نهب حوثي لعقارات الأوقاف اليمنية وعمليات اقتحام وطرد للسكان

أحد مساجد صنعاء (أ.ف.ب)
أحد مساجد صنعاء (أ.ف.ب)
TT

نهب حوثي لعقارات الأوقاف اليمنية وعمليات اقتحام وطرد للسكان

أحد مساجد صنعاء (أ.ف.ب)
أحد مساجد صنعاء (أ.ف.ب)

عبثا يحاول أبو محمد في العقد الخامس من عمره والأب لتسعة أبناء إقناع مشرف المنطقة في صنعاء القديمة بأن إجراءات الميليشيات الحوثية غير قانونية وأن «الدكان» هو مصدر رزقه، كما أنه لم يتخلف عن تسديد الإيجار لوزارة الأوقاف يوماً.
ويتساءل أبو محمد لماذا تريد الميليشيات الحوثية سلب رزقه، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «ما يزيد على 90 في المائة من المباني والمحلات التجارية في مديرية صنعاء القديمة (المدينة الأثرية والتاريخية) تتبع وزارة الأوقاف لأنها وقف لله عز وجل وليست للجماعة الحوثية».
ويضيف: «كل المحلات التجارية في صنعاء القديمة تمارس عليها صنوف الابتزاز والنهب من قبل الجماعة الحوثية وبخاصة العائدة تبعيتها للأوقاف، لهذا أغلقت الجماعة كثيرا من المحلات بعد حملات قام بها أتباعها وأخرجوا التجار منها وأعادوا تأجيرها لأشخاص موالين للجماعة أو منتمين إلى سلالة زعيمها».
وفي حين باءت محاولات أبو محمد بالفشل كما فشل قبله الكثيرون في محاولات إقناع الحوثيين بعدم اقتحام البيوت أو تجريف الأراضي وإلغاء العقود مع المستثمرين أو إغلاق المحلات التجارية وحرمان مستأجريها من مصادر رزقهم.
وعبر سكان في العاصمة صنعاء عن استنكارهم للممارسات التي تقوم بها الميليشيات الحوثية ضد المواطنين دون التزام بالقانون أو مراعاة لوضع اقتصادي إذ يتم نزع الأراضي والمساكن والمباني التجارية من المستأجرين لها ومن ثم تأجيرها لأشخاص يديرون أموال القيادات الحوثية أو تقوم الميليشيات الحوثية ببيعها لنافذين أو شخصيات موالية لهم.
ولم ينج المزارعون من نهب الميليشيات حيث يفصح «أ. ع. ص» أن المشرف في منطقة الحاوري أبلغه بضرورة تسليم المزرعة التي يستصلحها منذ عشرين سنة ويدفع رسوم الإيجار للأوقاف ويقول: «جاء طقم وهددني بعدم دخول الأرض وعندما قلت لهم وأين أذهب أنا استصلحت الأرض وزرعتها ومن أين سأعيل أسرتي فأجابني أحدهم بقوله: «اذهب للقتال معنا في الجبهات».
وعلى ذات المنوال يحاول أبو جابر إقناع المجموعة المسلحة التابعة للميليشيات الحوثية التي نفذت حملة إخلاء وبتوجيهات من قيادات حوثية بوزارة الأوقاف الخاضعة لها في صنعاء تطالبه بالخروج من الأرض التي استأجرها وقام بتسويرها في حي الصافية ويقول: «استأجرت قطعة الأرض من 15 سنة وفتحت مركز صيانة للسيارات، ويريدون مني الآن إخلاء الأرض وتدمير مصدر رزقي أنا وعائلتي». ويسترسل «لقد أخرجوا الكثير من المستأجرين للأراضي في مناطق عدة بأمانة العاصمة».
ويوضح (أ. ع. ج) الموظف في الأوقاف بصنعاء لـ«الشرق الأوسط» مدى العشوائية والتداخل في المهام والاختصاصات بين قطاعات الوزارة وبين مكاتب الوزارة بالمحافظات الخاضعة للميليشيات وأيضا مع المشرفين في المناطق، حيث تساعد هذه العشوائية المشرفين الحوثيين على السطو على كل الأراضي التي تقع تحت نفوذهم. ويضيف «سعت قيادات الميليشيات الانقلابية إلى خلق الاختلال في الجوانب التنظيمية والهيكلية بوزارة الأوقاف ومكاتبها بأمانة العاصمة والمحافظات القابعة تحت سيطرتها كما عملت على استحداث قطاعات وإدارات عامة بطريقة غير قانونية وخارج إطار اللائحة التنظيمية المعتمدة للوزارة وتضخيم الهيكل التنظيمي لها بغرض نهب ممتلكات الوزارة بشكل عام وأموال الأوقاف بشكل خاص».
ويكشف (س. ق. أ) وهو موظف في هيئة أراضي وعقارات الدولة الخاضعة للميليشيات في صنعاء أن الجماعة قامت بتوزيع أراضي الأوقاف على قيادات ونافذين فيها في مختلف المناطق والمحافظات المسيطر عليها. ويستشهد باستيلاء الجماعة على أرض شاسعة في محافظة ذمار تابعة للأوقاف تحت مبرر منحها لأبناء قتلاها، حيث قامت ببيعها لأحد التجار بمبلغ ضخم.
ويؤكد الموظف الذي طلب عدم ذكر اسمه أن الميليشيات أقدمت على تمليك أكثر من 50 ألف متر مربع من أراضي وعقارات الدولة في صنعاء لقياداتها في أفضل وأهم المواقع بحكم أن هيئة الأراضي والمساحة خاضعة لها ويتم تمرير ما تريده الجماعة عبرها». وكانت ميليشيات الحوثي قامت بإلغاء العقد مع المستأجر لفندق هيلتون الشهير في قلب العاصمة والتابع للأوقاف وتحويله إلى جامعة تتبع إحدى القيادات في الجماعة وأيضا تم تحويل المساحة الفارغة الواقعة أمام المبنى إلى موقف خاص بالجامعة وبرسوم رمزية أقل مما كان يدفعها التاجر السابق وكذلك الأمر يحدث في كل المناطق بأمانة العاصمة وبقية المدن.
إلى ذلك امتد العبث والفساد الحوثي إلى العقارات السكنية المملوكة للأوقاف، حيث شنت حملات مكثفة لطرد المستأجرين من منازلهم في مسعى لتسلميها إلى عناصر الجماعة القادمين من مسقط رأس زعيمها في صعدة، في سياق عملية التغيير الديموغرافي التي تقوم بها في العاصمة المختطفة صنعاء.
فبعد 25 سنة من استئجاره للبيت من وزارة الأوقاف في حي «بير العزب» بقلب العاصمة صنعاء تفاجأ أبو أصيل بالأطقم المسلحة تحاصر البيت وتطلب منه إخلاء البيت دون أن تشفع له الخدمة التي قضاها في الوزارة طيلة 35 عاما. يقول أبو أصيل وهو أب لسبعة أطفال لـ«الشرق الأوسط» متحسرا: «أين أذهب أنا وأولادي وامرأتي المصابة بالشلل. رغم أني أدفع الإيجار في ظل انعدام المرتبات ولا يوجد مسوغ قانوني يمنحهم إخراجي من البيت».
ويضيف «عندما رفضت هذه الإجراءات أغلقوا الباب بسلاسل ومنعونا من الخروج والدخول، ولولا بعض الجيران الذين أمدونا بالغذاء من النوافذ أو عبر السطوح لمتنا جوعا قبل أن يقوم عناصر الجماعة بعدها بأسبوع بإخراجنا عنوة خارج البيت دون مراعاة لحرمة أو أخلاق أو إنسانية».
هذه الحالة هي واحدة من آلاف الحالات التي تحدث في العاصمة صنعاء وبقية المدن اليمنية، إذ يوضح سكان في العاصمة، أن المشرفين الحوثيين قاموا باستخراج أوامر من وزارة الأوقاف الخاضعة لهم ونفذوا عشرات الحملات على البيوت التابعة للأوقاف وأفرغوها من السكان واستبدلوهم من خلال سكان من صعدة يتبعون الميليشيات. ولم تتوقف الحملات على هذا النحو فقط، بحسب المصادر، بل ذهب المشرفون لإلغاء العقود السارية مع التجار والمستأجرين لمباني الأوقاف في صنعاء والحديدة والمحويت وذمار وإب وحجة وعمران وفرض جبايات وإتاوات للمجهود الحربي للجماعة وتجهيز قوافل غذائية لميليشياتها.
وأكد السكان أن الجماعة كثفت حملاتها الميدانية في المدن الخاضعة لسيطرتها لمصادرة أموال الأوقاف من المنتفعين بها سواء أكانت أراضي أو مباني أو شققا سكنية.
وكشف موظفون في الأوقاف بصنعاء أن الميليشيات تقوم بطباعة سندات تحصيل غير قانونية ومخالفة بذلك للقانون المالي الذي يشترط أن تكون السندات صادرة من وزارة المالية وأن تورد الأموال إلى البنك بالمخالفة لنصوص مواد القانون المالي وعقود الإيجار وقانون الوقف الشرعي، فضلا عن انتهاك الدستور اليمني الذي ينص على عدم فرض أي رسوم مالية إلا بقانون.
ويؤكد الموظفون أن القيادات الحوثية «ترفض تطبيق النظام المحاسبي الموحد على إيرادات ومصروفات الأوقاف والوصايا والترب واستخدام دفاتر التحصيل القانونية وتقوم بتحويل المبالغ إلى حسابات وهمية تتبع المشرفين القادمين من صعدة».
وتمتلك وزارة الأوقاف في صنعاء ومناطق سيطرة الجماعة مساحات شاسعة من الأراضي الخاصة التي تم تخصيصها لمشاريع حكومية وكذلك المباني التي تم تشييدها، لكن الميليشيات قامت بنهبها تحت ذريعة إقامة مشاريع سكنية أو توزيع أراض لأبناء قتلاها.


مقالات ذات صلة

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

خاص محافظ شبوة عوض بن الوزير خلال استقباله مسؤولي التحالف والبرنامج السعودي مؤخراً (السلطة المحلية)

الخليفي: التدخلات السعودية في شبوة شملت التنمية والصحة والأمن

التدخلات السعودية في محافظة شبوة مثّلت نموذجاً ناجحاً للتعاون في المجالات التنموية والخدمية والإنسانية والأمنية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ أثناء وصوله عدن مطلع أبريل الحالي (مكتب المبعوث)

جهود أممية لاستئناف صادرات النفط والغاز اليمنية

تعتقد الأمم المتحدة أن استئناف صادرات النفط والغاز في اليمن يُعد أمراً أساسياً لتعافي الاقتصاد ومفتاحاً لتحقيق مكاسب سلام مهمة لليمنيين 

عبد الهادي حبتور
العالم العربي شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

ارتفعت أسعار المياه المعدنية في صنعاء في ظل عجز قطاع واسع من السكان عن استهلاكها، بالتوازي مع قطع الحوثيين شبكات المياه عن الأحياء للمطالبة بمديونيات مزعومة.

وضاح الجليل (عدن)
العالم العربي العليمي استقبل في الرياض المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (سبأ)

دعوة يمنية لمعالجة جذور الأزمة المرتبطة بإيران

لقاء العليمي وغروندبرغ ناقش السلام والمحتجزين والتصعيد الإقليمي، بالتزامن مع إصلاحات اقتصادية وتحذيرات من مخاطر الحوثيين على الأمن والملاحة الدولية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم براك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي، الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يعرف بـ«محور المقاومة» في الفضاء العام في تقديم نصائح لرئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا له ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي كمخرج محتمل، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي ربما يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون منح صك مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي» حينها قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم براك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، فإن واشنطن ربما تكون قد ربحت شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد القيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.