قائد القوات المصرية في «عاصفة الصحراء»: المساعي الأميركية لحرب «داعش» ستسفر عن ميليشيات جديدة

حذر في حديث لـ {الشرق الأوسط} من خطورة خلق صراع طائفي من شأنه تفتيت المنطقة

اللواء أركان حرب محمد علي بلال (في الاطار) و صورة أرشيفية لرتل من الدبابات أثناء المشاركة في «عاصفة الصحراء» عام 1991
اللواء أركان حرب محمد علي بلال (في الاطار) و صورة أرشيفية لرتل من الدبابات أثناء المشاركة في «عاصفة الصحراء» عام 1991
TT

قائد القوات المصرية في «عاصفة الصحراء»: المساعي الأميركية لحرب «داعش» ستسفر عن ميليشيات جديدة

اللواء أركان حرب محمد علي بلال (في الاطار) و صورة أرشيفية لرتل من الدبابات أثناء المشاركة في «عاصفة الصحراء» عام 1991
اللواء أركان حرب محمد علي بلال (في الاطار) و صورة أرشيفية لرتل من الدبابات أثناء المشاركة في «عاصفة الصحراء» عام 1991

مع تنامي الجهود الإقليمية والدولية لتكوين تحالف موسع لمكافحة بؤر الإرهاب المتنامية في منطقة الشرق الأوسط، خاصة مع المخاوف الغربية من تمدد لهيبها إلى أوروبا وأميركا، حذر اللواء أركان حرب المصري محمد علي بلال من أن تركيز الولايات المتحدة الأميركية على تكوين تحالف سني لمواجهة خطر تنظيم «داعش» الإرهابي هو خطأ كبير يجب النأي عنه، لأنه سيخلق بالتوازي تحالفا شيعيا، ما سيؤدي لا محالة إلى صناعة صراع «سني - شيعي» جديد، من شأنه تفتيت الدول العربية.
وأوضح اللواء بلال، بما له من خبرة ميدانية وعملياتية واسعة كقائد للقوات البرية المصرية في عملية «عاصفة الصحراء» لقوات التحالف الدولي ضد القوات العراقية في عام 1991 وهي منطقة عمليات قريبة للغاية من حدود الضربات المرتقبة ضد داعش، أن المساعي والخطط الأميركية التي تعلنها إدارة الرئيس باراك أوباما لمكافحة خطر داعش من شأنها أن تعيد تكوين ميليشيات جديدة، وما يتبع ذلك من مخاطر إعادة تدوير الكرة مرة أخرى دون حل للأزمة. مؤكدا أن العلاج الأنجع هو تقوية الحكومات المركزية لمحاربة الإرهاب على أراضيها بجيوش وطنية، وليس بقوات خارجية أو ضربات جوية لا طائل منها.
وقال اللواء بلال لـ«الشرق الأوسط» إن «المعلومات المتاحة حتى الآن لا تكشف عن آلية مفهومة أو واضحة للولايات المتحدة لتنفيذ العمليات التي من شأنها أن تقضي على خطر مثل هذا التنظيم. فحتى الآن غير مفهوم من سيفعل ماذا، وما هو دور كل دولة من دول التحالف».
وتقول مصادر دبلوماسية دولية إن مؤتمر باريس الذي يعقد اليوم (الاثنين) حول الأمن في العراق، سيسعى لتوزيع المهام على مختلف الدول المشاركة في التحالف، وستتيح لكل طرف مزيدا من الدقة في تحديد ما يمكنه فعله. فيما أعربت واشنطن عن استعدادها لتوجيه ضربات جوية على مواقع التنظيم في سوريا مع توسيع رقعة الضربات التي تشنها في العراق، كما تردد أن البنتاغون الأميركي يتطلع إلى تدريب خمسة آلاف سوري من صفوف المعارضة سنويا، في إطار حملة الرئيس الأميركي، باراك أوباما، الجديدة لمحاربة مسلحي ما يسمى بتنظيم «داعش».
وحول الدور المصري، وخاصة في ظل تأكيدات القاهرة المتكررة أنها لن تشارك في عمليات برية ضد داعش في العراق أو سوريا، رغم دعمها لجهود التحالف وترحيبها به، ثمن اللواء بلال قرار القاهرة ومطالبة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في لقائه مع وزير الخارجية الأميركي جون كيري أول من أمس بأن يكون أي ائتلاف دولي لمكافحة الإرهاب «شاملا»، ولا يقتصر على تنظيم معين، بل يتوسع لمواجهة الإرهاب «حيثما وجد في منطقتي الشرق الأوسط وأفريقيا».
وأشار الخبير العسكري البارز إلى أن مصر تحارب فعليا الفكر المتطرف، وهو ما يربط بين داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية، على أراضيها ممثلة في جماعات مثل «أنصار بيت المقدس» وغيرها. موضحا أن الأفضل أن تحارب كل دولة الفكر المتطرف على أراضيها لأن تعدد جبهات القتال في نفس الوقت ليس محبذا في الفكر العسكري.
وتناولت تقارير أميركية حديثة أمس أن السيسي طالب كيري بحشد جهود دولية لضبط الأوضاع في ليبيا مقابل مشاركة مصر في الدعم اللوجستي لعمليات مكافحة داعش، وليس التدخل العسكري الصريح. فيما قال كيري أمس بأن هناك دولا - لم يسمها - أعلنت عن موافقتها لإرسال قوات برية لحرب داعش، لكن الولايات المتحدة «لا تفكر في ذلك في الوقت الراهن».
وأشار قائد القوات المصرية السابق إلى أن كلمة كيري في المؤتمر الصحافي مع نظيره المصري سامح شكري، والتي قال فيها إن «مصر في الخطوط الأمامية لمواجهة التطرف»، والتي ربما عدها البعض بمثابة الإشارة إلى مشاركة مصرية في العمليات، هي جملة منقوصة؛ حيث أوضح كيري أن دور مصر واضح في مكافحة الإرهاب في سيناء، وكذلك دور مؤسساتها الدينية في مواجهة التطرف.
وعلى الصعيد المصري، يشير اللواء بلال إلى أن طول مدة مكافحة مصر لجماعات الإرهاب المسلحة على أراضيها، وخاصة في سيناء، لا يعني فشل تلك العمليات، قائلا إن حجم العمليات الإرهابية تقلص تقلصا ملحوظا خلال الفترة الماضية بفضل جهود الجيش والشرطة، ومشددا على أنه لا يمكن «القضاء نهائيا على الإرهاب في أي مكان في العالم، لكن يمكن تحجيمه إلى أدنى حد ممكن».
ويرى الخبير العسكري المصري البارز أن مواجهة «داعش»، وغيره من التنظيمات الإرهابية، يجب أن تركز على تقوية الحكومات المركزية، سواء في سوريا أو العراق أو ليبيا، من أجل محاربة الإرهاب على أراضيها بجيوش وطنية، ويكون ولاؤها الأول والأخير للدولة. لأن العمليات العسكرية ضد ميليشيات غير نظامية لن تسفر عن شيء إذا اقتصرت على الضربات الجوية، بينما القوات البرية الخارجية لن تتمكن من محاربة تلك الميليشيات غير النظامية أو الثابتة في قواعد وأماكن واضحة، وهو ما يختلف عن مقاتلة جيش نظامي على غرار ما حدث في عملية عاصفة الصحراء تحت مظلة دولية.
أما عما يثار عن تدريب واشنطن مقاتلين محليين من سوريا لمواجهة «داعش»، حذر اللواء بلال من مغبة ذلك، موضحا أن هذا المسلك يعيد تكرار ما فعلته أميركا في أفغانستان حين دعمت المجاهدين في معاركهم ضد الاتحاد السوفياتي السابق، وهو ما تفرع منه لاحقا أغلب التنظيمات الإرهابية في العالم ومنها «القاعدة»، والمنشقون عنه الجدد مثل «داعش» و«جبهة النصرة» وغيرهما. وبالتالي ستقوم واشنطن بصناعة ميليشيات جديدة في المنطقة.
ويشير محللون ومراقبون دوليون إلى وجود خلافات عميقة وتوترات بين عدد من دول التحالف، على غرار الموقف السياسي بين القاهرة من جهة، وواشنطن والدوحة وأنقرة من جهة أخرى، وهو ما قد يؤثر على طريقة التعاون والتعاطي مع القضية. ويضيف اللواء بلال أن وجود دولة إقليمية مثل إيران ربما تستغل الموقف لتغذي الصراع السني الشيعي بالتزامن مع العنوان المعلن في الحرب على الإرهاب، وهو ما من شأنه تفتيت المنطقة العربية.
وعلى صعيد ذي صلة، يشكك اللواء بلال في مدى «صدقية» ما يذاع من مقاطع مصورة لإعدامات يقوم بها عناصر «داعش» لمواطنين أجانب، قائلا إن تلك الفيديوهات تصور بتقنيات كبيرة لا يفهم كيف وصل إليها عناصر داعش، يفترض أنهم في مناطق عمليات، ولا يمكنهم الوصول إلى تقنيات «هوليوودية»، مشيرا إلى أن المشاهدة الدقيقة لهذه المشاهد لا تظهر لحظات الذبح الفعلي ولا مظاهره «من دماء أو انهيار انفعالي للضحايا المفترضين»، ومرجحا أن يكون «لجهات ما» أهداف من إذاعة مثل تلك التقارير من أجل تحفيز المجتمع الدولي على المشاركة. وهو ما يتزامن في رأيه مع حماس واشنطن «الذي ظهر فجأة» لمكافحة الإرهاب، وخاصة في ظل اقتراب موعد انتخابات الكونغرس وضعف موقف حزب الرئيس الأميركي في مواجهة القضايا الخارجية، واحتياجه الشديد لـ«نصر رمزي» يرفع من أسهمه الانتخابية.



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.