أحداث العام 2014: ليبيا.. الحرب بين رفاق الأمس

انقسام البلاد بين المتطرفين والجيش الوطني

أحداث العام 2014:  ليبيا.. الحرب بين رفاق الأمس
TT

أحداث العام 2014: ليبيا.. الحرب بين رفاق الأمس

أحداث العام 2014:  ليبيا.. الحرب بين رفاق الأمس

شهد عام 2014 تحولات دراماتيكية في ليبيا، بدأت منذ مطلع العام بإصرار ألوف الليبيين على إعادة مسار الثورة، التي قامت ضد العقيد معمر القذافي، إلى الطريق الصحيح، لكن هذا لم يكن سهلا، واستغرق ما تبقى من السنة، ومتوقع أن يستمر لسنة أخرى على الأقل قبل حسم الأمور لصالح إقامة دولة ديمقراطية تحت مظلة الحرية والكرامة والعدل.
ومن المعروف أن تيار «الإسلام السياسي»، الذي يضم خليطا من جماعة الإخوان والمتطرفين، هيمن على حكم البلاد عامي 2012 و2013، وبدلا من أن يسارع ببناء الدولة، من جيش وشرطة ومؤسسات، قام هذا التيار بسلوك طريق آخر شديد الخطورة، في دولة غنية بالنفط وتطل على أوروبا، وذلك باعتماده على المجموعات المسلحة والمتشددة في محاولة بسط الأمن في البلاد، مقابل إعطاء تلك المجموعات الميليشياوية الشرعية والأموال.
وكانت الميليشيات تنفذ رغبات المؤتمر الوطني العام (البرلمان السابق) والحكومة، دون أن تكون لأي منهما القدرة على كبح جماحها. وحين حاول رئيس الحكومة السابق الدكتور علي زيدان إحياء مشروع القضاء على الميليشيات من خلال دمجها في الجيش والشرطة، شنت عليه حربا شعواء انتهت بقيامها بالقبض عليه وتوجيه إنذار له ولباقي أعضاء حكومته بأن الميليشيات خط أحمر.
وظهرت هذه الميليشيات التي استولت على أسلحة معسكرات الجيش الليبي وحصلت على أسلحة من الخارج أيضا، لمحاربة قوات القذافي، إلا أن العديد منها تكون بعد سقوط نظام العقيد الراحل في أواخر عام 2011.
وتسببت عدة قرارات قام بها ما كان يعرف بالمجلس الانتقالي برئاسة مصطفى عبد الجليل، في إغراء زعماء المتطرفين والفارين من السجون أيام فوضى الحرب ضد القذافي، لتكوين تلك الميليشيات وتكاثرها رغم انتهاء الاقتتال ضد النظام السابق، لكي تقوم بحماية مؤسسات الدولة. ووجدت الميليشيات رعاية من نواب جماعة الإخوان ومن نواب يوالون تنظيم القاعدة. وحصل زعماؤها على ملايين الدولارات مقابل حراسة المنشآت والمؤسسات الحكومية.
وجاء هذا على حساب تشكيل قوة من الجيش. وأصبح المستفيدون من وجود الميليشيات يقاومون أي إجراء يمكن أن يصلح حال الدولة ويعيد قوتها وسلطانها. ولهذا جرت أكبر عملية لتصفية الكوادر والقيادات التي كانت لديها القدرة على التأسيس لدولة ما بعد القذافي، من خلال قانون العزل السياسي الذي جرى سنه في 2013 ولم تظهر نتائجه الفعلية إلا في 2014، ومن خلال عمليات الاغتيال لقادة الجيش والتي وصلت إلى نحو 500 من الضباط وضباط الصف والجنوب خلال سنة واحدة فقط.
وتزامن ذلك مع اجتماعات كان يعقدها العديد من الأعيان وقادة الجيش السابقين في لقاءات علنية في طرابلس، من بينهم اللواء خليفة حفتر، ضمن الحراك الشعبي الذي كان يبحث عن طريق ينقذ الدولة مما وصلت إليه. وفي المقابل بدأ المتطرفون في حماية دولتهم التي شكلوها سريعا في الغرف المغلقة بالتعاون مع قيادات في المؤتمر الوطني والحكومة.
لكن حين اقتربت المدة القانونية للمؤتمر الوطني العام من الانتهاء، شعر النواب الإسلاميون بأن الشارع الليبي والناخبين أصبحوا ضد استمرارهم في إدارة الدولة الليبية. ولهذا أخذ المؤتمر يماطل في إجراء الانتخابات الجديدة، وأدى الحراك الشعبي في طرابلس وبنغازي وغيرهما من المدن إلى الضغط من أجل إجراء الانتخابات التي جرى إنجازها بالفعل، ليخسر النواب الإسلاميون الأغلبية في البرلمان الجديد.
وهنا بدأت المجابهة السافرة بين ثلاثة أنواع من الخصوم الليبيين. الأول والثاني يشملان شركاء ما يعرف بـ«ثورة 17 فبراير»، والثالث أنصار القذافي. واشتعلت المعركة بين فريقي «شركاء فبراير»، المتطرفين بقيادة «الإخوان».. والمدنيين بقيادة الجيش والبرلمان الجديد، بينما ظل أنصار القذافي، الخصم الثالث، يراقبون الموقف، ويتحركون بخطوات محسوبة انتظارا للحظة التدخل المباشر.
وباستقالة زيدان من رئاسة الحكومة أصبح على المتطرفين أن يتصرفوا بشكل علني لأول مرة، وتسلم قيادة هذه المجموعات المنتشرة في كل من طرابلس وبنغازي ودرنة وسرت قيادات معروفة من جماعة الإخوان، وشكلت الجماعة من هذا الخليط المتشدد ما أصبح يعرف بقوات «فجر ليبيا» واقتحمت مطار طرابلس الدولي في معركة شهيرة في أغسطس (آب) الماضي، سقط فيها عشرات القتلى، وتعرض فيها المطار وما فيه من طائرات مدنية للدمار.
وكانت حرب مطار طرابلس بداية لانشقاق كبير بين رفاق الأمس. استثمرت جماعة الإخوان الهيمنة على العاصمة في إعادة جلسات البرلمان السابق للانعقاد، تحت حماية قوات «فجر ليبيا»، وهي قوات محسوبة أساسا على مدينة مصراتة وقبائلها. كما أعلنت تشكيل حكومة في طرابلس هي حكومة عمر الحاسي، واتهمت البرلمان المنتخب والجيش الذي يقود حفتر عملياته ضد المتطرفين، بالانقلاب على «ثورة فبراير».
ومن الجانب الآخر لم يتمكن البرلمان الجديد من الانعقاد في العاصمة أو في بنغازي كما ينص الدستور، واضطر للانعقاد في مدينة طبرق الواقعة على بعد نحو 1500 كيلومتر إلى الشرق من طرابلس. واعترف بالجيش الوليد وبعملية الكرامة التي كان حفتر قد بدأ بها عملياته العسكرية، بل أعاد البرلمان حفتر إلى الخدمة بعد أن كان ضابطا متقاعدا.
وحاز برلمان طبرق والحكومة التي يرأسها عبد الله الثني الاعتراف الإقليمي والدولي. وأعلن عن أن الميليشيات التي تحاربه وتحارب الجيش «منظمات إرهابية»، ومن بينها «فجر ليبيا» و«أنصار الشريعة»، وهو تنظيم كان مواليا لتنظيم القاعدة قبل أن يتحول إلى موالاة تنظيم داعش.
ومع اقتراب العام من نهايته تبدو قوات الجيش الوطني الليبي ضعيفة مقارنة بقوات الميليشيات ومن معها من تنظيمات متطرفة. ولا توجد على أرض الواقع أي مساعدة تذكر من دول الجوار الليبي للبرلمان الشرعي والجيش الوطني. ومع ذلك يستخدم الجيش ما لديه من طائرات وآليات وحماسة الجنود والضباط في محاولاته فرض السيطرة على البلاد وتقليم أظافر المتطرفين.
وشعرت العديد من دول الجوار وكذا بعض الدول الأوروبية بخطورة ما يجري في ليبيا من تطورات، لكن لا أحد يعرف ما السبب الذي يجعل دولا مثل الولايات المتحدة وبريطانيا تميل مع جبهة الإسلاميين أكثر من الميل مع الشرعية الممثلة في البرلمان والجيش. ويقول مسؤولون ليبيون ممن كانوا يعملون في الدولة قبل أن يفروا إلى مصر، خشية تعرضهم للقتل على أيدي الميليشيات، إن مبعوثي الدول الغربية، خاصة أميركا وبريطانيا وألمانيا، حريصون على وجود قادة من المتطرفين في المشهد السياسي الليبي.
وعلى النقيض من ذلك تبدو فرنسا أكثر الدول الغربية تمسكا بالشرعية، وعداء للمتشددين، ربما بسبب ما تقاسيه من جروح خلفتها معاركها ضد المتطرفين في شمال مالي أخيرا، وفرار العديد من قادة أولئك المتطرفين إلى ليبيا خاصة في المناطق الجنوبية.
وفي هذه الأثناء يبذل المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة، جهودا لجمع الفرقاء الليبيين، وتمكن بالفعل من عقد اجتماع «غدامس»، قبل شهرين، بين نواب من البرلمان الجديد، ونواب يقاطعون الجلسات المنعقدة في طبرق. وكان من المفترض أن يتعهد النواب المقاطعون بنزع سلاح الميليشيات والدخول في عملية سلمية، بعد الاستجابة لعدة شروط تتعلق بالموقف من برلمان طبرق وقوات حفتر. لكن تبين بعد أسابيع من لقاء غدامس أن الحل ليس في يد النواب، لا من هنا ولا من هناك، لكنه بأيدي قادة الميليشيات والقوات العاملة على الأرض.
ومع وجود دعم إقليمي واتصالات من تحت الستار مع أطراف دولية، بدأ المتطرفون يشعرون بالقدرة على المناورة، بالتزامن مع ما يحققونه من مكاسب على الأرض، سواء في محيط طرابلس أو في وسط البلاد، أو جنوبها، حيث تجري عمليات للسيطرة على المنشآت النفطية قبل أي حوار مع برلمان طبرق وجيش حفتر، سواء كان في الجزائر أو في أي دولة أخرى.



تقرير دولي يرصد تنامي الصراع بين الحوثيين والقبائل

أفراد حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
أفراد حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

تقرير دولي يرصد تنامي الصراع بين الحوثيين والقبائل

أفراد حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
أفراد حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

رصد تقرير دولي حديث تصاعداً ملحوظاً في وتيرة الصراع بين الجماعة الحوثية والقبائل في مناطق سيطرتها، بالتوازي مع تفاقم مؤشرات انعدام الأمن الغذائي، واتساع الضغوط المرتبطة بإمدادات الوقود، في صورة تعكس تعقّد المشهد الإنساني، والاقتصادي، والأمني في اليمن، مع استمرار الحرب، وتزايد انعكاسات التوترات الإقليمية على طرق التجارة، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد.

وأظهرت البيانات التي تضمنها التقرير، الذي شاركت في إعداده ست منظمات دولية وأممية لرصد الأوضاع في اليمن خلال مارس (آذار) الماضي، أن مناطق سيطرة الحوثيين شهدت خلال شهر واحد سلسلة من المواجهات، والاضطرابات القبلية خلفت نحو 20 قتيلاً، في وقت ارتفعت فيه معدلات الاستهلاك الغذائي غير الكافي إلى مستويات مقلقة، وسط اتساع فجوة الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية للأسر، خصوصاً في المناطق الأشد هشاشة.

وحذر معدّو التقرير من أن تداخل الأزمات المحلية مع التطورات الإقليمية -ولا سيما التوترات المرتبطة بالصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى- يفاقم الضغوط على الاقتصاد اليمني، سواء عبر ارتفاع تكاليف النقل، والتأمين البحري، أو من خلال اضطراب أسواق الطاقة، بما ينعكس مباشرة على أسعار الغذاء، والوقود، وفرص الدخل المحدودة أصلاً لدى غالبية السكان.

الحوثيون يغذون الصراعات الداخلية بعد فشلهم في ترويض القبائل (إعلام محلي)

وبحسب التقرير، ظل الحرمان الغذائي الشديد مرتفعاً عند حدود 30 في المائة على مستوى البلاد، مع تجاوز جميع المحافظات اليمنية العتبات الحرجة، في مؤشر يعكس استمرار التدهور المعيشي رغم الجهود الإنسانية المبذولة لاحتواء الأزمة.

وبيّنت البيانات أن معظم الأسر اليمنية واصلت الاعتماد على استراتيجيات تكيف قاسية لتأمين الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية، حيث ارتفع اللجوء إلى استراتيجيات التكيف الغذائي الشديدة إلى نحو 43 في المائة في مناطق سيطرة الحوثيين، مقارنة بـ39 في المائة في المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دولياً.

إلى ذلك، اضطرت ما بين 62 و69 في المائة من الأسر إلى خفض عدد الوجبات اليومية، أو تقليص محتواها الغذائي، ضمن ما تصنفه المنظمات الدولية في مرحلتي «الأزمة» و«الطوارئ».

وتشير هذه الأرقام، وفق مراقبين، إلى أن اتساع الفجوة بين الدخل والأسعار بات يدفع مزيداً من الأسر نحو استنزاف أدوات الصمود التقليدية، مثل بيع الأصول المحدودة، أو تقليص الإنفاق على الصحة، والتعليم، أو اللجوء إلى الديون، وهي خيارات تزيد من هشاشة المجتمع على المديين المتوسط، والبعيد.

إنذارات مرتفعة

في جانب التجارة والإمدادات، رصد التقرير 16 إنذاراً حرجاً، و544 إنذاراً مرتفع المخاطر خلال فترة التقرير، وكان النصيب الأكبر منها مرتبطاً بواردات الغذاء، مع تسجيل 16 إنذاراً حرجاً، و276 تنبيهاً مرتفعاً، وهو ما عُدّ مؤشراً على استمرار الفجوة بين الأسعار المحلية والعالمية للسلع الأساسية، وصعوبة انعكاس أي انخفاض خارجي على الأسواق اليمنية المنهكة.

43في المائة من السكان في مناطق الحوثيين لا يحصلون على ما يكفي من الغذاء (إعلام محلي)

كما سجّل مؤشر واردات الوقود 215 تنبيهاً بارتفاع المخاطر، منها 213 تنبيهاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مقابل تنبيهين فقط في محافظة سقطرى الخاضعة للحكومة، بما يعكس حجم الضغوط على منظومة الإمداد في تلك المناطق، سواء بفعل القيود اللوجستية، أو ارتفاع كلفة النقل والتوزيع، أو اختلالات السوق المحلية.

وأكد التقرير أن مؤشر واردات الوقود البديلة في مناطق سيطرة الحوثيين انخفض، لكنه ظل أعلى بنسبة 22 في المائة من عتبة التنبيه المرتفع، وهو ما يعني استمرار هشاشة الإمدادات، وبقاء السوق عرضة لأي اضطرابات إضافية.

ووفقاً للبيانات، بلغ متوسط السعر التراكمي للتر البنزين في مناطق سيطرة الحوثيين 1.70 دولار، وهو أعلى من السعر العالمي البالغ 1.17 دولار، في وقت بقيت فيه الأسعار المحلية مستقرة نسبياً، رغم ارتفاع أسعار الوقود العالمية بنسبة 39 في المائة نتيجة الحرب في إيران، والاضطرابات التي مست صادرات الوقود عبر مضيق هرمز، ما يطرح تساؤلات بشأن آليات التسعير، والفجوة بين الكلفة الحقيقية والسعر النهائي للمستهلك.

بائع متجول يقدم وجبات خفيفة على عربة متنقلة في صنعاء الخاضعة للحوثيين (إ.ب.أ)

وفي المقابل، سجّلت مناطق الحكومة المعترف بها دولياً انخفاضاً ملحوظاً في متوسط أسعار الديزل والبنزين بالريال اليمني منذ منتصف العام الماضي، مدفوعاً بتحسن نسبي في قيمة العملة المحلية، مع تسجيل تراجع بنسبة 26 في المائة للديزل، و27 في المائة للبنزين مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

صدامات قبلية

أمنياً، أظهر التقرير تصاعداً واضحاً في الصدامات القبلية، والمواجهات المحلية داخل مناطق سيطرة الحوثيين، في تطور يسلّط الضوء على التوتر المتنامي بين الجماعة والبنية القبلية التي سعت خلال السنوات الماضية إلى احتوائها عبر مزيج من الترغيب، والإكراه، وإعادة تشكيل الولاءات المحلية.

وسجل مؤشر الصراع خمس حالات إنذار مرتفعة المخاطر، أربع منها في محافظة تعز، حيث تتكرر الاتهامات للحوثيين بخرق تفاهمات التهدئة، واستهداف مناطق مدنية على خطوط التماس، فيما سُجلت الحالة الخامسة في محافظة الجوف التي تشهد بصورة متقطعة مواجهات بين الجماعة والقبائل، إلى جانب نزاعات ثأرية متشابكة.

وسط أزمة مالية غير مسبوقة يتنامى العنف في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

وفي محافظة الجوف، أشار التقرير إلى أن مديرية خب والشعف شهدت تصاعداً في أعمال العنف المرتبطة بالنزاعات القبلية، كان أبرزها مقتل شيخ قبلي وشخص آخر في كمين مسلح على خلفية ثأر قبلي، إلى جانب سقوط قتيل في اشتباكات بين مجموعتين قبليتين في مدينة الحزم، مركز المحافظة.

أما في منطقة حرف سفيان بمحافظة عمران، شمال صنعاء، فرصد التقرير مواجهات مباشرة بين الحوثيين ومسلحين قبليين أسفرت عن سقوط سبعة قتلى، وثلاثة عشر جريحاً، في واحدة من أعنف الحوادث خلال الفترة المشمولة بالرصد، قبل أن تتبعها عملية كمين استهدفت أحد المشرفين الحوثيين، وأسفرت عن مقتل نجله، واثنين من مرافقيه.

وامتدت أعمال العنف إلى محافظة الحديدة، حيث وثق التقرير إطلاق نار استهدف مزارعين في وادي مور، ما أدى إلى مقتل شخص، وإصابة طفل، أعقبه بيوم واحد اغتيال شيخ قبلي، في مؤشر على اتساع رقعة الاضطرابات خارج نطاق المواجهات العسكرية التقليدية.


لماذا يتحدث الإعلام العبري عن «حرب باردة» بين إسرائيل ومصر؟

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
TT

لماذا يتحدث الإعلام العبري عن «حرب باردة» بين إسرائيل ومصر؟

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)
الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

وصل التحريض الإسرائيلي المستمر ضد مصر، إلى درجة تحدَّث فيها الإعلام العبري عن «استعداد لخوض حرب»، بينما تتجاهل مصر تلك المواقف، مع تركيزها على الوساطة في ملف قطاع غزة التي تستضيف بشأنها مفاوضات متكرِّرة منذ نحو شهر.

ذلك المسار التحريضي بدأ مع اشتعال حرب غزة قبل نحو عامين، وعدّته القاهرة «تهديداً خطيراً» لمعاهدة السلام مع إسرائيل. وتَجدُّده حالياً هدفه جذب شرائح الناخبين قبل الانتخابات المقرَّرة بعد أشهر في إسرائيل، لكنه بطبيعة الحال له تأثيرات سلبية على مستوى العلاقات، خصوصاً أنَّ مصر لم تقبل بعد أوراق سفير جديد لإسرائيل، وليست هناك حالياً اتصالات رفيعة المستوى بين البلدين، ما يجعل «التدهور غير المسبوق مستمراً»، بحسب خبراء تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط».

تحريض يتواصل

ودعت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، الثلاثاء، إلى «ضرورة أن تنظر إسرائيل بجدية نحو حدودها الجنوبية، وتستعد لاحتمال نشوب حرب مباشرة مع مصر، مع وجود تهديد متنامٍ من القاهرة»، زاعمة أن «هناك حالياً حرباً باردة مع مصر، وليس سلاماً بارداً».

ورغم اتفاقية السلام المُوقَّعة عام 1979، فإنَّ القاهرة تعمل، حسب ادعاءات التقرير العبري، «مراراً ضد المصالح الإسرائيلية، لا سيما بمعارضتها الشديدة للاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال (في ديسمبر/ كانون الأول الماضي)، وصولاً إلى التدخل في المفاوضات المباشرة بين إسرائيل ولبنان، وكان ذروة ذلك تنظيم مناورات عسكرية استفزازية تماماً على الحدود الإسرائيلية الشهر الماضي».

وقبل أيام، لم يستبعد الجنرال المتقاعد إسحاق بريك، في مقال له، دخول إسرائيل في «حرب صعبة» ضد التحالف التركي - المصري، مع تعزيز البلدين قدراتهما العسكرية.

وأواخر أبريل (نيسان) الماضي، زعم عضو الكنيست (البرلمان) الإسرائيلي عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، أنَّ مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقَّعة منذ عقود مع إسرائيل «بشكل ممنهج، بإنشاء بنية تحتية قتالية في سيناء، وتشييد جيش ضخم وحديث، وإجراء تدريبات على الحدود»، داعياً الجيش الإسرائيلي إلى «تغيير نهجه، ونشر قواته بشكل مختلف تماماً على الجبهة الجنوبية الحدودية مع مصر».

ازدياد الاحتكاك

ويلاحظ السفير حسين هريدي، المساعد السابق لوزير الخارجية المصري، ازدياد الاحتكاك الإسرائيلي، سواء على مستوى الإعلام أو التصريحات شبه الرسمية، في ظلِّ الموقف المصري الرافض للعدوان، ولتهجير الفلسطينيين، ولوجود إسرائيل بقطاع غزة، بخلاف العقيدة الإسرائيلية التي تتخوَّف باستمرار من قوة الجيش المصري.

وأشار هريدي إلى أن ما يحدث هو «ابتزاز هدفه وضع القاهرة في موقف دفاعي أمام الإدارة الأميركية»، عادّاً أن «إسرائيل بشكل عام لا تستطيع أن تعيش في حالة سلم، وعادة تلجأ لإيجاد عدو أو خصم لشعبها».

يضاف لذلك أن «التجاذبات الانتخابية التي بدأت مبكراً تتغذى على مثل هذه الأجواء من التحريض والتوتر؛ لتقديم المرشحين أنفسهم كأنهم حماة إسرائيل»، وفق هريدي.

ضغط وابتزاز

ويعدّ الدكتور أحمد فؤاد أنور، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، الأكاديمي المتخصص في الشأن الإسرائيلي، أنَّ ما يحدث حالياً من تحريضات إسرائيلية «ليس سوى محاولة ضغط على مصر وابتزاز تحت مزاعم لا أساس لها، ما يعزِّز أجواء السلام البارد، لا، بل الحرب الباردة أيضاً، في ظلِّ غضب شعبي مصري مما تفعله إسرائيل بالمنطقة»، مرجحاً «استمرار تلك المزاعم مع فشل إسرائيلي في غزة ولبنان وإيران، ومحاولة جذب شرائح الناخبين قبل الانتخابات المقبلة في إسرائيل».

الحدود المصرية - الإسرائيلية (رويترز)

ومنذ اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل في عام 1979 لم تشهد العلاقات بين البلدين توتراً مثل الحادث حالياً؛ بسبب الحرب في غزة، خصوصاً بعد احتلال إسرائيل محور «فيلادلفيا» المحاذي للحدود المصرية بالمخالفة لمعاهدة السلام، ثم نقضها اتفاق وقف إطلاق النار الذي جرى التوصُّل إليه في يناير (كانون الثاني) 2025 بوساطة القاهرة، ثم احتلالها محور «موراغ»، فضلاً عن احتلال القوات الإسرائيلية معبر رفح من الجانب الفلسطيني قبل القبول باتفاق في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وتواصل خرقه يومياً.

وفي سبتمبر (أيلول) 2025، وفي خضم أزمة افتعلها نتنياهو بشأن اتفاق الغاز بين القاهرة وتل أبيب، تطرَّق وزير الإعلام المصري ضياء رشوان (الذي كان وقتها رئيس هيئة الاستعلامات المصرية) إلى حرب عام 1973 بين مصر وإسرائيل، ووصفها بأنها كانت «نزهة»، مضيفاً: «الآن الأسلحة تطوَّرت، والمسافات قصرت، والقدرة على استخدام الأوراق العسكرية مختلفة، إذ حشدت تل أبيب 5 فرق لمحاولة السيطرة على قطاع غزة، الذي تبلغ مساحته 365 كيلومتراً مربعاً، فماذا ستفعل في مواجهة جيوش نظامية حقيقية في المنطقة؟».

وخلال أغسطس (آب) 2025، وصف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، للمرة الأولى، ما تقوم به إسرائيل في غزة من حرب تجويع بأنه «إبادة ممنهجة»، وفي يناير 2024، عدّت هيئة الاستعلامات المصرية أن تحركاً إسرائيلياً باتجاه احتلال محور صلاح الدين (محور فيلادلفيا) في قطاع غزة سيؤدي إلى تهديد خطير وجدي للعلاقات المصرية - الإسرائيلية.

رسالة مصرية

وبشأن رد فعل مصر على تصاعد تلك التحريضات، يرى السفير هريدي، أن «مصر دولة قوية، ومدركة أبعاد ما يحدث، وتتخذ قرارها في الوقت المناسب، ولم تتحدَّث من قبل حول المساس بمعاهدة السلام رسمياً»، مشيراً إلى أن «العلاقات ليست في أحسن أحوالها مع إسرائيل ولا يُتوقَّع تحسن في ظلِّ هذا التحريض الحالي».

أما بالنسبة إلى الرد المصري، فيرى أنور أنه ليس على مستوى التصريحات «بل بعدم قبول أوراق السفير الإسرائيلي بعد، وعدم حدوث اتصال بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونتنياهو، وهذه رسائل مصرية واضحة المعالم بأنَّ هناك تدهوراً غير مسبوق في العلاقات، وإن كان لم يصل لتهديد اتفاقية السلام، مع أن كل السيناريوهات واردة ومفتوحة».


مهاجرو القرن الأفريقي... ضحايا الحوثيين وشبكات التهريب

أغلبية المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين إلى اليمن من الجنسية الإثيوبية (أ.ف.ب)
أغلبية المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين إلى اليمن من الجنسية الإثيوبية (أ.ف.ب)
TT

مهاجرو القرن الأفريقي... ضحايا الحوثيين وشبكات التهريب

أغلبية المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين إلى اليمن من الجنسية الإثيوبية (أ.ف.ب)
أغلبية المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين إلى اليمن من الجنسية الإثيوبية (أ.ف.ب)

في طرق وعرة تمتد بين السواحل والحدود اليمنية، يمضي آلاف المهاجرين من القرن الأفريقي رحلة محفوفة بالمخاطر، بحثاً عن فرصة نجاة لا يجدها كثير منهم، لكن هذه الرحلة، التي تبدأ بالأمل، تنتهي غالباً في مناطق مغلقة تتحول فيها معاناتهم إلى سلعة بيد شبكات التهريب، وسط اتهامات للحوثيين باستغلال المهاجرين، وتوظيف وجودهم في أنشطة غير مشروعة.

وقال ناشطون حقوقيون لـ«الشرق الأوسط» إن تجمعات المهاجرين الأفارقة غير الشرعيين في منطقة الرقو بمحافظة صعدة اليمنية الحدودية (شمال) باتت تمثل نموذجاً صارخاً لاستغلال معاناة هؤلاء، واستخدامها لتحقيق مكاسب مالية، وإدارة أنشطة غير مشروعة.

وأشار الناشطون إلى أن قوافل بشرية من المهاجرين، الذين تقطعت بهم السبل، يقعون ضحايا لعصابات تهريب مرتبطة -بحسب تلك الإفادات- بأجهزة أمنية حوثية، تعدهم بإيصالهم إلى دول الخليج للعمل هناك.

ووفق هذه الإفادات، فإن آلاف المهاجرين الذين يصلون إلى السواحل اليمنية أسبوعياً يقطعون مسافات طويلة سيراً على الأقدام عبر طرق وعرة للوصول إلى هذه المنطقة، حيث يتم استقبالهم من قبل عناصر تابعين للحوثيين، قبل أن يُسلَّموا إلى عصابات من جنسيات أفريقية تتولى إدارة الموقع، وتنظيم حركة من فيه، في إطار شبكة معقدة تستفيد من استمرار تدفق المهاجرين، وتحوّل أوضاعهم المأساوية إلى مورد مالي دائم.

المئات من الأفارقة في طريقهم إلى المناطق الحدودية اليمنية (إعلام محلي)

ونقلت المصادر عن بعض العائدين من المنطقة تفاصيل عن الأوضاع هناك، حيث تدير هذه الجماعات الموقع، وتفرض قواعد صارمة للإقامة، والتنقل، وتشرف -وفق تلك الروايات- على عمليات تهريب البشر، والمخدرات، والسلاح، مستغلة هشاشة أوضاع المهاجرين، وغياب أي مظلة حماية قانونية أو إنسانية لهم.

كما تُلزم هذه العصابات أسر الضحايا بدفع مبالغ مالية مقابل وعود بنقل أقاربهم إلى دول الخليج بحثاً عن العمل، في عمليات ابتزاز منظمة تستنزف العائلات الفقيرة في بلدانهم الأصلية.

ومع تأكيد السلطات اليمنية وصول أكثر من 40 ألف مهاجر غير شرعي إلى البلاد منذ بداية العام الجاري، توقع ناشطون أن يتجه جزء كبير منهم نحو هذه المنطقة الحدودية، حيث يواصل المهربون استدراجهم بوعود العبور إلى دول الخليج. كما أشاروا إلى أن السلطات العُمانية ضبطت مؤخراً عشرات المهاجرين الأفارقة الذين تسللوا من اليمن إلى أراضيها، في مؤشر على استمرار نشاط هذه الشبكات، واتساع مسارات التهريب عبر الحدود.

تجمع في شبوة

على صعيد متصل، أفادت مصادر يمنية محلية بتحول منطقة نائية في شمال محافظة شبوة (وسط اليمن) إلى مخيم مفتوح للمهاجرين غير الشرعيين، والذين يعيشون في مساكن بدائية من القماش، أو الصفيح، وفي ظل غياب شبه كامل للجهات الحكومية، والمنظمات الدولية.

وذكرت المصادر أن بعض المهاجرين يواصلون المغامرة باتجاه الشريط الحدودي، فيما يسعى آخرون إلى كسب لقمة العيش داخل اليمن، عبر العمل في النقل، أو الزراعة، لكنهم يتعرضون -وفق منظمات حقوقية- لأشكال مختلفة من الاستغلال، وسوء المعاملة.

وحتى وقت قريب كانت منطقة رفض التابعة لمديرية الصعيد في محافظة شبوة معزولة، وتفتقر إلى مقومات الحياة، لكنها تحولت اليوم إلى مركز لتجمع المهاجرين، حيث أقيمت فيها ثلاثة مخيمات متتالية خلال فترة وجيزة، لتصبح أكبر نقطة تجمع للمهاجرين غير الشرعيين في مناطق الحكومة الشرعية.

مهاجرون أفارقة فشلت رحلتهم في الوصول إلى السواحل اليمنية (أ.ف.ب)

وتشير البيانات إلى أن مساحة المنطقة لا تتجاوز 18 كيلومتراً مربعاً، ويبلغ عدد سكانها الأصليين نحو 10 آلاف نسمة، ويتوزعون في قرى متناثرة ضمن تضاريس جبلية وعرة، مع غياب شبه تام للخدمات الأساسية.

وخلال الأشهر الماضية تحولت إلى نقطة تجميع للمهاجرين الذين يُنقلون من داخل المحافظة، ومحافظات مجاورة، في محاولة لاحتواء انتشار المخيمات العشوائية في المدن والمناطق الساحلية.

عبء إنساني

وأوضحت مصادر محلية أن غياب مخيمات رسمية، وتزايد تدفق المهاجرين الأفارقة أسبوعياً إلى السواحل اليمنية دفعا السلطات إلى نقل أعداد كبيرة منهم إلى هذه المنطقة النائية، بعيداً عن التجمعات السكانية.

وكانت السلطة المحلية قد نفذت حملة لإزالة مخيمات المهاجرين العشوائية في مدينة عتق، عاصمة محافظة شبوة، ونقلتهم إلى منطقة رفض، حيث أُقيم أول مخيم، قبل أن تتكرر الإجراءات ذاتها في محافظتي أبين، وشبوة، مع إنشاء مخيمين إضافيين استقبلا مهاجرين جرى نقلهم من لودر وأحور عقب حملات أمنية استهدفت مراكز تهريب واحتجاز للمهاجرين.

منطقة رفض في شبوة تحولت إلى موقع لمخيمات المهاجرين الأفارقة (إعلام محلي)

وسبق للسلطات اليمنية أن جددت التزامها بالتعامل الإنساني مع المهاجرين، لكنها أكدت عجزها عن توفير مخيمات ورعاية كافية بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد منذ أكثر من عقد جراء الحرب، ودعت المنظمات الأممية والدولية إلى دعم جهودها من خلال إنشاء مخيمات تستوفي المعايير الإنسانية، وتوفير الغذاء، والرعاية اللازمة.

ويرى ناشطون أن تحول مناطق معزولة تفتقر إلى الخدمات إلى مراكز لاستقبال هذا العدد الكبير من المهاجرين يعكس حجم التحديات التي تواجهها الحكومة اليمنية التي تخوض حرباً مستمرة، وتواجه أزمة إنسانية ومالية غير مسبوقة، وبالتوازي مع محاولاتها تفكيك شبكات التهريب.

وأكد الناشطون أن تراجع التمويل الدولي، في بلد يعاني أكثر من 21 مليوناً من سكانه من انعدام الأمن الغذائي، سيؤدي إلى تفاقم الأزمة، ويقوض القدرة على التعامل مع موجات الهجرة غير الشرعية القادمة من القرن الأفريقي، والتي تُقدَّر بنحو 100 ألف مهاجر سنوياً.