حكومة لبنان الجديدة تباشر مهامها على وقع هجومين انتحاريين

«كتائب عبد الله عزام» تتبنى «الغزوة»

رجال إطفاء يخمدون الحريق الذي نشب قبالة المركز الثقافي الإيراني إثر انفجار مزدوج بسيارتين ملغومتين في ضاحية بيروت الجنوبية أمس (رويترز)
رجال إطفاء يخمدون الحريق الذي نشب قبالة المركز الثقافي الإيراني إثر انفجار مزدوج بسيارتين ملغومتين في ضاحية بيروت الجنوبية أمس (رويترز)
TT

حكومة لبنان الجديدة تباشر مهامها على وقع هجومين انتحاريين

رجال إطفاء يخمدون الحريق الذي نشب قبالة المركز الثقافي الإيراني إثر انفجار مزدوج بسيارتين ملغومتين في ضاحية بيروت الجنوبية أمس (رويترز)
رجال إطفاء يخمدون الحريق الذي نشب قبالة المركز الثقافي الإيراني إثر انفجار مزدوج بسيارتين ملغومتين في ضاحية بيروت الجنوبية أمس (رويترز)

ضرب تفجير انتحاري مزدوج، أمس، الضاحية الجنوبية لبيروت، مستهدفا، للمرة الثانية خلال ثلاثة أشهر، مؤسسات إيرانية في العاصمة اللبنانية. وتبنت «كتائب عبد عزام» المرتبطة بتنظيم القاعدة، التفجير، الذي أسفر عن ستة قتلى وأكثر من 129 جريحا، مطلقة عليه اسم «غزوة المستشارية الإيرانية في بيروت». ووقع التفجير الأول على بعد 20 مترا من مدخل المستشارية الثقافية الإيرانية في منطقة بئر حسن، الواقعة على تخوم الضاحية الجنوبية من الجهة الغربية، وتبعد أقل من 200 متر عن مبنى السفارة الكويتية في بيروت أيضا.
وحاول انتحاري يقود سيارة رباعية الدفع من نوع «بي إم دبليو» الدخول إلى مدخل المستشارية، غير أن عنصر قوى الأمن الداخلي المكلف حماية المكان، منعه قبل أن يفجر الانتحاري نفسه. وقال شاهد العيان يوسف الطويل لـ«الشرق الأوسط»، إنه شاهد الانتحاري يتجادل مع عنصر قوى الأمن أثناء مروره من المكان، قبل وقوع الانفجار.
وفجر الانتحاري الثاني نفسه، على بعد نحو 30 مترا من موقع التفجير الأول. وذكرت قيادة الجيش اللبناني، في بيان، أن الانتحاري الثاني كان يستقل سيارة من نوع «مرسيدس».
وحالت التدابير الأمنية الكثيفة التي اتخذتها السلطات اللبنانية الرسمية وأمن السفارة الإيرانية في لبنان، دون دخول الانتحاري إلى مدخل المستشارية، حيث أقام أمن السفارة جدارا ضخما من الحواجز الإسمنتية، ووضعت قوى الأمن الداخلي حاجزا، يمنع الوصول إلى المدخل بالسيارات، وهو ما أجبر الانتحاري على تفجير نفسه عند المدخل.
وقال الجيش اللبناني، إن الهجوم الذي وقع في ساعة الذروة نفذه انتحاريان بشكل متزامن في منطقة بئر حسن. واستخدم مفجرون انتحاريون نفس الأسلوب في مهاجمة السفارة الإيرانية في بيروت في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، التي تبعد نحو 300 متر غربا، عن موقع التفجير أمس.
وأعلن مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر، خلال تفقده موقع الانفجارين في بئر حسن، أن «المعطيات تشير إلى سيارتين في داخلهما انتحاريان، الأولى نوع (مرسيدس) وفي داخلها 70 كيلوغراما، والثانية نوع (بي إم دبليو إكس 5)، وفي داخلها 90 كيلوغراما من المواد المتفجرة».
وتناثرت أشلاء الجثث في المكان، وقتل في التفجير العريف في قوى الأمن الداخلي محمد دندش الذي يعتقد أنه كان يحاول منع الانتحاري إلى مدخل المستشارية، كما قتل خمسة أشخاص آخرين. ومن بين المصابين عدد من الأطفال، بينهم 11 طفلا ومشرفة تربوية كانوا ينفذون نشاطا ترفيهيا في ملعب دار الأيتام الإسلامية الكائن قرب موقع التفجيرين.
وقال السفير الإيراني في بيروت غضنفر ركن آبادي، إن كل العاملين في المستشارية الإيرانية والسفارة الإيرانية وكل المؤسسات الإيرانية في لبنان لم يصبهم أي أذى. وأدانت إيران على لسان المتحدثة باسم وزارة خارجيتها مرضية أفخم، التفجير «بحزم»، عادة أنه «يستهدف استقرار لبنان وأمنه ووحدته». واتهمت إسرائيل بالوقوف وراءه، لأنها «غير راضية على تشكيل حكومة جديدة تشارك فيها جميع الأطياف» السياسية في لبنان.
لكن «كتائب عبد الله عزام» المرتبطة بتنظيم القاعدة، أعلنت في بيان على حسابها في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، مسؤوليتها عن الهجوم، قائلة إن انتحاريين نفذاه، مؤكدة الاستمرار باستهداف «إيران وحزبها في لبنان بمراكزهم الأمنية والسياسية والعسكرية ليتحقق خروج حزب الله من سوريا والإفراج عن المعتقلين من السجون اللبنانية»، في إشارة إلى الموقوفين الإسلاميين المتورطين بعدد من التفجيرات والأحداث الأمنية في لبنان.
وتناقلت وسائل إعلام محلية صورة بطاقة هوية تحمل اسم مختار حسام حلاق، لكن تبين أنها مزورة، ووضعت عليها صورة أحد الانتحاريين، كما اشتبه بشاب لبناني من بلدة عرسال (شرق لبنان) المؤيدة للمعارضة السورية، بتنفيذه التفجير الانتحاري الثاني وخضعت والدته لفحص الحمض النووي.
وكانت كتائب عبد الله عزام، تبنت التفجيرين الانتحاريين المتزامنين اللذين استهدفا السفارة الإيرانية قبل ثلاثة أشهر، ونشرت مقطع فيديو، الأسبوع الماضي، يظهر أحدهما يتبنى الهجوم.
لكن نائب حزب الله في البرلمان اللبناني علي عمار، قال من موقع الانفجار، إن «حزب الله لن ينسحب من معركة (سوريا) قرر وجوبها على المستوى الاستراتيجي لإسقاط مشروع تقسيم وتجزئة المنطقة والتوطين وزرع الفتن».
سياسيا، أكد الرئيس اللبناني ميشال سليمان، أنه «لا خلاص من هذا الإجرام الإرهابي إلا بالتضامن الكامل في مواجهته مهما كانت المواقع والانتماءات السياسية، لأن الإرهاب لا يميز بين المناطق والأديان، بل هو يتبع عقيدة وحيدة هي القتل والتدمير».
ورأى رئيس البرلمان نبيه بري، أن «ما جرى يشكل تحديا أساسيا لنا جميعا وأولوية للحكومة»، داعيا إلى «أقصى درجات التنبه والحذر تجاه هذا المسلسل الجهنمي وإلى التعاون بين الجميع لمواجهته ومكافحته».
بدوره، عد رئيس الحكومة تمام سلام أن التفجير «رسالة تعكس إصرار قوى الشر على إلحاق الأذية بلبنان وأبنائه وذر بذور الفتنة بين أبنائه»، في حين أكد رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري «وحدة الموقف اللبناني في مواجهة الإرهاب وكل المحاولات المشبوهة والمدانة لإثارة الفتن وضرب الجهود القائمة لحماية الاستقرار»، داعيا إلى «تحييد لبنان عن أتون النيران السورية، وإلى انسحاب حزب الله من القتال الدائر في سوريا».
وفي سياق متصل، أكد وزير الداخلية نهاد المشنوق، أن الحكومة ستتخذ الإجراءات الأمنية والسياسية اللازمة لإنهاء «الظاهرة الانتحارية المجرمة وإقفال معابر الموت»، في إشارة إلى المعابر غير الشرعية مع سوريا التي تدخل عبرها السيارات المسروقة، وتعود منها مفخخة. وقال المشنوق، خلال تفقده موقع التفجيرين، يرافقه مسؤول أمن حزب الله وفيق صفا: «هناك من يسهل لكتائب (عبد الله عزام)، التي تبنت التفجير في منطقة بئر حسن، وهذا التسهيل لا يقل إجراما ومسؤولية، وهؤلاء المسهلون هم لبنانيون».
وفي سياق متصل، استنكر سفير المملكة العربية السعودية في لبنان علي عواض عسيري انفجاري بئر حسن، مؤكدا أن «أفضل وسيلة لمواجهة مثل هذه الأعمال هي بتعزيز اللبنانيين وحدتهم الوطنية وتحصين الساحة الداخلية وتعزيز الأمن والاستقرار ودرء الأخطار عن لبنان». وأدان المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان ديريك بلامبلي «بشدة» التفجير، داعيا إلى وحدة الصف لمواجهة «هذه الأعمال الإرهابية»، وإلى «البناء على الخطوة الإيجابية التي جرى اتخاذها منذ أيام قليلة بتشكيل الحكومة الجديدة»، مؤكدا «التزام المجتمع الدولي بدعم لبنان في هذه الجهود».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.