دولة الحوثيين.. القبضة الإيرانية في جنوب الجزيرة العربية

سيطرت لجانها الشعبية على مؤسسات الدولة بقوة السلاح

دولة الحوثيين.. القبضة الإيرانية في جنوب الجزيرة العربية
TT

دولة الحوثيين.. القبضة الإيرانية في جنوب الجزيرة العربية

دولة الحوثيين.. القبضة الإيرانية في جنوب الجزيرة العربية

تحولت جماعة الحوثيين في اليمن منذ سبتمبر (أيلول) 2014، إلى القوة الوحيدة التي تتحكم بمقاليد حكم البلاد، بعد أن كانت طوال عقد من الزمان جماعة متمردة ومطاردة من قبل الدولة التي خاضت معها 6 حروب، قتل فيها آلاف اليمنيين، وتغلغلت الحركة رويدا رويدا بعدها، إلى مؤسسات صنع القرار، مرتكزة على قوتها العسكرية وتحالفاتها السياسية مع الرئيس السابق علي عبد الله صالح الذي كان يحكم البلاد منفردا قبل 2011، فضلا عن استغلالها للسخط الشعبي ضد الحكومة السابقة بسبب الأزمات المفتعلة التي ضيقت من حياتهم المعيشية وخلفت رأيا عاما ضدها. خلال 4 أشهر فقط، حققت هذه الجماعة الشيعية المدعومة من إيران، ما لم تكن تحلم به، فقد أحكمت قبضتها على 7 مدن في شمال البلاد أهمها العاصمة صنعاء وميناء الحديدة الاستراتيجي على البحر الأحمر، حتى أصبحت بحلول نهاية العام الحالي، تمارس سلطات الدولة الأمنية والإدارية والمالية، وتحولت إلى دولة داخل الدولة، لها ممثلون ومندوبون في كل وزارة ومؤسسة حكومية ومعسكر للجيش والأمن، وكل ذلك عمل على إعادة رسم الخارطة السياسية العسكرية والاجتماعية، في بلد يعد الأفقر والأكثر فسادا على مستوى العالم.
انطلقت الرصاصة الأولى في معركة الاستحواذ على السلطة، من بلدة دماج السنية، في أقصى شمال اليمن، وخاضت الحركة الحوثية هناك مواجهات مسلحة مع مقاتلين من مركز «دار الحديث» السلفي انتهت في يناير (كانون الثاني) 2014، بطرد أبناء دماج وجميع الطلاب الذين كانوا يدرسون في المركز إثر اتفاق توصلت إليها لجنة رئاسية بين الطرفين، بعدها جاء الدور على قبيلة حاشد المشهورة، بمحافظة عمران التي كانت مسرحا لأشد المعارك قوة، وكان يقود مقاتلي حاشد أشقاء شيخ القبيلة صادق الأحمر، من أمثال حمير وحسين وهاشم، وغيرهم، لكنهم خسروا المعركة بعد أن نجح الرئيس السابق في شق صفوف قبيلة حاشد، عبر استخدام المشايخ القبليين الموالين له، حيث تخلى كثير منهم عن أولاد الأحمر الذين وجدوا أنفسهم وحيدين في ساحة المعركة، وأجبرهم ذلك على الانسحاب من خروجهم من معقل القبيلة التاريخي في منطقة «العصيمات»، كما شهدت منازل آل الأحمر حملة انتقام من قبل الحوثيين الذين اقتحموا منازل زعيم القبيلة الراحل الشيخ عبد الله بن حسين الأحمر، ونهبوا محتوياته، قبل أن يقوموا بتفجيره تعبيرا عن النصر وكوسيلة ترهيب ضد خصومهم الأخيرين.
لم تتوقف الحركة الحوثية عن السيطرة على معاقل قبيلة حاشد، بل أصبحت تنظر إلى الوضع من منظور القوة القادمة، واستمرت في التمدد نحو مدينة عمران البوابة الشمالية للعاصمة صنعاء، فخاضت معارك عنيفة مع اللواء 310 الذي يقوده العميد حميد القشيبي المعارض للحوثيين واستمرت 4 أشهر، وكان مبرر الحركة محاربة الفساد وتغيير قيادات محلية وعسكرية، وبحسب شهادات لقيادات عسكرية وحكومية، فقد شارك مع الحوثيين المئات من ضباط وجنود ينتمون إلى قوات الحرس الجمهوري المنحل، الموالي للرئيس السابق علي عبد الله صالح، إضافة إلى مسلحين ينتمون إلى حزب المؤتمر الشعبي العام.
وفي يوليو (تموز) سيطر الحوثيون على عمران وقتلوا العميد حميد القشيبي وقاموا بالتمثيل بجثته، ونهبوا معسكرات الجيش ومنازل قيادات عسكرية وقبلية، كما عينوا قيادات موالية لهم. كما خاضت الجماعة بالتزامن مع حرب عمران مواجهات عنيفة بمحيط العاصمة صنعاء مع قبيلة همدان ومقاتلين قبليين في منطقة بني مطر، وتمكنت ميليشيات الحوثي من السيطرة عليها بقوة السلاح ودعم مشايخ قبليين موالين للنظام السابق، الذين كانوا يمهدون الطريق أمامهم للاقتراب من صنعاء عبر اتفاقيات قبلية تسمى «الخط الأسود» وهو اتفاق يسمح لمسلحي الحوثي المرور بالمنطقة بجميع أسلحتهم وعدم قطع الطريق أمامهم.
وقد رفض زعماء قبائل هذه الاتفاقيات وخاضوا مواجهات عنيفة مع الحوثيين على مشارف صنعاء، وبسبب فارق القوة بين الطرفين لصلح الحوثيين حقق الأخير انتصاره على قبيلة همدان.
وفي كل مرة يسيطر الحوثيون على منطقة يقوم مسلحوهم بنهب منازل وممتلكات خصومهم وأغلبهم زعماء قبليون رفضوا التحالف مع الجماعة، مما جعل منازلهم هدفا للتفجير والهدم وهو أسلوب اتبعوه في كل حروبها، ويتضمن أيضا تفجير المساجد والمدارس ومركز تحفيظ القرآن الكريم التي يعتبرونها مراكز لمن يسمونهم التكفيريين وهو الوصف الذي يطلقها الحوثيون على كل من يعترض طريقهم.

* المرحلة الثانية

* اتجهت أنظار زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، بعد عمران، صوب العاصمة صنعاء، حيث أعلن في 17 أغسطس (آب) ، عن حركة احتجاجية ضد الحكومة، وحددوا لهم 3 مطالب هي: «تغيير الحكومة، ومحاربة الفساد، وتشكيل حكومة كفاءات»، ونصبوا 8 مخيمات اعتصام لمسلحيهم الذين حاصروا صنعاء من مختلف الجهات مدججين بمختلف أنواع الأسلحة، حيث تركزت المخيمات بالقرب من معسكرات الحرس الجمهوري في مناطق الصباحة غربا، وحزيز جنوبا، والصمع شمالا، حيث كانت تتهم هذه المعسكرات بمد المخيمات بالغذاء والمؤن بتوجيهات من وزير الدفاع السابق اللواء محمد أحمد ناصر، إضافة إلى مخيمات داخل العاصمة. وأوقف الحوثيون حركة الملاحة الجوية في مطار صنعاء الدولي ومؤسسات حيوية، عبر قطع الشوارع والطرق المؤدية إليها، وبعد بضعة أسابيع اندلعت مواجهات مسلحة بين الحوثيين ووحدات الجيش في المنطقة السادسة «الفرقة أولى مدرع» استمرت 6 أيام، انتهت في يوم 21 سبتمبر، باقتحام العاصمة صنعاء والسيطرة على معسكرات الجيش ونهب أسلحتها الثقيلة والمتوسطة، فيما بقت معسكرات الجيش من قوات الحرس الجمهوري وقوات الأمن المركزي والقوات الجوية التي كانت في الأغلب موالية للرئيس السابق علي عبد الله صالح كما هي. وكان هدف الحوثيين في هذه الحرب رأس المستشار العسكري للرئيس هادي اللواء علي محسن الأحمر الذي يعتبرونه خصمهم، لكنه تمكن من الخروج من اليمن بعد أن كان قاب قوسين أو أدنى من تصفيته في معسكر الفرقة الذي تعرض لقصف عنيف من معسكرات الحرس الجمهوري في الصباحة كما يقول قادة عسكريون تمكنوا من الانسحاب من مقر الفرقة التي تقع على تبة عالية في غرب العاصمة، وسيطرت ميليشيات الحوثي على كل منازل وممتلكات الأحمر والشيخ الملياردير حميد الأحمر، إضافة إلى مقرات حزب الإصلاح، ومنازل قيادات عسكرية ومدنية ونهب محتوياتها، ممن كان لها الدور الأكبر في دعم وحماية ثورة الشباب عام 2011، واتهم مراقبون الحوثيين والرئيس السابق بقيادة ثورة مضادة، استهدفت كل خصوم صالح وممتلكاتهم، في حين أصدرت وزارتا الدفاع والداخلية توجيهات باعتبار الحوثيين أصدقاء للدولة، وأمرت وحداتها بعدم التصادم مع المسلحين الحوثيين، لتتمكن الحركة بعدها من فرض سيطرتها على مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية دون أي مقاومة. كما نشرت ما سمتها «اللجان الشعبية» في هذه المؤسسات إلى جوار الوحدات العسكرية والأمنية، ورغم توصل السلطات والحوثيين إلى توقيع اتفاقية السلم والشراكة فإنها ظلت حبرا على ورق فيما يخص الجانب الأمني، منذ الساعات الأولى للاتفاقية، إذ إنهم وبدلا من سحب مسلحيهم من صنعاء، تمددوا إلى مدن أخرى وهي:(ذمار، والحديدة، وحجة، وإب، وريمة، وأجزاء من الجوف)، وتمكنوا خلال هذه الفترة من التحكم بقرارات الدولة، التي تحولت إلى حمل وديع أمامهم، حيث كانت الحركة تعتمد على الموالين لها في مؤسسات الدولة لتبرر لمسلحيها دخول المؤسسات السيادية والحكومية مثل وزارة الدفاع ووحداتها العسكرية، ووزارة الداخلية والأمن المركزي، ويشير كثير من المراقبين إلى أن الحركة الحوثية لم يكن بمقدورها السيطرة على هذه المؤسسات لولا التنسيق مع أتباع النظام السابق الذين تضرروا من ثورة 2011، خصوصا القيادات العسكرية التي كان لها الدور الأكبر في دخول الحوثيين صنعاء عبر التنسيق الأمني المباشر بينهما، ويؤكدون أن أغلب الذين يسيطرون على مؤسسات الدولة هم جنود من قوات الحرس الجمهوري ومن أعضاء حزب المؤتمر الشعبي العام الذي يرأسه علي عبد الله صالح.
نموذج «حزب الله»
تظهر التركيبة التنظيمية لجماعة الحوثيين تشابهها مع «حزب الله»، من حيث القوة العسكرية والمشاركة السياسية وبسط النفوذ، بل إن زعيمها عبد الملك الحوثي دائما ما يظهر في خطابات متلفزة تبثها قناتهم «المسيرة» التي تبث من بيروت، شبيها بحسن نصر الله من ناحية الخطاب العاطفي والاتهامات التي يطلقونها على خصومهم، والقضايا العامة المرتبطة بأميركا وإسرائيل وهي نفس السياسة التي تسير عليها إيران، التي تقف خلف الحوثيين و«حزب الله»، فخلال الفترة التي تم رصدها عن الحركة الحوثية منذ سيطرتها على محافظة صعدة نهاية الحرب السادسة مع الدولة 2010، وحتى سيطرتها على العاصمة صنعاء 2014، فإنها قامت بإنشاء دول مصغرة في معقلها بصعدة المحاذية للمملكة العربية السعودية، من ناحية معسكرات خاصة بها، ومكاتب بديلة عن الحكومة لإدارة الشؤون العامة للمواطنين، ولديها أقسام كثيرة في بنيتها التنظيمية والعسكرية، فهناك المجلس السياسي، وهو المعني بإدارة الحركة سياسيا، والقوة العسكرية التي يقودها شقيق زعيم الجماعة عبد الخالق الحوثي الذي أدرجه مجلس الأمن الدولي ضمن العقوبات الدولية إلى جانب القائد الميداني للجماعة عبد الله الحاكم.
ورغم سيطرتها على كل المكاتب التنفيذية للدولة في المناطق التي تسيطر عليها، لكنها تفضل ألا تحكم باسمها، ساعدها في ذلك ضعف المؤسسات الحكومية وانتشار الفساد المالي والإداري، الذي تراكم خلال 3 عقود من حكم الرئيس السابق علي عبد الله صالح، ويؤكد محللون مختصون في شؤون الحركة الحوثية أن إيران تمكنت من نقل نموذج «حزب الله» إلى اليمن عبر سنوات كثيرة، قامت فيها بتدريب وتأهيل المئات من مسلحي الحوثي في لبنان، إضافة إلى إرسالها خبراء عسكريين من الحزب ومن الحرس الإيراني، لتدريب عناصر الحركة وتزويدهم بالأسلحة الحديثة المتطورة كما حدث في العملية المشهورة للسفينة «جيهان1» التي أوقفتها السلطات وتمكنت الحركة فيما بعد من إطلاق سراح طاقم السفينة الإيرانيين وإغلاق ملفها، كما أن إيران هي الدولة الوحيدة التي رحبت بسيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء، واعتبرت ذلك امتدادا للثورة الخمينية في إيران.

* كرسي هادي

* بعد أن أحكمت الحركة الحوثية قبضتها على مؤسسات الدولة، بنهاية شهر ديسمبر (كانون الأول)، دخلت الحركة في معركة جديدة مع مؤسسة الرئاسة التي ينظر إليها على أنها آخر مراكز الدولة التي لا تزال تحفظ ما تبقى منها، فقد شن زعيم الحركة عبد الملك الحوثي انتقادات لاذعة ضد الرئيس الانتقالي هادي ونجله، واتهمه بأنه «مظلة للفاسدين»، وهدد «بأنهم لن يتغاضوا عن ذلك إلى ما لا نهاية»، ليعلن بعدها المستشار السياسي لهادي الدكتور عبد الكريم الارياني هجوما عنيفا ضد الحوثيين، وقال الارياني في حوار صحافي إن «ما يقوم به الحوثيون يهدم الدولة ولا يبنيها»، مضيفا: أنهم «حركة تسعى لتحقيق أهدافها بالوسائل العسكرية، خارج نطاق النظام والقانون»، وعد الوضع الذي تعيشه اليمن بالوضع الشاذ، الذي تتحكم فيه حركة سياسية غير مدنية ولا يحكمها القانون، بمؤسسات وهياكل الدولة، وحول مبررات قيادة الحركة الحوثية في حربها على المناطق القبلية بزعم محاربة «القاعدة»، اتهم الارياني الحركة بالمساعدة في زيادة أعداد المنضمين إلى تنظيم القاعدة، وقال: إن «الدولة ومؤسساتها هي المخولة بهذا الدور، ما عمله أنصار الله زاد من عدد المنضمين إلى (القاعدة) ولم ينقصهم».
وكلام الارياني في هذا الوقت له وزن كبير ودلالة عميقة، فالرجل يعتبر رجل دولة، وهو من أهم السياسيين المخضرمين في البلد، وسبق أن تقلد عشرات المناصب الحكومية من أهمها وزارة الخارجية، ورئاسة الحكومة في فترة نظام صالح، إضافة إلى أنه من مؤسسي حزب المؤتمر الشعبي العام وشغل فيه منصب النائب الثاني لرئيس الحزب، وتمكن جناح صالح قبل شهرين من إزاحته من المنصب بسبب معارضته لصالح وموقفه الرافض للتحالف مع الحوثيين.

* سيناريوهات مفتوحة

* تعددت السيناريوهات الخاصة بمستقبل اليمن التي ترتبط بما يحدث على الصعيد الإقليمي كما يشير المراقبون، فأبواب الصراع من أجل السلطة في اليمن مفتوحة، إضافة إلى ما تسبب في أعمال العنف في اليمن خلال هذا العام من تصاعد عمليات الانتقام بين الأطراف المتحاربة سواء كانت سياسية أو قبلية، لذا فهناك توقعات بأن تشهد الفترة المقبلة عمليات عنف دامية وظهور جماعات مناهضة للحوثيين، تنفذ عمليات انتقامية ضدهم، فالمجتمع القبلي الذي يمثل أكثر من 70 في المائة من المجتمع، لن يبقى صامتا تجاه ما تعرض له من حروب وتفجيرات، خصوصا وأن ملف الثأر لا يزال مفتوحا فيما بين القبائل نفسها.
وينفي الحوثيون من جانبهم سيطرتهم على الدولة ويقولون، إن «ما تقوم به لجانهم الشعبية للحفاظ على مؤسسات الدولة الأمنية»، ويقول محمد عبد السلام المتحدث الرسمي باسم جماعة أنصار الله (الحوثيين) لـ«الشرق الأوسط»: إن «اللجان الشعبية تقوم بدور وطني وأخلاقي ومسؤول، تجاه انهيار المؤسسات الأمنية التي فككتها أيادي الفساد والإجرام بسبب استخدامها في الحروب الداخلية والأجهزة الأمنية». مضيفا: أن «هذه المؤسسات تحتاج إلى إسناد شعبي حتى تستطيع القيام بمهامها المطلوبة منها شعبيا بعد ثورة 21 سبتمبر»، وأكد عبد السلام أن هذه اللجان ليست بديلا عن الدولة، عندما تكون دولة الشراكة والمواطنة العادلة، مشيرا إلى أن «عقيدة اللجان الشعبية القتالية هي حماية الشعب لا الاستقواء عليه تحت رغبة قوى النفوذ والفساد». وحول موعد انسحاب هذه اللجان من شوارع العاصمة ومدن البلاد أوضح ناطق الحوثيين أن «اتفاق السلم والشراكة واضح ولا يجوز تنفيذه بشكل مجزأ وإنما حزمه واحدة في إطار الإصلاحات الاقتصادية ومكافحة الفساد»، وحول الأسلحة التي تم الاستحواذ عليها من معسكرات الجيش، اعتبر عبد السلام هذه القضايا تناولتها مخرجات مؤتمر الحوار الوطني واتفاق السلم والشراكة، وقال: «عندما يكون هناك نيات صادقه لإصلاح الوضع المختل في البلاد لن يكون هناك مشكلة في بحث كل شيء»، واستدرك «سندافع عن أنفسنا تجاه أي عدوان أو مخاطر تستهدف الشعب اليمني».
وعن المرجعية التي تخضع لها اللجان الشعبية لفت الناطق باسم الحوثيين إلى أن «اللجان الشعبية تعبر عن إرادة الثورة الشعبية وحارسة لها ومحافظة على الوضع الأمني من الفشل خاصة وهناك أطراف تتربص باليمن واليمنيين شرا وهي تعبر عن رغبة الشعب الذي خرج في الثورة الشعبية من أجل تحقيق مكاسب الشعب ومكافحة الفساد».
من جانبه يوضح رئيس مركز أبعاد للدراسات والبحوث عبد السلام محمد الهبيط أن استراتيجية الجماعات المسلحة هي الوصول إلى صناعة القرار والسيطرة على الأرض والنفوذ، من خلال أدوات عسكرية مسلحة كما هو الحال مع حركة الحوثيين، ويقول في حديث لـ«الشرق الأوسط»: إن «الحوثيون بدءوا استخدام العنف في شكل مقاومة للظلم، كما يقولون لكنهم كانوا في الحقيقة يبنون قوة عسكرية موازية للدولة في شمال البلاد، بمحافظة صعدة، على مرأى ومسمع من النظام السابق الذي ساعد الحركة في التمدد في فراغاته التي كانت بعيدة عن التنمية والاستقرار». ولفت إلى أن «الحركة الحوثية عملت على التدرج في إقامة التحالفات مع البيئة المحيطة بها، بداية باستغلال المظلومين من الفئة الفقيرة ثم التحالف مع الحالة الاجتماعية مثل زعماء القبائل والشخصيات الاجتماعية، التي كانت معارضة للدولة، وانتقلت الحركة في عام 2011، إلى التحالف مع طيف واسع من التيارات الساخطة من النظام السابق، ونجحت في بناء تحالفات سياسية».
ويشير رئيس مركز أبعاد إلى أن الأحزاب والمجتمع الدولي والإقليمي، فشلوا في تمدين الحوثيين عبر إدخالهم في العملية السياسية عبر مؤتمر الحوار الوطني في وقت رفضت الحركة التخلي عن سلاحها وهو ما عزز من تمددها وتقوية بنيتها العسكرية والسياسية، وبذلك تمكن الحوثيون من تحقيق الهدف السياسي من خلال الحوار الوطني، وتحقيق الهدف العسكري عبر التحالف مع علي عبد الله صالح وهو ما مكنه من السيطرة على العاصمة صنعاء وبسط نفوذه داخل مؤسسات الدولة، يرى الهبيط أن الحركة لا ترتكز على بنية مؤسسية، وإنما على قرارات شخصية، ولهذا فهي تكون سهلة الاختراق لتحريكها وتحقيق أهداف جهات أخرى.
وحول رفضها المشاركة في الحكومة وإدارة المؤسسات بشكل مباشر، يقول رئيس مركز أبعاد: إن «طبيعة الحركات المسلحة تكون فاشلة في إدارة الحكم، فهم لن يقدروا على إدارة دولة، لأنهم يريدون أن يمارسوا مهام الدولة الإيجابي، ويحملون السلبيات للآخرين، وبالتالي فهي حركة تقوم على الفساد المالي ونهب السلاح». ولفت إلى أن الحوثيين يراهنون على الوقت والوضع غير المستقر لابتلاع الدولة. وحول التحالف بين الحوثيين والنظام السابق يوضح الهبيط أن الخلافات السياسية تحولت إلى صراع عسكري بالوكالة، فصالح وحزب المؤتمر يريد العودة للسلطة عن طريق الحوثي و«القاعدة» وعن طريق نشر الفوضى والأزمات، وهذا وضع خطير جدا على مستقبل البلد.
أما مستقبل اليمن في ظل الوضع القائم فإن الفوضى هو السيناريو الأقرب لما يحدث، وبحسب عبد السلام الهبيط فإن «أفق السلام الدائم بعيد المنال، لكن يمكن تجاوز ذلك في حالة واحدة وهو أن تقبل الحركة الحوثية تمدين نفسها وتدعم السلام وتحل الميليشيات المسلحة وهذا أمر مستحيل»، متوقعا أن تشهد الفترة المقبلة مزيدا من الجماعة المسلحة المضادة للحوثيين ومزيدا من العنف، وتشكيل جماعات انتقامية، تكون قريبة من الواقع الاجتماعي وبفكر أيدلوجي، مناهض للحوثيين وهذا سيدخلنا في حرب أهلية وطائفية كما حصل في العراق وسوريا، ويستدرك الهبيط «وهناك سيناريو آخر وهو أن يفرض المجتمع الدولي بالقوة السيطرة على قراراته، ودعم العملية السياسية الانتقالية، لكن للأسف المجتمع الدولي يتعامل مع اليمن بتساهل غريب، خصوصا أنه ترك الحركة تسيطر على العاصمة صنعاء وكان قادرا على إيقافها بعد سقوط معسكرات عمران».

الحركة الحوثية في سطور



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.