القضاء السعودي.. حفظ كيان الدولة ونشر العدل

محطات لافتة لتطويره.. من عبد العزيز إلى سلمان

القضاء السعودي.. حفظ كيان الدولة ونشر العدل
TT

القضاء السعودي.. حفظ كيان الدولة ونشر العدل

القضاء السعودي.. حفظ كيان الدولة ونشر العدل

جاءت إشارات الملك سلمان بن عبد العزيز، في حديثه يوم الثلاثاء الماضي، حول أن الجميع أمام القضاء سواسية في الادعاء بالحق والمطالبة به، وأنه وولي عهده وجميع أفراد الأسرة المالكة خاضعون للقضاء الشرعي وللجلوس أمام القضاء مع أي مدّعٍ بحق علينا.. جاءت هذه الإشارات لتؤكد أن الجميع أمام القضاء سواسية، وهناك شواهد كثيرة على ذلك، لعل أبرزها ما أشار إليه الشيخ عبد الله المنيع، عضو هيئة كبار العلماء، من أن القضاء السعودي حكم ضد ملوك وأمراء، وذلك في تعليقه على ما ذكره الملك سلمان بن عبد العزيز، إذ لمح الشيخ لعدد من الوقائع التي تؤكد نزاهة القضاء ومساواته وأن جميع شرائح المجتمع بما فيهم قيادات الدولة من ملوك وأمراء يخضعون للقضاء الشرعي ويلزمون بأحكامه، موردًا وقائع كان شاهدًا عليها خلال عمله في السلك القضائي، منها حادثتان كان طرفاها الملك فهد بن عبد العزيز، والملك عبد الله بن عبد العزيز (رحمهما الله)، إذ حكم القضاء ضدهما في قضيتين أقامهما مواطن ومواطنة، وكسب الأخيران القضية والتزم الملكان بهما.
وجاءت هذه الوقائع لتعيد واقع القضاء السعودي، الذي يعد الأوفر حظًا في جميع الدوائر الحكومية التي حظيت بعناية الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن (رحمه الله) شخصيًا، تقديرًا منه لأهمية القضاء، في حفظ كيان الدولة وإحقاق الحق وتحقيق النزاهة ونشر العدل.
واستطاع الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن بعد دخوله الحجاز توحيد مصادر الأحكام وتطوير الجهاز القضائي في أشكاله الأولية البسيطة الموروثة من الدولة السابقة إلى صوره المتعددة والمتداخلة التي اقتضتها ضرورة الحياة الحديثة المعقدة والمتشابكة، على الرغم من أن هناك اختلافًا واضحًا بين الأجزاء التي تكونت منها المملكة من حيث مصادر الأحكام وأنظمة القضاء وتنظيمه، وذلك لأن الكيان الذي شيده الملك المؤسس ديني المنشأ والتوجيه فجعل للشريعة مكانًا سامقًا متميزًا في تنظيماته، إذ أكد الملك عبد العزيز ذلك بقوله وفقًا لما نشرته جريدة «أم القرى» في عددها 1320، الذي صدر في 13 يوليو (تموز) 1950 «... دستوري وقانوني ونظامي وشعاري دين محمد صلى الله عليه وسلم».
واعتبر العقيد الدكتور إبراهيم بن عويض العتيبي في كتابه «تنظيمات الدولة في عهد الملك عبد العزيز» الذي أنجزه قبل 22 عامًا أن هناك عاملاً آخر دفع الملك عبد العزيز إلى الاهتمام بالقضاء وتنظيماته، ذلك العامل هو أن الملك كان ينظر إلى إشاعة العدل كأساس للاستقرار في ربوع دولته ولحفظ كيانها، فالعدل في مفهومه هو القائم على تحكيم الشريعة في جميع مظاهرها وإخضاع أنظمة الدولة لها.
ولفت العتيبي إلى حرص الملك المؤسس على استقلال القضاء وإبعاده عن المتناقضات الإدارية التي تعارض غالبًا كل تنظيم جديد. فكان من أوائل الإجراءات الإدارية التي أمر باتخاذها بعد أن دخل مكة المكرمة التحذير من التدخل في شؤون القضاء، داعيًا إلى إعطاء المتخاصمين فرصة المرافعة الشرعية أمام القضاء، وأن يترك للقاضي حرية إصدار الحكم حسب ما يظهر له من الحق، كما أن التعليمات المؤقتة للمحاكم التي صدرت عام 1925 حذرت من اتهام القضاة بالرشوة افتراء، وهذا ما يؤكد حرص الملك عبد العزيز على إصلاح حال القضاء.
وفي إطار حرصه على نزاهة القضاء وضمان العدل والتيسير على الرعية والحد من تعصب قضاة كل مذهب لمذهبهم، والانفتاح على المذاهب الفقهية الأخرى، حث الملك المؤسس على الأخذ من كل مذهب بما هو أصلح وأوفق لحال المحاكم الشرعية، وبعد مضي سنة على التنظيم الجديد للمحاكم والدوائر الشرعية، صدر أمر ملكي ينص على أن مجرى القضاء في جميع المحاكم منطبق على المفتى به من مذهب الأمام أحمد بن حنبل، مبررًا ذلك بسهولة مراجعة كتبه والتزام المؤلفين من بعده، مستدركًا: «أما إذا وجد مشقة في تطبيق الحكم عن المذهب الحنبلي أو مخالفة المصلحة العامة، نظر في المذاهب الأخرى».
وفي بداية حكمه وبهدف تحقيق هيبة القضاء واحترام أحكامهم، وجّه الملك المؤسس السلطة التنفيذية المتمثلة في أمير المدينة بأن تتولى تنفيذ الأحكام الصادرة من القضاء بصورة سريعة وفعالة أشعرت الناس بقوة الحكم. ولم يلغ ذلك حق طلب إحالة المتخاصمين إلى قاضٍ آخر في حالة عدم قناعتهم بالحكم الصادر، بل إن الملك المؤسس إذا حرر أحد القضاة حكمًا تطلب الأمر تصديقه فإن الملك يقره ويصدر عليه ويأمر بإنفاذه، وكان - رحمه الله - لا يعترض على ما يأمر به القاضي ويتشدد أحيانًا في تنفيذ الأحكام، ليس رغبة منه في العقاب ولكن ليزيد من هيبة الشرع، وليثبّت سلطان الدولة في نفوس الناس، ومع ذلك لم يخرج عن صلاحية الحاكم المسلم.
وأحدث الملك عبد العزيز تنظيمات للإدارة القضائية وإنشاء دوائر تشرف على شؤون القضاء عبر مراحل من خلال إقراره إنشاء رئاسة القضاء لتكون الدائرة صاحبة الرقابة التامة على الدوائر الشرعية والهيئات الدينية، بالإضافة إلى التوسع في الدوائر التابعة لها، مثل هيئة التدقيقات الشرعية والتفتيش القضائي والادعاء العام وبيوت المال والمحاكم الشرعية الكبرى ومحاكم الملحقات والمحاكم المستعجلة والمحاكم المؤقتة ومجالس العرف وكتابات العدل والمحاكم الإدارية مثل المجلس التجاري ومحاكم الجمارك الإدارية وديوان المحاكمات العسكرية والمجلس التأديبي في الأمن العام، ويضاف إليها الهيئات الدينية مثل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمطاوعة والوعاظ.
وأدرك الملك عبد العزيز أن قوام العدل يتم في وجود القضاء الصالح النزيه، فأَولى موضوع اختيار القضاة اهتمامًا خاصًا فكان يختار من أعف العلماء وأصلحهم ويحيطهم برعايته، فجعل تعيينهم وفصلهم ونقلهم متعلقًا به شخصيًا، ولم يسمح لأحد من أسرته أو كبار المسؤولين في دولته التدخل في شؤونهم أو في شؤون القضاء، وخير ما يصور رعاية الملك عبد العزيز للقضاة، هو تصنيفهم في السلم الوظيفي لموظفي الدولة، إذ كان القضاة عندما صدرت التعليمات المؤقتة لمعالجة أوضاع الموظفين عام 1926، ضمن المجموعة الأولى التي سميت أركان الدولة، إذ كان القضاة ضمن المجموعة الأولى التي يعينها الملك شخصيًا، وثبت وضعهم في أول نظام صدر للموظفين عام 1931، ولما أعيد تصنيف الموظفين عام 1944 إلى إحدى عشرة مرتبة، أصبح رئيس القضاة في المرتبة الممتازة، وباقي القضاة ضمن مجموعة المرتبة الثالثة، ولم يتغير هذا السلم الوظيفي للقضاء عندما عدل سلم الوظائف عام 1953.
وكانت مرتبات القضاة الشهرية عالية إذا قيست بغيرهم من الموظفين، فمثلا كان راتب قاضي الأحساء عام 1940 ألفًا وستمائة وخمسين قرشًا، بينما راتب مدير المعارف في المقاطعة في ذات الفترة ألف وخمسمائة قرش، وهذا يوضح توجه الملك عبد العزيز إلى المحافظة على سمعة القضاء وحصانته، ولذلك لم تخفض مرتبات القضاة عندما خفض ثلث مرتبات موظفي الدولة كجزء من خطة تقليل الإنفاق الحكومي لمواجهة آثار الأزمة العالمية التي تأثرت به البلاد بسبب الحرب العالمية الثانية، وفي هذا الصدد تشير إحدى الرسائل المنشورة لرئيس الديوان في ذلك الوقت والموجهة إلى النائب العام: «... أما ما يتعلق بإنقاص راتب قاضٍ.. فإن جلالته (يقصد الملك عبد العزيز) لا يوافق على ذلك، وأن الذي أشار بالتنقيص يعتبر غاشًا للحكومة»، كما حرص الملك المؤسس على عدم تأخر صرف مرتبات القضاة، وكان يخصص لهم عوائد سنوية علاوة على مرتباتهم ويعفيهم من بعض الرسوم التي كانت تؤخذ على موظفي الدولة، وكان عزل القضاة من صلاحيات الملك، وكل هذا أعطى القضاة إحساسًا بالأمان على مستقبلهم الوظيفي، وأشعرهم بحريتهم في العمل القضائي.
وشهد النظام القضائي في عهد ملوك الدولة السعودية الحديثة، سعود وفيصل وخالد وفهد وعبد الله (رحمهم الله)، وعهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، تطورًا من خلال إقرار تنظيمات وقرارات تتعلق بهذا القطاع دون الإخلال بالقواعد الشرعية التي ساهمت وتساهم في تحقيق النزاهة والعدل وضمان استقلالية القضاء دون تدخل من أحد.



الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.


شهباز شريف وتميم بن حمد يؤكدان دعم مسار التهدئة

أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)
أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)
TT

شهباز شريف وتميم بن حمد يؤكدان دعم مسار التهدئة

أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)
أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)

استكمالا لجولته المكوكية التي بدأت من السعودية، بحث محمد شهباز شريف رئيس وزراء باكستان مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها التطورات في منطقة الشرق الأوسط، وذلك خلال اجتماع عقد في الدوحة يوم الخميس.

وجدد رئيس الوزراء الباكستاني إدانة بلاده للهجمات التي استهدفت قطر ودول المنطقة، مؤكداً تضامن باكستان الكامل، ودعمها لما تتخذه الدوحة من إجراءات لحماية سيادتها، وصون أمنها، واستقرارها.

وأعرب أمير قطر عن تقديره للدور الباكستاني في دعم المساعي لخفض التصعيد، وتعزيز الحوار الدبلوماسي بما يخدم الأمن والسلم الإقليميين.

بحث الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر ومحمد شهباز شريف رئيس وزراء باكستان مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية (قنا)

ووفقا للمصادر الرسمية، أكد الجانبان ضرورة دعم مسار التهدئة، وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن المنطقة واستقرارها، لا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية.

كما جرى، خلال الاجتماع، استعراض علاقات التعاون والصداقة بين البلدين، وسبل تطويرها بما يعزز الشراكة بين البلدين، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون الثنائي.

وأكد الجانبان ضرورة مواصلة التنسيق والتشاور بين البلدين، في ظل الأحداث الجارية وتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها.

وكان رئيس الوزراء الباكستاني وصل إلى الدوحة يوم الخميس في زيارة عمل، وكان في استقباله والوفد المرافق، لدى وصوله لمطار الدوحة الدولي، سلطان المريخي وزير الدولة القطري للشؤون الخارجية.