فوضى وغليان في ذكرى الثورة.. والرفض الشعبي للحوثيين يعم المدن اليمنية

{أنصار الله} تستخدم أساليب صالح في قمع المظاهرات > إصابة عشرات المتظاهرين واختطاف 15 بينهم 4 من قيادات «المشترك» > مطالبات بطرد اللجان الشعبية من تهامة

يمنيون يتظاهرون ضد جماعة الحوثي في ذكرى الثورة الرابعة في صنعاء أمس (أ.ب)
يمنيون يتظاهرون ضد جماعة الحوثي في ذكرى الثورة الرابعة في صنعاء أمس (أ.ب)
TT

فوضى وغليان في ذكرى الثورة.. والرفض الشعبي للحوثيين يعم المدن اليمنية

يمنيون يتظاهرون ضد جماعة الحوثي في ذكرى الثورة الرابعة في صنعاء أمس (أ.ب)
يمنيون يتظاهرون ضد جماعة الحوثي في ذكرى الثورة الرابعة في صنعاء أمس (أ.ب)

عمت التظاهرات المناهضة لجماعة الحوثيين مختلف المدن اليمنية، أمس، بعد 4 أشهر من الانقلاب الحوثي على الدولة. وخرج عشرات الآلاف من المحتجين إلى الشوارع، أمس، في تظاهرات ضخمة بالعاصمة صنعاء و6 مدن أخرى، لرفض الانقلاب الحوثي. واحتفاء بالذكرى الرابعة لثورة 11 فبراير التي أطاحت بالرئيس السابق علي عبد الله صالح عام 2011.
ورد الحوثيون على التظاهرات بإغلاق الشوارع بالاعتداء على قيادات سياسية بالرصاص الحي والسلاح الأبيض، وتنظيم مظاهرات مؤيده لهم، وسط انتشار مئات المسلحين بصحبة أطقم عسكرية، ومدرعات.
وعمت المظاهرات الاحتجاجية المدن اليمنية وتركزت في كل من العاصمة صنعاء، وتعز، وإب، وأبين، والبيضاء، والحديدة، منددة بالانقلاب الحوثي، وأعلنت رفضها لكل ما أعلنه الحوثيون أخيرا، مطالبين باستعادة الدولة من الميليشيات المسلحة، وأعاد المتظاهرون أجواء ثورة فبراير عام 2011، التي أسقطت نظام صالح، وسقط فيها العشرات من القتلى والمئات من الجرحى برصاص الجيش والشرطة التي كانت موالية له، حيث خرج كثير من القيادات الشبابية الذين قادوا ثورتهم، من أهمهم باسم الحكيمي الذي أصيب بجروح بعد طعنه من قبل الحوثيين.
وخرجت مسيرات صباحية ومسائية، حاشدة في شوارع العاصمة صنعاء، رغم إغلاق الحوثيين الشوارع المحيطة بساحة التغيير حيث انطلقت منها أول شرارة ثورة 2011، كما أغلق مسلحو الجماعة شارع الستين الشمالي، وميدان السبعين، وميدان التحرير، لمنع وصول التظاهرات إليها، وهو ما أجبر منظمي المسيرات إلى تغيير مسارها إلى شارع الزبيري، وجولة سبأ، وجولة 45، ومنطقة نقم، وقد تعرضت 3 مسيرات منها إلى اعتداء، بإطلاق الرصاص الحي، والاعتداء على قيادات حزبية وشبابية شاركت فيها بالسلاح الأبيض والهراوات، وأسفر ذلك عن إصابة أكثر من 7 أشخاص، واختطاف أكثر من 15 شخصا بينهم 4 أشخاص من قيادات أحزاب «تكتل اللقاء المشترك».
وقال القيادي في حركة رفض، بسام البرق، إن «المسلحين اعتدوا عليهم بالرصاص والخناجر، وأصيب شخصين، بينما تم اختطاف 10 أشخاص»، موضحا أنهم «حاولوا الاعتداء على المسيرة التي شارك فيها أمين عام حزب الوحدوي الناصري، عبد الله نعمان، ووزيرة الثقافة المستقيلة، أروى عثمان»، ولفت إلى أن المشاركين في المسيرات «قاوموا الحوثيين بأيديهم بعد أن عجزوا عن تفريقهم»، مشيرا إلى أن المسلحين «اعتدوا على ناشطات من بينهن الدكتورة شفيقة الوحش، رئيسة اللجنة الوطنية للمرأة».
من جانبه اتهم حزب الإصلاح، الحوثيين باختطاف 3 من قياداته في صنعاء، وأكد الحزب في بيان صحافي أمس، أن «الاختطاف تم بعد مشاركتهم في مسيرة مناهضة لهم»، موضحا أن «دوريات تابعة لمسلحي الحوثي، خطفت اثنين من القيادات من أمام منزليهما في العاصمة، وهما الدكتور فتح القدسي أحد قيادات الإصلاح في الدائرة 14 والناشط عبده الحذيفي، في حين تعرض القيادي الثالث، وهو حسن العمدي، للخطف من مديرية صنعاء القديمة»، مشيرا إلى أن «جماعة الحوثي تشن حملة شعواء ضد معارضيها من شباب الثورة ومن القيادات الحزبية الذين خرجوا في مسيرات حاشدة يحتفون بذكرى 11 فبراير وينددون بانقلاب الجماعة».
وندد التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري بما وصفه بـ«القمع الذي طال المتظاهرين في صنعاء، والذي نتج عنه محاولة اعتداء استهدفت الأمين العام للتنظيم، عبد الله نعمان، وعضوا اللجنة المركزية للتنظيم، د. عبده غالب العديني، ود. شفيقة الوحش»، وأكد الناصري في بيان صحافي أن «الحوثيين اعتدوا بأعقاب البنادق على شهاب محرم عضو المكتب التنفيذي لفرع الأمانة، كما اختطفوا الدكتور أحمد مقبل القباطي، عضو القطاع الصحي للناصري»، إضافة إلى «إصابة أكثر من 5 متظاهرين بالطعن بالسلاح الأبيض «الجنابي والخناجر»، بينهم الناشط هشام العلواني الذي أصيب في الرقبة والصدر، وأكد الحزب أن «هذه الممارسات الهمجية لن تثني اليمنيين عن مواصلة نضالهم في سبيل تحقيق أهداف الشعب لطموحاته التي ينشد في الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة».
وشهدت محافظة تعز وسط البلاد، مظاهرة مليونية، صباح أمس، شارك فيها آلاف اليمنيين في مسيرات تطالب باستعادة هيبة الدولة وفرض النظام والقانون، ومنع جماعة الحوثي من التوغل في مؤسسات الدولة، ورفعت المسيرة التي خرجت، في الذكرى الرابعة لثورة فبراير، شعارات مناوئة للتدخلات الإيرانية في اليمن، مطالبين السلطات المحلية والقيادات العسكرية في المحافظة بقطع جميع العلاقات مع الانقلابيين في صنعاء، كما خرجت تظاهرات في كل محافظة إب، والبيضاء، والحديدة، وأبين، أكدت استمرارا شباب ثورة فبراير واليمنيين في التظاهرات والاحتجاجات حتى تنسحب الميليشيات المسلحة من العاصمة والمحافظات التي تسيطر عليها، وقد أصيب في تظاهرات البيضاء، مستشار المحافظ حسين الحميقاني، بجروح بليغة، بعد إطلاق مسلحي الحوثي الرصاص الحي على مسيرتهم الاحتجاجية.
الحوثيون من جانبهم كرروا أسلوب الرئيس السابق في الرد على تظاهرات الشارع، حيث حشدوا مسلحيهم ومناصريهم في كل من شارع الستين، والسبعين، وساحة التغيير، لمنع التظاهرات المناوئة لهم من الاحتشاد فيها، وتظاهر الحوثيون وسط إجراءات أمنية مشددة برفقة سيارات الشرطة والجيش، وأعلنوا تأييدهم لما يسمى بـ«الإعلان الدستوري»، مرددين شعارات كانت تستخدمها الثورة الإيرانية التي صادف انطلاقها أمس، ومن أهم الشعارات «الله أكبر.. أميركا الشيطان الأكبر»، و«الموت لأميركا وإسرائيل واللعنة على اليهود»، واستغل الحوثيون القنوات التلفزيونية الحكومية في نقل تظاهراتهم، مستخدمين مروحيات الجيش في تصوير جموعهم.
وشهدت مدينة الحديدة، غرب اليمن، أمس، مسيرات حاشدة غير مسبوقة، شارك فيها الآلاف من أبناء تهامة إحياء وابتهاجا بالذكرى الرابعة للثورة اليمنية 11 فبراير، وذلك في سياق المظاهرات التي تشهدها المحافظات اليمنية بالذكرى ورفضا لانقلاب الحوثيين على السلطة.
وقال الدكتور منصور القدسي، أستاذ العلاقات الدولية بقسم الإعلام بجامعة الحديدة لـ«الشرق الأوسط»، إن «الذكري الرابعة لثورة 11 فبراير الشبابية تأتي في منعطف خطير يمر به الوطن، ولم تستطع الثورة الشبابية أن تحقق الأهداف السامية التي ضحى من أجلها خيرة شباب اليمن. وبحسب استنتاجي، فإن ذلك يعود إلى ثورة الشباب التي تم خطفها من قبل النخب السياسية وجبروها لمصالحهم ولصالح المكايدات السياسية، بدلا من استغلال اللحظة التاريخية التي فجرها الشباب عام 2011م الذين ضحوا من أجل تحقيق أحلامهم الكبيرة ومن أجل يمن جديد ووطن خال من الفساد».
وأضاف أستاذ الإعلام أنه، وفي الوقت الراهن: «أصبح مطلوبا من الشباب في المرحلة الحرجة التي يعيشها اليمن أن يستعيدوا قواهم ويستغلوا طاقاتهم في تكوين مكونات شبابية لا تمت للأحزاب التي شاخت بصلة، وخصوصا شباب 11 فبراير في محافظة الحديدة الذين يبادروا بتأسيس هذه المكونات الشبابية، ويتعانقون جميعا تحت مظلة وطنية ورؤية سياسية متحدة لتشخيص الواقع وفق تطلعات الشباب التي تعبر عن هموم وشعور جمعي لكل أبناء اليمن»، منبها الشباب إلى عدم السماح للأحزاب السياسية في اليمن بخطف ثورتهم مجددا، كما فعلت في السابق.
ومن جهته، أكد الناشط حيدرة الكازمي، الطالب بكلية الإعلام - جامعة الحديدة، لـ«الشرق الأوسط»، أن «في مثل هذا اليوم أشعل شباب اليمن ثورة مباركة طيبة، رغم ضعفهم، وليس الضعف النفسي أو المعنوي، ولكن المادي والتنظيمي، ومع ذلك كافح هؤلاء الشباب وناضلوا في مسيرة وثورة لوطن ولشعب يتوق إلى العيش بحرية وكرامة وأمن ووضع معيشي مستقر أضاعه من حكموا اليمن السعيد، وهم من أبناء هذا اليمن السعيد، ولكن ضمائرهم رهينة للعملاء والحاقدين من خارج الوطن»، مشيرا إلى أن «شباب ثورة 11 فبراير مستمر في نضاله المنشود والمشهود وسيستخدمون جميع الوسائل المتاحة السلمية للانتصار للثورة وحلم الوطن وهدف الشهيد الذي ضحى لأجله».
وبينما إذا كان أبناء تهامة يؤيدون قرار المحافظ حول الانقلاب الحوثي والدستور الحوثي، قال الناشط في «الحراك التهامي السلمي»، أيمن جرمش، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن «محافظ المحافظة حسن الهيج لا يمثل أبناء تهامة وهو في الأصل ليس المحافظ الشرعي للحديدة؛ حيث تم تعيينه من قبل ميليشيات الحوثي بعد أن أدى الولاء والطاعة للمدعو عبد الملك الحوثي، وتم الضغط على رئيس الجمهورية عبد ربه هادي لإصدار قرار تعيينه ولا يعترف به أبناء تهامة وأطلقوا عليه اسم الخائن».
وأضاف جرمش: «تأييد المحافظ الهيج لما يسمى بـ(الإعلان الدستوري) لا يمثل إلا نفسه فقط، ونحن في (الحراك التهامي السلمي) مستمرون في تصعيدنا رفضا لميليشيات الحوثي المسلحة المحتلة لتهامة والأيام القادمة ستكون حبلى بالمفاجآت». وأضاف إلى ذلك أن «موقف (الحراك التهامي) واضح من الإعلان الدستوري المزعوم، ويعتبر (الحراك التهامي) هو الحامل الوحيد للقضية التهامية والممثل لأبناء تهامة لانضواء الآلاف من التهاميين في كل المديريات التهامية تحت رايته، والاحتفال بذكرى ثورة 11 فبراير، وسيعيد الزخم الثوري من جديد».
وطالب شباب الثورة في تهامة و«الحراك التهامي السلمي» وجميع التكتلات من أبناء تهامة، الخروج وتلبية النداء الحق وصوت الحرية، وسحب الثورة المسلوبة منهم وإعادتها إلى طريقها الصحيح بعدما تم الالتفاف عليها من أجل التربع على كراسي السلطة بقوة السلاح والكذب والمراوغة.



سخط من الداخل الحوثي يربك تماسك الجماعة

مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)
TT

سخط من الداخل الحوثي يربك تماسك الجماعة

مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرفعون صور خامنئي خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)

لم تعد الانتقادات الموجهة إلى الجماعة الحوثية حكراً على خصومها؛ إذ بدأت خلال السنوات الماضية أصوات من داخل بيئتها الموالية توجه انتقادات لاذعة إلى طريقة إدارتها لمناطق سيطرتها، متهمةً قياداتها بالجباية، والفساد، والاستحواذ على مؤسسات الدولة، وتغليب مصالح الجماعة وأجنحتها على مصالح المواطنين.

وفي أحدث هذه المواقف، هاجم محمد المقالح -القيادي السابق فيما كانت تُعرف بـ«اللجنة الثورية العليا» التي أدارت انقلاب الجماعة- جماعة الحوثي واصفاً إياها بأنها «سلطة طاردة للحياة»، وقال إنها دفعت برؤوس الأموال والمثقفين والفنانين والسياسيين والنشطاء والإعلاميين إلى مغادرة البلاد.

وقال المقالح، في تغريدة على منصة «إكس»، إن صنعاء شهدت خلال سنوات سيطرة الحوثيين نزيفاً وهجرة جماعية لرؤوس الأموال، وشرائح واسعة من النخب، إلى جانب مغادرة قنوات، ومراسلين إعلاميين، فيما يعيش من تبقى، وفق وصفه، حالة من الانكفاء على الذات، ومعاناة يومية تعكس تدهور الأوضاع المعيشية.

مقر أمني حوثي تابع لما يُسمى جهاز «الأمن الوقائي» في صنعاء (الشرق الأوسط)

ولم يكتفِ المقالح بتوصيف التداعيات الاقتصادية، والاجتماعية، بل ربط الانقسامات داخل سلطة الحوثيين بما وصفه بقضية «الولاية»، معتبراً أنها استنزفت الجماعة، وأصبحت سبباً رئيساً في انقسامها.

وقال إن سلطة الحوثيين باتت «منقسمة على نفسها»، معتبراً أن السبب الجذري لذلك هو قضية الولاية التي قال إنها «تستهلكها، وستُهلكها حتماً».

وتحمل تصريحات المقالح دلالة سياسية لافتة، خصوصاً أنها صادرة عن شخصية عرفت المشهد الحوثي من الداخل، وسبق أن كانت جزءاً من بنيته السياسية، ما يمنح الانتقادات وزناً أكبر من تلك التي تصدر عن خصوم الجماعة التقليديين.

انشقاق من أمني

في مؤشر آخر على اتساع دائرة السخط، أعلن قبل أيام ضابط في جهاز الأمن المركزي التابع للحوثيين انشقاقه عن الجماعة، بعد أن حظي باهتمام واسع إثر ظهوره في تسجيل مصور اشتكى فيه من الجوع، وتدهور الظروف المعيشية التي يعاني منها أفراد الأمن.

واشتهر النقيب أبو مرتاح الصيادي بعد ظهوره في تسجيل مصور قال فيه إنه «جائع»، قبل أن تتحول العبارة إلى مادة للتداول الواسع، باعتبارها تعبيراً عن الأوضاع الاقتصادية الصعبة في مناطق سيطرة الحوثيين.

وفي تسجيل مصور جديد، قال الصيادي: «الحمد لله الذي أخرجني من بين الظالمين، والمجرمين. لقد نجوت بمعجزة».

مسن يمني يبيع الثوم على رصيف أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)

وأوضح أنه خدم لسنوات في قوات الأمن المركزي، وأقر بدوره السابق في دعم الحوثيين، قائلاً إنه حشد الناس لفعاليات الجماعة، وشارك في عمليات أمنية، وجمع أموالاً من المدنيين، بينهم مالكو سيارات، لدعم أنشطتها، معرباً عن أسفه لذلك.

وقال إن انخراطه في التجنيد وتعبئة الناس كان من أكبر أخطائه، وزعم أن مسؤولين حوثيين أجبروه على الاعتذار بعد انتشار مقطع «أنا جائع».

وأضاف أن انتشار التسجيل أثار قلقاً لدى قيادات الجماعة، التي أمرت قوات الأمن في صنعاء بالبقاء في حالة تأهب خشية اندلاع احتجاجات شعبية.

كما اتهم الصيادي مسؤولين ومشرفين حوثيين بالاستيلاء على منازل وممتلكات مواطنين، وانتقد أوضاع السجون الخاضعة لسيطرة الجماعة، قائلاً إن بعض المحتجزين يقبعون فيها منذ أشهر بسبب خلافات بسيطة.

ويأتي ظهور الصيادي وانشقاقه في وقت تواجه فيه الجماعة ضغوطاً عسكرية متزايدة على جبهات القتال، وبالتزامن مع تصاعد الانتقادات الداخلية للأوضاع الاقتصادية، والمعيشية في مناطق سيطرتها، بما يضيف بُعداً أمنياً إلى حالة السخط التي بدأت تظهر من داخل بيئتها.

اتهامات بالظلم والتمييز

في مسار موازٍ، صعّد الأكاديمي في جامعة عمران، والموالي سابقاً لجماعة الحوثيين، عبد السلام الكبسي، انتقاداته لسلطة الجماعة، وحكومتها، متهماً إياها بتحميل أبرياء مسؤولية أفعال لم يرتكبوها.

وقال الكبسي، في منشور على «فيسبوك»، إن «الظلم الأعظم» يتمثل في إلقاء اللائمة على شخص مع معرفة أنه غير مسؤول عما حدث، وتحميله مسؤولية أمر «لم يعمله، أو يعلمه».

ولا تأتي هذه الانتقادات بمعزل عن مواقف سابقة للكبسي؛ إذ سبق له أن هاجم الأوضاع الاقتصادية والإدارية في مناطق سيطرة الحوثيين، وانتقد ما وصفه بـ«دولة الجبايات»، محذراً من الأعباء المالية المتزايدة التي يتحملها المواطنون في ظل انقطاع الرواتب، وتراجع الخدمات، وتفاقم الأوضاع المعيشية.

يمنيون في صنعاء يتناولون وجبة «السلتة» الشعبية في أحد المطاعم (رويترز)

كما انتقد الخطاب السياسي للجماعة، ورفض اختزال اليمن في مشروعها السياسي، أو تقديمها باعتبارها الممثل الوحيد للبلاد.

وامتدت خلافاته مع سلطة الحوثيين إلى ملفات أخرى، بينها قضايا الأراضي، والممتلكات، حيث وجه انتقادات لما اعتبره استغلالاً للنفوذ، ومحاولات للاستحواذ على ممتلكات المواطنين.

أما القيادي الحوثي عبد السلام جحاف، الذي يشغل منصب عضو مجلس شورى الجماعة، فقد اتخذ انتقاده منحى أكثر مباشرة، بعد ظهوره في تسجيل مرئي تحدث فيه بنبرة غاضبة عن ممارسات قال إنه تعرض لها من داخل المنظومة الحوثية التي ينتمي إليها.

ووجه جحاف انتقادات حادة إلى قيادات نافذة في الجماعة، متهماً إياها بشن حملات تشويه وتحريض ضده، والتضييق عليه، وتهديده، في تصعيد علني ينقل الخلافات من الغرف المغلقة إلى المجال العام.

عناصر حوثيون خلال فعالية تعبوية في صنعاء دعا لها زعيمهم (رويترز)

وقال جحاف إنه لن يصمت أمام ما يتعرض له، حتى لو كلفه ذلك حياته، في موقف يعكس مستوى الاحتقان داخل الجماعة، خصوصاً أن الرجل عُرف خلال السنوات الماضية كأحد المدافعين عنها، والمهاجمين لخصومها.

ولا يُعد هذا أول خلاف لجحاف مع قيادات حوثية؛ إذ سبق أن انتقد قيادات من محافظة صعدة، معقل الجماعة، واتهمها بتهميش أبناء محافظة ريمة، والتعامل معهم باعتبارهم مواطنين من «الدرجة الخامسة».


الحكومة اليمنية تراجع أداء مطارات المناطق المحررة

وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)
وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)
TT

الحكومة اليمنية تراجع أداء مطارات المناطق المحررة

وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)
وضع حجر الأساس لمقر الهيئة العامة للطيران المدني في عدن (إعلام حكومي)

بدأت وزارة النقل اليمنية إجراء تقييم شامل لأداء المطارات في المناطق المحررة، في مختلف الجوانب الفنية والإدارية، وتحديد الاحتياجات والمشكلات واقتراح الحلول، ضمن توجه لتحسين أدائها ورفع كفاءتها، في وقت لا يزال فيه مركز المراقبة الجوية الرئيسي تحت سيطرة الجماعة الحوثية.

وخُصص الاجتماع التقييمي الأول لقطاعات الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، الذي عُقد في مدينة عدن العاصمة المؤقتة للبلاد، لمناقشة قطاع المطارات وسلامة الطيران، ومستوى الأداء والاحتياجات، وأبرز التحديات التي تواجه قطاع النقل الجوي، وفي مقدمتها المطارات ومركز المراقبة الجوية.

ووفق المصادر الحكومية، وجَّه وزير النقل محسن العمري قيادة قطاعي المطارات وسلامة الطيران في الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، ومديري المطارات في المناطق المحررة، برفع تقارير شاملة وشفافة تتضمن تقييماً دقيقاً لأوضاع المطارات في مختلف الجوانب الفنية والإدارية، وتحديد أبرز الإشكالات والاحتياجات والمقترحات والحلول، إلى جانب وضع آلية واضحة للتعامل مع الجهات المنتدبة والعاملة داخل المطارات.

مطار عدن الدولي أحد أبرز المطارات الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية (إعلام حكومي)

كما وجَّه الوزير برفع مستوى التنسيق وإخضاع جميع الجهات العاملة داخل المطارات للإشراف المباشر من إداراتها، وفقاً للقانون والنظام، مع رفع أي مخالفات إلى قيادة الوزارة لاتخاذ الإجراءات المناسبة حيالها.

تطوير ورفع كفاءة الكوادر

تأتي هذه التحركات ضمن توجه حكومي لتقييم مختلف قطاعات الهيئة العامة للطيران المدني والأرصاد، لا سيما قطاع المطارات، والوقوف على مستوى أدائها واحتياجاتها، بما يعزز كفاءة منظومة النقل الجوي ويرفع مستوى الخدمات المقدمة للمسافرين.

ونبَّه الوزير العمري إلى أن وزارته تقف أمام مسؤولية وطنية كبيرة في تنظيم قطاعات النقل الجوي والبري والبحري، مشدداً على ضرورة الالتزام بالقوانين واللوائح والنظم النافذة، ومعالجة الاختلالات الإدارية والفنية، وترسيخ الثقافة القانونية في مختلف مرافق الوزارة والهيئات التابعة لها.

مساعٍ يمنية لرفع كفاءة المطارات وتحسين جودة الخدمات للمسافرين (إعلام حكومي)

وطالب الوزير اليمني القائمين على قطاع الطيران المدني بالارتقاء بمستوى المطارات، وتوفير الحد الأدنى من الأجهزة والمعدات الملاحية والفنية اللازمة، والعمل على تطوير البنية التحتية للمطارات بما يتوافق مع معايير منظمة الطيران المدني الدولي والأنظمة والمعايير الدولية.

كما وجَّه بوضع خطة متكاملة للتدريب والتأهيل للعام الحالي، وإدراج الاحتياجات ضمن الموازنة العامة، لضمان رفع كفاءة الكوادر العاملة في قطاعات الهيئة والمطارات.

واطلع المشاركون في الاجتماع على حصيلة النقاشات التي أُجريت مع القيادة السياسية بشأن عدد من القضايا المتعلقة بقطاعات النقل، أبرزها مكافحة التهريب، وتنظيم عمل الجهات المنتدبة، وضمان تطبيق القوانين واللوائح والنظم المنظمة للعمل في المنافذ والمرافق التابعة لوزارة النقل.

وأكد الوزير مجدداً ضرورة الالتزام بالاختصاصات والصلاحيات المحددة بموجب قانون الطيران المدني واللوائح ذات الصلة، والعمل وفق الأطر القانونية والمؤسسية.

إعادة ضبط الإيرادات

بشأن إيرادات الهيئة العامة للطيران المدني، نبَّه الوزير العمري إلى أنها إيرادات عامة للدولة ينبغي الحفاظ عليها وعدم استنزافها أو التصرف فيها خارج الأطر القانونية.

وقال إن مسؤولية تطوير وتحسين أداء المطارات والقطاعات التابعة للهيئة مسؤولية مشتركة، وتتطلب العمل ضمن فريق واحد والتنسيق المستمر، وتجاوز الممارسات والاختلالات التي نشأت خلال سنوات الحرب، وتصحيحها بما يتوافق مع القوانين والأنظمة النافذة.

كما ناقش المجتمعون القضايا المتعلقة بقطاعات الهيئة العامة للطيران المدني واحتياجاتها الفنية والتدريبية والتجهيزية، إضافة إلى أنشطة بعض القطاعات التابعة للهيئة، ومنها مركز المراقبة الجوية، ومستوى تنفيذ التوجيهات الصادرة من وزارة النقل، بما يخدم تنظيم العمل وتحسين الأداء والوصول إلى أفضل مستوى من الكفاءة والانضباط.

ويعاني قطاع الطيران المدني في اليمن من تداعيات الحرب والانقسام المؤسسي الذي طال مختلف قطاعات الدولة؛ ما أدى إلى تعقيدات في إدارة حركة الطيران والمجال الجوي.

وتدير الحكومة المعترف بها دولياً المطارات الواقعة في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وفي مقدمها مطار عدن الدولي، ومطارا الريان وسيئون في محافظة حضرموت، ومطار المخا الدولي على ساحل البحر الأحمر، ومطار سقطرى الدولي، ومطار المهرة، في حين يدير الحوثيون مطار صنعاء، ويتحكمون بمركز المراقبة الجوية الرئيسي.

وتأتي مراجعة وزارة النقل لأداء المطارات ووضعها في وقت تسعى فيه الحكومة إلى إعادة تنظيم مؤسسات النقل والمنافذ، وتعزيز الرقابة على الموارد والإجراءات التشغيلية، مع التركيز على رفع جاهزية المطارات وتحسين مستوى السلامة والخدمات ومكافحة التهريب.


انحسار الدعم الخارجي يهدد الخدمات الصحية اليمنية

الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)
الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)
TT

انحسار الدعم الخارجي يهدد الخدمات الصحية اليمنية

الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)
الدعم الدولي لقطاع الصحة في اليمن ساهم في تقديم الرعاية لملايين السكان (الأمم المتحدة)

في بلد أنهكته أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، لم يعد تراجع التمويل الخارجي للقطاع الصحي مجرد أزمة مالية تواجه الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، بل بات تهديداً مباشراً لاستمرار خدمات يعتمد عليها ملايين السكان، في وقت تتزايد فيه الاحتياجات الصحية وتتقلص الموارد بسبب استمرار الحوثيين في منع تصدير النفط والغاز.

وحذّر وزير الصحة اليمني، قاسم بحيبح، من التداعيات المتفاقمة للانحسار الحاد في الدعم الخارجي، داعياً إلى خطة انتقالية تقلل الاعتماد على المساعدات الدولية وتحمي الخدمات الصحية الأساسية من صدمة التمويل.

وقال بحيبح، خلال اجتماع موسع في العاصمة المؤقتة عدن، إن القطاع الصحي يمر بمرحلة «دقيقة»، وإن انخفاض التمويل الخارجي يفرض إعادة النظر في طريقة إدارة الموارد وتحديد الأولويات، والعمل على بناء نموذج أكثر قدرة على الاستمرار.

ويأتي تحذير الوزير في وقت تناقش فيه السلطات الصحية مشروعاً جديداً يموله البنك الدولي في مجالات الصحة والتغذية والمياه والإصحاح البيئي، في محاولة لتعزيز الخدمات في المناطق المستهدفة والحفاظ على قدرة المرافق الصحية على العمل.

لكنه شدد على أن استمرار الدعم الدولي، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن بناء قدرة محلية على تمويل الخدمات الصحية.

فجوة التمويل

تعني أي فجوة جديدة في تمويل القطاع الصحي، واقعياً، مزيداً من الضغط على المستشفيات والمراكز الصحية والكوادر الطبية، وقد تعني بالنسبة لكثير من الأسر اليمنية رحلة أطول بحثاً عن العلاج، أو دفع تكاليف لا تستطيع تحملها، أو ببساطة تأجيل العلاج حتى تتفاقم الحالة.

وقال بحيبح إن المطلوب هو التعامل مع حجم التحدي «كما هو»، والعمل وفق الموارد المتاحة، من دون أن يعني ذلك الاستسلام للظروف أو التراجع عن مسؤولية الدولة تجاه المواطنين.

وزارة الصحة اليمنية تبحث الحد من الاعتماد على التمويل الخارجي (إعلام حكومي)

ورأى أن الانخفاض الكبير في التمويل الخارجي يفرض على الوزارة والسلطات الصحية إعادة ترتيب الأولويات ووضع خطة لـ«الخروج السلس» من الاعتماد الكبير على التمويل الدولي، بما يمنع حدوث صدمة مفاجئة في الخدمات.

ويدق هذا التوجه ناقوس الخطر من تقليص الخدمات الصحية، في بلد لا تزال 40 في المائة من منشآته الصحية خارج الخدمة بسبب الحرب التي أشعلها الحوثيون، مع تدهور كبير في الوضع الاقتصادي واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية.

الاعتماد على الذات

الاجتماع، وفق المصادر الرسمية، ناقش مكونات مشروع البنك الدولي الجديد وأولوياته، إلى جانب مراجعة تجربة المشروع السابق الممول من البنك ضمن مشروع رأس المال البشري، وما قدمه من دعم وتدخلات للقطاع الصحي.

ويهدف المشروع الجديد إلى دعم مجالات الصحة والتغذية والمياه والإصحاح البيئي، وتعزيز قدرة المرافق الصحية المستهدفة على مواصلة تقديم خدماتها.

تراجع الدعم الدولي يضع القطاع الصحي اليمني أمام ضغوط متزايدة (إعلام حكومي)

غير أن حجم التحدي يتجاوز مشروعاً واحداً، إذ تسعى السلطات الصحية إلى التعامل مع مشكلة أكثر عمقاً تتمثل في كيفية الحفاظ على الخدمات عندما تتراجع المساعدات الخارجية التي ساعدت طوال سنوات الحرب في سد جزء من الفجوة بين الاحتياجات والإمكانات المحلية.

وقال بحيبح إن المرحلة المقبلة تتطلب حماية الخدمات التي تمس حياة المواطنين مباشرة، وتوجيه الموارد المحدودة إلى المناطق والفئات الأكثر احتياجاً، بدلاً من تشتيتها على تدخلات لا تملك الجهات الصحية القدرة على تمويلها بصورة مستدامة.

ودعا الوزير اليمني إلى تعزيز كفاءة الإنفاق والحوكمة والإدارة، وتطوير الشراكات، وتشجيع المبادرات المحلية والمجتمعية، مع الحفاظ على الشراكات القائمة مع المنظمات والمانحين وتوجيهها نحو الأولويات الوطنية.

وقال إن «الاعتماد على الذات أصبح ضرورة وليس خياراً»، داعياً مسؤولي الصحة إلى عدم انتظار الحلول من الخارج والعمل على إيجاد بدائل محلية قابلة للتنفيذ.

الدعم الدولي أوصل الخدمات الصحية إلى مناطق نائية في اليمن (إعلام حكومي)

كما طرح تعزيز المساهمة المجتمعية كأحد البدائل الممكنة، لكنه شدد على أن مشاركة المجتمع يجب ألا تتحول إلى بديل عن مسؤولية الدولة، وإنما إلى رافد منظم وشفاف للخدمات الصحية.

وخلص اجتماع وزارة الصحة إلى وضع توجهات لتعزيز تنفيذ مشروع البنك الدولي ورفع جاهزية المرافق الصحية، بالتوازي مع البحث عن حلول طويلة الأمد لأزمة التمويل.

لكن التحدي الأكبر، وفق توجهات الوزارة، لم يعد فقط كيف يحصل القطاع الصحي على تمويل جديد، بل كيف يمنع انهيار الخدمات عندما ينحسر التمويل الخارجي؛ وهي معادلة سيكون المواطن اليمني، في نهاية المطاف، أول من يدفع ثمنها.