الحرب في ليبيا.. و«الصراع» في تونس

بعد قضيتي الرهائن وغلق قنصلية طرابلس.. حكومة الصيد في خطر

موظفة تونسية اختطف من قبل ميليشيا مسلحة من القنصلية التونسية في  طرابلس خلال وصولها إلى مطار عسكري  في تونس (أ.ف.ب)
موظفة تونسية اختطف من قبل ميليشيا مسلحة من القنصلية التونسية في طرابلس خلال وصولها إلى مطار عسكري في تونس (أ.ف.ب)
TT

الحرب في ليبيا.. و«الصراع» في تونس

موظفة تونسية اختطف من قبل ميليشيا مسلحة من القنصلية التونسية في  طرابلس خلال وصولها إلى مطار عسكري  في تونس (أ.ف.ب)
موظفة تونسية اختطف من قبل ميليشيا مسلحة من القنصلية التونسية في طرابلس خلال وصولها إلى مطار عسكري في تونس (أ.ف.ب)

استفحلت الخلافات بين السياسيين وكبار رجال الأعمال التونسيين والليبيين بشكل غير مسبوق حول منهج التعامل مع الحرب المدمرة التي تشهدها ليبيا وانعكاساتها على البلدين، خاصة بعد إعلان تونس عن غلق كل ممثلياتها الدبلوماسية والقنصلية في طرابلس ردا على احتجاز 10 من موظفيها الدبلوماسيين بعد أسابيع قليلة من حادثة اختطاف نحو 200 عامل تونسي في العاصمة الليبية وضواحيها.
ولئن سبق للساسة والنخب في تونس وبقية العواصم العربية أن اختلفوا حول طريقة التعامل مع الأطراف المتصارعة سياسيا وعسكريا في ليبيا، فإن جديد الأزمة الجديدة بالنسبة لتونس، أن الشركاء في الائتلاف الحاكم نفسه وداخل قصري الرئاسة والحكومة والبرلمان دخلوا في صراعات علنية بسبب «الملف الليبي».

فإلى أين تسير هذه الأزمة التي توشك أن تهدد استقرار الحكومة التونسية الفتية بزعامة الحبيب الصيد ووحدتها فضلا عن مستقبل الحزبين الكبيرين في البلاد: حزب النداء بزعامة الباجي قائد السبسي، الأقرب إلى حكومة طبرق شرقا، وحركة النهضة بزعامة راشد الغنوشي الأقرب إلى «فجر ليبيا» وحكومة طرابلس غربا؟
وما دلالات انخراط رموز «المال السياسي» في المعارك السياسية التي اندلعت في تونس مع اشتداد العمليات العسكرية في ليبيا؟
وزير الخارجية التونسي الطيب البكوش قال لـ«الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر صحافي تعقيبا على قرار غلق القنصلية التونسية في طرابلس، إن قرار الغلق جاء بعد أن تأكد أن المسلحين الذين احتجزوا الدبلوماسيين التونسيين العشرة وقبل ذلك نحو 200 عامل، ينتمون إلى «فجر ليبيا» وحكومة طرابلس غير المعترف بها دوليا. وأعلن الطيب البكوش عن تراجع الخارجية التونسية عن قرارها السابق التعامل مع حكومة طرابلس التي تهمين على كامل غرب ليبيا حيث يوجد نحو 150 ألف عامل تونسي، والذي تربطه بتونس نحو 600 كلم من الحدود المشتركة. وتعهد وزير الخارجية التونسي بإحداث قنصلية جديدة على الحدود التونسية - الليبية «بالتنسيق مع مجموعة من الدول الشقيقة والصديقة التي لديها مصالح وجاليات في ليبيا».

* احتجاجات على القطيعة
* لكن المفاجأة كانت في إعلان اعتراضات تونسية بالجملة على قرار غلق القنصلية التونسية في طرابلس والقطيعة مع حكومتها. وصدرت بعض تلك التصريحات عن زعماء سياسيين بارزين من بين «الأحزاب المشاركة في الحكومة» ومن المعارضة؛ بينهم نور الدين البحيري الوزير السابق ورئيس كتلة حزب النهضة في البرلمان التونسي. ونشرت مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام التقليدية انتقادات بالجملة لقرار القطيعة مع «فجر ليبيا» وحكومة طرابلس، كما انتقدت اتهامهما بالضلوع في الإرهاب وفي ممارسة ضغوطات «غير مقبولة» على السلطات التونسية تمثلت في احتجاز 10 دبلوماسيين واشتراط الإفراج عن موقوف ليبي من التنظيم نفسه في تونس مقابل إطلاق سراحهم، وهو ما تم فعلا على الرغم من أن الموقوف الليبي (وليد القليب) مفتش عنه من قبل الإنتربول (وكالة الشرطة الدولية) بعد اتهامه من قبل خصومه في حكومة طبرق بـ«الضلوع في الإرهاب وفي جريمة معركة طرابلس في صائفة 2014.

* خلافات داخل الحزب الحاكم
* ولم تبرز حملة مساندة قوية لوزير الخارجية التونسي الطيب البكوش ونائب رئيس حزب نداء تونس من داخل حزبه ولا الفريق الحاكم في قصري قرطاج والقصبة. بل برز العكس؛ إذ تواصلت حملة تهميشه من خلال تكليف الوزير المستشار السياسي للرئيس والأمين العام الجديد للحزب محسن مرزوق - وهو من بين خصوم البكوش - بمزيد من المهام الدبلوماسية الرسمية كانت آخرها زيارة موسكو لإبلاغ الرئيس بوتين رسالة من الرئيس الباجي قائد السبسي وعقد لقاء مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف.
وجاءت هذه العملية بعد أن وقع تغييب وزير الخارجية الطيب البكوش عن زيارات رئيس الدولة التونسي إلى كل من أميركا وألمانيا وإيطاليا.
ولم تقف الأمور عند هذا الحد؛ إذ انخرط عدد من رموز «المال السياسي» في تونس وليبيا على الخط، مثل شفيق جراية المقرب من الباجي قائد السبسي وحزبه وصديق زعيم حزب الوطن الليبي ورجل الأعمال عبد الحكيم بالحاج، وأعلنوا معارضتهم قرار الخارجية التونسية «إعلان القطيعة» مع حكومة طرابلس ومع «فجر ليبيا» والأطراف السياسية القريبة منهما.

* «المال السياسي» على الخط
* ولم تنته «المزايدات» بين أنصار القطيعة مع «فجر ليبيا» وخصومها هنا، بل إن مجموعة من رجال الأعمال والسياسيين والإعلاميين المقربين من شفيق جراية وحلفائه في «فجر ليبيا» تنقلوا إلى طرابلس بعد قرار «القطيعة». في المقابل، فإن الطيب البكوش وزير الخارجية عقد مؤتمرا صحافيا اتهم فيه «أطرافا تونسية» - لم يسمها - بعرقلة عملية الإفراج عن الدبلوماسيين المختطفين وبإجراء اتصالات مع قيادات في «فجر ليبيا» ودعوتها إلى عدم تسليم الرهائن قبل تسلم «الزعيم وليد القليب» الموقوف بناء على أمر من القضاء التونسي. وقد اضطرت تونس لتسليمه لحكومة طرابلس فعلا. وفسر وزير الخارجية التونسي الخطوة بأنها جاءت «لأن وليد القليب سيحاكم في ليبيا أيضا بتهم أخرى موجهة إليه».

* محاولة لتسريع النسق
* وفي الوقت الذي تشــــــهد فيه محافظات الجنوب والوسط التونسي منذ مــــــدة اضطرابات اجتماعية في علاقـــــــــــــة بانقطاع موارد الرزق لمئــــــات آلاف التونسيين الذين يعتمدون منذ عقود على المبادلات والشــــــــراكة مع ليبيــــــــــــا، تسعى قيادات الأوساط الليبية المواليـــــــة لحكومة طبرق وللعقيـــــــد الليبي الراحل معمر القذافي وتكتــــــل «القبـــــائل الليبية» وجيش خليفة حفتر، من تونس إلى تســــــــــريع نسق «الحسم» من الجانب التونسي ضد مقاتلي «فجر ليبيــــــــا» الذين يتهمونهم بالإرهاب والتطرف وخدمة أجندة الجماعات المســــــــلحة القريبة من «داعش» و«القاعدة».
في هذا السياق، كثف مبعوثو وسائل الإعلام القريبة من حكومة طبرق من تونس دعايتهم ضد «الإرهابيين من (فجر ليبيا)».
وفي السياق نفسه أيضا، انخرط عدد من الساسة التونسيين في حملة مساندة لقرار وزير الخارجية التونسية «القطيعة» مع حكومة «فجر ليبيا».
ووصفت بدرة قعلول رئيسة مركز الدراسات الاستراتيجية الأمنية والعسكرية، حكومة طرابلس وتنظيم «فجر ليبي» بالميليشيات «الإرهابية»، واتهمتها بـ«دعم الإرهاب والتنظيمات الإرهابية في تونس وفي كامل المنطقة العربية وفي بلدان الساحل والصحراء الأفريقية بدءا من مالي ونيجيريا وتشاد والنيجر».
تغيير في موازين القوى
ويراهن كثير من خصوم التيارات الإسلامية في تونس وليبيا على أن تؤدي «خطوة سحب كل الدبلوماسيين التونسيين من طرابلس» مع مطالبة العمال التونسيين في ليبيا بالعودة، إلى التعجيل بـ«الحسم عسكريا» من قبل قيادات الجيش الليبي الموالي لخليفة حفتر والميليشيات القريبة منه مع «مجرمي عصابات (فجر ليبيا)» وحلفائها.
كما يعد بعض الخبراء الأمنيين مثل نصر بن سلطانة وبدرة قعلول، أن «محاصرة حكومة طرابلس رهينة موقف تونس باعتبار تونس باتت موطن نحو ثلث الشعب الليبي وهي المتنفس الرئيسي للليبيين». كما يعتبرون أن انتصار «الليبراليين والعلمانيين» في ليبيا ضد الجماعات المسلحة «القريبة من الإخوان المسلمين» سيزيد من إضعاف الإسلاميين التونسيين وقد يتسبب في إخراجهم من الحكم ومن البرلمان في تونس أيضا أو على الأقل في تغيير موازين القوى لصالح خصومهم.

* تطورات ميدانية
* في المقابل، يعد بعض الخبراء - مثل الجامعي زهير بن علي - أن قرار الخارجية التونسية «اتخذ منذ مدة على خلفية التقارير التي تشير إلى تقدم الجيش الليبي الموالي لخليفة حفتر وحلفائه في المناطق الغربية لليبيا بعد أكثر من عام من هيمنة (فجر ليبيا) عليها».
لكن وزير الدفاع التونسي فرحات الحرشاني الذي أدى بعد قرار غلق القنصلية والسفارة زيارات تفقد للحدود التونسية الليبية، أكد على حياد تونس وعلى «جاهزية الجيش التونسي لحماية الأراضي التونسية».
وقد تأكد تعزيز الحدود البرية التونسية - الليبية بقوات من الجيش التونسي في الجنوب وإغلاق بعض المنافذ البرية، وهو ما عدّه البعض مؤشرا على وجود نيات في تونس «لمحاصرة عناصر (فجر ليبيا) بالتزامن مع بدء تغير الواقع السياسي والعسكري في طرابلس والمحافظات الغربية لليبيا».

* حملات ضد البكوش ومرزوق
* وعلى الرغم من الصبغة الدولية للحرب الليبية، فإن «المعارك» تنفجر بين السياسيين التونسيين في أعقاب كل توتر مع أحد الأطراف السياسية والأمنية والاقتصادية الفاعلة في ليبيا.
ولعل من أغرب وأخطر هذه المعارك السياسية استفحال الخلاف داخل الفريق الحاكم في قصري قرطاج والقصبة من جهة، وداخل حزب نداء تونس الذي أسسه الرئيس الباجي قائد السبسي مع نخبة من المقربين منه من بينهم وزير الخارجية الطيب البكوش - نائب رئيس الحزب حاليا - ومحسن مرزوق الأمين العام الجديد للحزب والمدير السابق للحملة الانتخابية لقائد السبسي.
وإذا كان لهذه الأزمة جوانب حزبية داخلية، فإن بعض السياسيين والنشطاء، مثل إسكندر الرقيق الأمين العام السابق لحزب السلام والتنمية، تهجموا بقوة بالمناسبة على البكوش ومحسن مرزوق وعلى رموز الدولة. وانتقد إسكندر الرقيق ظاهرة تهميش وزير الخارجية الطيب البكوش خلال الزيارات الدولية لرئيس الجمهورية مقابل تكليف مرزوق بـ«مهام مكوكية بين واشنطن وموسكو وبرلين».. بما يوحي بأن مرزوق ليس أمينا عاما لحزب سياسي، بل وزير الخارجية الحقيقي لتونس، بينما أصبح الطيب البكوش يعامل كأنه «وزير خارجية موزمبيق».

* صمت «القصور»
* ولئن أخذت هذه الزوبعة السياسية الإعلامية مجددا أبعادا خطيرة في تونس وليبيا، فإنها ليست الأولى، وقد سبق أن أثارت تصريحات حول علاقة تونس بحكومتي طرابلس وطبرق انتقادات بالجملة في تونس وخارجها خاصة لما انخرط فيها رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي الذي دعم موقف وزيره الطيب البكوش في ما يتعلق بـ«التزام الحياد» بين الأطراف الليبية المتصارعة داخل ليبيا وبـ«التعامل مع الأمر الواقع كما هو، إي إحداث قنصليتين؛ واحدة في طرابلس، والثانية في طبرق المقر المؤقت للحكومة المعترف بها دوليا».
وقد تسببت مواقف الرئيس التونسي ووزيره للخارجية وقتها في انتقادات عنيفة وجهها له الناطق الرسمي باسم حكومة طبرق ولوح فيها بالاعتراف بحكومتين في تونس «إحداها في قصر قرطاج، والثانية في جبل الشعانبي» على الحدود الجزائرية حيث تتركب العصابات الإرهابية من حين لآخر هجمات إرهابية على قوات الجيش والأمن التونسيين.
وقد دعم الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي وقتها وزيره للخارجية بعد أن قوبلت بعض تصريحات البكوش بــ«تحفظات» بعض السفراء العرب؛ بينهم السفير المصري لدى تونس أيمن مشرفة الذي أعلن في لقاء عقده وزير الخارجية مع الدبلوماسيين بحضور الصحافيين، تحفظاته على «قرار حكومة تونس التعامل مع حكومة طرابلس غير المعترف بها دوليا خلافا للقرار الدولي الذي نص على الاعتراف بشرعية برلمان طبرق (1700 كلم شرقي طرابلس) وحكومته وسحب الاعتراف من سلطات طرابلس».
وتساءل الجامعي عبد اللطيف الحناشي قائلا: «في الوقت الذي قدرت فيه غالبية صناع القرار في العالم (هدوء الانتقال السياسي) في تونس رغم الاضطرابات الأمنية الخطيرة في بقية دول الربيع العربي، فإن التساؤلات كثرت عن (خفايا) استفحال (التناقضات) في المواقف السياسية للرسميين التونسيين بما في ذلك في المجال الدبلوماسي».

* الأزمة ستدوم 20 عاما
* في الأثناء حذر عسكريون وأمنيون تونسيون من مخاطر «الغرق في الوحل الليبي» ومن التورط في مزيد من المعارك الجانبية في تونس بسبب حرب تجري خارج الأراضي التونسية ولا ينبغي أن يجر التونسيون إليها.
وحذر رئيس أركان الجيوش التونسية سابقا محمد سعيد الكاتب من مضاعفات الملف الأمني السياسي الليبي على تونس. وأضاف قائلا في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «بصفة عامة ودون الخوض في تفاصيل المسائل التقنية واللوجستية، فإني أعتقد أن هشاشة الوضع الأمني في تونس مرتبطة بعوامل داخلية وأخرى إقليمية ودولية، وهي مرتبطة عضويا بتطوّرات الأزمة الليبية التي قد تستمر إلى ما بين العشرين والثلاثين سنة المقبلة. وبالنظر لطبيعة هذه الأزمة جغرافيا، فإنها ستتسبب في تهديدات خطيرة عسكريا وأمنيا بالنسبة لتونس وإقليميا».

* فشل الثورات العربية
* إلا أن المدير العام السابق للأمن العسكري وللقمارق التونسية أمير اللواء محمد المؤدب، يربط بين الأزمات الأمنية المستفحلة في ليبيا وتونس و«فشل جلّ ما كان يعتقد أنها (ثورات) عربيّة». فقد كانت نتيجة «الثورات» أن اكتسحت الدول المعنيّة موجات عنف ونزاعات داخليّة غذّتها، خاصة، التدخّلات الأجنبيّة المباشرة والإرهاب، ممّا عصف بكلّ أنظمة الحكم فيها، و«أصبحت تلك الدول مهدّدة بصفة مباشرة لا في حدودها الخارجيّة فحسب؛ بل في كيانها وفي وجودها؛ ليبيا، واليمن، وسوريا، والعراق.. و قد لا تكون تلك القائمة نهائيّة».
وحذر المدير العام السابق للأمن العسكري والديوانة محمد المؤدب من اتّساع رقعة انتشار «الفكر التكفيري» في تونس وليبيا وفي المنطقة العربيّة ومنطقة الساحل والصحراء الأفريقية.
واعتبر محمد المؤدب في حواره مع «الشرق الأوسط» أنّ الأمر بالنسبة لتونس لا يقف عند ذلك الحدّ من التهديدات الخارجيّة، «بل تفاقم وسيتفاقم جرّاء تردّي الوضع العام بليبيا المجاورة التي تشهد منذ 2011 أزمة سياسيّة خانقة، وانهيارا كلّيا لمؤسّسات الدولة، ونزاعات داخليّة مسلّحة بين جهات لا تحصى ذات مرجعيّات متنافرة، وتمركز نواة مواليّة لـ(داعش) في سرت ودرنة، وسيطرة ميليشيات ما يسمّى (فجر ليبيا) على العاصمة طرابلس وعلى جلّ المناطق الليبيّة الغربيّة، أي المجاورة لبلادنا، وتدخّلات عسكريّة أجنبيّة مباشرة على الأراضي الليبيّة وفي مجالها البحري، واستعدادات لعمليّات عسكريّة أجنبيّة قادمة تتأكد يوما بعد يوم.. (فجر ليبيا)، الجار الحالي لتونس، هو أحد أهمّ الأطراف المتنازعة بجدّية على السلطة في ليبيا، خلفيّاته وتوجّهاته الفكريّة قد لا تجعل منه الجار الأمين والسّند القوي لتونس ومتعاونا للمصلحة المشتركة للشعبين. من الصعب اعتبار اقتحام المقرّ الرسمي للقنصلية التونسيّة في طرابلس من طرف مسلّحين واختطاف دبلوماسيّين تونسيين لتبادلهم بموقوف ليبي لدى القضاء التونسي، إشارة أو مبادرة تبشّر بعلاقــات تتجاوز احترام الأعراف الدوليّة لترقى لعلاقات بين إخوة وأشقّاء وأصهار».
تستفحل الأزمة في ليبيا وتتعقد مضاعفاتها داخليا وخارجيا، وتبقى تونس التي تحتضن مليوني مواطن ليبي، حسب الرئيس الباجي قائد السبسي، الأكثر عرضة لمزيد من المعارك السياسية الهامشية بسبب حروب ليبيــــــــــــا.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.