ميليشيات شيعية موالية لإيران تقود الحرب ضد «داعش» في العراق

تلجأ إلى تكتيكات تنطوي على مخاطرة تأجيج سخط السنة وتفاقم الأبعاد الطائفية للصراع

ميليشيات شيعية تقاتل في العراق ضد {داعش}
ميليشيات شيعية تقاتل في العراق ضد {داعش}
TT

ميليشيات شيعية موالية لإيران تقود الحرب ضد «داعش» في العراق

ميليشيات شيعية تقاتل في العراق ضد {داعش}
ميليشيات شيعية تقاتل في العراق ضد {داعش}

تضطلع ميليشيات شيعية مدعومة من إيران بدور قيادي متنام في المعركة التي يخوضها العراق ضد تنظيم «داعش»، مما يهدد بتقويض الاستراتيجيات الأميركية الرامية لتعزيز الحكومة المركزية وإعادة بناء الجيش العراقي وتعزيز المصالحة مع الأقلية السنية الساخطة.
ومع أعدادهم المتراوحة بين 100 ألف و120 ألف مسلح، بدأت الميليشيات سريعا في الحل محل الجيش العراقي الذي يعاني الإنهاك وتردي الروح المعنوية، والذي تراجعت أعداده لنحو 48 ألف جندي منذ هزيمة القوات الحكومية بمدينة الموصل شمال البلاد الصيف الماضي، تبعا لما أفاد به مسؤولون أميركيون وعراقيون.
وقد عزز هجوم جرى شنه أخيرا ضد مسلحي «داعش» داخل محافظة ديالى بقيادة منظمة «بدر»، من مكانة الميليشيات باعتبارها القوة العسكرية المهيمنة عبر مساحة واسعة من الأراضي العراقية تمتد من جنوب البلاد حتى كركوك بالشمال. ومع اضطلاعها بدور أكبر، تلجأ الميليشيات أحيانا لتكتيكات تنطوي على مخاطرة تأجيج سخط السنة وتفاقم الأبعاد الطائفية للصراع. كما تسهم هذه الميليشيات في تعزيز النفوذ الإيراني القوي بالفعل داخل العراق على نحو قد يصعب التغلب عليه لاحقا. ومع تمتعها بدعم طهران، بل وأحيانا بتسليح وتمويل منها، تعلن هذه الميليشيات صراحة عن ولائها لإيران.
يذكر أن كثيرا من تلك الميليشيات، مثل «عصائب أهل الحق» و«كتائب حزب الله»، كانت من بين المجموعات التي تزعمت القتال لطرد القوات الأميركية في السنوات السابقة لرحيل الأخيرة عام 2011. وفي مؤشر مهم ينبئ عن انزلاق العراق داخل فلك النفوذ الإيراني، تنتشر في وسط بغداد حاليا لوحات إعلانية ضخمة تستعرض قوة الميليشيات وتحمل صور آية الله الإيراني الراحل روح الله الخميني وخليفته المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، وذلك بالمكان ذاته الذي كان فيه من قبل تمثالا لصدام حسين قبل تدمير قوات المارينز الأميركية له عام 2003. ويثير نفوذ الميليشيات المتزايد التساؤلات حول مدى استدامة استراتيجية شن طائرات حربية أميركية لغارات من الجو، مما يعزز قوة ميليشيات مدعومة من إيران على الأرض وقد تكون معادية للولايات المتحدة، حسبما ذكر محللون. إذا استمر القتال على نهجه الراهن، فهناك مخاطرة حقيقية بأن تتمكن واشنطن من هزيمة «داعش»، لكن تخسر العراق لصالح إيران في خضم ذلك، حسبما أفاد مايكل نايتس من «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى». ورغم أن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي رحب بالمساعدة الأميركية ودعا للمزيد، فإن قوة الميليشيات تهدد بتقويض سلطته وتحويل العراق لنسخة من لبنان، حيث تقف حكومة ضعيفة أسيرة لنزوات جماعة حزب الله القوية.
وقال نايتس: «لا ترغب الميليشيات الشيعية في وجود الأميركيين هناك، ولم تكن تلك رغبتهم قط. والتساؤل الآن: هل سنرى محاولات من جانب هذه الميليشيات المدعومة من إيران لطردنا من البلاد تماما؟». ومع تفكير القيادات العسكرية الأميركية بعمق في إرسال قوات برية للمعاونة في شن هجوم لإعادة السيطرة على الموصل، فإن بعض الميليشيات بدأت بالفعل في طرح التساؤلات حول الحاجة للمساعدة الأميركية. من جهته، قال كريم النوري، المتحدث الرسمي والقائد العسكري لمنظمة «بدر»، التي أصبحت أكثر المجموعات المسلحة قوة بالبلاد: «لسنا بحاجة إليها، سواء على الأرض أو جوا، ذلك أنه بإمكاننا هزيمة (داعش) بأنفسنا». من جهتهم، أوضح مسؤولون عراقيون أن الميليشيات سدت حاجة هائلة، ووفرت قوة بشرية في وقت حساس وعاونت في التصدي لتقدم «داعش» نحو بغداد. أما المساعدة الأميركية فقد جاءت متأخرة، بعد أن بدأ المسلحون في الزحف نحو العاصمة، بأكثر من شهرين، حسبما تشتكي هذه الميليشيات. أما الجهود الرامية لإعادة بناء الجيش العراقي المنهار فقد بدأت فقط في ديسمبر (كانون الأول) الماضي ولم يتخرج حتى الآن أي متدربين.
من جهته، قال موفق الربيعي، عضو البرلمان عن ائتلاف «دولة القانون» الخاص بالعبادي: «إننا في فترة انتقالية، وفي حالة طوارئ. هناك تهديد وجودي، وهذا التهديد يستدعي استخدام أساليب استثنائية». وقد أوضحت الميليشيات، التي تفضل وصفها بـ«قوات التعبئة البشرية»، أن نشرها حصل على موافقة من جانب الحكومة وفتوى صادرة عن المرجعية الدينية الكبرى بالعراق، آية الله العظمى علي السيستاني.
الملاحظ أن سلسلة القيادة الخاصة بالميليشيات تمر عبر قادتهم، وتنتهي مباشرة في الكثير من الحالات إلى إيران.
يذكر أن الرجل المكلف بتنسيق نشاطات الميليشيات في العراق، نائب مستشار الأمن الوطني «أبو المهدي المهندس»، وهو اسم مستعار لرجل فرضت وزارة الخزانة ضده عقوبات لدوره بصفته قائدا عسكريا عراقيا بارزا في فيلق الحرس الثوري الإيراني. وقد أدين في الكويت غيابيا لدوره في تفجير السفارتين الأميركية والفرنسية لدى الكويت عام 1983. كما أن قاسم سليماني، القائد الأعلى للقوة الإيرانية، يظهر باستمرار في الخطوط الأمامية بالعراق، في محاكاة لدور الجنرالات الأميركيين بميادين القتال خلال العقد الماضي. أما القيادة الميدانية المباشرة فيضطلع بها بصورة متزايدة قائد «بدر» القوي الجديد هادي العميري الذي يدعي مسؤوليته عن صياغة خطط حربية نيابة عن قوات الأمن والميليشيات.
وخلال مسيرة جرى تنظيمها هذا الشهر للاحتفال بطرد «داعش» من ديالى، كان للعميري حضور بارز. وقال مخاطبا حشدا من المقاتلين المبتهجين: «مهمتنا تحرير العراق بالعراقيين، وليس الأجانب. يجب أن نحارب الطائفية ونحقق المصالحة ونبقي على وحدة العراق».
وكشفت جولة قمنا بها عبر القرى المحررة أخيرا، تجلي خطر تأجيج دور الميليشيات للطائفية، ففي إحدى القرى، وتدعى «العسكري»، تعرضت جميع المنازل للحرق، وهو أسلوب يزعم سياسيون سنّة أنه يرمي لتطهير مناطق بأكملها من السنة ومنعهم من العودة لمنازلهم. أما المرشدين التابعين لجماعة «بدر» فرفضوا اصطحاب المراسلين لقرية أخرى، هي باروانا، حيث عثر على 53 على الأقل وما قد يصل إلى 70 رجلا سنيّا مقتولين بإطلاق النار عليهم في أعمال قتل تشبه الإعدامات بعد هزيمة «داعش». وأفاد شهود وسياسيون سنة أن هؤلاء الرجال كانوا مدنيين لاذوا بباروانا بعد سيطرة المسلحين على قريتهم. واتهموا الميليشيات الشيعية بقتلهم. من جهتها، نفت منظمة «بدر» تورطها في هذا الأمر، لكن قادتها نفوا كذلك أن يكون هؤلاء الرجال مدنيين. عن هذا، قال النوري: «هؤلاء الأشخاص في باروانا ممن بقوا ينتمون لـ(داعش)، فماذا كان ينبغي أن نفعله معهم.. نلقي عليهم بالورود أم نقتلهم؟». وأضاف: «مقاتلو (داعش) سفاحون، وعندما نواجههم نتوقع تدمير المساجد وحرق المنازل لأننا لا نلعب مباراة كرة قدم معهم، ولسنا في نزهة».
من ناحية أخرى، أعرب كينيث بولاك، من معهد بروكينغز، عن اعتقاده بأن مثل هذه الأساليب لن تحقق المصالحة التي تمثل العمود الفقري للسياسات الأميركية تجاه العراق.

* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»
* شارك بالتقرير مصطفى سالم.



العليمي يشدد على احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات

العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)
TT

العليمي يشدد على احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات

العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)

وسط تأكيد سعودي على الاستمرار في دعم اليمن لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الاثنين، على ضرورة احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات ومنع أي تشكيلات عسكرية خارج سلطة الدولة.

وجاءت تصريحات العليمي خلال استقباله في الرياض قائد «القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية» في اليمن، الفريق الركن فهد بن حمد السلمان، حيث يأتي اللقاء ضمن جهود التنسيق المستمر بين اليمن و«التحالف» لتعزيز قدرات القوات المسلحة اليمنية في مواجهة التهديدات الأمنية، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وضمان الأمن في المناطق المحررة.

ونقلت وسائل الإعلام الرسمية عن العليمي تأكيده على أن احتكار الدولة السلاح «خطوة حاسمة لتعزيز سيادة المؤسسات الحكومية وتحقيق الاستقرار في المحافظات المحررة، ومنع أي تشكيلات عسكرية أو أمنية خارج نطاق الدولة».

كما أشاد بالدعم السعودي المستمر بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، إلى جانب الدعم المباشر من الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع، في مواجهة الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة.

اجتماع للقيادات العسكرية اليمنية في عدن لمناقشة إخراج معسكرات القوات خارج المدينة (سبأ)

وأشار العليمي إلى النجاحات النوعية التي حققتها «القوات المشتركة» خلال عملية تسلم المواقع العسكرية، وما رافقها من تقدم ملموس في تأمين العاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات المحررة.

كما أعرب عن تقديره الجهود الإنسانية والمشروعات التنموية السعودية المصاحبة، بما في ذلك تمويل رواتب الموظفين؛ مما أسهم في دعم الاستقرار المحلي وتعزيز التنمية الاقتصادية.

استمرار الدعم

وجدد الفريق السلمان، قائد «القوات المشتركة»، التأكيد على استمرار دعم السعودية اليمن في المجالات العسكرية والأمنية والتنموية، مشدداً على التزام «التحالف» مساندة القيادة اليمنية في تحقيق تطلعات الشعب اليمني نحو الأمن والسلام والتنمية المستدامة؛ وفق ما نقله الإعلام الرسمي اليمني.

كما قدم الفريق السلمان تهانيه للعليمي بالمكاسب الأخيرة والقرارات التي من شأنها تعزيز الاستقرار ودعم المواطنين في المناطق المحررة.

يأتي هذا اللقاء في وقت تتواصل فيه جهود استعادة الدولة اليمنية وإعادة هيكلة القوات المسلحة لضمان سيادة الدولة ووقف انتشار التشكيلات المسلحة خارج نطاقها، في خطوة محورية نحو تعزيز الأمن الوطني وتحقيق السلام الدائم.


الخنبشي: حضرموت تحرَّرت من تسلط الزُّبيدي وهيمنة الإمارات

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)
TT

الخنبشي: حضرموت تحرَّرت من تسلط الزُّبيدي وهيمنة الإمارات

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)

اتهم عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ حضرموت، سالم الخنبشي، دولة الإمارات العربية المتحدة باستغلال مشاركتها ضمن تحالف دعم الشرعية في اليمن لتحقيق أجنداتها الخاصة، مؤكداً أن ممارساتها في المحافظة شكلت صدمة للسلطات المحلية ولأبناء حضرموت.

وقال الخنبشي، خلال مؤتمر صحافي عقده في مدينة المكلا، الاثنين، إن السلطات المحلية كانت تعوّل على أن تكون الإمارات «سنداً وعوناً» لليمنيين في إطار التحالف، إلا أن تصرفاتها على الأرض جاءت «مخالفة للتوقعات»، مشيراً إلى أن حضرموت عانت من هيمنة مجموعات مسلحة تابعة لعيدروس الزبيدي، وبدعم مباشر من أبوظبي.

وأوضح الخنبشي أن المحافظة تحررت من تسلط عيدروس الزبيدي والهيمنة الإماراتية»، متهماً المجموعات المسلحة التابعة له بنهب مقرات الدولة، وترويع الأهالي، وارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين، الأمر الذي ألحق أضراراً جسيمة بالأمن والاستقرار في حضرموت خلال المرحلة الماضية.

وأكد الخنبشي أن السلطات ستتخذ «الإجراءات القانونية كافة» تجاه الإمارات والمجموعات المسلحة التابعة للزبيدي، مشدداً على أن العدالة ستُطبَّق، وأن القانون «سيأخذ مجراه دون استثناء»، مع التعهد بدعم ضحايا الانتهاكات ومحاسبة جميع المتورطين.

وكشف عضو مجلس القيادة الرئاسي عن اكتشاف «عدد كبير من السجون السرية» قال إنها كانت تدار بدعم إماراتي داخل حضرموت، إضافةً إلى العثور على متفجرات جرى تخزينها في معسكر مطار الريان، وُصفت بأنها كانت معدة لاستهداف أبناء المحافظة وتنفيذ عمليات اغتيال.

وأشار الخنبشي إلى أن حضرموت طوت «صفحة مريرة وخطيرة» من تاريخها، بدعم مباشر من المملكة العربية السعودية، مؤكداً أن هذا الدعم أسهم في استعادة الاستقرار، وتعزيز سلطة الدولة، وإنهاء مرحلة من الفوضى والانتهاكات.

يأتي المؤتمر الصحافي للخنبشي في ظل جهود حثيثة لإعادة تطبيع الأوضاع الأمنية في حضرموت، وسط مطالب محلية متزايدة بتعزيز سلطة الدولة، وإنهاء أي وجود مسلح خارج الأطر الرسمية، وضمان عدم تكرار الانتهاكات التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الماضية.


دعم سعودي للحوار الجنوبي الشامل دون احتكار أو إقصاء

السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)
السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)
TT

دعم سعودي للحوار الجنوبي الشامل دون احتكار أو إقصاء

السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)
السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)

في خطوة تؤكد استعادة ملف الجنوب اليمني بوصفه قضية مركزية في مسار السلام في اليمن، احتضنت الرياض «اللقاء التشاوري الجنوبي» تمهيداً لمؤتمر حوار جنوبي شامل، حيث جمع اللقاء قيادات ومكونات جنوبية، بمن فيهم المطالبون باستعادة الدولة التي كانت قائمة في الجنوب والشرق اليمني قبل الوحدة الاندماجية مع الشمال في 1990.

ويأتي اللقاء التشاوري، الذي حضره نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي وقرأ بيانه الختامي، في إطار مسار سياسي تسعى السعودية لرعايته، بعيداً عن الاستقطابات الداخلية، والتدخلات الخارجية المثيرة للجدل، سعياً لحلول «عادلة، وآمنة، ومستدامة» وفق البيان الختامي للقاء.

وتظهر السعودية، من خلال رعايتها لهذا اللقاء، تحولاً في أدائها الإقليمي من طرف داعم عسكرياً يقود التحالف الداعم للشرعية إلى راعٍ سياسي رئيس للحل الشامل. وقد عبّر البيان عن هذا الدور بوضوح، مشيراً إلى أن المملكة «لا تتبنى موقفاً معادياً لأي خيار» جنوبي، شرط أن يكون نتاج حوار جنوبي-جنوبي شامل، وغير مُحتكر.

جانب من الحضور في المؤتمر التشاوري الجنوبي المنعقد في الرياض (أ.ب)

وإضافة إلى الطبيعة المباشرة والشاملة للرعاية السعودية، تجاوز ذلك الدعم السياسي إلى معالجات اقتصادية عاجلة، ومنها تخصيص 1.9 مليار ريال سعودي لدعم الاقتصاد، وضمان صرف مرتبات الموظفين والعسكريين.

ويؤكد مراقبون أن هذه الخطوات تُعطي الرعاية السعودية مصداقية عملية، وتُقيم ارتباطاً مباشراً بين الاستقرار المعيشي ونجاح المسار السياسي.

رفض التدخل الفوضوي

في المقابل، حمل البيان الختامي للقاء التشاور الجنوبي، والمواقف المصاحبة له نقداً لاذعاً، وإن كان غير مباشر، للدور الإماراتي، الذي يتهمه مراقبون بتعزيز الانقسامات الجنوبية عبر دعم أطراف محددة، هي التي كانت مستفيدة من كل ما حولها بقيادة عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل الذي هرب إلى أبوظبي بعد رفضه الانخراط في الحوار الذي ترعاه الرياض.

ويشير التحليل الضمني إلى أن الرياض تُقدم نفسها بوصف أنها نموذج مضاد للتدخلات الإماراتية «الفوضوية»، عبر التركيز على الحوار الجامع للجنوبيين، ودعم مؤسسات الدولة ضمن مسار يقود لاحقاً إلى ترتيب كامل الجغرافيا اليمنية، وصولاً إلى سلام شامل في الشمال والجنوب على حد سواء.

وفيما يتطلع فريق من القيادات الجنوبية إلى الانفصال عن الشمال، واستعادة الدولة التي كانت قائمة قبل الوحدة الاندماجية، يتطلع فرقاء آخرون إلى صيغ أخرى، حيث يفضلون البقاء ضمن يمن اتحادي يحظى بأقاليم تحكم نفسها ذاتياً، فيما يتطلع فرقاء آخرون إلى حلول أخرى يرون أنها ستكون أكثر إنصافاً وبعداً عن الهيمنة، والتبعية المركزية المجحفة.

اللقاء التشاوري الجنوبي أكد على رفض استغلال المظاهرات لإحداث الفوضى (أ.ف.ب)

كل هذه الرؤى والتطلعات –بحسب المراقبين- تضع السعودية في موقع الوسيط الحريص على توحيد الجنوبيين، فيما قد يُنظر إلى أبوظبي على أنها طرف يغذي التفتيت، ويهدف إلى زعزعة الاستقرار، وتنفيذ أجندات مشبوهة.

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي طلب من الإمارات مغادرة اليمن عسكرياً، ووقف التدخل في شؤونه الداخلية بعد أن قامت بدعم ورعاية التحركات الأحادية التي قادها الزبيدي عسكرياً لإخضاع حضرموت والمهرة بالقوة.

تحديات داخلية

ويكشف اللقاء الجنوبي التشاوري والبيان الختامي عن إدراك عميق للتحديات الداخلية التي أنهكت القضية الجنوبية، فقد شدد المشاركون على رفض «احتكار التمثيل»، أو «اختزال القضية» في مكون أو شخص، في إشارة واضحة إلى ممارسات سابقة لبعض القيادات، يتصدرهم عيدروس الزبيدي.

كما ميّز البيان بوضوح بين «عدالة القضية» بوصف أنها مطلب سياسي وحقوقي مشروع، وبين «الممارسات الفردية» لبعض القيادات التي ألحقت ضرراً بالقضية عبر «توظيفها في صراعات إقليمية»، أو «قضايا فساد وسوء إدارة». وسط الكشف عن قضايا فساد كبيرة مرتبطة بالزبيدي، والمقربين منه.

ويبدو أن هذا النقد الذاتي، لا سيما في أوساط من كانوا منتمين للمجلس الانتقالي الجنوبي قبل حلّه بقيادة الزبيدي، يعد تطوراً ملحوظاً، حيث يُظهر رغبة في تصحيح المسار، واستعادة المصداقية المفقودة أمام الشارع الجنوبي، والمجتمع الدولي.

اللقاء التشاوري الجنوبي انعقد بحضور عبد الرحمن المحرّمي عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني (رويترز)

كما أن الدعوة الموجهة لجماهير الجنوب لدعم المسار الراهن «بوعي، ومسؤولية» تأتي في سياق محاولة استعادة الشرعية الشعبية للعملية السياسية، بعيداً عن توظيف الاحتجاجات الشعبية في عدن لأغراض ضيقة، كما يريد لها المراهنون على الفوضى التي تريد الإمارات تغذيتها عبر أدواتها، والرافضون لمنطق الحوار.

كل ذلك يشير إلى أن «القضية الجنوبية» باتت الآن في طريقها للبحث عن هيكلة جديدة، يكون الحوار والتمثيل الجامع أساسها، بدلاً من الزعامات الفردية، والخضوع للرغبات الأحادية المعتمدة على قوة السلاح.

فرصة تاريخية

ويصف البيان الختامي للقاء التشاوري مؤتمر الحوار الجنوبي الشامل المرتقب انعقاده بأنه «فرصة تاريخية نادرة»، وهي فرصة تكمن في توفر رعاية سعودية تدفع للحوار من ناحية، ومن ناحية ثانية في وجود إجماع جنوبي مبدئي على الاحتكام لطاولة المفاوضات باعتبار أنه مسار وحيد، وآمن.

الأهم من كل ذلك، هو أن الحل السياسي للقضية الجنوبية أصبح يُنظر إليه، إقليمياً ودولياً، على أنه «مدخل أساسي» لأي تسوية شاملة في اليمن، مما يرفع سقف الأهمية والتركيز عليه.

شخصيات جنوبية تاريخية حضرت اللقاء التشاوري في الرياض يتصدرهم حيدر أبوبكر العطاس (رويترز)

لكن هذه الأرضية واعدة ومحفوفة بالمخاطر في الوقت ذاته، حيث إن الخطر الأكبر يتمثل في «محاولات العبث» بهذه الفرصة، سواء عبر «خلق استقطابات داخلية» مدعومة إقليمياً، أو «الزج بالجنوب في صراعات جانبية»، فضلاً عن تراكم المظالم والانقسامات الجنوبية-الجنوبية العميق، وهو ما سيجعل مهمة الحوار بحاجة إلى أكبر قدر من المسؤولية السياسية والتاريخية.

إلى ذلك، يظهر اللقاء التشاوري الجنوبي على أنه محاولة لإعادة تدوير القضية الجنوبية من مسار الصراع والانقسام إلى مسار الحوار والتسوية، لكن النجاح سيبقى مرهوناً بقدرة القيادات الجنوبية على تجاوز إرث الاحتكار والصراع وتوحيد كلمتهم، إلى جانب الجهد السعودي الذي سيتواصل لتحييد التدخلات المعيقة، وإقناع المجتمع الدولي بدعم هذا المسار باعتبار أنه جزء من حل يمني شامل.