تأملات في الحضارة الغربية ومفهوم التقدم

طفرات معرفية وانقلابات وجودية لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية

فريدريك رينوار
فريدريك رينوار
TT

تأملات في الحضارة الغربية ومفهوم التقدم

فريدريك رينوار
فريدريك رينوار

تحدثت فيما مضى أكثر من مرة عن نواقص الحضارة الغربية وانحرافاتها. ولكن يقتضي الحق والإنصاف أن أتحدث أيضا عن إنجازاتها الكبرى وإيجابياتها. وهذا ما سأفعله الآن لكي نشكل صورة متوازنة عن هذه الحضارة ثم لكي نتعرف عليها من مختلف جوانبها. بالطبع فهذا المقال ليس إلا نقطة صغيرة في بحر موضوع واسع يتطلب مجلدات.. وقد اعتمدت أساسا على كتاب المفكر الفرنسي المحترم فريدريك لونوار «علاج العالم». فأنا شخص مستعين بغيره كما يقول المعري ولا تنزل علي الأفكار وحيا من السماء.
ينبغي العلم بأن الغرب شهد منذ قرنين، أي منذ عصر التنوير الكبير، طفرات معرفية وانقلابات وجودية لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية. وكل ذلك ناتج عن الثورة الصناعية والتكنولوجية والطبية والفلسفية الخ.. ثم ازدادت هذه الانقلابات تسارعا في العقود الأخيرة بفضل الثورة الصناعية الثالثة: أي ثورة المعلوماتية التي وصلت العالم كله ببعضه البعض في عصر العولمة الشمولية. وهي ثورة غير مسبوقة في تاريخ البشرية. وهكذا تحول العالم إلى قرية صغيرة على حد تعبير عالم الاجتماع الكندي مارشال ماكلوهان. أول هذه الانقلابات التي حصلت في عصر الحداثة يتمثل في نهاية العالم الريفي القديم وحلول العالم العمراني الحضري الجديد. لتوضيح ذلك بشكل دقيق نضرب المثل التالي وبالأرقام. في عام 1800 كان 3 في المائة من البشر يعيشون في المدن. وكانوا مشكلين من النخب السياسية والثقافية والدينية والاجتماعية: أي من طبقة الأغنياء أو علية القوم كما يقال. هذا بالإضافة إلى التجار والحرفيين الذين يتحلقون حولهم ويخدمونهم. أما الأغلبية الساحقة من الشعب الفرنسي فكانت تعيش في الأرياف. وهؤلاء هم الذين كانوا ينتجون الأرزاق لإطعام أغنياء المدن بالدرجة الأولى. أما هم فكانوا يعيشون على الكفاف عموما. ومعظمهم كان يولد ويعيش طيلة عمره ويموت في نفس القرية أو نفس المنطقة. ثم تسارعت حركة العمران في نهاية القرن الثامن عشر وطيلة القرن التاسع عشر على وجه الخصوص. وقد حصل ذلك بفضل الثورة الصناعية التي ظهرت أولا في انجلترا قبل أن تنتقل إلى ألمانيا ثم إلى الولايات المتحدة لاحقا.
وفي عام 1900 أي في بداية القرن العشرين أصبحت نسبة السكان الغربيين الذين يعيشون في المدن 15 في المائة. وأما في عام 1950 فقد ازدادت النسبة لكي تبلغ 30 في المائة. والآن أصبح سكان المدن في البلاد الغربية المتقدمة يزيد على التسعين في المائة! وهذه الحركة العمرانية راحت تشمل دول الجنوب المتخلفة أيضا وإن بشكل متأخر عن أوروبا. على أي حال يقدر الخبراء أنه بعد 10 سنوات فقط من الآن فإن معظم سكان العالم سيكونون عائشين في المدن لا في الأرياف على عكس الماضي. وقد رافق ذلك تقدم تكنولوجي متصاعد. فالآلة البخارية اخترعت عام 1805. وفي عام 1825 اخترعت القطارات وسكك الحديد بغية نقل الأشخاص والبضائع بدلا من الحمير والبغال والأحصنة. وعندئذ قلق بعض المعارضين لحركة التقدم وقالوا للناس بأن التنقل من منطقة إلى أخرى بسرعة تزيد على الخمسين كيلومترا في الساعة قد يجعل الإنسان مجنونا! فماذا لو أنهم عاشوا وشهدوا السرعة الحالية للقطارات والسيارات ناهيك عن الطائرات؟ سرعة القطار في أوروبا الآن تبلغ 365 كيلومترا في الساعة. وسرعة الطائرة تبلغ 900 كيلومتر. أما طائرة الكونكورد فكانت تزيد على الألفي كيلومتر في الساعة! وهكذا اختصر الزمن وقلصت المسافات كما قلنا. ولو أن أجدادنا خرجوا من قبورهم ورأوا كل هذا التقدم لما صدقوا أعينهم ولربما جن جنونهم.

* إلغاء الزمن والمسافات
* ومع الثورة المعلوماتية الحديثة وبخاصة الإنترنيت ألغي الزمن والمسافات إلغاء. ففي ثانية واحدة أو نقرة واحدة على الإنترنيت تستطيع أن تتواصل مع زوايا العالم الأربع. وأحيانا لا يحتاج أساتذة الجامعات إلى السفر للمشاركة في المؤتمرات العلمية. فمن باريس مثلا يستطيعون تقديم مداخلة فلسفية في مؤتمر منعقد في بكين وذلك عن طريق الإنترنيت بالصوت والصورة. وهكذا تشارك في المؤتمرات العالمية وأنت جالس في بيتك أو مكتبك. هل نعلم أن تضاعف سرعة نقل المعلومات تزايدت بنسبة 10 ملايين مرة منذ بداية القرن العشرين؟ من يصدق ذلك؟ هذا جنون. ولكن هذه هي الحقيقة. من يتذكر التلغراف الآن؟ بل حتى التليكس أو الفاكس الذي كنا نستخدمه قبل بضع سنوات فقط نسيناه تماما وأصبح في ذمة الماضي. كنا ننتظر حتى نرسل النص إلى الجريدة صفحة بعد صفحة وأحيانا ينفد صبرنا. وأما الآن فبنقرة واحدة عن طريق الإيميل نستطيع أن نرسل نصوصنا إلى أقاصي الأرض. أليس هذا تقدما؟ ألا ينبغي نحمد الله على أننا عشنا حتى نشهد كل هذا التقدم الصاروخي المذهل؟
ينبغي الاعتراف بأن التقدم الصناعي التكنولوجي الطبي أحدث أيضا ثورة في حياتنا وصحتنا وعمرنا. هل نعلم بأن متوسط عمر الإنسان الأوروبي عام 1740 أي أواسط القرن الثامن عشر كان 25 سنة فقط؟ وكان الإنسان يعتبر شيخا معمرا إذا ما وصل إلى الأربعين. أما الآن فقد أصبح متوسط العمر في الدول المتقدمة الراقية 80 عاما أو يزيد. ولكنه في الدول النامية لا يزيد على الخمسة وستين عاما لأن المشافي ليس متوافرة بشكل جيد هناك والتغذية ليست متوازنة الخ. ومع ذلك فقد حصل تقدم حتى في بلدان الجنوب قياسا إلى السابق. ونظرا لتحسن أحوال البشر المعاشية والصحية فقد تزايد عدد سكان الأرض بشكل كبير. فعدد سكان الكرة الأرضية يتجاوز الآن السبعة مليارات شخص. ولكن هل نعلم كم كان عددهم في بداية القرن الثامن عشر؟ 650 مليون شخص فقط! بل وحتى في بداية القرن العشرين ما كان عدد سكان الأرض يتجاوز المليار ونصف المليار شخص. والسبب هو أن تقدم الطب والنظافة العامة أدى إلى تخفيض نسبة وفيات الأطفال بشكل كبير. ولهذا السبب فإن عدد البشرية كان عام 2000 6 مليارات شخص. ثم زاد بعد 10 سنوات فقط مليار شخص!أما فيما يخص ثورة الاتصالات والمعلوماتية التي ذكرناها فتقول الإحصاءات بأن ملياري شخص في العالم يستخدمون الإنترنت حاليا. وهو رقم مرشح للتصاعد. صحيح أن نسبتهم كبيرة جدا في بلدان الشمال الغنية المتقدمة ولكنهم موجودون أيضا في بلدان الجنوب. الجميع يستفيدون من هذه الثورة المعلوماتية وإن بدرجات متفاوتة. ويوجد 5 مليارات شخص يمتلكون الهاتف النقال. وأما «فيسبوك» فيساهم فيه ما لا يقل عن ستمائة مليون شخص. فعلى صفحاته يتبادلون المعلومات ويتناقشون ويتعارضون ويختلفون ويتفقون. ومعلوم الدور الكبير الذي لعبه في انتفاضات الربيع العربي.

* عولمة الديمقراطية وحقوق الإنسان
* ولكن هذه الطفرة الكونية الكبيرة ليست مرتبطة فقط بالتقدم التكنولوجي وإنما أيضا بالانتشار العالمي للقيم السياسية الغربية الحديثة. ونقصد بها أساسا حقوق الإنسان والديمقراطية والمساواة في المواطنة بين مختلف فئات السكان. وبالطبع فإن الثورة المعلوماتية الحديثة تساهم في تسريع انتشار هذه الأفكار الرائدة في شتى أنحاء العالم: أي خارج نطاق الغرب الأوروبي - الأميركي. ينبغي العلم أنه في العصور السابقة ما كانوا يهتمون بحقوق كل الناس أو كل أبناء الشعب. وحدهم الأغنياء والطبقات العليا الراقية كانت لهم حقوق إنسانية. أما البقية الباقية - أي أغلبية الشعب - فكانت كما مهملا لا يستحق الاهتمام. ويبدو أن المسيرة الطويلة لحقوق الإنسان ابتدأت في الولايات المتحدة الأميركية. والمقصود هنا بالإنسان كل البشر وليس فقط الأغنياء أو علية القوم. المقصود ليس فقط البيض وإنما السود أيضا، ليس فقط المتدينين وإنما غير المتدينين أيضا. فإعلان الاستقلال الأميركي قال بأن البشر جميعا خلقوا متساوين. وبعد ذلك بعشر سنوات أو أكثر قليلا اندلعت الثورة الفرنسية وأصدرت الإعلان الشهير لحقوق الإنسان والمواطن في شهر أغسطس (آب) من عام 1789. فهل كانت متأثرة بإعلان الاستقلال الأميركي أم فقط بالفلسفة الإنسانية لعصر الأنوار.المناقشة مفتوحة. ولكن لا يتوهمن أحد أن مجرد إصدار هذين الإعلانين الشهيرين أدى إلى نهاية الرق والتمييز العنصري أو الطائفي بين البشر. فهذا الإنجاز تطلب مسيرة طويلة عريضة محفوفة بالمخاطر والتراجعات. كلما تقدمنا خطوتين إلى الأمام رجعنا خطوة إلى الخلف. ولكن حصل تقدم لا ينكر. والدليل أن الجمعية العامة للأمم المتحدة أصدرت الإعلان الكوني لحقوق الإنسان عام 1948. والآن ما عادت أي دولة تجرؤ على القول بأنها مضادة لحقوق الإنسان حتى ولو لم تكن تطبقها عمليا.من الناحية النظرية لا أحد يعترض عليها. لا أحد يقول بأنه ضد حقوق الإنسان.. وهذا بحد ذاته يعتبر تقدما. والآن في أصغر قرية في أعماق أفريقيا أو آسيا أو العالم العربي الإسلامي أصبح الناس يعرفون أن لهم حقوقا إنسانية ينبغي أن تحترم. وبالتالي فلم يعد الحكام قادرين على إغلاق بلادهم والاستفراد بشعوبهم كما كانوا يفعلون في السابق طيلة قرون وقرون. أصبح ذلك أمرا مستحيلا اليوم وخاصة في عصر الإنترنت والفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعي. أصبح العالم كله تحت المجهر وأي طاغية يريد ذبح شعبه سيجد العالم كله يندد به. أليس هذا تقدما هائلا بالقياس إلى الماضي؟ وبالتالي فلا نهدف إطلاقا إلى التقليل من أهمية التقدم الذي حققته الحضارة الغربية منذ قرنين وحتى اليوم. يكفي أن نفكر ولو للحظة في مجال الطب. فبفضله طال عمر الإنسان كما ذكرنا آنفا. فبفضل الطب والصيدلة والأدوية أصبحنا نعيش عمرا طويلا وبصحة جيدة. وهذا تقدم هائل لا يقدر بثمن. والبشرية كلها كانت لفترة قريبة عالة على الطب الغربي والصيدلة الغربية. ومعلوم أن معظم الأدوية التي تشفينا هي من صنع المختبرات والشركات الغربية. ومعلوم أيضا أن قادة العالم العربي وأغنياءه يفضلون أن يتعالجوا في المشافي الأوروبية أو الأميركية عموما.
وبالتالي فلا نهدف إلى شتم التقدم أو نكران أفضاله على البشرية التي تنعم بثماره. ولكن المشكلة هي أن هذا التقدم زاد عن حده حتى انقلب إلى ضده مؤخرا. يضاف إلى ذلك أنه انحرف عن السكة الصحيحة أحيانا بعد أن فقدت الحداثة وهجها الأول وإشعاعها الأمثل. ثم بالأخص بعد أن فقدت قيمتها الإنسانية والأخلاقية التي لا حضارة على وجه الأرض من دونها. ولكن لهذه قصة أخرى وحديث يطول.



حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل
TT

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل.

هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى في كتابها «العروسة في الفن والحياة»، الصادر أخيراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي»، لافتة إلى أن الدُمى كانت توضع في حقب زمنية سابقة في قبور الأطفال الصغار، وكأنها تبعد عنهم الوحشة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية.

تشير المؤلفة إلى أن «العروسة» هي تشكيل نحتي يُصنع على هيئة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مختلفة لأغراض اللعب أو لأغراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة.

ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعله يحاول تقريب صور الطبيعة لكي تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقاداً بأنه يستطيع أن يقترب منها أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، كذلك عرائس منحوتة كتمائم وآلهة صُنعت من القش والعظم وعرائس لأغراض الخصوبة والإنجاب.

نجد أيضاً أن الإنسان الأول صنع تشكيلات من خامات البيئة المحلية مثل الطين والبوص والأخشاب في محاولة لتجسيد الآباء الراحلين الأعزاء على نحو يجعله قادراً على أن يتواصل معهم ويحدثهم بما يجول في خاطره. حتى في الطقوس السحرية والإيذاء، كانت صناعة دمية على شكل العدو أمراً شائعاً في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الدمى نوعاً من التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونمو العقل لدى الأطفال، فالظروف البيئية في العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حولها طائفة من العقائد والطقوس القديمة.

حرف وصناعات

تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قيام مجموعة من الحرف والصناعات والفنون لنجد أن الطقوس الدينية أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضماناً لارتقاء تلك الحرف والصناعات.

عُثر على العديد من نماذج الدمى في العصور الأولى المبكرة للحضارة المصرية القديمة، لا سيما في كل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخامات وأشكال منوعة في سيبيريا ووسط آسيا والبلطيق، وابتُكرت في أشكال مختلفة بملابس أو من دون، وألبست حلياً تشبه تلك التي يستخدمها أهل المنطقة ولُوّنت في بعض الأحيان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نماذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس.

ومع هذا التاريخ العظيم الثري من استخدام العرائس والدمى في التعبير الفني والثقافي والمجتمعي في مصر، فإن المؤلفة تلاحظ أن النظر إلى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاستفادة منه في الفن التشكيلي المصري الحديث بكل مجالاته، وهذا لم يلق العناية الكافية من الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين.

وبينما اقتصرت أغلبية الأعمال التشكيلية المعاصرة في مصر على «تيمة عروس المولد» في أعمال نحتية وتصويرية، لم يهتم إلا قليلون باستخدام مفاهيم وتشكيلات أخرى لدمى مصرية لها خصوصية متفردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بمحاولات رائدة في هذا السياق مثل جمال السجيني، وعبد الغني الشال، وممدوح عمار، ومصطفى الرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني.

أشهر النماذج

تعد «دمية فرن الخبز» أشهر عروس في منازل المصريين الذين كانوا حتى وقت قريب يصنعون الخبز في منازلهم، من وجه بحري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بالسمن وبعض السكر، ثم يشكلها الأطفال على هيئة دمى بدائية قريبة الشبه جداً بتلك التي شُكلّت في عصور فرعونية قديمة تعود إلى ما قبل الأسرات.

تخرج «عروسة الخبيز» وقد نضجت بنار الفرن فيفرح بها الصغار ويلهون بها قبل أن يأكلوها في طقس بسيط يحمل معاني البهجة والاحتفال، وربما كان متوارثاً من أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن.

أما ثاني الدمى المهمة في الحياة الاجتماعية المصرية فهي «عروس القمح»، أو باللهجة الشعبية «عروس الغلة»، التي تُصنع من سنابل القمح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «العنخ» أو «مفتاح الحياة» المصري القديم، التي تعلّق على أبواب المنازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلباً للخير.

وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر القديمة كنوع من الشكر لها على بركة الحصاد، وهى الآن تُصنّع وتباع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات.

وتذكر سماء أنه من أشهر الدمى الشعبية في هذا السياق «خيال المآتة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لتخويف الطيور يتكون من خشبتين متصالبتين، ويصنع لهما رأس من القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديماً كان يُصنع لها رأس مخيف من الطين ويطلق عليه لقب «أبو خف».

أيضاً توجد دمية الحسد الورقية الشهيرة التي تُقص من ورقة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي ليس لها عين ثقباً باسم كل من تحوم حوله الشكوك في أنه حاسد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد.

وهناك كذلك «عروسة الخماسين» المصنوعة من القش وورق الشجر، التي يصنعها الأطفال أيام رياح الخماسين في أرياف الدلتا ويُلبسونها جلباباً قديماً مثل «خيال المآتة»، ثم يزفونها ليلاً على عرصة فرن حديدية بمركب في النهر، ومع مطلع الفجر يأخذونها للشاطئ ويشعلون فيها النار ثم يقفزون في الماء وهم يغنون: «عروسة الخماسين... سنة بيضة على الفلاحين».


الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري
TT

الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي. ويسعى الكتاب لمقاربة صورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة من الأدباء، ويتَّخذ من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 مرحلةً مفصليةً في تحولات تمثيل هذه الشخصية في الأعمال الروائية.

يبدأ الكتاب بمقدِّمة مقتضبة كتبها الروائي المصري نعيم صبري، ثم مقدمة المؤلفة التي تشرح فيها تاريخ اهتمامها بالموضوع، بدءاً من دراسة مطولة نشرتها في إحدى المجلات في عام 1999، ثم عودتها مؤخراً لهذه الدراسة وتحويلها إلى كتاب، ومحاولتها رصد وتحليل معظم الأعمال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب 2011، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة.

يتكوَّن الكتاب من 3 فصول رئيسية، الأول نظري بعنوان «الشخصية القبطية بين تاريخين»، تشير فيه إلى أنَّ هناك اهتماماً كبيراً منذ يناير 2011 بالكتابة عن الأقباط، وأن أبرز أهداف هذا الاهتمام هو محاولة النفاذ إلى داخل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية، فضلاً عن توثيق وإضاءة المساحات غير المعروفة في حياة الأقباط.

الفصل الثاني بعنوان «الشخصية القبطية في الأدب المصري قبل ثورة يناير 2011»، وتتوقَّف فيه عند عدد كبير من الروايات، ومنها روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبري، ونبيل نعوم، وغيرهم. وتخلص من خلال دراسات هذه الروايات إلى 17 نقطة تلخص خصائص تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعمال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو من صفات ذاتية تلازمهم، كما كانت الشخصية القبطية تتخلل مختلف أنحاء الوطن وسائر الأعمال والمهن، كما تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة.

النقطة الأخيرة، ضمن النقاط الـ17، تتصل بالبُعدَين الوطني والقومي للشخصية القبطية، وموقف الأقباط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أنَّ «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بلسانها». وتشير إلى مواقف الأقباط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي خصوصاً، وكيف تفاعلت الشخصيات القبطية بكل عمق مع تطورات هذا الصراع».

الفصل الثالث «الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة 2011»، قراءة في 28 رواية قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. وتُخصِّص الكاتبة مقالاً منفرداً عن كل رواية، وتخلص من هذه القراءات إلى ظهور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الثورة، رغم أنَّ نوازع هذا التمرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا التاريخ، لكن الفرق في المساحة التي أخذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.