الرئيس المصري إلى موسكو غدًا بزيارة تحمل صبغة «شاملة»

خبراء لـ {الشرق الأوسط}: سوريا والإرهاب أهم ملفات القمة.. واتفاقات مشتركة في عدة مجالات

الرئيس المصري إلى موسكو غدًا بزيارة تحمل صبغة «شاملة»
TT

الرئيس المصري إلى موسكو غدًا بزيارة تحمل صبغة «شاملة»

الرئيس المصري إلى موسكو غدًا بزيارة تحمل صبغة «شاملة»

يتجه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي غدا إلى العاصمة الروسية موسكو في مطلع زيارة آسيوية تشمل كلا من سنغافورة والصين وإندونيسيا. وتعد زيارة موسكو هي الثالثة للسيسي منذ توليه رئاسة مصر، مما يعكس حجم العلاقات الثنائية بين البلدين، خاصة أن نظيره الروسي فلاديمير بوتين قام بزيارة مهمة إلى مصر في شهر فبراير (شباط) الماضي.
وأشارت مصادر مصرية مطلعة، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الزيارة التي ستشهد «لقاء قمة» يوم الأربعاء تحمل طابعا متعددا يمكن حصره في أربعة محاور رئيسية، هي الجانب الاقتصادي، وملف التعاون العسكري، والملف الاستراتيجي الإقليمي، إضافة إلى ملف مكافحة الإرهاب.
وعن الجانب الاقتصادي، فمن المتوقع أن يجري توقيع عدد من الاتفاقيات المهمة، وعلى رأسها مشروع لإقامة منطقة صناعية روسية كبرى سواء في نطاق قناة السويس أو شمال الفيوم (جنوب غربي القاهرة)، إضافة إلى مناقشة ملف الطاقة النووية السلمية في منطقة الضبعة (غرب مصر)، وتنمية السياحة الروسية إلى مصر، إلى جانب احتمالية البحث عن صيغة لإشراك مصر في تحالف «بريكس» (BRICS) الاقتصادي القوي، الذي يضم روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا.
أما عن ملف التعاون العسكري، فتقول المصادر إن مصر ربما تنجح في إبرام عقود عسكرية تتصل بمقاتلات متقدمة من طرازي «سوخوي» و«ميغ»، ومروحيات عسكرية من طراز «MI17»، وصواريخ متطورة، وكذلك منظومة متقدمة للدفاع الجوي. وقد تشمل الاتفاق على مناورات عسكرية مشتركة.
كما ستشهد المباحثات نقاشات معمقة حول أبرز قضايا المنطقة، مثل الملف السوري والليبي واليمني، إضافة إلى ملف مكافحة الإرهاب الذي يحظى باهتمام دولي واسع.
وفعلت الدولتان صيغة «الحوار الاستراتجي 2+2» الرفيعة المستوى عقب ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013. ويرى السفير الدكتور السيد أمين شلبي، المدير التنفيذي للمجلس المصري للشؤون الخارجية، أن «زيارة السيسي إلى موسكو هي امتداد وترسيخ للعلاقات المصرية الروسية التي تطورت بشكل كبير بعد 30 يونيو 2013، ومنذ هذا التاريخ نستطيع أن نرصد تصاعد وتطور هذه العلاقات، والتي ظهرت في مستويات عليا وزارية ورئاسية متبادلة؛ ولم تكن زيارات مراسمية، ولكن نتج عنها عدد كبير من اتفاقيات التعاون في مجالات حيوية»، موضحا لـ«الشرق الأوسط» أنه يعتقد أن الأزمة السورية ومكافحة الإرهاب ستحظيان باهتمام بالغ في نقاشات الرئيسين خلال القمة المصرية الروسية.
بينما يرى اللواء محمود خلف، الخبير الاستراتيجي، مستشار أكاديمية ناصر العسكرية في مصر، أن المحور الاستراتيجي للزيارة هو المركزي الذي تتفرع منه باقي المحاور. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «مصر ترى اليوم أنها مستعدة للتعاون لأنها منفتحة على كل قوى العالم، بقدر الانفتاح من الطرف الآخر. وبينما كانت العلاقات مع أميركا باردة إلى حد ما؛ انفتحت مصر على من انفتح عليها مثل روسيا والصين، خاصة أن السياسات الدولية هي فرص استراتيجية، والعلاقات السلمية الدولية مرحب بها».
ويشير اللواء خلف إلى أن «الشعب المصري شعر بأن الإدارة الأميركية تتحداه، وتتحدث بلهجة وكأنها تملك الكون، وتستخدم ورقة تعطيل صفقات المساعدات وتتلكأ فيها.. ولذلك كان لا بد أن تعرف واشنطن أن هذه الرسالة خاطئة للغاية، وغير مقبولة من الشعب والقيادة المصرية، وأن نسبة التسليح التي توفرها أو تعرقلها لن تعطل الجيش المصري».
وعلى صعيد التعاون العسكري بين القاهرة وموسكو، يوضح اللواء خلف أن «مصر أعلنت منذ عصر الرئيس الأسبق أنور السادات فكرة الانفتاح على العالم في التسلح، لأنه لا يمكن تكتيكيا أن نرهن الأمن القومي المصري ككل في سلة واحدة بالتسلح من جهة واحدة. وتوسعت القاهرة في هذا الانفتاح منذ ذلك الحين على نحو وصل إلى 12 أو 13 دولة، بينها أميركا وروسيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والصين، وغيرها»، لافتا إلى أن النقطة الأخرى الأهم هي أن «الجيش المصري الضخم، المصنف في مراكز متقدمة عالميا، تصل نسبة تسليحه الروسي إلى نحو 40 إلى 50 في المائة.. ومصر ليست دولة غنية للاستغناء عن هذا السلاح وإعادة إقامة الجيش من جديد، فبالتالي كان هناك تعاون لم ينقطع. ونحن نطور الأسلحة الموجودة لدينا والتي تدربنا عليها، وازداد هذا التعاون مع الوقت».
وعن نقاط التفوق التي تميز السلاح الروسي تحديدا بالنسبة للجيش المصري، أكد الخبير العسكري البارز أن «هذا موضوع كبير جدا، والمسألة تعتمد دائما على مسرح العمليات.. فلكل عملية طبيعتها واحتياجاتها من حيث الأدوات ومنشأها حسب المهام وطبقا لمتطلبات العدائيات، وعلميات المقارنة معقدة بالنسبة لغير المختصين؛ ولهذا فإن تسليح الجيش المصري متنوع بما يوازي طبيعة عملياته».
وبالنسبة للملفات الإقليمية التي يتوقع أن تتطرق إليها قمة السيسي وبوتين بشكل معمق، يتوقع اللواء خلف أن تكون هناك «إيجابيات»، مشيرا إلى أن «هذه ملفات مفتوحة. ولا ننكر أن الصراع داخل سوريا هو صراع إقليمي دولي بالأساس، ونعلم جوانبه.. هناك الولايات المتحدة، وكذلك روسيا وإيران، والأخيرتان تعملان بشكل تكاملي، حيث تدافع الدولة الروسية عن النظام السوري، وتقوم إيران بالأعمال الهجومية».
ويؤكد خلف أن «مصر، كونها تفهم قواعد الصراع واللعبة الدولية، لا بد أن يكون لها دور في سوريا، هذا حق للسوريين وحق للمصريين. واللاعب المركزي على الأرض حاليا والذي يستطيع أن يصنع الأحداث هو روسيا وليس أميركا، وإذا تم الاتفاق على شيء فيمكن أن يتحقق على الأرض في اليوم التالي. وبالتالي، ربما تنتج الزيارة تفاهمات إيجابية. والحديث مع الروس في هذا الاتجاه قد يصل بشكل أو بآخر إلى حزمة ما تؤدي إلى حلحلة الموقف، خاصة أن تمزق سوريا هو أمر مرفوض وخطر، باعتبار أن بلاد الشام هي الحديقة الخلفية للأمن القومي المصري، تاريخيا وحاليا».
من جانبه، يقول السفير أمين شلبي، لـ«الشرق الأوسط»: «كما نعلم، فإنه منذ أن تولى بوتين الرئاسة (للمرة الأولى) عام 2000، وهو يهدف إلى استعادة دور روسيا الدولي ومكانتها كقوة عظمى، وأن يكون لها صوت مسموع في القضايا الدولية. ومن الطبيعي أن يكون من اهتماماته في هذا الإطار منطقة استراتيجية مجاورة لروسيا هي الشرق الأوسط. ولذلك سنجد أنه بالإضافة إلى مصر، اتجه بوتين إلى دعم علاقات روسيا مع الشرق الأوسط والخليج، ولعل آخر تعبير عن ذلك كان زيارة ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى موسكو، والتي تلتها زيارة وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أيضًا».
ويشير السفير شلبي إلى أن «القضايا المطروحة خلال زيارة الرئيس السيسي بطبيعة الحال هي قضايا المنطقة، لكن هناك قضيتين رئيسيتين، وهما الأزمة السورية وموضوع مكافحة الإرهاب، وهما موضع تركيز مشترك لموسكو والقاهرة. وأتصور أنهما ستكونان القضيتين الأكثر بروزا في الزيارة على المستوى الإقليمي، بالإضافة إلى ملفات التعاون المشترك بمجالاتها».
وعن توقعاته لخروج إطار يسهم في حل الأزمة السورية، قال «لعلنا نلاحظ أن روسيا في الشهور الأخيرة - بالتوازي بالطبع مع دعمها للنظام السوري - تعمل على جمع قوى المعارضة السورية مع قوى النظام للتوصل إلى صيغة لتوافق وطني ومرحلة انتقالية، أو الإعداد لـ(جنيف 3). ومنذ أيام كان هناك مؤتمر في موسكو، وأعتقد أن هناك مؤتمرا لاحقا قادما في هذا الاتجاه. وعلى الجانب الآخر، أتصور أن مصر تؤيد كل الجهود الإقليمية والدولية التي تسير في اتجاه تحقيق تسوية وتوافق وطني داخلي في سوريا ينهي الأزمة والمأساة التي يعيشها الشعب السوري».
كما يشير السفير شلبي إلى أن التعاون في مجال مكافحة الإرهاب «هو قضية مهمة وملحة أيضا بالنسبة للطرفين، لأن موسكو تخشى أن يتمدد الإرهاب والقوى الراديكالية إلى المناطق الإسلامية في روسيا، وهو هاجس روسي خاصة أنها وريثة الاتحاد السوفياتي وتجربته الأليمة في أفغانستان. بينما نعلم جميعا ما تعانيه مصر في هذا الإطار».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.