أحزاب من دون قواعد شعبية.. ورئيس شعبي بلا حزب

في تحقيق تنشره في الشقيقة {المجلة}.. محاولات حثيثة لملء الفراغ السياسي في مصر قبل الانتخابات البرلمانية المقبلة

الرئيس السيسي يتحدث الى رؤساء بعض الاحزاب المصرية وإلى جواره رئيس حزب الوفد السيد البدوي
الرئيس السيسي يتحدث الى رؤساء بعض الاحزاب المصرية وإلى جواره رئيس حزب الوفد السيد البدوي
TT

أحزاب من دون قواعد شعبية.. ورئيس شعبي بلا حزب

الرئيس السيسي يتحدث الى رؤساء بعض الاحزاب المصرية وإلى جواره رئيس حزب الوفد السيد البدوي
الرئيس السيسي يتحدث الى رؤساء بعض الاحزاب المصرية وإلى جواره رئيس حزب الوفد السيد البدوي

المحاولات الحثيثة التي يقوم بها كثير من القوى السياسية المصرية لملء الفراغ وتشكيل تكتلات لخوض انتخابات مجلس النواب خلال الأسابيع المقبلة، كشفت عن وضع شائك في هذه الدولة التي عرفت العمل السياسي والبرلماني منذ أكثر من قرن من الزمان.. يتلخص هذا الحال اليوم في أنه أصبحت توجد أحزاب، لكنها من دون قواعد شعبية تذكر. وفي المقابل، هناك رئيس شعبي، هو الرئيس عبد الفتاح السيسي، لكنه بلا حزب سياسي.
ويوضح تحقيق نشرته الشقيقة {المجلة} الدستور المصري الجديد، الذي وافق عليه الشعب العام الماضي، يحظر انخراط رئيس الدولة في الأحزاب أو رئاسة أي حزب منها طالما كان في موقعه في القصر الجمهوري. وأكد السيسي نفسه هذا الأمر حين التقى رؤساء الأحزاب الشهر الماضي، وطلب منهم التوقف عن الخلافات التي ظهرت على خلفية الإعداد للتكتلات الحزبية التي ستتنافس على مقاعد البرلمان، ودعاها إلى تشكيل تكتل واحد لخوض الانتخابات، إلا أن التضارب في المصالح بين السياسيين عرقل مرة أخرى إيجاد قوة واضحة المعالم يمكن التعويل عليها في مجلس النواب المقبل.

منذ ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، أصبح يوجد في مصر نحو 90 حزبا، شارك معظمها، مع غالبية الشعب، في الثورة ضد حكم جماعة الإخوان في 30 يونيو (حزيران) 2013. لكن لم يتمكن إلا عدد قليل منها أن يثبت هذه الأيام على تكتل بعينه من أجل خوض الانتخابات المقبلة التي تعد أول انتخابات نيابية في عهد الرئيس السيسي، وهي الخطوة الثالثة والأخيرة في خطوات خارطة الطريق التي وافق عليها الشعب عقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي.
ومن أبرز الأسماء التي حاولت جمع السياسيين في تكتل واحد وكان من أكثرها تداولا، اسم رئيس وزراء مصر الأسبق، الدكتور كمال الجنزوري، ثم حل محله اسم الضابط السابق في المخابرات المصرية، سامح سيف اليزل، على رأس تحالف «في حب مصر». وهناك أيضا تكتلات أخرى يظهر منها «ائتلاف الجبهة المصرية» الذي يدعمه من الخارج المرشح الرئاسي السابق أحمد شفيق. وكذا التحالف الذي يقوده السياسي المعروف عبد الجليل مصطفى تحت اسم «تحالف صحوة مصر» الذي يضم 6 أحزاب، هي: «الكرامة»، و«مصر الحرية»، و«التحالف الاشتراكي»، و«الدستور»، و«العدل»، و«التيار الشعبي (تحت التأسيس)».
ووصل إلى القاهرة قادما من عدة محافظات عشرات من المرشحين المحتملين لإعداد أوراقهم، بينما كانت الاجتماعات منعقدة في مقار عدة أحزاب، منها حزب الوفد الذي حسم أمره وقرر الترشح على الفردي وعلى القوائم أيضا، لكن من خلال تحالف «في حب مصر». وعقب اجتماع آخر، قال مجدي شرابية، الأمين العام لحزب التجمع: «سنشارك في الانتخابات، رغم أن رؤية القوائم لم تتضح بعد».
وحيث إن الوقت أزف، فإن القوائم كلها ستكون قد أعلنت خلال ساعات. ويضيف شرابية أن غالبية قائمة الجنزوري (السابقة) موجودة في قائمة «في حب مصر» التي يتحدث باسمها حاليا سيف اليزل. وأمضى سيف اليزل ساعات طويلة على مدى أسابيع لإقناع الأحزاب بالانضمام لقائمته.
ويقول محمد سامي، رئيس حزب الكرامة، عن نظرته للتكتلات الكثيرة التي ظلت على مدى أسابيع تراوح مكانها دون أن تحسم أمرها: «أعتقد أن مصر في مرحلة سيولة بعد فترة طويلة من التجريف للقوى السياسية والأحزاب في العقود الماضية». ويتابع قائلا: «وبالتالي أنت أمام اجتهادات (قد تصيب)، وذلك في شكل أحزاب جديدة تعبر عن رؤية جديدة، (أو تخيب) في شكل أحزاب وهمية أو كرتونية يمكن أن تخرج من معادلة الحضور الحزبي في الانتخابات المقبلة».
ويضيف أن هذه المعادلة موجودة وتحمل الاحتمالين: إما النجاح، أو الفشل، «لأن الحالة الحزبية بمصر لم تتماسك بعد، ولم تتشكل بعد.. الساحة السياسية فيها ما يقرب من 90 حزبا مرخصا له بالعمل رسميا (إضافة لأحزاب ما زالت تحت التأسيس)، والفترة المقبلة ستكون مرحلة تصفية من جانب، واندماج بين أحزاب من جانب آخر».
ومطلوب من كل تكتل أو تحالف حزبي، أن يعد قائمة تضم 120 مرشحا، من بينهم مرشحون من الشخصيات العامة وممثلون للأقباط والمصريين بالخارج والمعاقين والمرأة، بالإضافة إلى 420 مرشحا بنظام الانتخاب الفردي. ويقول سامي: «لا مجال للدخول إلا على القوائم بأكملها، وليس بنصف قائمة أو ربع قائمة.. نحن نخوض الانتخابات على النظامين؛ أي بالقوائم وبالفردي أيضا».
ويبدو أن الأحزاب لا تتفق إلا على شيء واحد هو الالتفاف حول رئيس الدولة بسبب شعبيته الكبيرة، مقارنة بعشرات الأحزاب التي لا يعرفها أحد، بمن في ذلك عائلات مَنْ لقوا حتفهم خلال أحداث ثورتي يناير ويونيو، مثل السيدة فاطمة التي تدير محلا صغيرا لبيع الخضراوات والدجاج في شارع العروبة، خلف برج القانونيين قرب كورنيش المعادي بجنوب القاهرة.
تعلق هذه المرأة صورة كبيرة لابنها الشاب الذي قتل في اضطرابات سياسية شهدها ميدان التحرير قبل 3 سنوات. وتقول السيدة فاطمة، وهي تقف في واجهة المحل، حيث تبدو صورة الرئيس السيسي معلقة على الباب، إنها لا تستطيع أن تتذكر أسماء أكثر من 3 أو 4 أحزاب مثل حزب الوفد، ربما بسبب كونه حزبا عريقا يعود اسمه إلى النصف الأول من القرن الماضي.
ولا تشغل فاطمة بالها بموضوع الانتخابات النيابية المقبلة وهي تثق في رئيس الدولة فقط. وترى أن الرئيس لن يسمح بوجود برلمان يمكن أن يعمل ضد رغبة الشعب أو العودة للسياسات التي ثار عليها في يناير ويونيه. وتعكس حالة فاطمة المقولة التي أصبحت شائعة في البلاد هذه الأيام وهي أن الرئيس السيسي له شعبية، لكن ليس له حزب، بينما الأحزاب موجودة، لكن ليس لها شعبية.

* التجربة الحزبية حديثة العهد
* ويعود رئيس حزب الكرامة ليعلق على هذه الواقعة قائلا: «هذا صحيح، لأن التجربة الحزبية في مصر حديثة العهد، ولا يمكن أن يكون هناك حزب شعبي أو غير شعبي إلا برصيد يتوالى على مدى الأداء في السنين المقبلة.. غالبية هذا النوع من الأحزاب، كلها تقريبا حصلت على تراخيص من لجنة شؤون الأحزاب خلال السنوات الـ3 الأخيرة، أي بعد ثورة 25 يناير.. وبالتالي لم يتح لها الفرصة لأن تكون أحزابا شعبية بالمعنى الكامل، مع وجود بعض الاستثناءات بطبيعة الحال (تخص عددا من الأحزاب القديمة)».
ويضف محمد سامي: «نحن نزعم أن حزب الكرامة لديه قوام حزبي منتشر على مستوى الجمهورية، وإلا ما كنا قد أكملنا الشرط الخاص بترشيحنا لحمدين صباحي لرئاسة الجمهورية، حيث كان الترشح يتطلب جمع 30 ألف توقيع من الناخبين».
وخاض صباحي، وهو من مؤسسي حزب الكرامة ذي التوجه القومي، تجربة الانتخابات الرئاسية مرتين.. المرة الأولى في 2012 وكان ضمن 12 مرشحا من بينهم محمد مرسي وأحمد شفيق، وحصل صباحي فيها على 4.8 مليون صوت بنسبة نحو 20.7 في المائة. والمرة الثانية كانت في 2014 وكان المنافس الوحيد أمام السيسي، وحصل صباحي فيها على أقل من مليون صوت بنسبة 3.9 في المائة.
وعما إذا كان تكتل «تحالف صحوة مصر» سيعتمد على ما تركه صباحي من رصيد شعبي في الانتخابات الرئاسية، يقول رئيس حزب الكرامة: «نحن، مع تقديرنا الكامل لحمدين صباحي، نسعى لأن تكون هناك مؤسسة حزبية لها تقاليدها ولها برنامجها ولها وجودها على مستوى المحافظات بدرجة متوازنة.. المرحلة التي بدأت بمؤسسها الأول، حمدين صباحي، ينبغي أن تتجاوز هذا الأمر، وتكون تعبيرا عن مؤسسة وليست تعبيرا عن فرد».
ويقول السيد البدوي، رئيس حزب الوفد، إن الأحزاب أصيبت بالتجريف طول الـ30 سنة الماضية.. وكانت ممنوعة من العمل، وكانت تحارب، لكن شعبية الرئيس السيسي جاءت في ظروف استثنائية.
وعن معالجة ضعف الأحزاب، يوضح أن هذا يأتي من خلال البرامج السياسية وزيادة التوعية في الشارع والدعاية.. وأن يكون هناك تماس مع الجماهير أكثر من السابق. ومن جانبه، يقول ياسر حسان، عضو الهيئة العليا لحزب الوفد: «مفروض أن شعبية الرئيس لا تتدخل في البرلمان، لأننا نحن أمام انتخابات برلمانية لا رئاسية.. ولو استغل الرئيس هذه الشعبية لصالح تيار معين، فهذا سيكون سابقة غير جيدة.. وستترك أثرا غير طيب».
ويشير حسان إلى أن شعبية الرئيس جاءت في ظروف معينة.. «السيسي في 30 يونيو 2013 ارتبط برغبة الشعب في إيجاد نظام جديد بعد أن مل المصريون من حكم جماعة الإخوان».
ويجري التحضير للانتخابات النيابية المقبلة على قدم وساق. وقدم المجلس القومي للمرأة مائتي اسم لقيادات نسائية من محافظات مختلفة لكي تختار الأحزاب مرشحات من بينهن. ومن هذه الأسماء ورد اسم الدكتورة درية شرف الدين، وزيرة الإعلام السابقة، التي قالت إن «ورود اسمي في قوائم المجلس القومي للمرأة لا يعني أنه جرى إدراجنا في قوائم الأحزاب الانتخابية بعد».
وأجابت موضحة عن ضعف شعبية الأحزاب، بقولها إن هذا «قد يكون لأنها غير موجودة في الشارع بشكل جدي.. أفرادها لا يقدمون أنفسهم للناس بشكل فيه الجدية المطلوبة.. كما أن الأمر يرتبط بتفاعل، ولا أقول بتقديم خدمات، بين المواطن والأحزاب».
وأعربت الدكتور شرف الدين عن اعتقادها في أن «كثرة عدد الأحزاب جعلت المواطن غير قادر على تحديد هذا من ذاك. لا يمكن خلال أقل من 4 سنوات أن يكون لديك نحو 85 حزبا سياسيا. هذا كثير، وكنا نأمل أن يتقلص العدد إلى 4 أو 5 أحزاب. وإذا كانت مصر تتطلع بالفعل لحياة حزبية جيدة، فأعتقد أنها لن تحتمل أكثر من 5 أو 6 أحزاب».
وعما إذا كان ضعف الأحزاب وعدم وجود تفاعل بينها وبين الشارع، يمكن أن يؤثر بالسلب على البرلمان المقبل، قالت الدكتورة درية شرف الدين، إن هذا مؤكد، خصوصا أن البرلمان له سلطة كبيرة في التشريعات.
ومن خلال المناقشات مع المواطنين العاديين، يقول سائق سيارة الأجرة، ويدعى جمال (في العقد الخامس)، ويعمل موظفا بإحدى المصالح الحكومية في أول النهار، إن الأحزاب أصبح عددها أكبر من قدرته على تذكرها أو إحصائها. وهو يرى أن الأحزاب وحدها لا تستطيع أن تتحالف للتأسيس لبرلمان يستطيع أن يعضد الرئيس ولا يعانده في القرارات التي يريد أن يتخذها. ويتخوف هذا السائق من أن يتسبب الإنفاق المالي للمرشحين في عودة النواب الذين كرههم الشعب في السنوات الماضية، و«كانوا السبب في المشكلات التي حدثت سواء أيام الرئيس مبارك أو بعده».

* تيار الإسلام السياسي
* ومن محافظة الإسكندرية في شمال غربي البلاد يقول ياسر فراويلة، وهو شخصية قريبة مما يعرف بـ«تيار الإسلام السياسي،» وكان يعتزم الترشح في انتخابات الرئاسة عام 2012، إن المطلوب من البرلمان المقبل القيام بعدة خطوات عاجلة. أولا إنهاء حالة الفوضى الحكومية.. «بمعنى ترتيب البيت من الداخل والانتهاء من ملف العمليات الأمنية وأجور العاملين في الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإنهاء التهديد الخارجي، سواء ما يتعلق بالأمن المائي أو الاقتصادي أو السياسي».
ويضيف فراويلة أنه يتمنى من البرلمان المقبل أن يتمكن من تحديد هدف للوطن «لأننا أمة تسعى بلا هدف يجمعنا.. نريد أن نتمكن من تحديد مصالحنا وتحديد من هم أعداؤنا، وكذلك من ينبغي أن نعتمد عليهم. لدينا أولويات في الملف الأمني والعسكري والحدود والاقتصاد والزراعة والصناعة».
لكن يبدو أن مثل هذه الطموحات سابقة لأوانها، لأن فراويلة نفسه يتخوف من التربيطات الحالية بين المرشحين في دائرته بالإسكندرية، ثاني أكبر المحافظات المصرية من حيث عدد السكان، ولا يرى في التحالفات الحزبية القائمة قدرة على حسم الموقف في الانتخابات النيابية المقبلة بالطريقة التي يأملها المواطن المصري البسيط بعد أن انتظر انفراج الأوضاع عقب سنوات الاضطرابات منذ الإطاحة بمبارك.
وعن هذه المفارقة يقول المحامي محمود عبد الله، عضو لجنة الحريات في حزب التجمع اليساري، إن «الناس بالفعل تتطلع إلى حياة أفضل، لكنها لا ترى كيانا سياسيا تستشعر معه أن هذا الحزب أو ذلك يعرف الطريق إلى المستقبل، إلا فيما ندر. لا تجد في الوقت الحالي، غالبا، قوى سياسية منظمة أو واضحة أو موجودة في جسم المجتمع وقادرة على التعبير عن طموحاته وآماله.. الشعب كان محاصرا لفترة طويلة من تاريخه.. والأحزاب والقوى السياسية هي الأخرى كانت مهمشة طوال العقود الماضية».
والمحامي عبد الله، صاحب شهرة في الأوساط السياسية والقانونية المصرية، لأنه صاحب الدعوى القضائية التي صدر بناء عليها حكم بحظر جماعة الإخوان والتعامل معها كجماعة إرهابية، العام الماضي. ويضيف وهو يشرح السبب في تفوق شعبية السيسي على شعبية الأحزاب، أنه «في آخر عهد مبارك كانت تشغلنا قضية الإجابة عن سؤال محدد وهو الفجوة بين الجماهير والقوى السياسية.. كانت بالطبع توجد فجوة واسعة، لكن للأسف الشديد، رغم قدرة هذه الأحزاب على استشراف المستقبل، فإنها كانت قد تعرضت للحصار منذ وقت مبكر».
ويتابع قائلا إنه «للأسف أيضا، ورغم ثورتي يناير 2011 ويونيو 2013، فإن هذه القوى السياسية والحزبية لم تكن منظمة بالقدر الذي يعبئ الجماهير الغاضبة في اتجاه طريقها وفي اتجاه أن تبني مستقبلها. وبعد سقوط نظام مبارك قفز على حركة الجماهير وأحلامها جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من الكيانات الدينية التي ارتدت ثوب السياسة».
في ذلك الوقت؛ أي بعد مبارك، استشعرت قطاعات من الجماهير أن الفصيل الذي يرفع الشعارات الدينية هو الذي يستطيع أن يحقق أحلامها. ويضيف: «رأينا كلنا في انتخابات برلمان 2012 كيف تكتل الناس أمام صناديق الاقتراع. وكان الناخبون يقولون عن مرشحي التيار الإسلامي: إنهم الأقرب إلى الله، وإنهم سيحققون العدل ويعملون على الاهتمام بالفقراء ويمنحون الشعب الحرية ويحققون مطلب العيش بكرامة. لكن للأسف، وبعد مرور سنة، تبين للجماهير أن هذا الفصيل رغم قدرته وتنظيمه فإنه غير قادر على إدارة الدولة ولا تشغيل الاقتصاد».
وفي ذلك الوقت أيضا، ظهرت قوة صلبة أخرى ممثلة في القوات المسلحة المصرية، التي كان على رأسها الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي. ويزيد عبد الله موضحا: «عندها كانت غالبية المصريين قد أدركت أن القوات المسلحة هي القوة التي تستطيع أن تحميها وأن تحقق أمانيها. وقتها كان الشعب قد فقد الثقة في كل الكيانات السياسية الأخرى، فتدافع في الشوارع والميادين وأيد عزل مرسي والإطاحة بحكم الإخوان، واختار هذا الشعب السيسي رئيسا للجمهورية ووافق على الدستور الجديد».
أما الآن، كما يقول المحامي عبد الله، فإن غالبية القوى السياسية تتخبط، فيما عدا بعض الأحزاب التي تبدو متماسكة، إلا أن لديها مشكلات مالية وغير قادرة على تمويل مرشحيها في الانتخابات النيابية المقبلة، مشيرا إلى أن الجماهير تراقب الآن القوى السياسية، لكنها لم تر بعد أي فصيل سياسي أو حزب، يوحي لها بقدرته على التعبير عنها أو تحقيق طموحاتها. ولهذا ترى كل يوم تكتلات انتخابية تنشأ وتكتلات تحل.. ومرشحون يذهبون لأحزاب ثم يتركونها ويتجهون لأحزاب أخرى، وهكذا.

* شعبية الرئيس
* وعن الطريقة التي يمكن للرئيس السيسي أن يستفيد بها من شعبيته قبيل انتخابات البرلمان، يقول محمود عبد الله: «الرئيس ينبغي أن يتعلم من حركة التاريخ.. لديه شعبية؟ نعم، لكن إذا لم يتزامن مع هذه الشعبية تنفيذ برنامج اجتماعي يلبي متطلبات الشعب، فرأيي هو أن المصير سيكون تراجع هذه الشعبية والفشل الذي لا يريده أحد».
ويضيف أن الرئيس يدرك هذا الأمر جيدا، وهو سبق وقال: «إن الجماهير لها مطالب لا بد من تحقيقها.. وللأسف الحكومة الحالية تتصرف تصرفات مناقضة لرغبة الرئيس.. إذا لم تكن هناك حكومة قادرة على تلبية مطالب الشعب، فإن هذا سيؤثر بالسلب على السيسي».
ويضيف أن الشعبية الكبيرة التي يحظى بها رئيس الدولة ليست «صكا على بياض»، لأن الشعب اختاره من أجل تحقيق الأمن والأمان والاستقرار وانتعاش الاقتصاد، بعد المعاناة التي مر بها خلال السنوات الأخيرة. الجماهير اختارت السيسي لأنه وقف معها بجرأة وهو يواجه الإخوان حين كان وزيرا للدفاع. وفي الوقت نفسه، هو ينتمي لمؤسسة عريقة، هي الجيش، وهي مؤسسة ذات ماض ضارب في قلب التاريخ المصري وتستطيع أن تحمي هذا الشعب.
لكن كيف يمكن للسيسي أن يستفيد من شعبيته؟.. هل يمكن أن يؤسس لكيان سياسي بشكل غير مباشر، حتى لا يكون قد عارض الدستور برئاسته لأحد الأحزاب؟ يجيب المحامي عبد الله محذرا من تكرار تجارب الرؤساء السابقين في تبني الكيانات السياسية أو الأحزاب.
وكان رؤساء مصر القادمون من خلفية عسكرية، منذ مطلع النصف الثاني من القرن الماضي، يترأسون الأذرع المدنية للكيانات التي يعتمدون عليها في الحكم، وفي المجلس التشريعي. ومعروف أن تجربة مصر تقول إن الرئيس عبد الناصر ترأس تنظيما سياسيا وكان له الأغلبية، وعندما توفي انتقل غالبية أعضاء تنظيمه السياسي لتدشين تنظيم جديد مع الرئيس السادات رغم أن هؤلاء كانوا يقفون مع القوانين الاشتراكية لعبد الناصر ثم وقفوا مع قوانين الانفتاح الاقتصادي أيام السادات.

* الوطني الديمقراطي
* وكان آخر هذه الكيانات المدنية «الحزب الوطني الديمقراطي» الذي ترأسه مبارك، وشغل نجله جمال موقع الأمين العام المساعد للحزب لشؤون السياسات. لكن الدستور الجديد، حظر على رئيس الدولة في مادته رقم «140» الانخراط في أي من العمل الحزبي، وقال إنه «لا يجوز لرئيس الجمهورية أن يشغل أي منصب حزبي طوال مدة الرئاسة».
ويضيف عضو لجنة الحريات في حزب التجمع، أن مبارك ترأس الحزب الوطني وتصور أنه حزب الأغلبية الفعلي، إلا أن هذا الحزب اختفى في طرفة عين حين غضبت الجماهير وخرجت وقالت له ارحل.. وكذلك تخيل الإخوان أنهم قادرون على إقصاء جميع القوى الأخرى، وأن الدنيا دانت لهم، وفي لحظة خرج هذا الشعب وطردهم شر طردة بجماعتهم وحزبهم، و«لذلك ينبغي أن يكون السيسي رئيسا لكل المصريين أي أن يكون فوق الأحزاب».
وعن الأولويات التشريعية في البرلمان المقبل، يتوقع محمود نفادي، المتحدث باسم «تحالف نواب الشعب»، أن يجري تعديل الدستور، وقال إنه «أمر وارد، لكن ليس في العام الأول للبرلمان. سيكون بعد فترة.. وسيكون في فترة الولاية الأولى للسيسي».
ويضيف عن شكل هذه التعديلات المتوقعة، أنه «سيتم التعديل في مواد كثيرة، خصوصا تلك التي توصف بأنها مواد ملغمة، مثل صلاحيات البرلمان.. وسيتم وضع ضوابط أكثر لمنع ظهور الأحزاب الدينية لأن الدستور الحالي لم يمنعها بشكل حاسم. سيتم التعديل في كثير من المواد وفقا لمتطلبات المرحلة المقبلة».
ومن بين التعديلات الدستورية المرجحة التي سيتكفل بها البرلمان، كما يتوقع عدد من السياسيين، إلغاء النص الدستوري الذي يمنع انتقال النائب من صفة حزبية أو مستقلة إلى أخرى، وذلك حتى يمكن تحقيق الأمل الذي يراود البعض في جمع مئات من النواب الذين سيفوزون في الانتخابات، في حزب واحد كبير يدعم مؤسسة الرئاسة.
ويقول نفادي: «ربما سيكون من ضمن التعديلات التي ستتم في الدستور النص الخاص بانتقال النائب بين صفته المستقلة وصفته الحزبية، وهذا النص قد يكون من النصوص السريعة في التعديل، لأن النواب المستقلين لن يستطيعوا تشكيل حزب من داخل البرلمان في وجود هذا النص. وحين يتم إسقاط هذا النص سيظهر الحزب الجديد الذي ربما سيكون هو حزب السلطة لسنوات مقبلة».
ويرى نفادي أن العائلات المصرية التي تمثل العمود الفقري للانتخابات النيابية ما زالت تدعم السيسي وتوجهاته، منذ أن نزلت هذه العائلات للشارع في 30 يونيو ضد الإخوان، ومنذ أن نزلت لانتخابه للرئاسة وفي الاستفتاء على الدستور. ويتوقع أيضا أن تتلاشى عشرات الأحزاب بعد الانتخابات النيابية المقبلة. ويقول: «كل الأحزاب التي تراها الآن على الساحة ستذوب وتنتهي وتتبخر. وكل حزب لن يكون له موضع قدم في البرلمان المقبل سيكون كأنه كتب شهادة وفاته.. ومن لن يدخل في الحزب المزمع سينضم للحزب المعارض لكي تدخل مصر في مرحلة الحزبين الكبيرين».
ومن جانبه، يقول كامل عبد الله، الباحث في مركز «الأهرام» للدراسات السياسية والاستراتيجية، إن غالبية الأحزاب الموجودة في مصر ليست أحزابا في الأساس.. أي حزب يفترض أن يعمل مع القواعد الشعبية من أجل السعي للوصول إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، لكن في الحالة المصرية يبدو أن أكثر الأحزاب تقتصر على محاولات لإرضاء أصحاب المصالح وتحقيق المكاسب الوقتية دون الأخذ في الاعتبار الجانب المؤسسي والسياسي الذي يعتمد على الجماهير.
ويضيف أن هذا الأمر للأسف «غير موجود»، مشيرا إلى أن الوحيد الذي كان يقدم نفسه للجماهير كحزب هم الجماعات الدينية المتشددة التي انخدع فيها الشعب بعد تجربة سنة في البرلمان وحكم الدولة أيام مرسي.
ويصف الباحث في مركز «الأهرام» الوضع على الساحة السياسية، قبل أسابيع من فتح باب الترشح لانتخابات البرلمان، بأنه يوجد فيه ارتباك كبير.. «ارتباك في التحالفات الانتخابية. لم نلاحظ أي استقرار على أي تحالف حتى الآن، رغم أنه جرى الإعلان عن تحالفات بالفعل، إلا أن معظمها عاد وتفكك من جديد ليأخذ أشكالا أخرى من التحالفات المغايرة المرشحة للانقسام مجددا».
حتى الآن الأحزاب غير قادرة على الاصطفاف في خندق واحد، وذلك رغم دعوة الرئيس السيسي لزعماء الأحزاب أخيرا بأن يتحدوا بعضهم مع بعضا، لكن الخلافات الكبيرة بينهم يبدو أنها تمنع وتحول دون تحقيق رغبة الرئيس، كما يوضح الباحث عبد الله، قائلا إنه «طالما ظلت التكتلات الانتخابية غير قادرة على توحيد نفسها، فإن أداءها بعد أن تفوز وتدخل البرلمان لن يكون موحدا. كل منها له نظرة بشأن النموذج الاقتصادي الذي ينبغي أن تكون عليه الدولة مستقبلا.. لدينا اشتراكيون وليبراليون، وهم منقسمون على أنفسهم ويبدو أنهم لن يكونوا قادرين على خلق نموذج مصري لهذه المرحلة الهامة في تاريخ البلاد». ويلاحظ الباحث عبد الله، أن «الشيء الوحيد الذي تتفق عليه كل هذه الأحزاب هو تأييد الرئيس السيسي، لكن ما يقومون به الآن هو مجرد صراع على من يكون الأقرب من الرئيس وليس الداعم للرئيس، بينما لو كان الهدف هو دعم الرئيس لرأينا وجود تحالفات حقيقية. لكن ما هو موجود على الساحة اليوم تحالفات هشة.. كل يوم نسمع عن أن هذا الحزب خرج من تحالف الجنزوري وذهب لتحالف الوفد المصري أو تحالف الاستقلال أو في حب مصر، وهكذا».
وفي الدلتا والصعيد أيضا هناك أحزاب تتصارع كذلك على الشخصيات العامة.. وقامت أحزاب أخرى بعقد مؤتمرات أعلنت فيها عن تحالفات سياسية للانتخابات، وأعلن البعض أنه قرر الانضمام إليها، إلا أن هؤلاء انضموا إلى قوائم مزمعة مختلفة حين جاءتهم تكتلات مغايرة بتحالفات جديدة، فأعلنوا أنهم سيقفون معها. ولم يستقر معظم المرشحين على قوائم بعينها بعد. ويقول عبد الله: «حتى الجنزوري يواجه هذه المشكلة. هو يريد أن يستقطب شخصيات معينة وهي الشخصيات نفسها التي تتصارع عليها تكتلات أخرى».
والمشكلة كما يراها عبد الله هي أن معادلة، أن «الرئيس الذي لديه شعبية والأحزاب التي ليست لها تلك الشعبية، يمكن أن ينتج عنها برلمان ضعيف، ولهذا أعتقد أن البرلمان إذا لم يعضد الرئيس فإنه سيكون برلمانا غير شعبي»، مشيرا إلى أن الناس تدرك أن مجموعة الأحزاب هذه ليست على ذلك المستوى، وبالتالي أعين الناس معلقة على رئيس الدولة لكي يواصل إدارة الدفة وحماية السفينة من أي فوضى.. «إما أن يكون مجلس النواب شريكا للرئيس ومعاونا له، وإما أن الجماهير ستلفظ هذا المجلس بنوابه».



«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.


القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».