وزير الدولة التونسي {الشرق الأوسط}: التنظيمات الإرهابية لا تعتبر ظاهرة بل مجرد حالات معزولة

العبدولي أكد لـ أن مشروع القوة العربية المشتركة قد يكون آلية ناجحة للدفاع عن أمن المنطقة

وزير الدولة التونسي التهامي العبدولي
وزير الدولة التونسي التهامي العبدولي
TT

وزير الدولة التونسي {الشرق الأوسط}: التنظيمات الإرهابية لا تعتبر ظاهرة بل مجرد حالات معزولة

وزير الدولة التونسي التهامي العبدولي
وزير الدولة التونسي التهامي العبدولي

قال التهامي العبدولي كاتب الدولة المكلف الشؤون العربية والأفريقية بوزارة الخارجية التونسية، إن «دواعش تونس» تحت السيطرة، وإن هناك رصدًا دائمًا لكل شاردة وواردة تأتي من الحدود التونسية الليبية، وخصوصًا أنها غير مسيطر عليها من الجانب الليبي نظرًا للصراع الحالي بين مجموعة طرابلس وبنغازي، داعيًا في حوار خص به «الشرق الأوسط»، الأطراف الليبية لتغليب المصلحة العليا لبلادهم، والانتصار لأمنها واستقرارها.
كما تحدث العبدولي عن مكافحة الإرهاب والوضع الأمني في تونس وقانون المصالحة الاقتصادية، مؤكدًا أن الرئيس السبسي يحترم كل الآراء، وأن الموضوع مطروح للمؤيد والمعارض للوصول إلى صيغ ترضى الجميع.. وفيما يلي أهم ما جاء في الحوار:
* من الملاحظ أن التهديدات التي تتعرض لها المنطقة خيمت على أجواء الاجتماع الوزاري العربي.. هل اتخذت قرارات بحجم هذا التحدي؟
- من الطبيعي أن يسيطر على كل اجتماع موضوعات مختلفة، مثل قضية اليمن وليبيا، ومن أهم المواضيع التي تكاد تشترك فيها كل الدول العربية هو موضوع الإرهاب. أعتقد أن المجلس استطاع أن يؤكد على مبدأ أساسي في القرار وهو تجريم كل فكر متطرف إرهابي، ودعوة الدول العربية إلى سن تشريعات تجرم هذا الفكر الذي نعاني من نتائجه الآن، وهذا أمر جيد لأنه يتجه مباشرة إلى تجفيف منابع الإرهاب التي تنشر تصورات فكرية مغلوطة، مبنية على تأويلات خاطئة.
* نسمع بين الوقت والآخر عن «دواعش» في تونس وتهديدات أمنية تلوح في الأفق.. من أين وصلت إليكم هذه التهديدات؟
- «الدواعش» هم في الأصل تنظيمات إرهابية تتلون حسب المواقف والقوة الضاربة، وبعد أن كانت تتمثل في القاعدة وجبهة النصرة أصبحت الآن تسمى بتنظيم داعش، وكأنها موديل في الإرهاب، وقد ظهرت بالفعل مجموعة تنتمي لهذا التنظيم في تونس، وقد أغلق بسببها شارع بورقيبة في العاصمة، وألقي القبض عليهم وهم يحاكمون الآن، وجلهم يقول إنه اعتنق الفكر الداعشي عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي مع أطراف أخرى، ورغم هذا فهي لا تعتبر في تونس ظاهرة، بل حالات معزولة، وبفضل المصادقة على قانون الإرهاب في تونس أصبحت وزارة الداخلية والدولة تحكم قبضتها على هذه التنظيمات، ولا وجود لتساهل في موضوع «الدواعش» والتنظيمات الإرهابية مهما كان تصنيفها، لأن المعركة بالنسبة لنا، وكما هي بالنسبة للعالم العربي، معركة مصير وحياة.. فإما نحن أو هم. وبالنسبة لنا فإن بقاء الدولة يعد ضروريا كي يعيش المواطن في أمن واستقرار وفق مفهوم الوسطية والاعتدال.
* ما مدى صحة وجود «دواعش» قاموا بتأسيس إذاعة لهم في جنوب تونس تبث نشاطهم المتطرف؟
- لا توجد لدينا إذاعة في الجنوب كي يسيطروا عليها، وبالتالي فإن هذا لم يحدث إطلاقا، لكن التهديدات موجودة في كل الأماكن وهي تكتيكية أحيانا، ووزارة الداخلية تقوم بواجبها حسب احتمال ونسبة هذه التهديدات، ولا تهمل أي شاردة أو واردة في هذا الموضوع. نحن على يقظة تامة وهذا أمر مؤكد، والمواطن التونسي أصبح لديه وعي كامل بدرجة الخطورة، كما أن المجتمع أصبح أيضا جزءا من عملية رفض الإرهاب ومطاردته في المواقع التي يوجد بها، وأغلب المتشددين الآن موجودون في بعض الجبال وأعدادهم محدودة. أعتقد أننا في القريب العاجل سوف نتمكن من الانتصار عليهم، والمعطيات الأمنية جيدة، وهناك تنسيق متكامل بيننا وبين دول الجوار، بما في ذلك مصر والجزائر وغيرها، وحتى من جانب الأطراف الليبية، وهذا أمر جيد.
* ما هي تداعيات الأزمة الليبية على تونس؟ وهل وصلت تنظيمات الدواعش من الحدود المشتركة؟
- ليبيا لا تسيطر على مناطق الحدود كما يجب بسبب الجدل السياسي بين جماعة طرابلس وجماعة بنغازي، وبين الحين والحين يتسرب بعض «الدواعش» إلى تونس، وكثير منهم تونسيين يتدربون ثم يعودون إلى البلد، لكن منذ ثلاثة أشهر تقريبا أصبح يتم اعتقال كل من يتسرب في حينه.
* كيف ترون نتائج المباحثات الليبية بالصخيرات ومشاورات تشكيل حكومة وفاق وطني؟ وهل تتوقع نجاح ليون في مهمته؟
- حسب المعطيات المتوفرة لدينا حتى الآن، خاصة وأن تونس تحضر هذه الاجتماعات عن طريق سفيرها لدى المغرب، فإننا نرى أن الأمور تتقدم بمنحى إيجابي جيد، ونتوقع أن ينجح المبعوث الأممي ليون في إقناع الأطراف المشاركة في الحوار بالتوقيع على هذا الاتفاق، وهناك سقف زمني يجب ألا يتجاوز حسب الاتفاق تاريخ 20 سبتمبر (أيلول)، وهناك معطيات ومؤشرات توضح أن ليون سوف ينجح في مهمته من أجل الليبيين، ونحن ندعو كل الليبيين مرة أخرى إلى التوافق، وتغليب مصلحة بلادهم على المصالح الخاصة الضيقة، والليبيون هم أقدر على فهم أنفسهم ومتطلبات المرحلة لحماية بلدهم، كما أن تونس تعتبر أن ما يحدث في ليبيا يؤثر مباشرة على تونس وعلى مصر أيضًا.
* ما نتائج لقائكم من المبعوث الأممي إلى سوريا دي ميستورا؟
- دي ميستورا قدم عرضًا واضحًا دقيقًا يتألف من أربع نقاط، وطلب من الدول الأعضاء والجامعة العربية القيام بدورها من خلال الاهتمام باللاجئين وبالجانب الإنساني، والدعم المادي وتسهيل الحوار بين الأطراف المتنازعة في سوريا، وبالتالي نرى أن دي ميستورا يملك خريطة طريق واضحة، ولذلك نتمنى له التوفيق في التنفيذ باتجاه الحل السياسي الذي يمكن من حماية الدولة السورية، لأن قرار الحرب هو قرار سياسي، وإذا اندلعت فإنها لا تخضع للسياسة. الآن هناك منطق لعودة السياسة، ونتوقع في ضوء ما قدمه دي ميستورا أنه بسير على الخط الصحيح.
* هناك اتجاهان لحل الأزمة في سوريا: واحد سياسي لإنهاء الصراع.. وآخر أمني لمكافحة الإرهاب؟ أيهما يحتل الأولوية؟
- مكافحة الإرهاب يسير في خط متوازٍ مع الحل السياسي وفي نفس اللحظة، أي مكافحة الإرهاب ونجاح العملية السياسية. وهنا لا بد من التأكيد على أن القضاء على الإرهاب يحتاج أيضًا للتوافق السياسي.
* هل تعتقد أن مشروع القوة العربية المشتركة قد يكون آلية ناجحة لمكافحة الإرهاب؟
- القوة العربية المشتركة تعد آلية جيدة ويمكن الدفع بها نحو النجاح، لكن مهمتها تتحدد بطلب من الدولة المعنية، وهي تعد أفضل آلية للعمل المشترك حتى اليوم منذ حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، حيث كانت هناك نواة قوة عربية، واليوم تبلور هذا المشروع من خلال بنية هيكلية واضحة، وإذا نجحت مهمتها فإنها سوف تعطي نتائج أكثر وضوحًا في كيفية التعامل مع المشكلات بالمنطقة، أو رد الأعداء لأن الأمن القومي العربي في خطر، وهو ما يتطلب أن نكون معًا في عمل مشترك لأن ما حدث في أي عاصمة عربية يمكن أن يتكرر في غيرها، ومن ثم فإن التنسيق واجب.
* كيف ترون التنسيق العربي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة؟ هل تم تحديد برامج بعينها بالنسبة لتونس؟
- سوف سيتم تمثيل تونس في هذه الاجتماعات على مستوى رئاسة الحكومة ووزارة الخارجية، والملفات التي ستطرح بها سيخصص جانب كبير منها حول الإرهاب والخطط الاستراتيجية لمقاومته، وفي كل الأحوال هناك تنسيق عربي بدأ حتى قبل الذهاب إلى هذه الاجتماعات، وأعتقد أننا سنكون على موقف واحد.
* كيف تتعاملون مع احتجاجات التونسيين على قانون المصالحة الاقتصادية؟
- الرئيس السبسي قال إن هذا القانون يحتاج إلى نقاش كي نتفق عليه، ومن المنطق أن يقع حوله جدل سياسي في مرحلة ما بعد الثورة، وحتى المظاهرة التي نظمت مؤخرًا في شارع بورقيبة كانت قمة في الديمقراطية، حيث عبر الشعب من خلالها عما يريد وسجل موقفه وانتهى الأمر، وقد وصلت رسالته.
أعتقد أن من قال لا ومن قال نعم سوف يصلان إلى حل وسط لوضع قانون مصالحة، لأننا لا يمكن أن نعيش من دونها، وهو يعد جزءًا من تطوير الاقتصاد التونسي، وبقي أن نضع في الاعتبار ألا تكون المصالحة على حساب من ظلموا، وأعتقد أن هذا الجدل السياسي تحول الآن إلى حوار يمكن من خلاله حسم الموقف بما يجعل قانون المصالحة محل رضاء الجميع.



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.