أسبوع لندن لخريف وشتاء 2014لفتة ابتكار وتركيز على الأسواق العالمية

اتفاق الأجيال على عقد زواج بين الفني والتجاري

ماثيو ويليامسون Matthew Williamson - جوليان ماكدونالد Julien Macdonald - جون بيير براغنزا Jean-Pierre Braganza - جون روشا  John Rocha - جاسبر كونران Jasper Conran - «داكس» Daks - هولي فولتون Holly Fulton
ماثيو ويليامسون Matthew Williamson - جوليان ماكدونالد Julien Macdonald - جون بيير براغنزا Jean-Pierre Braganza - جون روشا John Rocha - جاسبر كونران Jasper Conran - «داكس» Daks - هولي فولتون Holly Fulton
TT

أسبوع لندن لخريف وشتاء 2014لفتة ابتكار وتركيز على الأسواق العالمية

ماثيو ويليامسون Matthew Williamson - جوليان ماكدونالد Julien Macdonald - جون بيير براغنزا Jean-Pierre Braganza - جون روشا  John Rocha - جاسبر كونران Jasper Conran - «داكس» Daks - هولي فولتون Holly Fulton
ماثيو ويليامسون Matthew Williamson - جوليان ماكدونالد Julien Macdonald - جون بيير براغنزا Jean-Pierre Braganza - جون روشا John Rocha - جاسبر كونران Jasper Conran - «داكس» Daks - هولي فولتون Holly Fulton

تنفس منظمو أسبوع الموضة اللندني الصعداء، يوم الثلاثاء الماضي، ليس لأنه همّ ثقيل انزاح عن أكتافهم، بل لأن جهدهم لم يذهب سدى، وكان أسبوعا ناجحا بكل المقاييس. فلا يوم الحب ألهى المحبين عنه، ولا الأمطار المتهاطلة جعلت المتابعين يعزفون عنه، ولا حفل توزيع جوائز «البافتا» سرق الأضواء منه. صحيح أن الطقس لم يكن رحيما به بدليل أن طائرات كانت تقل رئيسة تحرير مجلة «فوغ» الأميركية، أنا وينتور، ومجموعة من الشخصيات المهمة حطت في نيوكاسل عوض لندن، بسبب سوء الأحوال الجوية والرياح القوية، إلا أن هذا لم يؤثر كثيرا على المزاج العام للأسبوع. ولا شك أنا وينتور، تفهمت الوضع وقدرت أن السلامة أهم من أن تتضايق من الهبوط في مدينة لا علاقة لها بالموضة.
الطائرة الثانية التي كانت تقل مجموعة من العارضات، مثل جورجيا ماي جاغر، وكندل جينر وجوردان دون، فضلا عن باقة من وسائل الإعلام مثل هاميش بولز، وهو زميل أنا وينتور في مجلة «فوغ»، تعرضت هي الأخرى للمصير نفسه، وجرى توجيهها لنيوكاسل. اللافت في هذه الصورة، ليس ما تعرض له هؤلاء من إزعاج وتعب، بل سرعتهم في مغادرة نيويورك ليسجلوا حضورهم في حفل افتتاح أسبوع لندن، صباح يوم الجمعة الماضي. فرغم أن أسبوع نيويورك كان غنيا ومتنوعا، كما أكدت العروض التي تابعناها واستغرقت سبعة أيام على الأقل، فإن ما لا يختلف عليه اثنان أن لندن أصبحت تحظى بالأهمية نفسها، أو أكثر، إذا أخذنا بعين الاعتبار جانب الابتكار الذي تفتقده باقي عواصم الموضة. ثم لا ننسى أنها أتقنت فن الجذب، وتوظف له كل إمكاناتها الشابة، التي تتمثل في مجموعة من المصممين يتمتعون بفورة الشباب، ولا يتوقفون عن ضخها بجرعات قوية ومركّزة من الحيوية. طبعا لا يمكن إلا أن نعيد بعض الفضل في هذا إلى ناتالي ماسيني، مؤسسة موقع التسوق الإلكتروني «نيت أبورتيه دوت كوم»، التي منذ أن تولت رئاسته في بداية العام الماضي، وهو يشهد ديناميكية جديدة تجعله يرتقي بالتدريج إلى مستوى عالمي أكبر وبدرجة تجعل باقي الأسابيع يحسبون له ألف حساب. فبالإضافة إلى علاقاتها الواسعة مع المشترين ووسائل الإعلام والمصممين، فهي أيضا تتمتع بقدرة على التسويق يحسدها عليها الفطاحل في هذا المجال، مما يؤكده نجاحها، وفي فترة وجيزة، أن تستقطب للأسبوع كل الأسماء المهمة، التي كانت تعدّه محطة ترانزيت من نيويورك إلى ميلانو، لا أقل ولا أكثر. قد يقول البعض إنها ليست من بدأت عملية التطوير والتسويق، إذ سبقها إلى ذلك سلفها رجل الأعمال والمليونير هارولد تيلمان، الذي تسلمت المشعل منه، وهذا صحيح، إلا أن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أنها كانت قوة دفع لم تشهد لها لندن مثيلا منذ عقود بحكم علاقاتها الواسعة. فمن كان يتصور أن لا تتردد وسائل الإعلام في اتخاذ قرار مغادرة أسبوع نيويورك يوم الخميس الماضي، وهو اليوم الأخير، لضمان وصولهم في الوقت المناسب لافتتاح أسبوع لندن على الرغم من أن أغلب مصمميه لا يعلنون في مجلاتهم؟
كل من تابع تاريخ الأسبوع، يعرف أنه قبل خمس سنوات تقريبا، كان يعاني من ظلم باقي العواصم له. فنيويورك، مثلا، كانت ولا تزال، تتعمد تخصيص اليوم الأخير لبعض مصمميها الكبار، حتى «تلوي» ذراع وسائل الإعلام والمشترين وتضمن بقاءهم فيها، وميلانو لم تقبل تغيير برنامجها وتؤخره ولو ليوم واحد، حتى تمنحهم فرصة للتنفس، بيد أن الوضع تغير الآن، بشهادة بعض من كانوا في نيويورك. فعرض «مارك جايكوبس» الذي اختتم به الأسبوع مساء يوم الخميس الماضي، وعلى الرغم من أهميته، بحكم أنه أول عرض له منذ أن غادر دار «لوي فويتون» ليتفرغ لخطه الخاص «مارك جايكوبس»، لوحظ فيه غياب بعض الأسماء المهمة، وهو ما لم يكن ليحدث سابقا أو يخطر على البال.
لندن تدرك أنها بدأت تسحب السجاد من بعض هذه العواصم، ولا تفوت أي مناسبة للافتخار بشبابها. كما أن منظمة الموضة البريطانية، لا تملّ من نشر دراسات وتقارير تفيد بأهمية الموضة عموما كصناعة، مثلها مثل باقي الصناعات الأخرى، وربما أكثر تأثيرا منها وربحا. آخر هذه التقارير أعلنت عن نموها الملحوظ هذا العام، لتصل قيمتها إلى 26 مليار دولار في بريطانيا وحدها. كما قدر خبراء اقتصاد من جامعة «أكسفورد» بأنها باتت توفر 797 ألف وظيفة. من كل هذا نستخلص أن لندن تعيش عصرا ذهبيا جديدا لم تشهده منذ الستينات، حين كانت العاصمة التي تولد فيها صرعات الموضة واتجاهاتها، وحين كانت محلاتها تضج بابتكارات مصممين شباب لم يسمع عنهم أحد من قبل، لكنهم كانوا يؤثرون على ثقافة الشارع ويغرفون منها في الوقت ذاته. والطريف أن بين العهدين عدة قواسم مشتركة، فبينما كانت رؤيتهم في الماضي التحرر من قيود الماضي ومحو المآسي التي خلفتها الحروب والأزمات الاقتصادية، والتخلص من ألوانها الرمادية والقاتمة، فإن نظرة إلى ما قدمه المصممون هذا الموسم، تؤكد أيضا أنهم يتحدون الأزمة الاقتصادية بالتفاؤل والألوان والأناقة التي تبيع. ما غاب من الصورة القديمة هو الابتكار الجامح الذي يصل أحيانا إلى حالة من الجنون، حين كان المصممون لا يعترفون بمفهوم التسويق التجاري ويفضلون «الفني»، ويعتمدون عليه لجذب الأنظار. الأمر تغير الآن، فقد توسعت هذه الصناعة وأصبحت المنافسة شرسة، لا مكان فيها للفني وحده، وبات على المصمم أن يتقن فنون البيع أيضا، وهذا ما أشارت إليه كارولين راش، وهي من المسؤولين الكبار لمنظمة الموضة البريطانية في لقاء خاص بأن «مهمة الأسبوع أن يحول التشكيلات التي يقدمها المصممون إلى تجارة»، أي إلى تشكيلات تبيع.
من جهتها، تعهدت ناتالي ماسيني، بأن تدعم الشباب وتساعدهم على التوسع والانتشار عالميا، ليس بدعمها الابتكار وحده، بل أيضا بتقديم يد العون لكل من له رؤية واضحة ونظرة تجارية، أيا كانت جنسيته. لم يكن هذا مجرد كلام، بدليل العروض المتنوعة لمصممين صاعدين من كل أنحاء العالم، بل وفتحت الفرصة للمصممة «جي جي إس لي»، أن تفتتح الأسبوع.
للعلم، فإن «جي جي إس لي» من مواليد سيول، لكنها انطلقت من لندن، ولفتت الانتباه إلى تصاميمها في المواسم الماضية، مما يجعلها من الشباب الذي تراهن عليهم لندن. لم تخيب المصممة الآمال يوم الجمعة الماضي، حيث تضمن عرضها كثيرا من القطع ذات الخطوط البسيطة والواضحة، وكان أجمل ما فيه أزياء خاصة بالنهار والنزهات الخلوية بألوان الأسود والأخضر الزيتوني الغامق تتخللها طبعات خفيفة.
الشاب جون بيير براغزا، قدم أيضا وفي اليوم نفسه تشكيلة أنيقة تميزت بالتفصيل، مع لمسة إنجليزية مثيرة تمثلت في بنطلونات منخفضة الخصر أحيانا، وجاكيتات قصيرة يظهر منها قليل من الخصر، بعضها من الجلد، وبعضها الآخر بخامات أخرى. كانت التشكيلة كما اعترف لنا بعد العرض موجهة لامرأة قوية «لا تقبل بأن يدوس على طرفها أحد». لكن الملاحظ فيها أن الشطحات غابت وحلت محلها تصاميم يمكن تسويقها بسهولة، خصوصا أن الكثير منها عبارة عن قطع منفصلة يمكن للمرأة أن تنسقها بطريقتها وحسب أسلوبها الخاص.
ما يشهد على تطوره ونضجه ابتعاده عن أسلوب الـ«بانك» الشبابي الذي كان يطبع تصاميمه في السابق.
في المقابل، تحتفل دار «داكس» بمرور 120 عاما على بدايتها، لهذا قرر مصممها فيليبو سكافي أن يحتفل بهذه المناسبة برد الاعتبار إلى الكاروهات، أي النقوشات المربعة، التي تتميز بها الدار منذ انطلاقها وتعدّ من رموزها. وهي مربعات حاولت في المواسم الماضية التخفيف منها، حتى لا تصيب بالتخمة، لكن المصمم ارتأى أن يستعملها في كثير من القطع، من التنورات المستقيمة إلى الكنزات الصوفية ذات الألوان المعدنية مرورا بالفساتين والمعاطف.
المصمم كريستوفر رايبورن، في المقابل، نقلنا في رحلة استكشافية لعوالم بعيدة، لكن باردة جدا، مما يفسر كمية الصوف الذي استعمله والكنزات والمعاطف التي طرحها إلى جانب الإكسسوارات، التي ما إن تقع عليها العين حتى تشعر بالدفء يسري في أوصالك. وهذا يؤكد أنها ستكون خير رفيق في الأيام الباردة المقبلة. المصمم قال إنه استلهمها من نساء مغامرات ومستكشفات، مما يفسر أنها مناسبة للأجواء الباردة، بما في ذلك القطب الشمالي أو سيبيريا.
أما المصمم إيمليو دي لا مورينا فقدم تشكيلة رومانسية عاد فيها إلى جذوره الإسبانية، وكل شيء يحبه ويذكّره بأحداث جميلة مرت بحياته حسبما شرح لنا قائلا: «أشعر بأنها تعكس من أكون». واعترف أيضا بأنه استقى فيها كثيرا من أعمال غويا، لا سيما من حيث الألوان، التي تباينت بين البرتقالي المحروق والأحمر القاني والبنفسجي. شملت التشكيلة كثيرا من فساتين الكوكتيل، إما من المخمل أو الحرير، بعضها يستحضر أزياء راقصات الفلامنكو، بأكتافها أو بتنوراتها، لكنها كلها تتميز بالأنوثة مع لمسة من الرومانسية الخفيفة تجلت في ألوان الورد التي طبعت جاكيتات من جلد الخروف، وكنزات واسعة وكشاكش.
المخضرم جون روشا، وعلى الرغم من أن ابنته سيمون أصبحت نجمة في سماء لندن، فإنه يؤكد لنا في كل موسم أنه لا يزال الأسد في عائلة روشا. فهو جزء لا يتجزأ من أسبوع لندن، ونجح في السنوات الأخيرة أن يفاجئنا بتغيير جلده مع الحفاظ على الأساسيات، وهو ما تؤكده تشكيلته لخريف 2014 وشتاء 2015، التي قال لنا إنه بناها على التناقضات «فهي مرة مظلمة ومرة مضيئة، راقية وفي الوقت ذاته حيوية تضج بروح الشباب، غير مبالية وأيضا واثقة». وبالفعل، ما إن بدأ العرض حتى شاهدنا سيلا من الأزياء تتميز بالتناقض المتناغم، الذي عدّ عنه بخلق توازن بين القوة والنعومة. لم يغب الصوف كالعادة من تشكيلته، إذ ظهر على شكل «كروشيه» في مجموعة من الفساتين، إلى جانب الحرير والمخمل والأورغنزا والتول. وعلى الرغم من تنوع الأقمشة، فقد كانت كلها تتشابه في كونها تتحرك بانسياببة، لا سيما تلك التي صاغها على شكل ورود بالكامل أو خص بها بعض الأجزاء، مثل الأكتاف أو الخصر أو قبعات ضخمة. كل شيء في هذه التشكيلة كان يضج بالرومانسية، بما فيها التي اصطبغت بالألوان الداكنة. فهذه الأخيرة استحضرت للحظات أزياء العهد الفيكتوري بألوانها أو الإليزابيثي بتفاصيلها الدقيقة والغنية، التي اكتسبت حيوية بفضل الكشاكش والورود التي زرعها أو صاغها من قماشها.
مصمم آخر من الجيل القديم أتحف الأسبوع، هو جاسبر كونران. فقد اختار الكلاسيكية عنوانا لتشكيلة تقطر أناقة، وتخاطب امرأة تريد أن تحتفل بأنوثتها أيا كان الثمن. فقد انتقى لها أجمل الألوان، مثل البرتقالي والأسود والوردي المائل إلى البيج، وكذلك أجود الخامات من الكشمير إلى الجلد والحرير، بينما تنوعت التصاميم لتشمل معاطف تغطي الركبة بأحزمة وتنورات مستقيمة وبنطلونات بخصور عالية وفساتين ناعمة فضلا عن تايورات بجاكيتات قصيرة. كل قطعة كانت مناسبة للنهار حين تحتاج المرأة إلى خزانة مناسبة حين تجري مقابلات عمل مهمة أو دعوات غذاء. للمساء، أرسل مجموعة من الفساتين والتنورات والجاكيتات باللون الأسود والبيج القريب من لون البشرة، بعضها مطرز بالكامل بالترتر، باستثناء فتحات في بعض الأجزاء غطاها بالتول أو الموسلين ليخلق بعض التلاعب على السميك والخفيف، أو بالأحرى المكشوف والمستور، وكأنه يلعب معنا لعبة الغميضة.
تتذكر وأنت تتابع العرض أن جاسبر كونران ينتمي إلى جيل من المصممين الذين يحتفلون بالأنوثة وينظرون إليها من منظور جمالي كلاسيكي أكثر. ويزيد الشعور بهذه النقطة، كلما تخايلت عارضة بفستان مفصل على الجسم يبرز بعض تقاسيمه أو معطف محدد عند الخصر بحزام وأكتاف ناعمة. بعبارة أخرى فهو يصمم لامرأة مكتملة بالأنوثة وليست بمقاييس صبيانية، وهذا ربما ما يجعلها عملية تغطي كل مناسبات النهار والسهرة على حد سواء.
وهذا ما أكده المصمم بعد العرض بقوله: «يمكنك ارتداء أي قطعة للمكتب أو لحفلة. مثلا يمكنك ارتداء فستان مطرز بالخرز في النهار مع جاكيت للتخفيف من بريقه، وفي المساء يمكنك التخلص من الجاكيت والتألق في الفستان وحده.. المهم هو الثقة بالنفس والاعتداد بها للحصول على مظهر لافت».



كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)
اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)
TT

كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)
اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)

تساءل بعض الظرفاء مؤخراً عما إذا كان صناع الترف والموضة قد وجدوا أنفسهم في مأزق بسبب تقارب تواريخ عيد الحب وشهر رمضان الفضيل بفارق أيام قليلة. تزامن بدا للبعض أشبه بمن وُلد في يوم عيد، فصار عليه أن يقاسم احتفاله وهداياه واهتمامه بين مناسبتين مختلفتين.

فإلى حد كبير تعتبر المناسبتان في جوهرهما أن واحداً يتلخص في الاهتمام بالآخر والتعبير عن ذلك بالعطاء. لكن الفرق بينهما أيضاً واضح. بينما يركز عيد الحب على علاقة ثنائية ومشاعر فردية، يوسّع رمضان دائرة الحب والعطاء لتشمل العائلة والمجتمع. وهنا يكمن الإرباك التجاري بالنسبة لبيوت الأزياء وضرورة اعتمادهم خطابين تسويقيين مختلفين.

محلات «هارودز» استبقت الشهر وطرحت منذ فترة كل ما لذ وطاب من أكل ومجوهرات وأزياء (هارودز)

القلب طريق الجيب

هذا التساؤل، رغم ما ينطوي عليه من شقاوة، يكشف الكثير إذا أخذنا بعين الاعتبار أن صناع الموضة اعتادوا استغلال المناسبتين معاً للترويج لمنتجاتهم وتحقيق أرباح مغرية. فهم يُدركون أنهم هنا يخاطبون وجدان شريحة من الزبائن لا تبخل على نفسها ولا على أحبتها بالغالي والنفيس. وهكذا يغرقون السوق بسيل من الاقتراحات المغرية، عبارة عن باقات ورد حمراء وعلب شوكولاتة ودببة ومجوهرات وعطور إلى جانب الأزياء والإكسسوارات الفخمة.

من وجهة نظر تجارية محضة، ورغم أن هذا التزامن لم يكن مريحاً لصناع الموضة والعلامات التجارية الكبيرة، فإنهم تعاملوا معه بقدر من الحنكة. كان لزاماً عليهم التضحية بواحد على حساب الثاني، وكانت الأولوية لشهر رمضان. ليس لأنه يمتد زمنياً فحسب، بل لأن معنى الحب الذي يحمله أوسع وأعمق، ولأن عائداته الاقتصادية أكبر، تسمح بتعويض فترات ركود تمتد لأشهر أخرى، كما أكدت تجارب وأرقام السنوات الماضية. في دراسة أجريت العام الماضي مثلاً، تبين أن الأثر الاقتصادي الإجمالي لهذا الشهر في بريطانيا وحدها، يُقدّر بما يتراوح بين 800 مليون و1.3 مليار جنيه إسترليني، ويشمل ذلك الإنفاق على التجزئة والتبرعات الخيرية ومشتريات المتاجر الكبرى، والتسوق لعيد الفطر وما شابه.

محلات كثيرة تعرف أن لا بيت عربي يخلو من العطور والبخور فطرحت شموعاً وزيوتاً معطرة في قوالب مبتكرة (هارودز)

كل هذا يشير إلى أن الشهر الكريم، بالمقارنة بعيد الحب، لا يقتصر على الورود والقلوب الحمراء والإكسسوارات وعلب الشوكولاته والدببة ولا على يوم واحد فحسب، بل هو كل هذا فضلاً عن كرم الوقت ومراعاة الآخر والاهتمام به ولو من خلال وجبة إفطار في مكان خاص، سواء كان حميماً في بيت عائلي أو في مطعم فخم. وطبعاً كل هذا يحتاج إلى أزياء وإكسسوارات أنيقة وروائح عطرة، إضافة إلى أن ما يتم تقديمه من هدايا أكبر وأغلى ينعش كل القطاعات التي تتعلق بالحياة.

سباق رمضان يتوسَّع

فالورود والدببة لا تشكل أرقاماً مجزية مقارنة بما تُحقِّقه الشموع المعطرة والمجوهرات، فضلاً عن مجموعات حصرية كاملة من الأزياء والإكسسوارات، فيما أصبح تقليداً سنوياً يُطلق عليه سباق رمضان يبدأ قبل حلول الشهر الفضيل بأشهر. كل دار أزياء تتفنن في تقديم الجديد، وأحيانا اللعب على تشكيلاتها الأخيرة تنتقي منها ما يناسب ثقافة المنطقة، معتمدة إما على أسلوب الطبقات المتعددة لخلق صورة محتشمة أو على مواقع تصوير بطابع شرقي في حملاتها الرمضانية. في الأولى يتم تنسيق الفساتين أو العبايات مع كنزات كشمير ناعمة، وسراويل واسعة، ومعاطف من الصوف أو سترات دينم ناعمة، وفي الثانية تستعمل رمال الصحراء الذهبية أو مواقع أخرى ذات معمار شرقي. دار «فيراغامو» مثلاً صوّرت حملتها في المغرب على خلفية فسيفسائية، وعلى صوت الشاعرة الإماراتية فاطمة الجرمن، وهي تتلو نصاً صوتياً أصلياً، ساهم في تضخيم الطابع العاطفي.

الممثل معتصم النهار وزوجته لين في أزياء حملة «لاكوست» الرمضانية (لاكوست)

ويبدو واضحاً أن التعاون مع مؤثرين ومبدعين من المنطقة بات تقليداً مُرحّباً به. لا بوصفه خطوة تسويقية فحسب، بل كوسيلة تمنح المنتجات صوتاً محلياً وحمولة ثقافية أعمق. فالرغبة لدى البعض تتجاوز موسمية الشهر وتعكس محاولة لتوطيد علاقة طويلة الأمد مع سوق يُدركون أهميته في كل الأوقات. ومع ذلك لم ينجح الجميع في تحقيق المعادلة الصعبة بين العاطفة والتجارة... دار «لاكوست» مثلاً اكتفت بأزياء للنهار بألوان ساطعة، فيما راهنت على البُعد الإنساني عبر تعاونها مع الممثل معتصم النهار وزوجته لين برنجكجي في سرد بصري قالت إنه يُوثّق لحظات شخصية تنبض بالحميمية والدفء. تراجعت الأزياء للوراء لصالح المشاعر والإيقاع اليومي والارتباط الإنساني بين زوجين. اختيار يثير تساؤلاً حول ما إذا باتت العاطفة بديلاً للموضة في حملة يراد منها بيع الأزياء.

تعاونت «تيفاني آند كو» مع المؤثرة والفنانة الإماراتية علياء الشامسي لاختيار نصّ شعري باللغة العربية (تيفاني آند كو)

«تيفاني آند كو» للمجوهرات في المقابل قدمت حملة مصورة بعنوان «تحت هلالٍ واحد»، قالت إنها تحتفي فيها بالتأمل الذاتي. هي الأخرى قدمت مجوهرات أيقونية من أرشيفها، مثل «هاردوير من تيفاني» و«نوت من تيفاني» و«تي من تيفاني» إضافة إلى «بيرد أون آ روك من تيفاني» الذي تقول إنه يستحضر إحساساً بالروحانية والتفاؤل، لما يجسّده من شعور بالتجدد. لكنها قوّت موقفها باستنادها إلى رموز رمضانية يظهر فيها الهلال كقوسٍ رقيق من الضوء، يرمز إلى الزمن والتحوّل، فيما توحي النجوم بالهداية والطمأنينة. وتشكل درجات السماء الليلية العميقة المرصعة بالنجوم ملامح المشهد، لتخلق أجواءً تأملية مفعمة بالسكينة. في قلب هذه الحملة، يبرز نصّ شعري باللغة العربية، كتبته الكاتبة والفنانة الإماراتية علياء الشامسي، يعكس الوهج اللطيف لهلال الشهر الفضيل، وكيف يبعث نوره شعوراً بالقرب والحضور المشترك.

هلَّ هلال رمضان علينا بنقشٍ مُذَهَّب

وجمعَنا تحت سماءٍ لامعة كعقد الثُّرَيّا،

نورٌ يلامس القلوب ويضيء الإحساس

«تي-شيرتات» وقبعات و«شورتات مطاطية» مطرز بعضها بشعار الدار باللغة العربية من (بالنسياغا)

بين الابتكار والاجترار

بيوت أزياء كثيرة أخرى لم تتأخر عن الركب ودخلت السباق بكل قوتها، متوجهة إلى زبائنها في المنطقة بتصاميم واقتراحات تأمل أن تجذبهم إليها ومن تم تحقق لهم الربح. نذكر منهم دار «بالنسياغا» التي استبقت الشهر وطرحت في يناير (كانون الثاني) الماضي «سلسلة بالنسياغا رمضان 26» الحصرية التي تعيد فيها ابتكار بعض الرموز الأيقونية ضمن لوحات لونية تروق للذائقة العربية، تشمل «تي-شيرتات» وقبعات و«شورتات مطاطية»، مطرز بعضها بشعار الدار باللغة العربية، إلى جانب بلوزات حريرية وفساتين وأوشحة بألوان الأخضر الداكن والخوخي الفاتح. وتظهر النعال المكشوفة لحذاء «سبيد» الأيقوني باللون الذهبي.

بدورها طرحت دار «توري بيرش» الأميركية تشكيلة رمضانية تضم إكسسوارات وأزياء جاهزة ومجوهرات تعكس أسلوب مصممة تعشق روح الشرق وتستلهم تفاصيله في معظم عروضها حتى خارج الموسم الرمضاني.

دار «فالنتينو» طوّعت 6 إطلالات من عرضها من خط الكروز الأخيرة ليناسب الشهر الفضيل (فالنتينو)

أما «فالنتينو» فصوّرت حملة إعلانية صاغ رؤيتها المدير الإبداعي أليساندرو ميكيلي، والتقطتها عدسة المصورة جولي غريف، ضمت ست إطلالات من خط الـ«كروز» الأخير، واحد منها قفطان تم تنسيقه مع بنطلون متطابق بوهج ذهبي متدرج ووردي فاتح. ويبدو أن الدار مثل غيرها تراهن على الإكسسوارات بشكل كبير، بالنظر إلى كم حقائب اليد والأحذية والأوشحة التي طرحتها وأغدقت عليها الكثير من الترصيع.

من اقتراحات «دي كي إن واي» لهذا الشهر: الأزياء عصرية ومعاصرة والخلفية عربية (دي كي إن واي)

علامة «دي كي إن واي» DKNY ذهبت إلى أبعد من طرح مجرد أزياء محتشمة أو إكسسوارات تتوخى أن تجد لها مكاناً بارزاً في هذا السباق. تعاونت مع المؤثرة دينا السعدي من خلال تشكيلة محدودة الإصدار وحصرية «استُلهمت تفاصيلها من أمسيات رمضان الهادئة ولحظات التلاقي الدافئة» وفق قولها، وهو ما ترجمته في قصّات انسيابية، وألوان هادئة تتباين بين الترابي الهادئ والذهبي الدافئ.

المحلات الكبيرة أيضاً دخلت السباق متسلحة بكل العلامات المتوفرة لديها. محلات «هارودز» بلندن تقدم منذ بداية شهر فبراير (شباط) إلى شهر مارس (آذار) اقتراحات شهية عبارة عن سلال مليئة بكل ما طاب من تمور وحلويات وعسل طبيعي وشاي مغربي ومنتجات أخرى خاصة برمضان، يمكن تقديمها كهدايا، إضافة إلى أزياء وإكسسوارات تناسب دعوات الإفطار والسحور: أنيقة ومحتشمة وعملية، من مصممين كبار مثل تالر مامو، وستيلا مكارتني، وجيني باكهام، وميسوني.

صورت «هارودز» حملتها الرمضانية بالتعاون مع 5 مؤثرين ومبدعين عرب (هارودز)

وفي حملة مبتكرة تعاونت «هارودز» مع خمسة من أبرز المبدعين العرب في تصوير وإخراج فيلم قصير. تولّت بطولته نيا عمّون، المقيمة بين دبي والرياض ولندن، والتي تمثل فن «الاحتشام في الحداثة»، وأخرجه سيرج أسعد وصوره مازن أبصرور، ليجمع بين روعة ديكور هارودز وفخامة الأسلوب المحتشم المعاصر. أما تنسيق الأزياء فتولّاه أحمد النجار بينما أجرت المكياج خبيرة المكياج كنزة بيا.

اختارت «هارفي نيكولز دبي» ألواناً ترابية و50 قطعة بدرجة من الأزرق للدلالة على الصفاء والسكينة (هارفي نيكولز)

محلات «هارڤي نيكلز» أيضاً أطلقت منذ فترة حملة تأمل تدعو فيها للتصالح مع الذات، بعنوان «خيوط من النور». تلعب كل تفاصيلها على أناقة مرسومة بألوان الصحراء وتصاميم منسابة على شكل قفاطين من دار «تولر مارمو». لم تقتصر الاقتراحات على الألوان الترابية والذهبية، فهناك خمسون قطعة كلها بدرجة من الأزرق تتدرج من لون السماء إلى عمق الغسق، من ستيلا ماكارتني و«ماكوين» ومجوهرات من ميسوما وآلان كروسيتي وغيرهم. ويأتي هذا الاهتمام المكثف بالأزرق لتعزيز الإحساس بالسكينة والصفاء، وفق ما أكدته المسؤولات عن هذه الاختيارات.

الرموز الإيطالية في خدمة الثقافة العربية

ومن إيطاليا أرسلت دار «برونيلو كوتشينيللي» بطاقة حب إلى المنطقة العربية بمناسبة الشهر الفضيل، مكتوبة بلغة مباشرة وصادقة. كل ما فيها من تفاصيل يعترف بأنه يتودد لزبونة المنطقة، لكن بأسلوب يحترم ثقافتها وأسلوبها الخاص أيضاً.

كانت اقتراحات «برونيلو كوتشينيللي» الأقرب والأصدق لأنها احترمت الثقافة من دون استسهال (برونيلو كوتشينيللي)

ما يُحسب لها أن الجانب التجاري لم يأتِ على حساب الأناقة والحرفية. بالعكس تماماً، فكل عباية، بقصّاتها الراقية والمنسدلة، تُجسّد القيم الرمضانية، من راحة وخفّة وسهولة تنسيق. حتى الزخارف الهادئة في بعض القطع، تضيف للأقمشة المترفة بعُداً بصرياً وعمقاً إيقاعياً مستوحى من الزهور المتلألئة أو نقشة جلد التمساح، ونقشة الجاكارد المحبوكة. كلها تتناغم مع ألوان طبيعية مثل البني الرملي والبيج والبني الداكن والأبيض، إضافة إلى العنّابي الداكن والرمادي.

هذه الرغبة في إبراز الحرفية، تظهر أيضاً في مجموعة «فندي»، التي اعتمدت فيها الدار على استكشاف أبعاد جديدة لبريق المواد وملمسها ومدى تناغمها مع الدرجات المعدنية والتطريزات الدقيقة. والنتيجة جاءت على شكل فساتين طويلة من الشيفون أو الدانتيل تنسدل براحة فيما تتألق الملابس المنزلية بزخرفة زهرة الأقحوان.

في مجموعتها «نور» قدمت دار «فندي» مجموعة تعتمد على الحرفية والألوان الفاتحة مثل الوردي والذهبي (فندي)

وبينما غلب اللون الوردي على الأزياء، اكتسحت درجات الذهبي المائل للعاجي الإكسسوارات للتقرب من ذائقة اشتهرت بميلها إلى كل ما هو ذهبي أو زمردي ومصنوع باليد.

ضمن هذه المجموعة أعيد ابتكار حقيبتيْ «ميني باغيت» Mini Baguette وميني بيكابو Mini Peekaboo الأيقونيتين بتطريز كل قطعة يدوياً على قاعدة من الساتان، مع استخدام أحجار الكريستال والخرز الزجاجي في تقنية تتطلب ما يقارب الأسبوعين من العمل على يد حرفي متمكن للحقيبة الواحدة.

وهكذا فإن رمضان بروحه الجامعة وطقوسه الاجتماعية، ربما أربك التسويق لعيد الحب في المنطقة العربية وأنقص من وهجه، لكنه أعاد ترتيب الأولويات، الأمر الذي جعل تضارب التوقيت فرصة لاختيار الحب بوصفه قيمة ثقافية واجتماعية. كان أيضاً فرصة لاكتشاف أن أقوى الرسائل التسويقية هي التي تنجح في ملامسة الثقافة والوجدان معاً.


«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
TT

«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)

لا يختلف اثنان على أننا في عصر تنتشر فيه الصورة أسرع من أي بيان سياسي... يكفي ظهورُ نجمةٍ أو شخصية معروفة بإطلالة مدروسة في مناسبةٍ ما لكي تتحول جزءاً من النقاش العام.

ومع انطلاق «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026»، يبرز التساؤل بشأن قدرة مصممي الأزياء على الاستفادة من هذه الومضات والإشعاعات المؤقتة، وما إذا كان ظهور نجمة كبيرة بقطعة مُوقّعة من أحدهم يمكن أن يرتقي به إلى مصاف الكبار من أمثال رالف لورين، وتوري بورش، وكارولينا هيريرا... وغيرهم ممن نجحوا في تأسيس علامات راسخة تمتلك موارد كافية لتجاوز أي تغيرات اقتصادية قصيرة المدى. الجواب وفق ما تابعناه مؤخراً مختلف بالنسبة إلى المصممين الجدد... قد يمنحهم بريقاً سريعاً، لكنه مؤقت لا يترجَم دائماً إلى أرقام.

ليدي غاغا وهي تغني في الـ«سوبر بول إل إكس» بفستان من توقيع المصمم راوول لوبيز (كيربي لي إيماجن)

عندما اعتلت ليدي غاغا مسرح الـ«سوبر بول إل إكس» حديثاً لتقدم عرضها الموسيقي، ارتدت فستاناً أزرق سماوياً صممه الدومينيكاني المقيم في نيويورك، راوول لوبيز، خصيصاً لها. كان رائعاً ولافتاً، وكان من المتوقع أن ينال مصممه ولو قليلاً من سحره. لكن مع انطلاق «أسبوع نيويورك»، غاب اسمه من البرنامج الرسمي. ورغم أنه لم يُصرّح بالسبب، فإن ضيق الحال قد يكون السبب. وهذا يشير إلى أن المنصات الكبرى قد توفر دفعة هائلة للناشئين، لكنها ليست بديلاً عن بيئة اقتصادية مستقرة، ودعم هيكلي مستدام، يساعدان في نمو العلامة.

نيويورك... الحقبة الانتقالية

الدورة الحالية من «أسبوع الموضة الأميركية» تأتي في لحظة مفصلية تتقاطع فيها الموضة مع مناخ سياسي متقلب ووضع اقتصادي هش يضغط على هذه الصناعة منذ سنوات.

رئيس بلدية نيويورك الحالي، زهران ممداني، صرّح مؤخراً أمام مجلس شيوخ الولاية في اجتماع لمناقشة ميزانيتها لعام 2026، بأنها «تقف على حافة الهاوية» ودعا إلى زيادة الضرائب اثنين في المائة على سكان نيويورك الذين يتقاضون أكثر من مليون دولار سنوياً، إلى جانب زيادة معدل الضريبة على الشركات في الولاية. مقترحات طرحها خلال حملته الانتخابية وأكسبته أصواتاً كثيرة ويحتاج إلى تنفيذها على أرض الواقع.

بالنسبة إلى الموضة، فإنها شهدت في العام الماضي انهيار نموذج تجارة التجزئة متعددة العلامات؛ مما خلق حالة من عدم الاستقرار لكثير ممن كانوا يعتمدون عليها للوصول إلى الزبائن. فقد تقدّمت منصة «إسنس» الكندية المعروفة باحتضانها علامات مستقلة بطلب حماية من الإفلاس في أغسطس (آب) الماضي، وكانت مدينةً حينها بنحو 93 مليون دولار كندي للمورّدين. كما أدى اندماج «بيرغدوف غودمان» و«نيمان ماركوس» و«ساكس» تحت مظلة «ساكس غلوبال»، وما تبع ذلك من تعقيدات وتصفيات مالية مطلع هذا العام، إلى تعقيدات كان الكل في غنى عنها.

هذا الواقع كشف عن هشاشة اعتماد العلامات الصغيرة على شبكات توزيع محدودة؛ لأن تأخر مستحقات موسم واحد قد يعني إلغاء عرض أو تقليصه، إضافة إلى تأجيل الإنتاج أو إعادة هيكلة الفريق بالكامل. انسحاب المصمم راوول لوبيز مثلاً من العرض في البرنامج الرسمي لـ«الأسبوع» بات ظاهرة متكررة.

إطلالة كلاسيكية بتوقيع علامة «ذي بابليك سكول نيويورك» التي تأسست عام 2008 (رويترز)

السياسة والموضة

آمال كبيرة معقودة على زهران ممداني حالياً؛ فقد وعد بدعم العلامات الناشئة بغض النظر عن الهوية، بتقديم دعم اقتصادي ملموس لهم؛ مما يمكن أن يُحسن أيضاً الاقتصاد عامة.

فتلاقي الموضة بالسياسة من خلال الاقتصاد في الولايات المتحدة الأميركية عموماً، ونيويورك تحديداً، ليس جديداً؛ ففي عام 2020 نشطت مبادرات، مثل «فاشن أور فيوتشر 2020»، أطلقتها المصممة أبريما إروياه والممثلة روزاريو داوسون، بالتعاون مع أسماء بارزة؛ لتحفيز الجماهير على التسجيل للتصويت. وفي سبتمبر (أيلول) 2024، نظم «مجلس مصممي الأزياء» في أميركا، بدعم من مجلة «فوغ»، مسيرة، مع انطلاق «أسبوع الموضة»، لحشد من الناخبين في فعالية وُصفت بـ«غير الحزبية» رغم مشاركة السيدة الأميركية الأولى حينها، جيل بايدن، فيها.

ألوان زاهية وتصاميم عملية من توري بورش (أ.ف.ب)

الشعارات وحدها لا تكفي

هذا الموسم يلاحَظ خلال «الأسبوع»، وفي مناسبات السجاد الأحمر التي سبقته مثل حفل «غولدن غلوب» توزيع دبابيس «Ice Out» و«Be Good»، وهي مبادرات تراهن على الصور المتداولة رقمياً، وتذكر بقضايا إنسانية ووجودية. لكن هل تكفي لخلق تأثير حقيقي؟ تساؤل يطرحه مصممون، مثل ويلي شافاريا، وهو من أصول آيرلندية ومكسيكية، الذي هجر نيويورك للعرض في «أسبوع باريس»، وتساءل عن جدوى هذه المبادرات الرمزية، قائلاً إن التعبير عن الهوية في حد ذاته سياسي. كثير من المصممين الشباب يوافقونه الرأي ويعتقدون أن الموضة الأميركية تحتاج إلى أكثر من دبابيس أو شعارات. الحل بالنسبة إليهم حالياً هو إبراز القصص الفردية لكل مصمم، من الذي يمثلون «الآخر» بمعناه الثقافي والإنساني. ففي تفرد الهوية تكمن العالمية؛ شرط أن تكون الرسالة واضحة وصادقة. كذلك أعاد فوز زهران ممداني الأمل في عدالة اجتماعية وفي تحريك الأنشطة الإبداعية، خصوصاً أن زوجته ناشطة في المجال الفني بنيويورك.

وبين الغيابات وحضور العلامات الكبيرة، تقف نيويورك اليوم أمام اختبار مزدوج: اقتصادي ثقافي؛ من خلال الرهان على ممداني ذي الأصول الهندية، كما على قدرة مصمميها على تحويل هشاشة اللحظة إلى لغة تُعبر عن التغيير الإيجابي. فنيويورك اقتصاد متكامل بين العقارات والمال والأعمال والمجالات الإبداعية بكل أشكالها. وبينما يبقى مستقبل هذا الاقتصاد في طور التكوين والبناء، فإن ما قُدّم على منصات العرض منذ بداية «الأسبوع» يشير إلى أن القوة لا تزال بيد دور الأزياء ذات التاريخ الطويل. فالطفرات الاقتصادية التي عاشتها نيويورك في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي تجعلها تتحرك بمرونة أكبر بفضل مواردها الكافية لمواجهة تقلبات السوق.

من اقتراحات توري بورش (رويترز)

توري بورش مثلاً قدمت عرضها في مبنى «ماديسون أفينيو»، مؤكدة قدرتها على تحقيق المعادلة بين أزياء يسهل تسويقها، والأناقة العابرة للأجيال. تنوعت التصاميم بين بنطلونات من قماش «الكوردروي» ومعاطف خفيفة كأنها مستلهمة من عبايات، وكنزات صوفية نسقتها مع تنورات بعضها مقلّم. في كل هذا ركزت المصممة على أسلوب كلاسيكي يمكن أن يجعل كل قطعة تبقى رفيقة صاحبتها أكثر من موسم. الصوف مثلاً اكتسب لمسة ذهبية من خلال تطريزات معدنية نُفّذت بأيادٍ هندية، والحرير طُوّع في فساتين منسدلة تتميز بخصور منخفضة وألوان تباينت بين الأحمر والأصفر بكل درجاتهما، وعلى نغمات أغنية دوللي بارتون الشهيرة «9 تو 5»، أطلقت مجموعة مستوحاة من ثمانينات القرن الماضي أكدت فيها أن الكلاسيكيات لا تموت، وأن العملية لا تتناقض مع الأناقة.

من اقتراحات «كوتش» وتغلب عليها روح «سبور» وأسلوب عملي مستلهم من حقب ماضية (كوتش)

علامة «كوتش» أيضاً قدمت عرضاً لخص المفهومَين التجاري والفني... قالت الدار إنها استوحته من عصور وحقب ماضية، مثل الأطقم الرياضية المستوحاة من قمصان كرة القدم في السبعينات، والأحذية المصنوعة من جلد الشامواه المعتق، بينما استلهمت الفساتين من الحقبة الفيكتورية، كذلك القمصان ذات الياقات العالية التي تُربط على شكل فيونكة.

العارضة جيجي حديد تفتتح عرض «رالف لورين» (رويترز)

لكن يبقى عرض «رالف لورين» الأكبر إبهاراً؛ فتصاميم الدار تلامس شريحة عالية من الناس حول العالم، كما أن قدراتها التسويقية هائلة، وتتمثل في مشاركات عالمية، مثل «دورة الألعاب الأولمبية الشتوية» الحالية، وإقبال سيدات البيت الأبيض على تصاميمها، حتى أصبحت رمزاً أميركياً قائماً بذاته. لكن الأهم أنها في كل مرة تدغدغ أحلام امرأة تريد «السهل الممتنع».

إطلالة مخملية ظهرت بها جيجي حديد في عرض «رالف لورين» (أ.ف.ب)

ما يُذكر أن الدار واكبت تغيرات عدة؛ اقتصادية واجتماعية وثقافية، ونجحت في التأقلم معها؛ بل وتجاوزها في أحيان كثيرة. لكن هذا لا يمنع من القول إنها كانت محظوظة في أنها واكبت حقباً اقتصادية مزدهرة قادها رؤساء أميركيون، مثل بيل كلينتون. وفي كل المراحل، كانت تصاميمها تعكس الحلم الأميركي. حتى بعد أن دخل «جِيلِ زد» على الخط، وبدأ يفرض أسلوبه على المصممين، قرأ مؤسسها، البالغ من العمر 86 عاماً، نبض السوق جيداً... وهذا ما جعل الدار حتى الآن من بين أكبر المؤثرين على الموضة الأميركية. حتى انخفاض المبيعات بين عامي 2016 و2018 لم يُضعفها، وما اقترحته، مساء الثلاثاء الماضي، كان تحدياً للأزمة النيويوركية، ويؤكد أن الفساتين المخملية والقطع الجلدية ستعرف طريقها إلى خزانة المرأة أينما هي، وأَيَّمَّا كانت هويتها.


ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.