رئيس مفوضية حقوق السجناء والمحتجزين في البحرين: نعمل على تحقيق مبدأي الرقابة والتطوير.. وعملنا مستقل تماما

نواف المعاودة قال في حوار مع إن الحراك الحقوقي لدى بلاده فعال ومتجدد

نواف المعاودة
نواف المعاودة
TT

رئيس مفوضية حقوق السجناء والمحتجزين في البحرين: نعمل على تحقيق مبدأي الرقابة والتطوير.. وعملنا مستقل تماما

نواف المعاودة
نواف المعاودة

وصف نواف المعاودة، رئيس مفوضية حقوق السجناء والمحتجزين التي أمر العاهل البحريني الملك حمد بن عيسى آل خليفة، بتشكيلها أمس، الحراك الحقوقي في مملكة البحرين بأنه حراك فعال ومتجدد، مشيرا إلى أن ذلك ارتبط ببنية الإصلاحات الدستورية والمؤسساتية التي شهدتها المملكة منذ أكثر من عقد.
وأضاف المعاودة أن «البحرين في هذا المجال تسعى لمواكبة أهم المعايير المتبعة في مجال حقوق الإنسان على المستوى الدولي».
وقال المعاودة، في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط»، إن بلاده «كانت سباقة في التوقيع على كثير من المعايير والمواثيق الدولية مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان».
وبخصوص آليات عمل مفوضية حقوق السجناء والمحتجزين، قال المعاودة إنها «هي نفسها التي تضمن تحقيق الاستقلالية والحيادية لها، ويمكن اكتشاف ذلك بوضوح من خلال استعراض تلك الآليات التي نص عليها مرسوم إنشائها».
وأكد المعاودة أن المفوضية «تتولى تحديد أسلوب عملها باستقلال تام ودون التدخل من أي جهة، ولها تحديد الزمان الذي تراه مناسبا لزيارة النزلاء والموقوفين في أماكن احتجازهم سواء كانت الزيارة معلنة أو غير معلنة، والتحقق من الأوضاع القانونية لاحتجازهم والمعاملة التي يتلقونها».
> أعلنت مملكة البحرين إنشاء مفوضية مستقلة أطلق عليها «مفوضية حقوق السجناء والمحتجزين»، فما الدوافع التي تقف وراء إنشائها، وهل يرتبط ذلك بالحراك الحقوقي، على الصعيد الرسمي، الذي شهدته البحرين خلال السنوات القليلة الماضية؟
- إن الاهتمام بقضايا ومبادئ حقوق الإنسان في مملكة البحرين، شهد نقلة نوعية كبيرة، منذ تدشين المشروع الإصلاحي للملك حمد بن عيسى آل خليفة، بشكل أصبحت معه البحرين متقدمة في هذا المجال على الصعيد العربي والإقليمي، من خلال جملة من التشريعات والخطوات الإجرائية والمؤسساتية التي ترجمت هذا التوجه البحريني في صور متعددة ومتنوعة، وقد اكتسب هذا التوجه الرسمي زخما كبيرا خلال السنوات الثلاث الماضية بعدما عرف بأحداث 2011 وما تبعها من تشكيل اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق التي أصدرت تقريرا مفصلا شمل توصيات محددة صبت في اتجاه تعزيز حقوق الإنسان. وبالفعل، قامت مملكة البحرين بتنفيذ هذه التوصيات من خلال عدة محاور؛ أبرزها التعديل التشريعي والقانوني مثلما حدث في قانون العقوبات، وقانون الإجراءات الجنائية، وإصدار مدونة (قانون) سلوك رجال الشرطة. ومن ضمن هذه المحاور أيضا، إنشاء المؤسسات الضامنة لجملة من الحقوق والحريات؛ مثل: الأمانة العامة للتظلمات، ووحدة التحقيق الخاصة بالنيابة العامة، ومفوضية حقوق السجناء والمحتجزين، التي جاء إنشاؤها لتعزيز تنفيذ التوصية رقم (1722) من توصيات اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق، حيث صدر مرسوم ملكي يحمل رقم 61، في الثاني من سبتمبر (أيلول) 2013، بإنشاء هذه المفوضية، ونص المرسوم على اختصاصها بمراقبة السجون ومراكز التوقيف ومراكز رعاية الأحداث والمحتجزين، وغيرها من الأماكن التي من الممكن أن يجري فيها احتجاز الأشخاص بالمستشفيات والمصحات النفسية، بهدف التحقق من أوضاع احتجاز النزلاء والمعاملة التي يتلقونها لضمان عدم تعرضهم للتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة، وتمارس المفوضية مهامها بحرية وحيادية وشفافية واستقلالية تامة.
> ما اختصاصات مفوضية حقوق السجناء والمحتجزين، وما الفلسفة العامة التي تعكسها؟
- لمفوضية حقوق السجناء والمحتجزين، اختصاصات محددة، وهي تمثل صلاحياتها في التعامل مع كل ما يتعلق بنزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل (السجون) ومراكز التوقيف، وغيرها من أماكن الإيداع والحبس الاحتياطي، وتنبع هذه الاختصاصات والصلاحيات من فلسفة عامة تقوم على مبدأي الرقابة والتطوير، فهي من جانب تمارس دورا رقابيا على المراكز والأماكن سالفة الذكر، ومن جانب أخرى، تمارس دورا في تطوير الظروف والبيئة التي يعيش فيها النزلاء والموقفون والمحتجزون وتقدم المقترحات العملية الهادفة إلى دعم مسألة إعادة التأهيل والدمج المجتمعي، باعتبار أن تلك المراكز والمقار ليست بهدف العقاب، إنما هي مؤسسات قانونية ووقائية تطبق أحكام القضاء، مع احترام حقوق النزيل أو الموقوف، الدستورية والقانونية بصفته إنسانا، وقد فصل مرسوم إنشاء المفوضية اختصاصاتها وحددها في خمسة اختصاصات وهي:
أولا: زيارة النزلاء في السجون ومراكز التوقيف ومراكز رعاية الأحداث والمحتجزين وغيرها من الأماكن التي من الممكن أن يجري فيها احتجاز الأشخاص كالمستشفيات والمصحات النفسية، والوقوف على أوضاع احتجازهم والمعاملة التي يتلقونها.
ثانيا: زيارة الأماكن التي يجري فيها حجز النزلاء المشار إليهم للتحقق من توافر المعايير الدولية بشأنها.
ثالثا: إجراء المقابلات والتحدث بحرية مع النزلاء في أماكن احتجازهم وغيرهم من الأشخاص المعنيين من أجل فهم طبيعة وأهمية مشاكلهم.
رابعا: إبلاغ الجهات المختصة بحالات التعذيب أو المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة التي قد تتكشف للمفوضية.
خامسا: تقديم التوصيات والاقتراحات المتعلقة بتحسين أوضاع النزلاء والمعاملة التي يتلقونها وذلك إلى الجهات المختصة.
> ما المعايير التي جرى الاستناد إليها عند إنشاء مفوضية حقوق السجناء والمحتجزين، وهل تلبي المعايير الدولية المتبعة في المؤسسات التي تتعامل مع السجناء والمحتجزين؟
- إن الحراك الحقوقي بمملكة البحرين حراك فعال ومتجدد، وارتبط ذلك ببنية الإصلاحات الدستورية والمؤسساتية التي شهدتها المملكة منذ أكثر من عقد من الزمان، ومملكة البحرين في هذا المجال تسعى لمواكبة أهم المعايير المتبعة في مجال حقوق الإنسان على المستوى الدولي، وكانت سباقة في التوقيع على كثير من المعايير والمواثيق الدولية؛ مثل: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وكذلك اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، كما أنها صدقت على الميثاق العربي لحقوق الإنسان، وغيرها من الاتفاقيات والمعاهدات ذات الصلة بمجالات حقوق الإنسان المتنوعة. أما على الصعيد العملي والمؤسسي، فقد ارتبطت مسألة الاستفادة بالخبرات والمعايير الدولية المتعلقة بالسجناء والمحتجزين بإنشاء المؤسسات ذات الصلة بهم، مثل المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، والأمانة العامة للتظلمات، ومفوضية حقوق السجناء والمحتجزين، التي استند إنشاؤها إلى عدة مرجعيات دستورية وقانونية ومعيارية، منها الأخذ بعين الاعتبار مبادئ البروتوكول الاختياري لاتفاقية مناهضة التعذيب (OPCAT) الذي جرى اعتماده بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في جلسة 18 ديسمبر (كانون الثاني) 2002، وكذلك من خلال الاستفادة بخبرات مفتشية جلالة الملكة للسجون في بريطانيا، وجرى أيضا الاسترشاد برأي رئيس اللجنة الفرعية لمكافحة التعذيب التابعة للأمم المتحدة.
وبجانب ذلك، فإن تطوير عمل وآليات المفوضية من خلال تطوير المعايير التي تتبعها، هي مسألة واردة ومتوقعة بعد الممارسة العملية على أرض الواقع وما يتمخض عنها من ملاحظات وتوصيات تهدف إلى التطوير المستمر الذي يعد سمة أساسية من سمات أي مؤسسة ناجحة.
> ما الآليات التي تحدد طريقة عمل المفوضية، وهل تضمن لها ركائز ضرورية مثل الاستقلالية والحيادية؟
- آليات عمل مفوضية حقوق السجناء والمحتجزين هي نفسها التي تضمن تحقيق الاستقلالية والحيادية لها، ويمكن اكتشاف ذلك بوضوح من خلال استعراض تلك الآليات التي نص عليها مرسوم إنشائها، فعلى سبيل المثال: تتولى المفوضية بذاتها تحديد أسلوب عملها باستقلال تام ودون التدخل من أي جهة، ولها تحديد الزمان الذي تراه مناسبا لزيارة النزلاء والموقوفين في أماكن احتجازهم سواء كانت الزيارة معلنة أو غير معلنة، والتحقق من الأوضاع القانونية لاحتجازهم والمعاملة التي يتلقونها، وكذا التحقق من عدم تعرض النزلاء والموقوفين للتعذيب أو المعاملة اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة، وذلك وفقا للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، ولا يجوز أن يتعرض الأشخاص الذين يدلون بمعلومات للمفوضية لأي نوع من العقاب بسبب تلك المعلومات.
كما يكون لها جهاز إداري معاون يتكون من عدد كاف من الموظفين، يجري تعيينهم بقرار من رئيس المفوضية، وهي من تضع لائحة داخلية لتنظيم أعمالها الفنية والإدارية والمالية، تصدر من رئيس المفوضية بناء على موافقة أغلبية أعضائها، كما تضع مدونة سلوك للأعضاء والعاملين في المفوضية تضمنها عدم تعارض المصالح.
كما أوجب مرسوم إنشائها على القائمين على السجون ومراكز التوقيف وغيرها من الأماكن تمكين المفوضية من مباشرة مهامها وإمدادها بالمعلومات التي تطلبها عن النزلاء والموقوفين.
> ما ضمانات تحقيق الشفافية فيما تقدمه المفوضية من مخرجات ونتائج لأعمالها وأنشطتها، لا سيما أن ذلك يرتبط أيضا بمسألة الاستقلالية والحيادية؟
- طالما وجدت الضمانات التي تكفل تحقيق الاستقلالية والحيادية في أعمال وأنشطة المفوضية، وجدت من ثم الآلية التي تحقق مبدأ الشفافية، فكلها عناصر مرتبطة بعضها ببعض، والآليات التي تكفل تحقيق مبدأ الشفافية آليات واضحة وصريحة بل وملزمة في بنية المفوضية، فهي ملزمة بوضع تقرير عقب كل زيارة تقوم بها للسجون ومراكز التوقيف، تضمنه التوصيات التي تراها بشأن أوضاع النزلاء والموقوفين والإجراءات الوقائية التي تحسن من أوضاعهم، وتعرض مسودة التقرير على الجهات المعنية للرد على ما جاء بها خلال فترة معقولة يجري الاتفاق عليها بين المفوضية والجهة المعنية.
كما أنها تضع تقريرا سنويا عن جهودها ونشاطها وسائر أعمالها، تضمنه ما تراه من اقتراحات وتوصيات في نطاق اختصاصاتها، وتحدد فيه الممارسات الجيدة التي تكشفت لها وأيضا ما قد يكون من مآخذ أو معوقات في الأداء وما جرى اعتماده من حلول لتفاديها، وتقدم المفوضية نسخة من تقريرها السنوي إلى مجلس الوزراء.
وألزمها مرسوم إنشائها كذلك أن تراعي في تقاريرها وتوصياتها، القواعد ذات الصلة الصادرة عن الأمم المتحدة في مجال منع التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة والقواعد الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان وتنشر التقارير بالطريقة التي تراها.
> ما طبيعة العلاقة بين مفوضية حقوق السجناء والمحتجزين والأمانة العامة للتظلمات التي تمارس دورا مشابها فيما يتعلق بمراقبة السجون ومراكز التوقيف؟
- مفوضية حقوق السجناء والمحتجزين أصبحت رابع جهة لها الحق في مراقبة مراكز الإصلاح والتأهيل (السجون) وغيرها من مراكز التوقيف والحبس الاحتياطي، بعد القضاء، والنيابة العامة، والأمانة العامة للتظلمات. وبالتأكيد، فإن لكل جهة من الجهات المذكورة، صلاحياتها وسلطاتها في أداء هذا الدور تبعا لما رسمه لها القانون والمراسيم ذات الصلة، وفيما يخص العلاقة بين مفوضية حقوق السجناء والمحتجزين والأمانة العامة للتظلمات، فهي علاقة وظيفية تقوم على التعاون والتكامل بين الطرفين، سواء من حيث التشابه في اختصاص مراقبة مراكز الإصلاح والتوقيف، وهو الاختصاص المقر للأمانة العامة للتظلمات بموجب مرسوم ملكي، وهو مرسوم رقم 35 الذي صدر في مايو (أيار) 2013، أو من حيث إن من يترأس المفوضية هو نفسه من يتولى منصب الأمين العام للتظلمات، وكذلك فإنه يكون للمفوضية الاعتماد المالي الكافي الذي يدرج ضمن المخصصات المالية المقررة للأمانة العامة للتظلمات.
> هل تؤثر العلاقة بين مفوضية حقوق السجناء والمحتجزين والأمانة العامة للتظلمات، في التوجه العام للمفوضية وتجعله قريبا من توجهات الأمانة العامة؟
- الهدف الأساسي للجهتين وغيرهما من المؤسسات العاملة في مجال حقوق السجناء والمحتجزين هدف واحد، أي ضمان حقوقهم الأساسية المقرة لهم بموجب الدستور والقوانين، ولذلك فليس من المستغرب أن تتقارب هذه المؤسسات في توجهاتها العامة، أما آليات وأسلوب العمل ومخرجات الأنشطة فهي التي تختلف تبعا لطبيعة وشكل وصلاحيات كل مؤسسة، وبالنسبة للعلاقة الوظيفية بين المفوضية والأمانة العامة للتظلمات، فهي علاقة إدارية في المقام الأول، نبعت من كونهما تجسيدا لتنفيذ التوصية رقم 1722 من توصيات اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق، أما الآليات التنفيذية لعمل المفوضية فهي نابعة من ذاتها من خلال ضمانات الاستقلالية والحيادية التي سبقت الإشارة إليها، وهو ما يتحقق أيضا من خلال النظر إلى كيفية اختيار أعضائها، فهي تتشكل من ثلاثة أعضاء يرشحهم الأمين العام للتظلمات، أربعة أعضاء ترشحهم المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان، على أن يكون من بينهم من منظمات المجتمع المدني عضوان يرشحهما المجلس الأعلى للقضاء، وعضوان يرشحهما النائب العام، كما يجوز للأمين العام للتظلمات أن يرشح لعضوية المفوضية اثنين من الأطباء، أحدهما طبيب نفسي.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.