أكثر من نصف المطلوبين على لائحة الإرهاب الأميركية ليس لهم صلة به

أكثر من نصف المطلوبين على لائحة الإرهاب الأميركية ليس لهم صلة به
TT

أكثر من نصف المطلوبين على لائحة الإرهاب الأميركية ليس لهم صلة به

أكثر من نصف المطلوبين على لائحة الإرهاب الأميركية ليس لهم صلة به

تضاعفت الأسماء المدرجة على قائمة الإرهاب الخاصة بالحكومة الأميركية في السنوات الأخيرة، ولكن الأسوأ من ذلك أن الحكومة تقر بأن أكثر من 50 في المائة من الأشخاص المدرجين على القائمة «لا ينتمون إلى جماعة إرهابية معترف بها».
ووفقا لوثائق سرية حصل عليها موقع «ذي إنترسيبت»، فإن قائمة الإرهاب محل النقاش تعد قاعدة بيانات المسح الإرهابي الخاصة بالحكومة، وتضم حاليا 680 ألفا من الإرهابيين المحتملين. وبالنظر إلى عدد الأشخاص، البالغ 280 ألف شخص، المدرجين على القائمة والذين ليس لهم صلة بجماعة إرهابية معترف بها، فإن عدد الأشخاص الذين ينتمون للكثير من فروع تنظيم القاعدة والبالغ عددهم 130 ألف شخص أو نحو ذلك يبدو صغيرا، كما جعل ذلك عدد الأشخاص الذين ينتمون إلى حركة طالبان، والبالغ 63 ألف شخص أو نحو ذلك، يبدو تافها تقريبا. وفي حين أن عدد الأشخاص الذين أحيلت أسماؤهم إلى قوائم الممنوعين من السفر أصغر من ذلك، إلا أن كل المدرجين على القائمة يخضعون لمراقبة الحكومة. (ومن لا يخضع للمراقبة في هذه الأيام؟) إنها هي الحقيقة المذهلة التي تبدو للعيان.
ووفقا لما ذكرته هينا الشامسي، التابعة لاتحاد الحريات المدنية الأميركية، لموقع «ذي إنترسيبت»: «نحن ندخل أرض فيلم تقرير الأقلية، فعندما تكونون أصدقاء لشخص مخطئ قد يعني ذلك أن الحكومة تضعك في قاعدة بيانات، وتضيف صور (دي إم في (DMV، ومسح القزحية، وتكنولوجيا التعرف على الوجه لكي تتبعك سرا ودون علمك»، وأضافت: «وتقربنا حقيقة أن هذه المعلومات يمكن تبادلها مع بعض الأجهزة بدءا من وكالة الاستخبارات المركزية إلى إدارة شرطة نيويورك، والتي يعرف عنها أنها لا تولي اهتماما للحريات المدنية، من مجتمع الرقابة الحكومي العدواني والذي ينتهك الحقوق في الداخل والخارج».
وعقب وصول إشاعات إلى الحكومة بأن موقع «ذي إنترسيبت» حصل على وثائق سرية بشأن قائمة مراقبة الإرهابيين الخاصة بها، قاموا بتسريب معلومات إلى وكالة أسوشييتد برس، التي سريعا ما نشرت رواية تميزت بلهجة أكثر تسامحا. واستمر تلاعب وسائل الإعلام عقب قيام كلتا الجهتين بنشر رواياتهما، وأعلنت الحكومة أنه يوجد مسرب جديد للمعلومات بين صفوفها. وفي هذا الصدد، سريعا ما أقامت وسائل الإعلام، أمثال «سي إن إن»، مقارنة بين هذا الشخص الجديد الذي يشكل لغزا وإدوارد سنودن. ويعد هذا أمرا سخيفا، لأن هناك أشخاصا كانت تقوم بتسريب وثائق الحكومة في هدوء لعدة سنوات، قبل أن يعرف أي شخص اسم سنودن. ويبدو أن هذا الأمر هو مجرد محاولة من جانب الحكومة لبدء مطاردة ساحر جديد.
ومن المؤسف للغاية أن الحكومة لا تستطيع التركيز فقط على مطاردة الإرهابيين الحقيقيين بدلا من مراقبة الكثير من الأشخاص الذين لا توجد شكوك حولهم، والذين يكونون في الغالب من أصول عربية، ثم تحاول بعد ذلك تجميل التغطية المقدمة عندما ينكشف السر. إنه أمر مؤسفا للغاية بالفعل.



منزل رفيق رحلة كوكب الشرق أحمد رامي تحت رحمة معاول الهدم

منزل أحمد رامي (فيسبوك)
منزل أحمد رامي (فيسبوك)
TT

منزل رفيق رحلة كوكب الشرق أحمد رامي تحت رحمة معاول الهدم

منزل أحمد رامي (فيسبوك)
منزل أحمد رامي (فيسبوك)

يبدو أن المبنى رقم 4 شارع محمد نبيل السباعي، بحي حدائق القبة (شرق القاهرة) والذي عاش فيها الشاعر المصري الكبير أحمد رامي المُلقب بـ«شاعر الشباب» و«عاشق أم كلثوم»، سيكون على موعد مع الهدم خلال الفترة المقبلة، بعد رفع الحماية القانونية عنه.

وأثار قرار وزير الإسكان رفع منزل رامي من سجلات التنسيق الحضاري الخاصة بالتراث المعماري الأولى بالحماية دهشة كثير من المهتمين بحماية المباني التراثية بالدهشة.

المبنى الذي مر على إنشائه أكثر من 120 عاماً، ويتميز بطراز معماري فريد تعرض على مدى أكثر من 23 عاماً لمحاولات الهدم ما عرّض مالكه إلى الحبس والغرامة.

ويرى عبد العظيم فهمي، مدير مبادرة «سيرة القاهرة» أن «العقار كان ضحية وجودة تحت اختصاص أكثر من جهة رسمية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أننا في وضع مشاهدة طوال الوقت لما يحدث من إزالة لبيوت ذات طابع معماري متميز، تحدثنا كثيراً، وسعينا لتفسير أهمية المحافظة عليها، لكن لم يستجب أحد؛ لذلك ركزنا على توثيق التراث وتصويره والكتابة عنه، وأصدرنا عدداً من الكتب في هذا الصدد، للحفاظ على هويتنا وتراثنا».

تشريعات مشددة

وأضاف فهمي أن «تراثنا يحتاج إلى تشريعات وقوانين مشددة لحمايته، بالإضافة إلى ضرورة تطبيق هذه القوانين حتى لا تكون حبراً على ورق، ويجب أن تكون هناك جهة واحدة تختص بذلك؛ لأن تعدد الجهات المسؤولة عن حماية التراث، هو الذي يؤدي لإهداره، بجانب التذرع بأن الموقع محل الخلاف غير مسجل كأثر، أو تراث، ما يسهل مسألة الهدم لأنه غير محمي بالقانون».

أحمد رامي وكوكب الشرق (أرشيفية)

وتكمن الإشكالية الرئيسية في قضية المباني والقصور ذات الطابع المعماري المتميز، وفق فهمي، «في عدم فهم معنى كلمة التراث، ومفهوم الأثر»، مشيراً إلى أن عدم اهتمام المسؤولين بهذا الأمر يجعلنا نفقد بنايات يمكن أن تشكل نوعاً من السياحة تقوم بالأساس على فكرة الأدب والفنانين والكتَّاب، تعتمد في مساراتها على بيوتهم وأماكن كانوا يقيمون فيها».

وتعود أزمة هدم منزل أحمد رامي الذي كان يقيم فيه مع عائلته بالإيجار، إلى عام 2014 عندما تم التفكير في هدمه.

من جهته، قال المحامي محمود عزت لـ«الشرق الأوسط» إنه تابع قضية منزل رامي، وأضاف: «قمنا بحملات كثيرة لوقف إزالته، انطلاقاً من كونه مسجلاً لدى جهاز التنسيق الحضاري ضمن العقارات المحمية، وقد لاحظنا أن المالك يعمل بشكل منظم على تخريبه، وإزالة نقوشه حتى يفقد ما يميزه. وقام بذلك عبر سنوات طويلة، ويبدو أنه وورثته نجحوا في النهاية بعد أن قررت وزارة الإسكان أخيراً رفعه من قائمة المباني التراثية».

خطورة داهمة

قال المهندس محمد أبو سعدة رئيس جهاز التنسيق الحضاري في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط» إن المباني المسجلة حين تخرج من القوائم المحمية بقرار أو من خلال لجان الحصر، يكون مفوضاً في ذلك وزير الإسكان».

وعن منزل أحمد رامي، قال أبو سعدة إنه تم رصد انهيار في أحد جوانب المنزل؛ ما أثر في سلامته الإنشائية، ومن ثم تم عرضه على المحكمة فأقرت خروجه من حصر المباني ذات الطابع المعماري، كما أقرت هيئة قضايا الدولة أنها استنفدت الإجراءات القانونية تجاه العقار، وارتأت أنه يشكل خطورة داهمة على السكان والمارة.

رامي مع أم كلثوم (أرشيفية)

ويتزامن إعلان خروج منزل رامي من حصر العقارات المحمية، مع عمليات هدم العقار التاريخي للإدارة الهندسية لسكك حديد مصر، التي تجري حالياً، وقاربت على الانتهاء، ضمن مسلسل إزالة لحق بالكثير من البنايات التراثية بما فيها مقابر بقرافة الإمام الشافعي والسيدة نفيسة التي شكلت صدمة كبيرة للمهتمين بالتراث.


ثيمة «العودة» تهيمن على أفلام «برلين»... حكايات مواجهة الذات والمجتمع

ليلى بوزيد تتوسط ماريون باربو وهيام عباس وسلمى بكار وفريال الشماري وآية بوترعة (إ.ب.أ)
ليلى بوزيد تتوسط ماريون باربو وهيام عباس وسلمى بكار وفريال الشماري وآية بوترعة (إ.ب.أ)
TT

ثيمة «العودة» تهيمن على أفلام «برلين»... حكايات مواجهة الذات والمجتمع

ليلى بوزيد تتوسط ماريون باربو وهيام عباس وسلمى بكار وفريال الشماري وآية بوترعة (إ.ب.أ)
ليلى بوزيد تتوسط ماريون باربو وهيام عباس وسلمى بكار وفريال الشماري وآية بوترعة (إ.ب.أ)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين-5 هناك عودات كثيرة في أفلام اليوم. دائماً ثمة من يعود إلى مدينته أو قريته أو إلى موقع آخر عاش فيه طفولته.

هنا في «مهرجان برلين» نجد 3 أفلام عن تلك العودة، من بينها فيلم ليلى بوزيد «بيت الحس». والآخران هما «خلاص» (Salvation) لأمين ألبر، عن رجل يعود إلى قريته التركية ليطالب بأرض كان قد تركها لسنوات، و«محاكمة هاين»، فيلم ألماني من إخراج كان شتانك عن عودة رجل، بعد 14 سنة من الغياب، إلى الجزيرة الصغيرة التي وُلد فيها.

هذا ليس جديداً؛ إذ نجده في عشرات الأفلام كل سنة، سواء تلك التي تُعرض في المهرجانات أو التي تكشف عنها العروض التجارية.

العودة، بشكل عام، هي محاولة شخص ما إجراء مقارنة بين ما هو عليه الآن وما كان عليه في السابق. هي اكتشاف ذاتي التوجّه، تحت ستار رغبة مُعلنة وأخرى مستترة. المعلنة تُبرِّر العودة بزيارة أو بالرغبة في ترك المدينة المزعجة. والمستترة تكمن تحت خط الأحداث لتكشف رغبة العائد في تلك المقارنة المنشودة.

البحث في الخفاء

هيام عبّاس وآية بوترعة (مهرجان برلين)

في فيلم المخرجة التونسية «بيت الحس» هناك تلك العودة المزدوجة. بطلة الفيلم ليليا تعود من باريس إلى بلدها تونس لحضور مأتم خالها المتوفى. هذا هو السبب المعلن. وفي الداخل هناك قدر من البحث عن تاريخها الشخصي وعن العائلة التي عاشت بين أفرادها.

لكن المخرجة ليلى تُضيف عاملاً آخر: ليليا (تؤديها آية بوترعة) لديها صديقة فرنسية (ماريون باربو)، تأتي معها إلى مدينة سوسة حيث تقع الأحداث. تؤمِّن ليليا لها فندقاً ومن ثم تنصرف لحضور المأتم.

حين يأتي، في الفيلم، كشفُ حقائق وقوع الجريمة يكون الوقت قد فات لتبرير المخرجة أسباب اختياراتها من الأحداث. كل شيء هنا يمر بهدوء أقل مما يجب أحياناً، ومن دون غموض كافٍ لإثارة التساؤلات المطروحة، عوض الاكتفاء بسردها.

تعرض المخرجة الشعائر التي تصاحب غسل الرجال للميت، وتلاوة القرآن الكريم، ثم توجِّه، بعد فترة ليست قصيرة، اهتمامها إلى الأم وحيدة (هيام عباس)، والجدة نفيسة (سلمى بكّار).

بلا دوافع كافية

ليلى بوزيد وهيام عباس وماريون باربو خلال مهرجان «برلين» (إ.ب.أ)

الهدف الذي يبدو أن المخرجة اكترثت له هو الحديث عن قسوة المفاهيم المجتمعية في تونس.

لا سبب واضحاً لقيام ليليا بدور التحرّي للكشف عن قاتل خالها. ولا توجد خلفية في الفيلم تُبرِّر عدم عودتها إلى باريس بعد المأتم، سوى وضع درامي يمكِّن المخرجة من سرد الحكاية التي اختارتها.

تمضي ليليا في سرد الحالات العاطفية التي تمرُّ بها والدتها وجدتها وباقي نساء العائلة. تقترب من الوصفية وتبتعد عن منح الفيلم ما هو أكثر من مجرد الحبكة الموضوعة. وفي حين أن شخصية ليليا تقود الفيلم، فإن محوره الفعلي هو الدور الذي تؤديه هيام عباس.

لا ترغب ليليا في تقديم بحث بوليسي عن القاتل، وإن كان تبرير البدء بهذا المسار غير واضح. ما يتبدّى هو تجاوز سؤال كيف مات خالها الشاب إلى البحث عن دلائل ذلك وانعكاساته على العائلة التي تحاول إخفاء الحقيقة. بذلك يصبح الفيلم عن التداعيات، وعن الفرص المتاحة للمداولة حول الشخصيات وما ترفضه وتُضطر إلى قبوله أحياناً.

عاصفة عاطفية في بيروت

سبق المخرج الألماني الراحل راينر فرنر فاسبيندر المخرجة دانيال عربيد إلى الحبكة التي تستخدمها في فيلمها الجديد «لمن يجرؤ» (Only Rebels Win)، وهو العنوان التسويقي الرسمي، بينما يحمل عنواناً فرنسياً آخر هو «سوزان وعثمان» (Susanne et Osmane).

يروي فيلم عربيد حكاية مهاجر سوداني شاب بلا جواز سفر يتعرَّف على أرملة تكبره سناً بسنوات كثيرة، وكلاهما يحتاج إلى الآخر، مُنشئين علاقة عاطفية إلى أن يختار الفيلم نهاية لها.

أما فيلم فاسبيندر «علي: الخوف يأكل الروح» (Ali: Fear Eats the Soul) سنة 1974، فيدور حول مهاجر مغربي (الهادي بن سالم) يتعرَّف على الأرملة الألمانية إيمي (برجيت ميرا) ويعيش معها.

في الفيلمين، كل شخص بحاجة إلى الآخر. الوحدة والخوف، ثم مواجهة رفض المجتمع، ترسم البعدين الاجتماعي والعاطفي للحكايتين.

هذا لا يعني بالضرورة أن فيلم دانيال عربيد مقتبس من الفيلم الألماني. خط كل فيلم يسير بموازاة الآخر، والفيلم اللبناني يستفيد من المحيط الاجتماعي المميَّز لبلد متعدد الديانات والثقافات، ومن الأجواء الشخصية كذلك.

يبدأ الفيلم بكلمات تكشف أنه صُوّر في استوديو فرنسي عوض مكانه الطبيعي في العاصمة اللبنانية بسبب «القصف الإسرائيلي». بالنسبة لكثير من اللبنانيين يبدو السبب غير مقنع، لكنه يُسهم في ترويج العمل منذ بدايته.

محمد أمين بن رشيد وهيام عبّاس في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

إنه فيلم آخر للممثلة الفلسطينية، المقيمة في باريس والناشطة عالمياً، هيام عباس، وهي أستاذة في تعاملها مع الشخصيات، تمزج بين هدوء التقبُّل وانفعال العاطفة.

تؤدي دور سوزان، الأرملة التي بلغت 63 من العمر (بلكنة لبنانية صحيحة)، وتشاهد مجموعة من الشبان يضربون شاباً أفريقياً. هؤلاء عصابة احتجزت جواز سفره وأجبرته على العمل من دون أجر.

اسمه عثمان، سوداني المولد، وتأخذه سوزان إلى بيتها لتضميد جراحه. وبوتيرة سريعة تنشأ رغبة متبادلة بينهما. ليس من الصعب معرفة السبب: هي تحتاج إليه لاستعادة بعض أسباب الحياة، وهو يحتاج إليها بحثاً عن ملاذ آمن. ما يحدث بعد ذلك يسير في اتجاه توطيد العلاقة قبل أن تتهاوى.

نقد ورؤية

الفيلم لا يتناول علاقتهما بمعزل عن البيئة البيروتية المحيطة. تواجه سوزان انتقاد بعض جيرانها ونميمة آخرين، وما يتفشى في المجتمع من عنصرية. تختار عربيد، في هذا الفيلم الجيد لها، معالجة هذه الأبعاد بوضوح.

التجسيد الأبرز لهذا الرفض يتمثل في ولديها اللذين يشعران بالإهانة بسبب تلك العلاقة.

هو انتقاد لمجتمع يكره الغرباء والمهاجرين. المخرج زياد الدويري تناول جانباً من ذلك في فيلمه «القضية رقم 23» (2017)، لكن عربيد تتوسَّع هنا وتتعمَّق، انسجاماً مع رؤية المخرجة للواقع ورغبتها في معاينة ردود فعل الشخصيات المختلفة على علاقة بين امرأة مسيحية ثرية وكبيرة سناً وشاب سوداني مسلم يصغرها بأكثر من 30 سنة.

التصوير في الاستوديو ليس عائقاً، وهناك مشاهد من مدينة بيروت تندمج جيداً مع الدراما المصوّرة داخلياً.


هاروت فازليان «في بحر الحبّ»: الموسيقى والشِّعر يُعيدان تشكيل الإنسان

ارتفعت العصا في يد هاروت فازليان فبدا كأنّ الصمت نفسه يستعدّ ليقول شيئاً (الجامعة الأميركية)
ارتفعت العصا في يد هاروت فازليان فبدا كأنّ الصمت نفسه يستعدّ ليقول شيئاً (الجامعة الأميركية)
TT

هاروت فازليان «في بحر الحبّ»: الموسيقى والشِّعر يُعيدان تشكيل الإنسان

ارتفعت العصا في يد هاروت فازليان فبدا كأنّ الصمت نفسه يستعدّ ليقول شيئاً (الجامعة الأميركية)
ارتفعت العصا في يد هاروت فازليان فبدا كأنّ الصمت نفسه يستعدّ ليقول شيئاً (الجامعة الأميركية)

دخل الجمهور إلى حفل «في بحر الحبّ»، الذي استضافته قاعة «أسمبلي هول» في «الجامعة الأميركية في بيروت»، مثل مَن يدخل مساحةً تُعاد فيها تربية الإصغاء. الحفل مُدرَج ضمن «برنامج زكي ناصيف للموسيقى»، بفكرة وتنظيم وقيادة أوركسترا للمايسترو هاروت فازليان، وبمرافقة إبداعية من جويل حجار، فيما تولَّى الممثل المسرحي رفعت طربيه الإلقاء الشِّعري. كان البرنامج يمضي على تخوم الشِّعر والموسيقى، حيث يتحوَّل النصّ إلى نبرة قابلة للقياس وتتحوَّل النغمة إلى لغة تفهم ما تعجز الكلمات عن التقاطه.

الكلمات التي وُلدت من الشِّعر عاشت ثانيةً حين وجدت إيقاعها في الهواء (الجامعة الأميركية)

بدا اختيار البداية موفَّقاً منذ الافتتاح بـ«السيمفونية الخامسة والعشرين» لموتسارت. فالموسيقى وضعت المُستمع مباشرةً أمام نبض سريع وقلق نبيل، كأنّ الحبّ في تعريفه الأول اقتحامٌ لا يطلب الإذن. تلك الدقائق الأولى صنعت إطاراً نفسياً للحفل وأظهرت الحبّ قوةً تُغيّر إيقاع الذات وتدفع الإنسان إلى مواجهة نفسه من دون وسائط.

رفعت طربيه أطلق الكلمات فمضت تبحث عن مكانها في صدور الحاضرين (الجامعة الأميركية)

فازليان، برهافة تُشبه طريقته في تحريك يديه، طلب من الحاضرين أن يتركوا ما يحدث في الخارج خلف الأبواب، ويسمحوا للمشاعر بأن تقودهم. قال: «إذا كان لا بدّ من ضياع، فليكن ضياعاً في الحبّ». العبارة جاءت مثل مفتاح قراءة. فالحفل قدَّم الحبّ حالةَ إدراكٍ تتبدَّل معها علاقة الإنسان بالعالم؛ فما كان ثقيلاً يخفّ، وما كان هامشياً يقترب من القلب.

كان التصفيق محاولة للبقاء قليلاً داخل ما حدث (الجامعة الأميركية)

في لحظات مثل «نيمرود» لإدوارد إلغار، بدا الحبّ أقرب إلى قوة تُرمّم الإنسان من عمقه... موسيقى تمنح الجرح حقّه من الزمن ثم ترفع عنه المبالغة. وحين جاءت قراءة رفعت طربيه قصيدة أنسي الحاج «ماذا صنعت بالذهب... ماذا فعلت بالورد؟»، بدا التساؤل كأنه يفتّش عن الأثر الذي تركته التجربة في الإنسان. ماذا يفعل الحبّ بما نظنّه ثميناً فينا؟ ماذا يفعل بجمال كنا نريد له أن يبقى؟ السؤال يطول الإنسان بعد أن يتغيَّر معيار القيمة في داخله ويفهم أنّ بعض الأثمان تُدفع بالتحوُّل لا بالمال.

في لحظات... لا يعود الزمن يُقاس بالدقائق وإنما بما تركه من أثر (الجامعة الأميركية)

على هذا الخطّ، كانت القصائد تدخل وتخرج من الموسيقى كأنها تعبُر مجرى واحداً. قصيدة هنري زغيب «داناي... مطر الحبّ» جاءت على وقع «أندانتي» لتشايكوفسكي، فبدت المحبّة حدثاً يهبط على الإنسان هبوطاً يفتح طبقات جديدة من الوعي. الإيقاع الهادئ لا يرفع الصوت، يرفع الانتباه... يجعل المستمع يرى كيف يتكوَّن الشعور خطوةً خطوةً، ويصبح الإنسان مكاناً قابلاً للتأثُّر، وأيضاً قابلاً للتغيُّر.

ثم تلوَّن الحفل بوجوه أخرى للحبّ... «الفانتازيا الإسبانية» لإسحق ألبينيز أعطت للحبّ بُعده الجسدي، فتراءى الشغف وهو يتحرّك ويجرّ معه التردُّد والجرأة والتراجع والعودة. و«متتالية كارمن» لبيزيه وضعت في القلب فكرة الحرّية حين تُرافق الحبّ، وكيف يمكن للعاطفة أن تكون حادّةً حين ترفض أن تُختَزل أو تُروَّض. في المقابل، جاء «أداجيو» لرخمانينوف، مع قصيدة سعيد عقل «حبّك نار»، ليقدّما الحبّ الذي يجعل كلّ كلمة مشحونة بما يكفي كي تُقال مرةً واحدة وتبقى.

الموسيقى كشفت عن أنّ الفراغ نفسه كان ينتظرها (الجامعة الأميركية)

على امتداد الأمسية، برزت جودة الفرقة ووضوح شخصيتها. فازليان قاد بعين تعرف متى تتقدَّم ومتى تترك للنغم أن يقوم بالعمل. ضمَّت الأوركسترا مواهب شابّة، وكان ميشال المرّ على الكمان في موقع قائد العازفين، يوازن بين الدقّة والحسّ. وفي لحظة قراءة قصيدة منصور الرحباني «شايف البحر شو كبير» على وَقْع «جيمنوبيدي» لإيريك ساتيه، ظهر معنى الحبّ على هيئة اتّساع لا يملأه الكلام. موسيقى ساتيه تترك فراغاً مُتعمّداً يُمكّن المُستمع من أن يرى كبر البحر داخل الإنسان، حيث يصبح الحبّ مقياساً جديداً للحجم، ويتعلَّم المرء أنّ بعض المشاعر تُفهم من داخلها أكثر مما تُفهم عبر الشرح.

بعض الموسيقى يتسرّب حتى يجده المستمع وقد أصبح جزءاً منه (الجامعة الأميركية)

أمّا قصيدة طلال حيدر «بيّاع الزمان» تُرافقها «هواء على مقام ري» لباخ، فبيَّنت كيف يجعل الحبّ الوقت محسوساً، ويُدخِل قيمةً على اللحظات، ويمنح الفقدان فكرة ملموسة. باخ قدَّم امتداداً يُعلّم المُستمع كيف يبقى الأثر حتى حين ينتهي العزف.

يُذكّر هذا كلّه بمشهد من فيلم «جمعية الشعراء الموتى» حين يضع روبن ويليامز أمام طلّابه العلوم والمهن في مكانها الضروري، ليقول إنّ الشِّعر والجمال والرومانسية والحبّ هي التي تمنح الحياة سبباً يُحتَمل. المعنى نفسه تحرَّك في «في بحر الحبّ». نيتشه قال أيضاً: «من دون موسيقى تصبح الحياة خطأ».

ومن «افتتاحية حلاق إشبيلية» لروسيني، إلى «الرقصات الهنغارية» لبرامز، وصولاً إلى «السيمفونية التاسعة»، كان الحبّ يتقدَّم مرةً مثل قوة تقتحم؛ وثانيةً مثل قوة تُرمّم، وثالثةً مثل قوة تترك الإنسان يقف على قدميه وهو يعرف أنه تغيَّر...

كانت النغمة تُرى وهي تعبُر الوجوه وتتركها أعمق هدوءاً (الجامعة الأميركية)

وعند الختام، حضرت «المحبّة» من كتاب «النبي» لجبران خليل جبران على موسيقى «سينما باراديسو» لإنيو موريكوني، فكأنّ الحفل أعاد تعريف الحبّ على هيئة أثر يتجاوز زمن حدوثه. تجربة لا تنتهي عند لحظتها، تبقى في الذاكرة مثل شيء يُربّي حساسية الإنسان ويجعله أعلى استعداداً للوضوح مع نفسه.

بين صوت رفعت طربيه ونَفَس فازليان، وبين الشّعراء والملحّنين الذين مرّوا، ترك «في بحر الحبّ» للروح حقّها في أن تُصاب، ثم تتعافى، ثم تتّسع.