دمشق تتهم واشنطن بدعم «الإرهاب»

كبير مفاوضي المعارضة لـ («الشرق الأوسط») : ملتزمون بالمفاوضات وفق إطار زمني

مستشارة الأسد بثينة شعبان ومساعد وزير الخارجية السوري فيصل المقداد يتحادثان خارج مقر المفاوضات في جنيف أمس (إ.ب.أ)
مستشارة الأسد بثينة شعبان ومساعد وزير الخارجية السوري فيصل المقداد يتحادثان خارج مقر المفاوضات في جنيف أمس (إ.ب.أ)
TT

دمشق تتهم واشنطن بدعم «الإرهاب»

مستشارة الأسد بثينة شعبان ومساعد وزير الخارجية السوري فيصل المقداد يتحادثان خارج مقر المفاوضات في جنيف أمس (إ.ب.أ)
مستشارة الأسد بثينة شعبان ومساعد وزير الخارجية السوري فيصل المقداد يتحادثان خارج مقر المفاوضات في جنيف أمس (إ.ب.أ)

تعثرت جلسة مفاوضات «جنيف2»، أمس، بين وفد نظام الرئيس السوري بشار الأسد ووفد المعارضة، بعد احتدام النقاشات خلال جلسة مشتركة عرض خلالها وفد المعارضة تصوره للمرحلة الانتقالية، بينما طالب وفد النظام بتبني قرار يدين واشنطن، متهما إياها بتسليح «الإرهابيين»، فغاب النقاش وقرر الوسيط الدولي الأخضر الإبراهيمي إلغاء الجلسة المسائية وإرجاءها إلى اليوم (الأربعاء).
وقال الإبراهيمي في مؤتمر صحافي عقده مساء أمس إن المفاوضات لم تحقق أي تقدم بعد، مؤكدا على صعوبتها. وتابع: «أكرر أن هذه مفاوضات صعبة. لم تكن سهلة اليوم ولم تكن سهلة خلال الأيام الماضية ولن تكون سهلة في الأيام المقبلة»، لكنه أكد أنه «لا أحد (من الطرفين) يغادر ولا أحد يهرب».
وأضاف أن المجتمعين ناقشوا الكثير من الأمور دون تحقيق تقدم، وأن المعارضين «قدموا اليوم تصورهم لكيفية تطبيق بيان 30 يونيو (حزيران) والمعروف بـ(جنيف1)». وأشار إلى أن «الحكومة لم تقدم تصورها بعد لذلك».
وتابع: «اقترحت عليهم أن لا نجتمع بعد الظهر (أمس) وأن نحضر أنفسنا كلنا لما يمكن أن يكون جلسة أفضل غدا لا (اليوم)».
وردا على بيان النظام الذي يشجب الدعم الأميركي للمعارضة، قال الإبراهيمي إن المسالة ليست «بيانا رسميا»، بل سمع عنه في الإعلام. لكنه أكد أن «روسيا وأميركا تشتغلان معنا في إطار اللقاءات الثلاثية بين روسيا والولايات المتحدة والأمم المتحدة»، وهما «جادتان وتريدان لهذا المسعى أن ينجح». وقال إنه يتطلع في المستقبل للتعاون مع إيران «لتقوم بدورها وتتحمل مسؤوليتها كدولة هامة في المستقبل».
وكانت متحدثة باسم الأمم المتحدة أعلنت بعد انتهاء الجلسة الصباحية في مقر الأمم المتحدة في جنيف أن أي جلسة بين وفدي النظام والمعارضة السوريين لن تعقد بعد الظهر. ومنذ السبت، اليوم الأول من انطلاق المفاوضات، اعتاد الإبراهيمي على الدعوة إلى جلسة صباحية مشتركة وجلسة على حدة مع كل وفد بعد الظهر.
وقالت ريما فليحان من وفد المعارضة لوكالة الصحافة الفرنسية إن الإبراهيمي طلب في جلسة أمس «الدخول في النقاش السياسي وفي بيان (جنيف1) وآليات تنفيذه. وخصص قسما من الجلسة للتحدث عن القضايا الإنسانية، وخصوصا فك الحصار عن حمص».
ويتفاوض الوفدان وفقا لمقررات «جنيف1» التي نصت على تشكيل هيئة حكم انتقالية تضم الحكومة والمعارضة دون أن تشير إلى مصير الأسد.
وذكرت فليحان أن فريقها قدم خلال جلسة اليوم رؤيته «لسوريا القادمة، سوريا الجديدة، سوريا المدنية التعددية الديمقراطية التي تضمن حق المواطنة والمساواة لكل أبنائها بغض النظر عن الجنس والدين والمذهب أو القومية أو الإثنية». وتابعت: «طرحنا تفاصيل تتعلق بكل ذلك، وطالبنا الوفد المقابل لنا بأن ينضم إلى الشعب السوري وأن يكون في صف هذا الشعب في تطلعاته المشروعة». وأضافت أن وفد النظام «رفض مناقشة الموضوع». وأوضحت أن تصور المعارضة تناول «هيئة الحكم الانتقالي بصلاحيات شاملة وإصلاح الجيش وموضوع إدارة مؤسسات الدولة وإعادة الحياة إلى طبيعتها في سوريا»، مشيرة إلى أن «الرؤية أولية بالخطوط العريضة، لكنها تحتاج إلى نقاش وتجاوب». واتهمت النظام بأنه لم «يتجاوب في موضوع فك الحصار عن حمص، ولم يقدم أي تصور في موضوع الحكم الانتقالي».
بدوره، قال عضو وفد المعارضة المفاوض لؤي صافي للصحافيين إن الإبراهيمي لم يدعُ إلى جلسات بعد الظهر «لإعطاء المجال لوفد النظام ليرد على طرح المعارضة».
وعبر عن استغرابه في بيان أصدره لاحقا من تصريحات نائب وزير خارجية نظام الأسد فيصل المقداد، التي نفى خلالها أي وجود لميليشيا حزب الله داخل سوريا.
واتهمت المعارضة النظام بمحاولة تحييد النقاش عن مساره مرة أخرى بطرح تبني بيان يدين الولايات المتحدة على تقديمها أسلحة إلى مقاتلي المعارضة. ووزع الوفد الحكومي فور انتهاء الجلسة الصباحية من جهته بيانا دعا فيه إلى إدانة قرار أميركي بـ«استئناف تسليح المجموعات الإرهابية في سوريا».
وجاء في بيان وفد النظام السوري «تزامنا مع انعقاد مؤتمر (جنيف2) وفقا للمبادرة الروسية - الأميركية المستند إلى بيان (جنيف1) الذي ينص صراحة في بنده الأول على وقف العنف والإرهاب، يفاجأ العالم بأن أحد طرفي هذه المبادرة التي دعت إلى المؤتمر، وهي الولايات المتحدة، اتخذت قرارا باستئناف تسليح المجموعات الإرهابية في سوريا».
ووصف القرار بـ«الاستفزازي» وبأنه «خطة معاكسة للجهود السياسية المبذولة ومناقضة تماما لجنيف نصا وروحا».
وأدرج البيان بين المنظمات التي تصلها هذه الأسلحة «داعش» و«القاعدة» و«جبهة النصرة» و«الجبهة الإسلامية». واستغرب «توقيت هذا القرار»، مشككا في وجود «محاولة مباشرة لإعاقة أي حل سياسي في سوريا». وطالب الولايات المتحدة بـ«الكف فورا عن هذا السلوك غير المسؤول الذي من شأنه تقويض مؤتمر (جنيف2)».
ورد عضو الوفد المعارض لؤي صافي على سؤال حول الأسلحة الأميركية، فأوضح أن المعارضة لم تتبلغ بأي قرار من هذا النوع، لكن «الإبراهيمي على ما يبدو على اطلع على شيء من هذا، وقد أكد لوفد النظام أن كل هذه المساعدات الأميركية غير فتاكة وغير قاتلة».
وقالت المستشارة السياسية للرئيس السوري بثينة شعبان العضو في الوفد الحكومي إلى جنيف: «طالبنا الطرف الآخر الذي يسمى معارضة بإدانة القرار الأميركي. للأسف رفضوا ذلك»، متسائلة عن مدى اهتمام هذا الطرف بمصلحة سوريا. إلا أنها أكدت أن هذا التعثر «لا يهدد المفاوضات... لن نترك المحادثات».
وأكد وفد النظام تمسكه ببقاء الأسد في السلطة، وقال المقداد إن رحيله سيكون «وصفة لدمار» سوريا. واعتبر أن وجود الرئيس يضمن مرور البلاد من الأزمة الراهنة.
وفي غضون ذلك، ردت الولايات المتحدة على الاتهامات السورية بالقول إن الحكومة السورية «تسمم مناخ المفاوضات» من خلال منع توصيل إمدادات المساعدات الحيوية للمدنيين، وخصوصا في المدينة القديمة بحمص المحاصرة.
ودعا إدغار فاسكويز المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية في جنيف حكومة الأسد إلى الموافقة فورا على القائمة الكاملة للتحركات المقترحة للقوافل التي طلبتها الأمم المتحدة للمدينة القديمة بحمص. وقال: «النظام يزيد من إلحاق الضرر بالمناخ التفاوضي من خلال استمراره في منع الطعام والماء والمساعدات الطبية للشعب السوري». وأضاف: «مطالبة قوات المعارضة بمغادرة منطقة أو إلقاء سلاحها قبل السماح بتسليم المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية المطلوبة بشدة لا يمثل عرضا مقبولا لإدخال المساعدات الإنسانية. رأينا النظام يفعل ذلك من قبل في إطار حملة التركيع أو التجويع المهينة التي يمارسها».
وقال فاسكويز إن شاحنات تابعة للأمم المتحدة تحمل 500 طن من المواد الغذائية وإمدادات الإغاثة جاهزة لدخول شمال شرقي سوريا والاتجاه إلى الحسكة ودير الزور فور إعطاء الحكومة السورية موافقتها. وأضاف أنه لا بد من الفصل بين إحراز تقدم بشأن قضايا المساعدات الإنسانية ومحادثات وقف إطلاق النار.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.