار ما يدره من فائدة. فكل شيء قابل للبيع والشراء. وكل قيمة قابلة للتداول، أو أنها تصبح فاقدة القيمة: المرأة في الإشهار، والرجل في الإشهار والتراث في الإشهار. كل ما هنالك تقديس للعلامات وتبخيس للأفراد وتنميط لقيمهم، هذا هو المبدأ الأساس، أما الغاية فهي الربح، كيفما كانت الوسيلة.
في هذا السياق، يمكن فهم عبقرية الفنان الفلسطيني أيمن يسري «الديدبان»، ورائعته الجيوكندا في علبة سردين. فدمج مكونين دلاليين من حقب تاريخية مختلفة: «الجيوكندا» من القرن 16، وعلبة سردين من القرن العشرين، دليل صارخ على ما وصلت إليه الإنسانية من ابتذال وتبخيس. فكأن أيمن يسري يقول لنا من خلال هاته اللوحة: إن هذا العصر الذي نعيشه هو عصر تعليب وتسليع كل شيء. فلقد أصبح كل شيء قابلاً للتداول وخاضعًا لقيمة البيع والشراء. ولم يعد هناك شيء جدير بالتقديس. فحتى القيم الإنسانية والحضارية والتاريخية تم تعليبها. لقد قوض العقل ذاته، فلم يعد ينتج لنا قيم الحرية والسلام والكرامة، بل أصبح ينتج قيم السلب والنفي والاستبعاد. ولكن هناك أملاً يحيل عليه في اللوحة مفتاح علبة السردين، غير أن هذا المفتاح يمكن قراءته في منحيين:
1. مفتاح دال على الأمل، بحيث إن تقويض عصر التقنية لن يتم للإنسانية من دون الرجوع إلى عصر «النهضة»، وتمجيد القيم النبيلة، وبعثها وإعادة الاعتبار للإنسان والتعامل معه كغاية لا كوسيلة، حيت إن سلامة هذه القراءة تكمن في أن داخل علبة سردين، يوجد وجه «الجيوكندا» الدال على حقبة تاريخية لها عميق الأثر في البشرية.
2- مفتاح دال على وجود شخص أو مؤسسة لها الرغبة في نفي كل القيم الإنسانية وتحويلها إلى شيء قابل للاستهلاك والتداول/ البيع والشراء.
هذا الإبهام/ الاستبهام: أي جعل هذا الدمج لمكون علبة سردين والجيوكندا والمفتاح مبهمًا، من دون تحديد القائم على فتح العلبة، له دلالته ورمزيته، ويؤشر لنا على عبقرية فنية لدى أيمن يسري، تكمن في تركه المساحة للقارئ بأن يخمن ويستنفر ذهنيته من أجل الإلمام باللوحة، ووضعها في سياقها، بعيدا عن القراءات المدرسية الجافة التي تبقى عند حدود الألوان والتصنيف ضمن مدارس معينة. فما دام العصر، كما أعلن عنه الفيلسوف الفرنسي جان بودريار، عصر النسخ وعصر انهيار المبدأ المؤسس للواقع وغياب النسقية، لا سواء في الكتابة الفلسفية أو العلوم أو في الفن، فإن الحديث عن انتماء أيمن يسري إلى مدرسة معينة يبقى ضربًا من الكلام.
وفي الأسفل، تطالعنا مجموعة من الوجوه الشاحبة التي يحول بينها وبين بؤرة اللوحة اللون الغديري (نسبة إلى لون الغدير)، وهو ما يمكن ربطه باللوحة، حيت تتميز ثقافة ما بعد الحداثة، عند أيمن يسري، أو عند الكثير من المفكرين، كونها ثقافة الحشد والاغتراب، وهو ما يناقشه مافيزولي في كتابه «تأمل العالم في فصل معنون بالنقاش الجمعاني».
لا يمكن أن ندعي أن قراءتنا هي الواحدة والوحيدة، وهذا لن يقوم به إلا مغرور أو جاهل بموقعه في حركة التاريخ. لكن يمكن أن نقول إن هذه القراءة الأقرب، مع العلم أننا تجاهلنا قراءة أخرى، نظرًا لغياب مكونات دالة على محوريتها في اللوحة، كحضور ثيمة المرأة «المركز» والجنس، وبحثنا عن الرؤية والعبقرية لدى الفنان أيمن يسري، كان من أجل استجلاء الفن كموقف من العالم عند أيمن يسري. فهو موقف متوجس من ما بعد الحداثة، ومن التقنية التي تغلغلت في النسيج الاجتماعي للأفراد. غير أن هذا التخوف بنظري عند الفنان أيمن يسري، نظرًا لما استشفه من لوحاته الأخرى، ليس رفضًا للتقنية بالمرة والمطلق، وهو ما لا يجب فهمه من لوحاته، بل هو رفض للمضمون الذي تمرره التقنية والسياقات التي توظف فيها التقنية. فرفضه لقيم العلم ليس رفضًا للعلم في حد ذاته، بل للقيم التي قد توظف ضد أهداف هذا الأخير النبيلة.
ما أخلص إليه من خلال تتبعي لأعمال هذا المتفرد، هو أن الإنسان تدفعه غريزته للبقاء، وتدفعه الروح الخلاقة للإبداع، لذلك سيساهم الفن بقتلنا من أجل تحقيق غاية نبيلة هي الوصول إلى الكمال.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.