مسؤولون فلسطينيون يثمنون المنحة السعودية بـ 500 مليون دولار لإعادة إعمار غزة

مستشار رئيس الحكومة يؤكد أن المعونة هي الأكثر والأسرع من بين الدول.. والسفير باسم الآغا: المملكة أولتنا الاهتمام من كافة النواحي

جندي مصري على نقطة حراسة على الحدود المصرية الفلسطينية وتبدو مظاهر الدمار في رفح (أ.ف.ب)
جندي مصري على نقطة حراسة على الحدود المصرية الفلسطينية وتبدو مظاهر الدمار في رفح (أ.ف.ب)
TT

مسؤولون فلسطينيون يثمنون المنحة السعودية بـ 500 مليون دولار لإعادة إعمار غزة

جندي مصري على نقطة حراسة على الحدود المصرية الفلسطينية وتبدو مظاهر الدمار في رفح (أ.ف.ب)
جندي مصري على نقطة حراسة على الحدود المصرية الفلسطينية وتبدو مظاهر الدمار في رفح (أ.ف.ب)

أكد باسم الآغا السفير الفلسطيني لدى السعودية لـ«الشرق الأوسط» أن المملكة تعد القضية الفلسطينية هي قضيتها الأولى، وتوليها جل اهتمامها من كل النواحي اللوجيستية والمعنوية والمادية، والتي كان آخرها ما أعلنه الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي، أول من أمس بدعم إعادة إعمار قطاع غزة بنحو 500 مليون دولار.
وأضاف الآغا، أن مواقف المملكة ثابتة منذ عهد المؤسس الملك عبد العزيز «رحمه الله» وسار أبناؤه على هذا النهج، في عدم المساومة بحق الفلسطينيين، في كل المواقف، وهو ما أكده الأمير سعود الفيصل في كلمته أمام وزراء خارجية دول منظمة التعاون الإسلامي، من تعبير حقيقي لمشاعر خادم الحرمين والشعب السعودي النبيل، والشعب العربي والمخلصين في كل أرجاء العالم.
وكان الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية السعودي، قال في كلمة خلال اجتماع اللجنة التنفيذية الاستثنائي الموسع على مستوى وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي الذي عقد برئاسته في جدة أول من أمس «إن الصندوق السعودي للتنمية مستمر في تخصيص التزام المملكة ببرنامج إعادة الإعمار في قطاع غزة، وسيجري العمل بالتنسيق مع المانحين الآخرين لتمويل إعادة إعمار المنشآت والمساكن المتضررة جراء العدوان الغاشم بمبلغ 500 مليون دولار».
وأشار الفيصل إلى أنه قد صدرت أخيرا توجيهات خادم الحرمين الشريفين بتخصيص مبلغ 300 مليون ريال سعودي لوزارة الصحة الفلسطينية والهلال الأحمر الفلسطيني، لمواجهة أعباء الخدمات الإسعافية ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية الضرورية الناجمة عن العدوان الإسرائيلي الغاشم على قطاع غزة، «وهي الآن في مرحلة الإنجاز، حيث جرى إيصال ما يمكن إيصاله من أدوية ومستلزمات طبية، وجار العمل على استكمال ما تبقى».
وقال السفير الفلسطيني، إن عملية إعمار قطاع غزة يمر بمراحل من خلال المانحين الذين يقومون بدراسة الوضع والأولويات وتحديد المبالغ اللازمة في بناء المنازل والبنية التحتية، والدعم السعودي سيساعد كثيرا المانحين في تحديد الأولويات، موضحا أن الدعم المقدم لوزارة الصحة هو 100 مليون ريال، وذلك لشراء الأدوية والمستلزمات الطبية وتعويض النقص جراء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، فيما تبلغ قيمة الدعم للهلال الأحمر 200 مليون ريال، الذي فقد الكثير من المركبات المجهزة والتي كانت تقوم بدور حيوي في نقل المصابين.
ولفت الآغا، إلى أن المملكة تفي بالتزامتها شهريا وفي المواعيد المحددة بكل احترام وأخلاق دون منة ولا أذى، ومن ذلك مساهمتها الشهرية في دعم ميزانية السلطة الفلسطينية، والتي تحول في مواعدها دون تأخر، وهذا دليل على أن مواقف المملكة ثابتة حيال القضية الفلسطينية، وهي مسجلة في ذاكرة كل فلسطيني.
واستشهد السفير الفلسطيني على الدعم الدائم من قبل الحكومة السعودية، بواقعة محاول تعطيل إرسال فريق من قبل مجلس حقوق الإنسان إلى غزة في 2009 للتحقيق في الانتهاكات الإسرائيلية، وذلك بسبب انتظار المجلس للاعتماد المالية من الدول الداعمة للمجلس، إلا أن مندوب المملكة في المجلس، وبتعليمات من الأمير سعود الفيصل، تكفلت بدفع المبلغ على أن لا تتأخر اللجنة أو تتعطل في متابعة أعمالها والوقف على الجرائم الإسرائيلية.
واستطرد الآغا، أن إسرائيل أضاعت الكثير من فرص السلام، والتي من أهمها المبادرة التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، والتي أصبحت فيما بعد مبادرة عربية، لافتا أن كلمة الأمير سعود الفيصل، هي صرخة صادقة لإحياء الضمير العالمي لما يجري في قطاع غزة، وعدم الكيل بمكيالين بين القاتل والمقتول.
من جانبه قال الدكتور جواد ناجي، مستشار رئيس الوزراء الفلسطيني: «إن الحملة التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين، الملك عبد الله بن عبد العزيز، كانت الأكثر والأسرع في تقديم يد العون للشعب الفلسطيني، تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة، مشيراً إلى أن المنحة التي قدمتها السعودية بنحو 300 مليون ريال على دفعتين، بدأنا بتقديم الطلبات الخيام وسيارات الإسعاف، من البنك الإسلامي للتنمية، وكذلك ترميم محطات الكهرباء وتحلية المياه التي جرى تدميرها».
وأوضح الدكتور ناجي في اتصال هاتفي لـ«الشرق الأوسط»، أن مبادرة الملك عبد الله بن عبد العزيز، بالوقوف مع الشعب الفلسطيني، كان لها الأثر الكبير لدى أهالي غزة، عبر تدخله السريع وتمكين الشعب الفلسطيني لمواجهة الأثار الناجمة عن العدوان. وأضاف أن «السعودية، هي الدولة الأكثر والأسرع من بين الدول، في تقديم العون والمساعدة، للشعب الفلسطيني، ولم تقف المملكة عند هذا الحد، بل أعلنت عبر الأمير سعود الفيصل، وزير الخارجية، بمساهمة المملكة بنحو 500 مليون دولار لإعادة إعمار غزة».
وأشار مستشار رئيس الوزراء لشؤون الصناديق العربية والإسلامية إلى أن المملكة، لها مواقف قوية، وما كان كلمات الأمير الفيصل خلال الاجتماع الاستثنائي لمنظمة التعاون الإسلامي أول من أمس، خير دليل، إذ قال «إن السعودية، لا يمكن أن تترك الشعب الفلسطيني وحيداً في مواجهة هذه الآثار والعدوان الآثم».
وذكر الدكتور ناجي، أن السعودية بدأت بإرسال المواد الطبية بشكل سريع، حيث وصلت على ثلاث دفعات إلى غزة حتى الآن، سواء كانت من الضفة الغربية، وأخرى من عن طريق الأشقاء في مصر بالتنسيق مع الهلال الأحمر الفلسطيني.
وأضاف: «لمسنا من الأشقاء السعوديين، ضرورة البدء في شراء ما يتعلق بالمواد اللازمة لإعادة ترميم شبكات الكهرباء في غزة التي دمرها العدوان الإسرائيلي، أو شبكة تحلية المياه التي أيضا دمرت، وكذلك الإسراع في إقامة وحدات تحلية مياه جديدة، خصوصا وأن شعب غزة يعانون خلال الوقت الحالي، من أزمة بالمياه». وأكد مستشار رئيس الوزراء الفلسطيني، أنه جرى اجتماعات مع البنك الإسلامي للتنمية، أمس، وعرضنا عليهم الكثير من الطلبات، قدر ثمنها بين 17 و20 مليون دولار من إجمالي المنحة التي أطلقها خادم الحرمين الشريفين، وضمنها سيارات الإسعاف، وعدد كبير من الخيام، بحيث يعاني أكثر من نصف مليون فلسطيني، شردوا من مساكنهم، ولا بد من توفير أماكن بديلة، وتهيئتها بالمستلزمات.
يذكر أن خادم الحرمين الشريفين، الملك عبد الله بن عبد العزيز، وجه منتصف الشهر الماضي، بتقديم 200 مليون ريال للهلال الأحمر الفلسطيني في غزة، وقال الدكتور إبراهيم بن عبد العزيز العساف، وزير المالية في حينها، إن التوجيه تضمن تخصيص هذا المبلغ لتأمين الاحتياجات العاجلة من الأدوية والمعدات والمستلزمات الطبية اللازمة لعلاج ضحايا الاعتداءات والقصف الإسرائيلي على قطاع غزة، التي ذهب ضحيتها آلاف الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، ولم يسلم منها حتى ذوو الاحتياجات الخاصة.
وبعد أسبوعين، تبرع أيضا، الملك عبد الله بن عبد العزيز، بتقديم 100 مليون ريال، إلى وزارة الصحة الفلسطينية، وقال عادل بن محمد فقيه، وزير الصحة، إن التوجيه الصادر عن خادم الحرمين الشريفين، يقضي بتخصيص هذا المبلغ «لمواجهة أعباء نقص الأدوية والمستلزمات الطبية العاجلة لعلاج الجرحى والمصابين في ظل الاعتداءات الإسرائيلية الغاشمة على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة».
من جانبه، قال القيادي في حركة فتح وعضو اللجنة المركزية للحركة، جمال محيسن، إن المملكة السعودية منذ انطلاق الثورة المعاصرة وهي الداعم رقم واحد ومواقفها تاريخيا متزنة ولا توجد أي مواقف متقلبة لها. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «السعودية من خلال الموقع الذي تشغله تابعت تجميع الأمة حول موقف واحد.. الموقف السعودي الآن داعم لوقف كل المخططات التي تهدف إلى تقسيم المنطقة والذي كان يستهدفنا جميعا».
وتابع محيسن، وهو مساعد للرئيس الفلسطيني محمود عباس: «نشكر الموقف السعودي المتقدم والمهم لدعم القضية الفلسطينية ودعم أهالي غزة.. إنه يأتي في إطار معروف وقديم ومستمر».
وأردف: «يجب أن يكون الموقف كما عبر عنه الأمير الفيصل مرتبط دائما بإنهاء الاحتلال وليس بحل جزئي يتم كل عام أو عامين».



المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

المحامون في صنعاء تحت طائلة القمع الحوثي

مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة العدل الخاضع لسيطرة جماعة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً في حجم الانتهاكات التي تستهدف المحامين والمحاميات، في تطور يثير مخاوف واسعة بشأن مستقبل العدالة وسيادة القانون، إذ كشفت تقارير حديثة صادرة عن منظمات حقوقية محلية عن نمط متكرر من التضييق الممنهج على مهنة المحاماة، شمل الاعتقال التعسفي والاحتجاز المطول والتهديد المباشر.

وتشير هذه المعطيات إلى أن البيئة القانونية في صنعاء ومدن أخرى خاضعة للحوثيين لم تعد توفر الحد الأدنى من الضمانات المهنية، حيث أصبح المحامي نفسه عُرضة للمساءلة أو الاستهداف بسبب قيامه بواجب الدفاع عن موكليه، خصوصاً في القضايا ذات الطابع السياسي، أو الحقوقي. ويرى مراقبون أن هذا الواقع لا يمس المحامين وحدهم، بل يهدد أساس النظام القضائي برمته.

في هذا السياق، وثّقت منظمة «دي يمنت للحقوق والتنمية» في تقرير لها، أكثر من 382 انتهاكاً حوثياً ضد محامين ومحاميات في صنعاء بالفترة من يناير (كانون الثاني) 2023، وحتى ديسمبر (كانون الأول) 2025، شملت الاعتقال التعسفي والاحتجاز المُطول دون مسوغ قانوني، والتهديد بالقتل والاعتداء، والم-==نع من مزاولة المهنة، إضافة إلى فرض قيود على حق الدفاع في القضايا ذات الطابع السياسي أو الحقوقي.

جانب من لقاءات تشاورية سابقة لمحاميين يمنيين في صنعاء (فيسبوك)

ورصد التقرير، أزيد من 159 انتهاكاً حوثيا ضد محاميين خلال عام 2025، مقارنة بـ135 انتهاكاً في 2023، فضلاً عن 88 انتهاكاً في عام 2024، واصفاً ذلك الاستهداف، بأنه «نمط مُمنهج» يطاول المدافعين عن الحقوق ويقوّض ما تبقى من منظومة العدالة وسيادة القانون.

انتهاكات بالجملة

ويؤكد عدد من المحامين، أن الضغوط لا تقتصر على الإجراءات الأمنية فقط، بل تمتد إلى أساليب غير مباشرة تهدف إلى إرغامهم على الانسحاب من قضايا معينة.

كما تشمل هذه الأساليب، الاستدعاءات الأمنية والتحذيرات الشفهية، إضافة إلى التضييق الإداري داخل المحاكم. ويصف بعضهم هذه الممارسات، بأنها محاولة لخلق بيئة ترهيب تدفع المحامين إلى تجنب القضايا الحساسة.

وتبرز خطورة هذه الانتهاكات في كونها تستهدف الحلقة الأساسية في منظومة العدالة، إذ يعتمد حق المتقاضين في محاكمة عادلة على قدرة المحامي على العمل بحرية واستقلالية. وعندما يصبح الدفاع نفسه مخاطرة شخصية، فإن العدالة تتحول إلى إجراء شكلي يفتقر إلى جوهره القانوني.

جانب من اجتماع سابق لمحامين يمنيين في صنعاء قبل أن يفضه الحوثيون (إكس)

ويرى خبراء قانونيون، أن استهداف المحامين يمثل مؤشراً واضحاً على تآكل استقلال السلطة القضائية، فالمحاكمات العادلة تتطلب توازناً بين الادعاء والدفاع، وعندما يتم تقييد أحد الطرفين، تفقد العملية القضائية حيادها ومصداقيتها.

ومن أبرز الممارسات التي تثير القلق، منع المحامين من التواصل الكافي مع موكليهم أو الاطلاع الكامل على الأدلة، وهو ما يتعارض مع المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المعترف بها دولياً. كما أن تهديد المحامين بسبب مرافعاتهم، يقوض فكرة الحصانة المهنية التي تشكل حجر الأساس لأي نظام قانوني حديث.

ويحذر مختصون، من أن استمرار هذه الممارسات قد يؤدي إلى عزوف المحامين عن تولي القضايا الحساسة، ما يترك المتهمين دون دفاع حقيقي، ويخلق فجوة خطيرة بين النصوص القانونية والتطبيق الفعلي للعدالة. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع ثقة المجتمع بالقضاء تدريجياً، وهو ما ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي والقانوني.

دعوات حقوقية

في ظل هذا الواقع، تصاعدت دعوات المنظمات الحقوقية المحلية والدولية، لاتخاذ خطوات عاجلة لحماية المحامين، وضمان استقلال مهنتهم. وتشدد هذه الجهات، على ضرورة الإفراج عن المحامين المحتجزين بسبب نشاطهم المهني، ووقف جميع أشكال الترهيب أو التضييق التي تستهدفهم.

كما تطالب بضرورة مراقبة التعديلات القانونية، والإجراءات القضائية التي يُنظر إليها على أنها تقوض الإطار الدستوري المنظم لمهنة المحاماة. ويرى ناشطون حقوقيون، أن حماية المحامين تمثل شرطاً أساسياً للحفاظ على أي مسار إصلاحي أو سياسي مستقبلي، لأن غياب الدفاع المستقل يعني غياب العدالة نفسها.

المحامي عبد المجيد صبرة المحتجز في سجون الحوثيين منذ سنوات (إكس)

وكانت الأمانة العامة ل «اتحاد المحامين العرب» أكدت، في بيان سابق لها، أنها «تتابع عن كثب ما يقع في مناطق سيطرة الحوثيين من التنكيل بالمحامين ومِهنة المحاماة، وما يجري على بعض القوانين النافذة من تعديلات غير دستورية أظهرت إصرار الجماعة المُمنهج على انتهاك دستور اليمن والقوانين النافذة بشأن مهنة المحاماة».

وندّد «اتحاد المحامين العرب»، بالتنكيل المُستمر الذي يمارسه الحوثيون بحق المحامين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة، مبدياً رفضه الكامل «لوجود أي مكون تحت أي اسم ،يعمل خارج إطار نقابة المحامين»، في إشارة إلى استحداث الحوثيين شكلاً نقابياً جديداً تحت اسم «وكلاء الشريعة».

ويؤكد مراقبون، أن المجتمع الدولي مطالب بلعب دور أكثر فاعلية في الضغط لضمان احترام المعايير القانونية الدولية، مشددين، على أن استمرار الانتهاكات دون مساءلة، قد يرسخ ثقافة الإفلات من العقاب ويزيد من تعقيد الأزمة القانونية والحقوقية في اليمن.


ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.