الشركات العائلية في الخليج في ميزان التحديات المحلية والخارجية

حجم استثماراتها يتجاوز 3 تريليونات دولار

الشركات العائلية في الخليج في ميزان التحديات المحلية والخارجية
TT

الشركات العائلية في الخليج في ميزان التحديات المحلية والخارجية

الشركات العائلية في الخليج في ميزان التحديات المحلية والخارجية

يبدو أن الشركات العائلية في منطقة الخليج العربي، التي تستحوذ - بحسب آخر الإحصاءات - على رؤوس أموال قرابة ثلاثة تريليونات دولار، تواجه جملة من التحديات التي تعوقها عن الاستمرار في السنوات المقبلة، الأمر الذي دفع هذه الشركات إلى عقد اجتماع موسع في نهاية مارس (آذار) لعدد من الرؤساء التنفيذيين وأصحاب القرار، لبحث هذه المشكلات وإيجاد الحلول لها، خاصة أنها أجبرت في وقت سابق شركات على الخروج من السوق المحلية.
ومن أبرز تلك المشكلات، كما يراها اقتصاديون، أمور إدارية، وأخرى في التمويل، إلى جانب المنافسة الداخلية والخارجية، خاصة بعد انفتاح المنطقة على الأسواق العالمية، إضافة إلى صعوبة نقل الملكية بعد وفاة مؤسس الشركة للأبناء، وذلك لعدم وجود الاستراتيجية الواضحة، مما أشعل الخلاف بين الورثة حول الإدارة والصلاحيات.
وشهدت السوق السعودية خروج عدد من الشركات العائلية من المنافسة أو تفكك الشركة (تحتفظ الجريدة بأسماء هذه الشركات)، بسبب الخلافات الأسرية وعدم الاتفاق على الصلاحيات التي تخوّل الإدارة باتخاذ قرار منفرد وتحديدا في الجوانب المالية التي تكون حكرا على الإدارة ولا يطلع عليها أفراد الأسرة، مع عدم وجود خطط واضحة لتوظيف أبناء الأسرة في الشركة، مع تقليص فرص النجاح في إيجاد دماء جديدة تسيّر الأعمال.
وبحسب اقتصاديين فإن الخروج من جملة المشكلات التي تواجه الشركات العائلية غير القادرة على مواجهة التحديات يتمثل في التحول إلى شركات مساهمة عامة، للخروج من نفق الانغلاق في هذا الجانب، خاصة أن هناك دعما قويا من الجهات المعنية في السعودية ودول الخليج للحفاظ على هذه الكيانات، خصوصا أن الشركات التي تحولت للمساهمة نجحت في الخروج من الأزمات ورفعت قيمتها السوقية، كما انتهت مشكلات الملكية والتمويل الإدارية من خلال توفير الخبرات الإدارية التي تتولى وضع هيكل إداري واضح للشركة.
وقال الدكتور عبد الله مرعي بن محفوظ، عضو مجلس الغرف السعودية، وأحد الفاعلين في الشركات العائلية «إن الجهات المعنية في السعودية تعمل للحفاظ على استثمارات الشركات العائلية التي تقدر بنحو 1.2 تريليون دولار، من خلال نقاط عدة تساعد في الحفاظ على هذه الثروات التي تشكل قرابة 15 في المائة من الناتج المحلي». وتابع أن «هذه النقاط تتمثل في ما ذهبت إليه وزارة التجارة وهيئة سوق المال، من مساعدة هذه الكيانات الكبيرة للتحول إلى شركات مساهمة عامة وتدرج في السوق، فيما تتمثل المرحلة الثانية بسرعة حوكمة الشركات، من خلال وضع نموذج تتمكن فيه الأغلبية بالشركة من وضع استراتيجيتها»، لافتا إلى أن وزارة التجارة تعمل منذ خمس سنوات على نظام الشركات الجديد، الذي من المتوقع أن يصدر قريبا، وهذا النظام سيسهل من عملية دخول الشركاء، ومن خلاله توزع المهام ويفصل مجلس الإدارة عن الإدارة التنفيذية.
وأضاف ابن محفوظ أن الفترة المقبلة هي الحاسمة، وذلك بعد أن صدر قرار إنشاء محكمة استشارية مختصة، ووزارة التجارة ألزمت كل المحاسبين القانونيين بإيداع صورة من ميزانية الشركات والمؤسسات لدى وزارة التجارة عبر البوابة الإلكترونية، إضافة إلى أن وزارة التجارة بدأت تطلع على محاضر الشركات المساهمة المغلقة غير المدرجة في سوق المال، فيما تعرض هيئة سوق خدماتها على الشركات المغلقة من خلال تصدير الأسهم، على أن تجرى عملية التداول وفق الأنظمة المعمول بها في البلاد.
وأشار ابن محفوظ إلى أن عدد الشركات التي تحولت لهذه الضوابط لضمان استمراريتها لا يشكل 10 في المائة، الأمر الذي دفع بوزارة التجارة للتحرك في هذا الجانب، وإلزام الشركات لتطبيق هذا التوجه، وهذا التحول سيساعد الشركات في التحرر من القيود وإمكانية الحصول على القروض والتمويل بشروط أسهل عما كانت عليه عندما كانت شركات عائلية مغلقة.
من جانبه، قال دانيال فليمينغ، مستشار الثروات في الشرق الأوسط «إن التحديات التي تواجه الشركات العائلية في منطقة الخليج تكمن في عملية الخلافة، فعلى الرغم من رغبة المزيد من العائلات للتخطيط للخلافة في أعمالها، فإن حجم تلك الخطط ليس كافيا مقارنة بعدد الشركات العائلية في المنطقة». وأضاف أن «العديد من الشركات أسست أقساما لخلافة الشركات العائلية، ويوجد عدد من المستقلين المتخصصين تحديدا في عملية خلافة الشركات العائلية، بالإضافة إلى عدد قليل من الشركات الاستشارية الإقليمية الناشطة في هذا المجال». وأشار إلى أن الحاجة ما زالت قائمة وملحة لمزيد من الشركات المتخصصة في هذا المجال التي تفهم بوضوح المنطقة وتقاليدها العائلية وثقافتها، لافتا إلى أن الشركات العائلية القديمة التي تمتعت تقليديا منذ زمن طويل بتدفق حر للأموال إلى جيوبها بناء على اسمها العريق، قد تبدأ بالشعور بمزيد من الضغوط والمزيد من المنافسة.
وأشار دانيال إلى أن تحسن الاقتصاد نتيجة ارتفاع أسعار النفط خلال السنوات القليلة الماضية أدى إلى إنفاق الحكومات مبالغ ضخمة على مشروعات البنية التحتية، مما أدى إلى ملء خزائن معظم الشركات والشركات العائلية في الخليج، ولم تكن مسألة تعرضها للمنافسة قائمة بشدة عندها، بسبب توافر الأموال الكافية التي تنفق حولها، موضحا أن بعض الشركات بدأت إجراءات شد الحزام نتيجة لانخفاض أسعار النفط، وهذا يعطي العديد من الشركات العائلية الجديدة فرصة إثبات ذاتها وتقديم أفضل ما عندها.
وأوضح دانيال أن السؤال الدائم في جميع الشركات العائلة هو: من الذي سيخلف ويدير الأعمال في جميع أنحاء العالم؟ والفارق الكبير الذي أراه هنا بين الشركات العائلية في المنطقة هو الارتباط العاطفي للعائلة مع تجارتها وأعمالها، فبينما تميل العائلات خارج المنطقة أكثر لبيع أعمالها، أو طرح أسهمها في البورصة، فإن معظم الشركات العائلية في المنطقة العربية في إدارة الجيل الثاني اليوم، وما زالت تحمل اسم العائلة، وتعني أعمالها لها المحافظة على مكانتها واحترامها في مجتمعاتها، ولهذا فإن نقل أعمال الشركات العائلية إلى الأجيال المقبلة يمثل عملية ذات حساسية أكبر بالنسبة لها.
وتوقع دانيال استمرار نمو الشركات العائلية لتصبح أكبر، وهي اليوم تتحدث بشكل صحيح وتطرح الأسئلة المناسبة، بينما يأخذ كثير منها الخطوات الصحيحة، حتى وإن كانت خطوات «صغيرة»، نحو التخطيط بذكاء للخلافة، والاتجاه السائد فيها أن جيلي إدارتها الثاني والثالث أصبحا أكثر تعليما، وهو يضع الأطر الصحيحة لأعمالها التجارية العائلية، مضيفا أن هناك مزيدا من إعادة هيكلة بعض التكتلات، مع عمليات بيع لوحدات الأعمال غير الأساسية للأسر الأخرى التي تستطيع تشغيلها على نحو أفضل. وللحد من خروج الشركات العائلية يجتمع في دبي العديد من الشخصيات لوضع استراتيجية واضحة لإنقاذ استثمارات خليجية تتجاوز ثلاثة تريليونات دولار أميركي، يشكل حجم الشركات العائلية السعودية ما مقداره 1.2 تريليون تحت عنوان «ابتكار وإبداع تقوده القيم»، الذي يعول عليه في إيجاد صيغة واضحة تسير عليها الشركات بهدف الاستمرارية.
وفي هذا السياق، قالت الدكتورة نوف الغامدي، المديرة العامة ومؤسسة المجموعة الاستشارية بجدة ومستشارة التخطيط الإداري للشركات العائلية وتأهيل المديرين على البورد الأميركي «إن اجتماع الشركات العائلية المزمع عقده في دبي يستهدف ملاك الشركات العائلية من الجيل الثاني والثالث والرابع، والمستشارين المتخصصين من السيدات ورجال الأعمال والقضاة والمحامين، وذلك لمناقشة أبرز المشكلات وآلية حلها». وأضافت الغامدي أن «الجلسات ستناقش ديناميكية أنظمة الشركات العائلية ومنصة الابتكار واستمراريتها، كذلك المستجدات القانونية من منظور دوافع البقاء في الشركات العائلية واستمراريتها، مع أهمية الوقف العائلي في استدامة الشركات العائلية، مع استعراض التجارب والممارسات الناجحة للشركات العائلية والعائلات التجارية العربية والخليجية وتحليل هذه التجارب، إضافة إلى ورش العمل التطبيقية على هذه الممارسات».
ولفتت الغامدي إلى أن الشركات العائلية تلعب دورا مهما في الاقتصاد الخليجي بصفة خاصة والاقتصاد العربي بصفة عامة، يتمثل في النهوض بالأجيال لمواكبة التغييرات الاقتصادية والحفاظ على هوية الشركات العائلية واستدامتها واستمرارها والحفاظ على رأس المال العائلي والتركيز على محاكاة الواقع ومواجهة المستقبل في تحدي البقاء والاستمرار للشركات العائلية، موضحة أن الشركات العائلية في دول مجلس التعاون الخليجي خصوصا في السعودية تبحث عن حلول لمواجهة التحديات الجديدة ونقل الإدارة للأجيال المستقبلية.
وشدت الغامدي على أن المرأة تتمتع بفرص كبرى لتولي القيادة في الشركات العائلية، إذ تشير الدراسات إلى أن حجم السيولة المالية التي تملكها النساء في المملكة بلغ 19 مليار دولار من إجمالي الثروات الشخصية المودعة لدى البنوك والمصارف العاملة في السعودية، كما أن النساء يسيطرن على ما نسبته 20 في المائة من رأس المال في الصناديق المشتركة السعودية، ويمتلكن 33 في المائة من مؤسسات الوساطة المالية، و40 في المائة من الشركات العائلية.
واستطردت الغامدي أن النساء السعوديات يتحكمن بما يقارب 210 مليارات دولار من الثروات المنقولة وغير المنقولة من عقارات وأسهم وسندات وثروات أخرى، في حين أن عدد النساء اللاتي يدرن أصولهن، وحساباتهن المالية، يبلغ ما نسبته 80 في المائة، بينما 10 في المائة تدار ثرواتهن عبر وكلاء، ويقدر حجم الثروة النسائية السائلة للسعوديات بمجموع ما تملكه النساء مجتمعات في دول الخليج.



البديوي: تحديات المنطقة اختبار حقيقي لقدرة «الخليج» على حماية المكتسبات

الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
TT

البديوي: تحديات المنطقة اختبار حقيقي لقدرة «الخليج» على حماية المكتسبات

الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)
الأمين العام جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع وزراء التجارة الخليجيين الخميس (مجلس التعاون)

أكد جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، أن ما تشهده المنطقة من تحديات متصاعدة لم يعد مجرد ظرف عابر، بل يمثل اختباراً حقيقياً لقدرة دول المجلس على حماية مكتسباتها، وضمان استمرارية قطاعاتها الحيوية بكفاءة وثبات.

وشدَّد البديوي، خلال الاجتماع الـ70 للجنة الخليجية للتعاون التجاري عبر الاتصال المرئي، الخميس، على مواصلة دول المجلس بعزم وثبات تعزيز التكامل الاقتصادي، في إطار السعي الحثيث نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية الخليجية، وترسيخ مكانتها مركزاً عالمياً رائداً في المجالات الاقتصادية والتنموية.

وأوضح الأمين العام أن «الاجتماع ينعقد في مرحلة دقيقة أعقبت الاعتداءات الإيرانية السافرة التي استهدفت دول الخليج»، منوهاً بأنها «تفرض الانتقال من مستوى التنسيق التقليدي إلى مستوى أعلى من التكامل العملي والاستجابة الفاعلة».

ولفت البديوي إلى أن بناء اقتصاد قوي ومستدام لا يتحقق إلا من خلال التعاون المشترك والتكامل الموحد بين دول الخليج التي تواصل التصدي للتحديات الاقتصادية العالمية، والعمل بكل جدية لتسريع تنفيذ المشاريع التنموية.

من الاجتماع الـ70 للجنة الخليجية للتعاون التجاري عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وأبان الأمين العام أن دول الخليج تسعى بشكل حثيث لتحقيق رؤى وأهداف قادتها في تعزيز التعاون والتكامل الاقتصادي بشكل عام، والتجاري بشكل خاص، من خلال تذليل العقبات وزيادة التبادل التجاري بينها، وتعمل على تحسين تدفق السلع والخدمات نحو تحقيق الوحدة الاقتصادية المنشودة.

وأفاد البديوي بأن الناتج المحلي الإجمالي حقّق بالأسعار الجارية لدول الخليج نحو 2.4 تريليون دولار أميركي في عام 2025؛ ليحتل المرتبة العاشرة عالمياً من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي، مضيفاً أن حجم التجارة البينية بينها والمقاسة بلغ بإجمالي الصادرات السلعية البينية في عام 2024 أكثر من 146 مليار دولار، بنسبة نموٍّ سنوي بلغت 9.8 في المائة، و«هو ما يؤكد تنامي قوة التبادل التجاري الخليجي واتساع نطاقه».

من جانب آخر، أكد الأمين العام أهمية العمل لتذليل جميع المعوقات، وتقريب وجهات النظر في الجوانب المتعلقة باتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج والمملكة المتحدة؛ تمهيداً للتوقيع عليها خلال الفترة القريبة المقبلة، بما يسهم في تحقيق المصالح المشتركة والرؤية الموحدة لنمو اقتصادي مستدام ومزدهر.

جانب من اجتماع وزراء التجارة بدول الخليج وبريطانيا عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وأوضح البديوي أن الاجتماع المشترك المهم بين مجلس التعاون والمملكة المتحدة، عبر الاتصال المرئي، الخميس، «يعكس الالتزام المشترك بتعزيز التعاون الاقتصادي، ويُجسِّد عمق ومتانة العلاقات التاريخية الراسخة التي تربط بين منطقتينا»، مشيراً إلى أن شراكتهما واصلت نموها من حيث القوة والنطاق.

وأشار إلى التقدم الكبير المحرز في مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة، وقال البديوي إنه يأتي «نتيجةً للتواصل الجاد والبنّاء، ورغم ما تحقق من إنجازات كبيرة»، مضيفاً أن «العمل جارٍ للمضي قدماً نحو اتفاقية تُحقّق المنفعة المتبادلة، وتوفر فرصاً اقتصادية ملموسة تعزز الشراكة الاستراتيجية».

إلى ذلك، أكد الأمين العام أن التعاون الصناعي بين دول الخليج حقق تقدماً ملحوظاً، تمثل في تعزيز التكامل، وتطوير السياسات والاستراتيجيات المشتركة، ودعم سلاسل الإمداد، فضلاً عن توحيد المواصفات القياسية وتشجيع الاستثمارات الصناعية؛ بما يسهم في تنويع الاقتصادات الخليجية ورفع تنافسيتها إقليمياً ودولياً.

عُقِد الاجتماع الـ56 للجنة التعاون الصناعي بدول الخليج عبر الاتصال المرئي الخميس (مجلس التعاون)

وقال البديوي، خلال الاجتماع الـ56 للجنة التعاون الصناعي الخليجية، عبر الاتصال المرئي، الخميس، إن «للجنة دوراً محورياً في تعزيز العمل الخليجي المشترك، من خلال تنسيق السياسات الصناعية بين دول المجلس، وتوحيد الجهود بما يدعم تحقيق التكامل الصناعي المنشود».

وأضاف أن اللجنة «تسهم في تعزيز المكانة الدولية للقطاع الصناعي الخليجي عبر قدرته التنافسية، وفتح آفاق أوسع للتعاون والشراكات العالمية؛ بما يعكس الإمكانات المتنامية لدول المجلس، ويعزز حضورها الفاعل في الاقتصاد الصناعي العالمي».

وفي السياق ذاته، أشار الأمين العام إلى ترحيب المجلس الأعلى بدورته السادسة والأربعين، ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بمقترح عقد منتدى ومعرض «صُنع في الخليج»، خلال شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل؛ بهدف إبراز القدرات الصناعية المتميزة في دول الخليج، وتعزيز التكامل الصناعي.


لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
TT

لاغارد: الحرب ترفع أسعار الطاقة وتضغط على التضخم والمعنويات الاقتصادية

كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)
كريستين لاغارد خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماع مجلس البنك المركزي الأوروبي (د.ب.أ)

قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إن مجلس الإدارة قرر اليوم الإبقاء على أسعار الفائدة الرئيسية الثلاثة دون تغيير. وأوضحت أن البيانات الواردة جاءت متوافقة إلى حد كبير مع التقييم السابق لتوقعات التضخم، غير أن مخاطر ارتفاع التضخم وتراجع النمو قد تصاعدت. وأكدت التزام البنك بتوجيه السياسة النقدية بما يضمن استقرار التضخم عند هدفه البالغ 2 في المائة على المدى المتوسط.

وأضافت: «لقد أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، مما دفع التضخم إلى الارتفاع وألقى بظلاله على المعنويات الاقتصادية. وتعتمد تداعيات هذه الحرب على التضخم متوسط الأجل والنشاط الاقتصادي على شدة ومدة صدمة أسعار الطاقة وحجم آثارها غير المباشرة والثانوية. وكلما طال أمد الحرب واستمرت أسعار الطاقة مرتفعة، ازداد التأثير المحتمل على التضخم الأوسع والاقتصاد ككل».

وتابعت: «نحن في موقع جيد لإدارة حالة عدم اليقين الحالية. فقد دخلت منطقة اليورو هذه المرحلة من ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم وهي قريبة من هدفنا البالغ 2 في المائة، كما أظهر الاقتصاد مرونة خلال الفصول الأخيرة. ولا تزال توقعات التضخم طويلة الأجل مستقرة نسبياً، رغم أن التوقعات قصيرة الأجل ارتفعت بشكل ملحوظ».

وقالت لاغارد: «سنواصل متابعة الوضع من كثب، وسنتبع نهجاً يعتمد على البيانات ومن اجتماع لآخر لتحديد الموقف المناسب للسياسة النقدية. وستستند قرارات أسعار الفائدة إلى تقييمنا لتوقعات التضخم والمخاطر المحيطة بها، في ضوء البيانات الاقتصادية والمالية الواردة، إضافة إلى ديناميكيات التضخم الأساسي وقوة انتقال السياسة النقدية. ونحن لا نلتزم مسبقاً بمسار محدد لأسعار الفائدة».

النشاط الاقتصادي

أظهر اقتصاد منطقة اليورو بعض الزخم قبل الاضطرابات الحالية، إذ نما الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 0.1 في المائة في الربع الأول من 2026، مدعوماً بالطلب المحلي ومرونة سوق العمل، وفق تقديرات «يوروستات». إلا أن التوقعات لا تزال شديدة عدم اليقين، وترتبط أساساً بمدة الحرب في الشرق الأوسط، وتأثيرها على الطاقة وسلاسل الإمداد.

وتشير البيانات إلى أن الصراع بدأ يضغط على النشاط الاقتصادي، مع تباطؤ النمو وتراجع ثقة المستهلكين والشركات، وظهور ضغوط على سلاسل التوريد. ومن المتوقع أن تستمر تكاليف الطاقة المرتفعة في الضغط على الدخل والاستهلاك والاستثمار، رغم بقاء البطالة منخفضة نسبياً ودعم بعض القطاعات عبر الإنفاق العام والاستثمار.

وفي هذا السياق، شددت لاغارد على ضرورة تعزيز اقتصاد منطقة اليورو مع الحفاظ على متانة المالية العامة، مؤكدة أن الاستجابات لصدمات الطاقة يجب أن تكون مؤقتة ومحددة الهدف.

التضخم

ارتفع التضخم إلى 3 في المائة في أبريل (نيسان) مقابل 2.6 في المائة في مارس (آذار) و1.9 في المائة في فبراير (شباط)، مدفوعاً أساساً بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، حيث قفز تضخم الطاقة إلى 10.9 في المائة. في المقابل، تراجع التضخم الأساسي قليلاً إلى 2.2 في المائة، مع استقرار نسبي في المؤشرات الأساسية وتوقعات بتراجع ضغوط الأجور خلال 2026، بينما تبقى التوقعات طويلة الأجل قريبة من هدف 2 في المائة. ومن المتوقع أن تُبقي أسعار الطاقة التضخم مرتفعاً في المدى القريب، مع ازدياد مخاطر انتقال آثارها إلى الأسعار والأجور إذا استمر ارتفاعها.

تقييم المخاطر

قالت لاغارد إن مخاطر النمو تميل إلى الجانب السلبي، في ظل استمرار الحرب في الشرق الأوسط وما تسببه من ضغوط إضافية على الاقتصاد العالمي، إلى جانب حالة عدم الاستقرار في البيئة الاقتصادية الدولية. كما أن استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة قد يؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار، مع احتمال تفاقم هذه الضغوط في حال إغلاق طرق شحن رئيسية أو تدهور الأسواق المالية أو تصاعد التوترات التجارية والأزمات الجيوسياسية، ولا سيما الحرب في أوكرانيا.


ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
TT

ارتفاع مؤشر التضخم المفضل لـ«الفيدرالي» في مارس مع صعود أسعار الطاقة

مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)
مواطنة تتسوق بسوبرماركت في مانهاتن بمدينة نيويورك (رويترز)

ارتفع مؤشر التضخم الرئيسي في الولايات المتحدة، خلال مارس (آذار) الماضي، إلى أعلى مستوى له منذ نحو ثلاث سنوات، مدفوعاً بارتفاع حادّ في أسعار البنزين، في إشارة جديدة إلى أن الحرب الإيرانية بدأت تضغط على تكلفة المعيشة، وتؤخر أي توجه نحو خفض أسعار الفائدة من قِبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي.

وأفادت وزارة التجارة، يوم الخميس، بأن مؤشر الأسعار الذي يراقبه «الاحتياطي الفيدرالي» ارتفع بنسبة 0.7 في المائة خلال مارس، مقارنة بشهر فبراير (شباط)، مسجلاً تسارعاً ملحوظاً عن الشهر السابق. وعلى أساس سنوي، صعدت الأسعار بنسبة 3.5 في المائة، وهي أكبر زيادة منذ قرابة ثلاث سنوات، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

أما التضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة، فقد ارتفع بنسبة 0.3 في المائة على أساس شهري، وبنسبة 3.2 في المائة على أساس سنوي، متجاوزاً قراءة فبراير البالغة 3 في المائة.

ويعكس هذا التسارع ابتعاد التضخم مجدداً عن هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة، ما يدعم توجه البنك المركزي للإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير، بعد سلسلة تخفيضات العام الماضي، في ظل استخدام السياسة النقدية لمواجهة ضغوط الأسعار.

وأظهر التقرير أن أسعار البنزين قفزت بنحو 21 في المائة، خلال مارس، مقارنة بالشهر السابق، وهو ما شكّل المحرك الأساسي لارتفاع التضخم.

ورغم ذلك، يُولي «الاحتياطي الفيدرالي» اهتماماً أكبر بمؤشرات التضخم الأساسي، إذ يُعد مدى انتقال صدمة أسعار الطاقة إلى باقي مكونات الأسعار عاملاً حاسماً في تحديد مسار السياسة النقدية المقبلة.

وقال رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، في مؤتمر صحافي: «ندرك تماماً أن ارتفاع أسعار البنزين يضغط على المستهلكين في مختلف أنحاء البلاد، وهذا يؤثر عليهم سلباً».

في السياق نفسه، أظهر التقرير ارتفاع الإنفاق الاستهلاكي بنسبة 0.9 في المائة خلال مارس، مدفوعاً جزئياً بارتفاع الأسعار، لكنه أشار أيضاً إلى زيادة في الإنفاق الحقيقي بعد احتساب التضخم، ما يعكس استمرار مرونة المستهلك الأميركي، رغم الضغوط المتزايدة.