تأملات في الحضارة الغربية ومفهوم التقدم

طفرات معرفية وانقلابات وجودية لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية

فريدريك رينوار
فريدريك رينوار
TT

تأملات في الحضارة الغربية ومفهوم التقدم

فريدريك رينوار
فريدريك رينوار

تحدثت فيما مضى أكثر من مرة عن نواقص الحضارة الغربية وانحرافاتها. ولكن يقتضي الحق والإنصاف أن أتحدث أيضا عن إنجازاتها الكبرى وإيجابياتها. وهذا ما سأفعله الآن لكي نشكل صورة متوازنة عن هذه الحضارة ثم لكي نتعرف عليها من مختلف جوانبها. بالطبع فهذا المقال ليس إلا نقطة صغيرة في بحر موضوع واسع يتطلب مجلدات.. وقد اعتمدت أساسا على كتاب المفكر الفرنسي المحترم فريدريك لونوار «علاج العالم». فأنا شخص مستعين بغيره كما يقول المعري ولا تنزل علي الأفكار وحيا من السماء.
ينبغي العلم بأن الغرب شهد منذ قرنين، أي منذ عصر التنوير الكبير، طفرات معرفية وانقلابات وجودية لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية. وكل ذلك ناتج عن الثورة الصناعية والتكنولوجية والطبية والفلسفية الخ.. ثم ازدادت هذه الانقلابات تسارعا في العقود الأخيرة بفضل الثورة الصناعية الثالثة: أي ثورة المعلوماتية التي وصلت العالم كله ببعضه البعض في عصر العولمة الشمولية. وهي ثورة غير مسبوقة في تاريخ البشرية. وهكذا تحول العالم إلى قرية صغيرة على حد تعبير عالم الاجتماع الكندي مارشال ماكلوهان. أول هذه الانقلابات التي حصلت في عصر الحداثة يتمثل في نهاية العالم الريفي القديم وحلول العالم العمراني الحضري الجديد. لتوضيح ذلك بشكل دقيق نضرب المثل التالي وبالأرقام. في عام 1800 كان 3 في المائة من البشر يعيشون في المدن. وكانوا مشكلين من النخب السياسية والثقافية والدينية والاجتماعية: أي من طبقة الأغنياء أو علية القوم كما يقال. هذا بالإضافة إلى التجار والحرفيين الذين يتحلقون حولهم ويخدمونهم. أما الأغلبية الساحقة من الشعب الفرنسي فكانت تعيش في الأرياف. وهؤلاء هم الذين كانوا ينتجون الأرزاق لإطعام أغنياء المدن بالدرجة الأولى. أما هم فكانوا يعيشون على الكفاف عموما. ومعظمهم كان يولد ويعيش طيلة عمره ويموت في نفس القرية أو نفس المنطقة. ثم تسارعت حركة العمران في نهاية القرن الثامن عشر وطيلة القرن التاسع عشر على وجه الخصوص. وقد حصل ذلك بفضل الثورة الصناعية التي ظهرت أولا في انجلترا قبل أن تنتقل إلى ألمانيا ثم إلى الولايات المتحدة لاحقا.
وفي عام 1900 أي في بداية القرن العشرين أصبحت نسبة السكان الغربيين الذين يعيشون في المدن 15 في المائة. وأما في عام 1950 فقد ازدادت النسبة لكي تبلغ 30 في المائة. والآن أصبح سكان المدن في البلاد الغربية المتقدمة يزيد على التسعين في المائة! وهذه الحركة العمرانية راحت تشمل دول الجنوب المتخلفة أيضا وإن بشكل متأخر عن أوروبا. على أي حال يقدر الخبراء أنه بعد 10 سنوات فقط من الآن فإن معظم سكان العالم سيكونون عائشين في المدن لا في الأرياف على عكس الماضي. وقد رافق ذلك تقدم تكنولوجي متصاعد. فالآلة البخارية اخترعت عام 1805. وفي عام 1825 اخترعت القطارات وسكك الحديد بغية نقل الأشخاص والبضائع بدلا من الحمير والبغال والأحصنة. وعندئذ قلق بعض المعارضين لحركة التقدم وقالوا للناس بأن التنقل من منطقة إلى أخرى بسرعة تزيد على الخمسين كيلومترا في الساعة قد يجعل الإنسان مجنونا! فماذا لو أنهم عاشوا وشهدوا السرعة الحالية للقطارات والسيارات ناهيك عن الطائرات؟ سرعة القطار في أوروبا الآن تبلغ 365 كيلومترا في الساعة. وسرعة الطائرة تبلغ 900 كيلومتر. أما طائرة الكونكورد فكانت تزيد على الألفي كيلومتر في الساعة! وهكذا اختصر الزمن وقلصت المسافات كما قلنا. ولو أن أجدادنا خرجوا من قبورهم ورأوا كل هذا التقدم لما صدقوا أعينهم ولربما جن جنونهم.

* إلغاء الزمن والمسافات
* ومع الثورة المعلوماتية الحديثة وبخاصة الإنترنيت ألغي الزمن والمسافات إلغاء. ففي ثانية واحدة أو نقرة واحدة على الإنترنيت تستطيع أن تتواصل مع زوايا العالم الأربع. وأحيانا لا يحتاج أساتذة الجامعات إلى السفر للمشاركة في المؤتمرات العلمية. فمن باريس مثلا يستطيعون تقديم مداخلة فلسفية في مؤتمر منعقد في بكين وذلك عن طريق الإنترنيت بالصوت والصورة. وهكذا تشارك في المؤتمرات العالمية وأنت جالس في بيتك أو مكتبك. هل نعلم أن تضاعف سرعة نقل المعلومات تزايدت بنسبة 10 ملايين مرة منذ بداية القرن العشرين؟ من يصدق ذلك؟ هذا جنون. ولكن هذه هي الحقيقة. من يتذكر التلغراف الآن؟ بل حتى التليكس أو الفاكس الذي كنا نستخدمه قبل بضع سنوات فقط نسيناه تماما وأصبح في ذمة الماضي. كنا ننتظر حتى نرسل النص إلى الجريدة صفحة بعد صفحة وأحيانا ينفد صبرنا. وأما الآن فبنقرة واحدة عن طريق الإيميل نستطيع أن نرسل نصوصنا إلى أقاصي الأرض. أليس هذا تقدما؟ ألا ينبغي نحمد الله على أننا عشنا حتى نشهد كل هذا التقدم الصاروخي المذهل؟
ينبغي الاعتراف بأن التقدم الصناعي التكنولوجي الطبي أحدث أيضا ثورة في حياتنا وصحتنا وعمرنا. هل نعلم بأن متوسط عمر الإنسان الأوروبي عام 1740 أي أواسط القرن الثامن عشر كان 25 سنة فقط؟ وكان الإنسان يعتبر شيخا معمرا إذا ما وصل إلى الأربعين. أما الآن فقد أصبح متوسط العمر في الدول المتقدمة الراقية 80 عاما أو يزيد. ولكنه في الدول النامية لا يزيد على الخمسة وستين عاما لأن المشافي ليس متوافرة بشكل جيد هناك والتغذية ليست متوازنة الخ. ومع ذلك فقد حصل تقدم حتى في بلدان الجنوب قياسا إلى السابق. ونظرا لتحسن أحوال البشر المعاشية والصحية فقد تزايد عدد سكان الأرض بشكل كبير. فعدد سكان الكرة الأرضية يتجاوز الآن السبعة مليارات شخص. ولكن هل نعلم كم كان عددهم في بداية القرن الثامن عشر؟ 650 مليون شخص فقط! بل وحتى في بداية القرن العشرين ما كان عدد سكان الأرض يتجاوز المليار ونصف المليار شخص. والسبب هو أن تقدم الطب والنظافة العامة أدى إلى تخفيض نسبة وفيات الأطفال بشكل كبير. ولهذا السبب فإن عدد البشرية كان عام 2000 6 مليارات شخص. ثم زاد بعد 10 سنوات فقط مليار شخص!أما فيما يخص ثورة الاتصالات والمعلوماتية التي ذكرناها فتقول الإحصاءات بأن ملياري شخص في العالم يستخدمون الإنترنت حاليا. وهو رقم مرشح للتصاعد. صحيح أن نسبتهم كبيرة جدا في بلدان الشمال الغنية المتقدمة ولكنهم موجودون أيضا في بلدان الجنوب. الجميع يستفيدون من هذه الثورة المعلوماتية وإن بدرجات متفاوتة. ويوجد 5 مليارات شخص يمتلكون الهاتف النقال. وأما «فيسبوك» فيساهم فيه ما لا يقل عن ستمائة مليون شخص. فعلى صفحاته يتبادلون المعلومات ويتناقشون ويتعارضون ويختلفون ويتفقون. ومعلوم الدور الكبير الذي لعبه في انتفاضات الربيع العربي.

* عولمة الديمقراطية وحقوق الإنسان
* ولكن هذه الطفرة الكونية الكبيرة ليست مرتبطة فقط بالتقدم التكنولوجي وإنما أيضا بالانتشار العالمي للقيم السياسية الغربية الحديثة. ونقصد بها أساسا حقوق الإنسان والديمقراطية والمساواة في المواطنة بين مختلف فئات السكان. وبالطبع فإن الثورة المعلوماتية الحديثة تساهم في تسريع انتشار هذه الأفكار الرائدة في شتى أنحاء العالم: أي خارج نطاق الغرب الأوروبي - الأميركي. ينبغي العلم أنه في العصور السابقة ما كانوا يهتمون بحقوق كل الناس أو كل أبناء الشعب. وحدهم الأغنياء والطبقات العليا الراقية كانت لهم حقوق إنسانية. أما البقية الباقية - أي أغلبية الشعب - فكانت كما مهملا لا يستحق الاهتمام. ويبدو أن المسيرة الطويلة لحقوق الإنسان ابتدأت في الولايات المتحدة الأميركية. والمقصود هنا بالإنسان كل البشر وليس فقط الأغنياء أو علية القوم. المقصود ليس فقط البيض وإنما السود أيضا، ليس فقط المتدينين وإنما غير المتدينين أيضا. فإعلان الاستقلال الأميركي قال بأن البشر جميعا خلقوا متساوين. وبعد ذلك بعشر سنوات أو أكثر قليلا اندلعت الثورة الفرنسية وأصدرت الإعلان الشهير لحقوق الإنسان والمواطن في شهر أغسطس (آب) من عام 1789. فهل كانت متأثرة بإعلان الاستقلال الأميركي أم فقط بالفلسفة الإنسانية لعصر الأنوار.المناقشة مفتوحة. ولكن لا يتوهمن أحد أن مجرد إصدار هذين الإعلانين الشهيرين أدى إلى نهاية الرق والتمييز العنصري أو الطائفي بين البشر. فهذا الإنجاز تطلب مسيرة طويلة عريضة محفوفة بالمخاطر والتراجعات. كلما تقدمنا خطوتين إلى الأمام رجعنا خطوة إلى الخلف. ولكن حصل تقدم لا ينكر. والدليل أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت الإعلان الكوني لحقوق الإنسان عام 1948. والآن ما عادت أي دولة تجرؤ على القول بأنها مضادة لحقوق الإنسان حتى ولو لم تكن تطبقها عمليا.من الناحية النظرية لا أحد يعترض عليها. لا أحد يقول بأنه ضد حقوق الإنسان.. وهذا بحد ذاته يعتبر تقدما. والآن في أصغر قرية في أعماق أفريقيا أو آسيا أو العالم العربي الإسلامي أصبح الناس يعرفون أن لهم حقوقا إنسانية ينبغي أن تحترم. وبالتالي فلم يعد الحكام قادرين على إغلاق بلادهم والاستفراد بشعوبهم كما كانوا يفعلون في السابق طيلة قرون وقرون. أصبح ذلك أمرا مستحيلا اليوم وخاصة في عصر الإنترنت والفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعي. أصبح العالم كله تحت المجهر وأي طاغية يريد ذبح شعبه سيجد العالم كله يندد به. أليس هذا تقدما هائلا بالقياس إلى الماضي؟ وبالتالي فلا نهدف إطلاقا إلى التقليل من أهمية التقدم الذي حققته الحضارة الغربية منذ قرنين وحتى اليوم. يكفي أن نفكر ولو للحظة في مجال الطب. فبفضله طال عمر الإنسان كما ذكرنا آنفا. فبفضل الطب والصيدلة والأدوية أصبحنا نعيش عمرا طويلا وبصحة جيدة. وهذا تقدم هائل لا يقدر بثمن. والبشرية كلها كانت لفترة قريبة عالة على الطب الغربي والصيدلة الغربية. ومعلوم أن معظم الأدوية التي تشفينا هي من صنع المختبرات والشركات الغربية. ومعلوم أيضا أن قادة العالم العربي وأغنياءه يفضلون أن يتعالجوا في المشافي الأوروبية أو الأميركية عموما.
وبالتالي فلا نهدف إلى شتم التقدم أو نكران أفضاله على البشرية التي تنعم بثماره. ولكن المشكلة هي أن هذا التقدم زاد عن حده حتى انقلب إلى ضده مؤخرا. يضاف إلى ذلك أنه انحرف عن السكة الصحيحة أحيانا بعد أن فقدت الحداثة وهجها الأول وإشعاعها الأمثل. ثم بالأخص بعد أن فقدت قيمتها الإنسانية والأخلاقية التي لا حضارة على وجه الأرض من دونها. ولكن لهذه قصة أخرى وحديث يطول.



العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

نيتشه
نيتشه
TT

العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

نيتشه
نيتشه

كان حضور العرب في كتابات الفلاسفة الألمان متفاوتاً جداً، ويتراوح بين الإعجاب الحضاري، والنظرة الاستشراقية، والاستعمال الرمزي لخدمة فكرة فلسفية عندهم. هيغل أحياناً يجعل العرب أو الإسلام رمزاً لمرحلة تاريخية تمثل «وحدة الروح» أو الانفجار الروحي للتوحيد، أكثر من كونه يدرس المجتمعات العربية نفسها بتفاصيلها الواقعية. والرومانسيون الألمان استخدموا العربي رمزاً للفروسية والصحراء والحرية والشاعرية الشرقية، لا بوصفه إنساناً تاريخياً فعلياً.

لم يكن العرب موضوعاً مركزياً دائماً، بل ظهروا غالباً داخل سياقات أوسع تتعلق بالدين، والتاريخ، والروح، والحضارة، وعلاقة الشرق بالغرب. ومع ذلك، فإن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن دائماً سلبية، بل نجد لدى بعض كبار الألمان قدراً واضحاً من الإعجاب بالحضارة العربية والإسلامية، بل إن بعضهم رأى فيها تفوقاً أخلاقياً أو روحياً على أوروبا نفسها.

هيغل

عند هيغل، يظهر العرب ضمن فلسفة التاريخ بوصفهم لحظة تاريخية كبرى مرتبطة بالإسلام. كان يرى أن الإسلام حمل فكرة التوحيد الكوني بصورة جذرية، وأنه حرّر الروح من الوثنيات المحلية والقَبلية؛ ولذلك نسب للعرب دوراً تاريخياً عظيماً في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا. وكان يعدّ ظهور الإسلام انفجاراً تاريخياً هائلاً وحّد قبائل متفرقة داخل رؤية كونية واحدة. حتى بعض الشروح الحديثة لفلسفة هيغل ترى أنه نظر إلى النبي محمد بوصفه الشخصية التي استطاعت توحيد العرب عبر قوة الفكرة والإيمان. ويعرض هيغل ظهور الإسلام بوصفه لحظة تاريخية نجحت في توحيد العرب تحت مبدأ روحي واحد.

لكن موقف هيغل ظل مزدوجاً، فقد أعجب بالقوة الروحية والحضارية للإسلام، ومع ذلك عدّ المرحلة العربية الإسلامية مرحلة انتقالية لم تصل، حسب منطقه الديالكتيكي، إلى الدولة العقلانية الحديثة التي رأى تحققها في أوروبا الجرمانية. ولهذا؛ يُتهم أحياناً بأنه استخدم الإسلام داخل سردية أوروبية تجعل أوروبا نهاية التاريخ.

أما فريدريش نيتشه، فكان أكثر جرأة في مديح العرب والمسلمين. لقد رأى في الحضارة الإسلامية بالأندلس مثالاً على القوة والحيوية والرقي، وهاجم المسيحية الأوروبية؛ لأنها دمّرت تلك الحضارة. وفي كتابه «المسيح الدجال» امتدح المسلمين لأنهم، في رأيه، حافظوا على روح القوة والكرامة والحياة، في حين كانت الكنيسة الأوروبية تميل إلى الزهد وقمع الغرائز. وقد كتب نيتشه بإعجاب واضح عن الأندلس الإسلامية، عادَّاً أن أوروبا خسرت كثيراً بسقوطها.

ومن الطريف أن نيتشه لم يمدح العرب فقط حضارياً، بل أخلاقياً أيضاً؛ إذ رأى أن الإسلام يحرّض على وجود رجال أقوياء وأصحاب إرادة، في حين رأى في المسيحية، كما فهمها، ديناً يميل إلى تمجيد الضعف. ولهذا؛ نجد عنده مقارنة حادة بين «الفروسية» الإسلامية وبين ما عدَّه انحلالاً أوروبياً. حتى إنه استخدم مثال الحمّامات العامة في الأندلس ليقول إن الحضارة الإسلامية كانت أنظف وأكثر تحضراً من أوروبا المسيحية في بعض العصور.

غوته

أما غوته، فهو ربما الشخصية الألمانية الكبرى الأكثر انفتاحاً على العرب والإسلام. لم يكن إعجابه سطحياً، بل وصل إلى حد التفاعل الروحي والأدبي العميق. فقد تأثر بالقرآن وبالشعر العربي والفارسي، وكتب «الديوان الشرقي للشاعر الغربي» متأثراً بحافظ الشيرازي والروح الإسلامية عموماً. وتشير دراسات عدّة إلى أن غوته كان يرى الشرق جزءاً ضرورياً من اكتمال نضج الإنسانية، بل إن بعض الباحثين نقلوا عنه فكرة أن الغرب لا يكتمل دون شرقه.

وتكشف الدراسات الحديثة عن إعجاب غوته بالقرآن نفسه؛ إذ وصف أسلوبه بأنه «مهيب وعظيم وسامٍ». كما كان يرى في الإسلام بعداً روحياً عميقاً افتقدته أوروبا الحديثة. بل إن بعض نصوصه دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأنه كان متعاطفاً بقوة مع الإسلام، حتى إنه كتب عبارة شهيرة مفادها أن الجميع «يعيشون ويموتون في سلطان الإسلام». ولم يقتصر اهتمام غوته على الإسلام بصفته ديناً، بل امتد إلى الأدب العربي نفسه. فبعض الدراسات تؤكد أن اهتمامه بالعرب امتد إلى الأدب العربي القديم والثقافة العربية عامة.

نسب هيغل للعرب دوراً تاريخياً عظيماً في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا

أما شوبنهاور فلم يكتب كثيراً عن العرب مباشرة، لكنه تأثر بالحكمة الشرقية عموماً، خصوصاً الهندية والفارسية، وكان يرى في الأديان الشرقية عمقاً ميتافيزيقياً تفتقر إليه الحداثة الأوروبية.

كانط

وعند كانط نجد موقفاً أكثر تحفظاً. فقد كان مهتماً أساساً بالعقل والأخلاق والمعرفة، لا بالحضارات بوصفها موضوعاً مستقلاً. ومع ذلك كتب أحياناً عن العرب ضمن حديثه عن الشعوب والأديان. واعترف بقوة الإسلام التاريخية وقدرته على توحيد الشعوب وتحريكها، لكنه بقي أسير التصنيفات الأوروبية في القرن الثامن عشر، حيث كانت الشعوب تُرتّب ضمن هرم حضاري أوروبي المركز. وتحدث عن الحرملك العثماني في بعض كتاباته الأنثروبولوجية والجغرافية، خصوصاً حين كان يتحدث عن عادات الأتراك والعلاقات بين الجنسين في الشرق. لكنه لم يتحدث عنه بوصفه دراسة تاريخية مستقلة، بل استخدمه غالباً مثالاً على ما كان يسميه الأوروبيون آنذاك «الاستبداد الشرقي» أو على اختلاف البنية الاجتماعية والأخلاقية بين الشرق وأوروبا. وكان يرى أن عزل النساء داخل الحرملك وكثرة الجواري يعكسان، في نظره، غياب العلاقة الأخلاقية المتساوية بين الرجل والمرأة كما تصورها الفكر الأوروبي التنويري.

هذا ما كُتب في التاريخ، أما الفلسفة الألمانية الحديثة فقد بدأت تظهر فيها مراجعات للتمركز الأوروبي، خصوصاً بعد نقد الاستشراق والاستعمار، وأصبح هناك اهتمام أكبر بالدور العربي الإسلامي في تكوين الحضارة الأوروبية نفسها. وهكذا، يمكن القول إن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن صورة واحدة، بل تراوحت بين الإعجاب الروحي والحضاري العميق، والنقد أو الاختزال أو التهميش، لكنها في جميع الأحوال تكشف عن أن العرب كانوا حاضرين في الوعي الألماني بوصفهم قوة تاريخية وثقافية لا يمكن تجاهلها.

* كاتب سعودي


«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة
TT

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

سيدة ثرثارة تتظاهر بالرفعة والمكانة وتفتعل أناقة القول وكرم الغاية وهي الصفات التي تتميز بها طبقة المجتمع الأرستقراطي، مع أنها في الواقع امرأة غليظة المشاعر، نفعية منافقة، تخدع نفسها بالمظاهر كما تخدع سواها، رغبةً منها في أن تُخفي حقيقة جوهرها كامرأة أوتيت حب المال بشراهة والرغبة في فعل أي شىء للحصول عليه.

تلك هى الدوقة ديبون ديفور التي تعد من أبرز الشخصيات الرئيسية في مسرحية «المسافر بلا متاع» للكاتب الفرنسي جان آنوى، ترجمة وتقديم الناقد والمترجم المصري البارز الدكتور أنور لوقا (1927 - 2003)، والتي صدرت أخيراً منها طبعة جديدة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن سلسلة «روائع المسرح العالمي».

تتكشف حقيقة السيدة ديفور حين نعرف أنها لم تصطحب الفتى جاستون، الذي فقد ذاكرته في أثناء الحرب العاليمة الثانية من أسرة إلى أسرة، لمجرد إعادته إلى أحضان أهله رحمةً به ورحمةً بهم، بل للمطالبة بمكافأة تتمناها نظير عنايتها المزعومة به في السنوات الأخيرة.

ولذلك يرافقها مستشار قانوني وكَّلته بمصالح جاستون، ورفضت دون نقاش احتمال أن يكون جاستون ابن بائعة ألبان أو عامل كهربائي بسيط ممن تعرفوا على صورته والتمسوا أن يقابلوه، وأصرت على أن تأتي به إلى «آل رينو» أصحاب هذه الدار الكبيرة المليئة بالأثاث الفاخر والخدم والحشم.

أما جاستون فلا يتعرف من «آل رينو» على أحد ولا تذكِّره أنحاء الدار بأي شيء. عبثاً يتصفح وجوه الحاضرين الذين أسرعوا للقائه بلهفة المشتاقين وهم أمه وأخوه وزوجة أخيه، وعبثاً يطوف في أركان المنزل والحديقة، فالجميع هنا من سادة وخدم يؤكدون أنه جاك رينو بعينه، لا سبيل إلى الشك في شخصيته، وها هم يحاولون دون جدوى أن يقنعوه بأنه واحد منهم.

وحسب أنور لوقا، استوحى جان آنوى فكرة العمل من مسرحية «سيغفريد» للكاتب الفرنسي جان جيردو، وجعل بطله جاستون هو الآخر فاقداً للذاكرة، ولكن سيغفريد وإن كان ضحية نفس المرض نفسه، إلا أنه طراز آخر من الرجال، فهو زعيم ممتاز ولامع، غزير الثقافة، في حين أن جاستون يسقط، كشخصيات آنوى عادةً، في أوحال واقع ملوث بالنفاق والأكاذيب.

وقفز اسم جان آنوى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى صدارة المشهد الأول بين كتّاب المسرح الفرنسي المعاصر بسبب براعته في المزج بين الكوميديا والتراجيديا، مع تقديم شخصيات شديدة الحنين إلى عالم النقاء والبراءة والحق والخير، شديدة السخط على أوضاع الواقع آنذاك القائمة على الإثم والرذيلة.

وُلد جان آنوى في مدينة بوردو بفرنسا في 23 يونيو (حزيران) سنة 1910 وهو ينتمي إلى عائلة متواضعة، إذ كان أبوه خياطاً وكانت أمه تشتغل بعزف الكمنجة، ولهذه النشأة يرجع دون شكٍّ ميله إلى تصوير الفقر ووطأته على نفوس الفقراء في عدد من مسرحياته. التحق بعد ذلك بكلية الحقوق إلا أنه اضطر إلى أن يتركها بعد عام ونصف عام ليكسب عيشه بالعمل في إحدى دور الإعلان.

وفي «المسافر بلا متاع» تتجلى براعة الصياغة المسرحية لدى آنوى، كما تؤدي وحدة الموضوع والمكان والزمان إلى تركيزشديد ينتج عنه عمق التأثير، فهو لا يقسم مادته هنا إلى الفصول ولا يعتمد المشاهد التقليدية بل إلى لوحات طويلة أو قصيرة، متأثراً ببعض أساليب السينما، إلا أنه احتفظ بروح المسرح على نحو أخَّاذ.


«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،