أفيال سريلانكا يزداد تعرضها للخطر مع ازدهار السياحة

أفيال سريلانكا يزداد تعرضها للخطر مع ازدهار السياحة
TT

أفيال سريلانكا يزداد تعرضها للخطر مع ازدهار السياحة

أفيال سريلانكا يزداد تعرضها للخطر مع ازدهار السياحة

يمشي فيل متثاقلا وهو يجر ساقيه الخلفيتين المكبلتين بسلاسل حديدية ثقيلة، بينما يمتطي زوجان أجنبيان ظهره، في حين يخزه صاحبه بعصا لحثه على السير، في واحدة من أشهر معالم الجذب السياحي بوسط سريلانكا.
ويستمتع الزوجان اللذان يزوران قرية بيناوالا التي تبعد بنحو مائة كيلومتر باتجاه الشرق من العاصمة كولومبو بهذه الرحلة القصيرة المتعرجة. غير أنهما لا يستطيعان من مقعدهما العالي المثبت فوق ظهر الفيل، أن يلاحظا السحجات والجروح بجلد المنطقة السفلى من ساقي الفيل الناتجة عن الاحتكاك بالسلاسل.
وكان الفيل قد جال جولات عديدة في ذلك اليوم، وسط طقس شديد الحرارة.
ويقول ساجيزا تشاميكارا، مدير صندوق حماية البيئة بكولومبو "لسوء الحظ أن الأجانب الذين يقومون بجولات على ظهور الفيلة لا يعلمون أن استخدام الأفيال الأليفة لهذا الغرض هو أمر غير مشروع، حيث أن الحكومة تعطي تصريحا لاستخدامها فقط في الاحتفالات الثقافية والمهرجانات الدينية".
وعلى الرغم من القيود الحكومية المفروضة على استخدامات الفيلة، تزايد الطلب عليها مع النمو السريع الذي شهدته حركة السياحة في سريلانكا التي مزقتها الحرب في فترة سابقة.
فبعد مرور ثلاثة عقود تقريبا من الصراع العرقي بين القوات الحكومية والمتمردين من قومية التاميل، سارت سريلانكا على طريق التعافي، حيث تعرض شواطئها الذهبية ومتنزهاتها التي تحفل بالحياة البرية، للزوار من مختلف أنحاء العالم.
وأدى وجود قطعان من الأفيال بالبلاد إلى جانب وجود مأوى لرعاية أيتام الفيلة تديره الدولة في قرية بيناوالا، إلى جعل سريلانكا مقصدا رئيسا للسياح.
ويوضح جاجاث جوناواردينا، وهو محام مدافع عن البيئة أن "الطلب على الفيلة في قطاع السياحة آخذ في التزايد، وحيث أن القانون يمنعنا من استخدامها في السياحة، لجأ بعض العاملين في هذا القطاع إلى اصطيادها من البرية".
ومع التقرير الذي يشير إلى أن عدد الفيلة في سريلانكا يبلغ ستة آلاف، تقول إدارة الحياة البرية في البلاد، إن سريلانكا تفقد سنويا نحو 250 فيلا، وغالبا ما يكون سبب الوفيات، تعدي الفيلة على القرى، مما يدفع سكانها إلى إطلاق الرصاص عليها أو قتلها بالسم أو المتفجرات.
ويشير جوناواردينا إلى أن عمليات تهريب الفيلة ينجم عنها مزيد من الوفيات كل عام. ويقول "نعتقد إنه مقابل اصطياد كل طفل رضيع من الفيلة يجري قتل أمه، إذ أنه من الصعب عادة فصل الأم عن ابنها، وهذا اتجاه خطير يهدد قطعان الأفيال التي لدينا".
ويقدر جوناواردينا أنه جرى اصطياد 50 من صغار الفيلة بشكل غير مشروع من الغابات خلال الأعوام الخمسة الماضية.
وتشير أرقام أخرى إلى احتجاز أكثر من 70 فيلا.
من جانبها، توضح ديباني جايانثا من مؤسسة "ولدت حرا " ومقرها لندن، أن "المهربين لديهم شبكة من الاتصالات، فهم يصادقون القرويين المحليين، بل يتحركون مع بعض ضباط حماية الحياة البرية الذين لديهم دراية كبيرة بالمنطقة".
وتقول جايانثا وهي طبيبة بيطرية" إننا نعتقد أن بعض الأطباء البيطريين يساعدون المهربين على استخدام العقاقير لتهدئة هذه الحيوانات قبل اصطيادها".
ويمكن أن يعرض الفيل المهرب للبيع نظير عشرة ملايين روبية سريلانكية (77 ألف دولار).
ويشير تشاميكارا إلى أن معظم الأفيال تستخدم فقط كحيوانات للعرض لجذب السياح، مما يعني أنه يتم الاحتفاظ بها وهي مقيدة بالأغلال لساعات طويلة داخل مساحة ضيقة، وكثير منها طاعن في السن ويعاني من سوء التغذية.
كما أن مأوى أيتام الفيلة الذي تديره الدولة في بيناوالا، تعرض للانتقاد من جانب جمعيات الرفق بالحيوان التي تزعم تعرض الأفيال لسوء المعاملة والضرب بالعصي.
ويحذر الخبراء من أنه من دون وجود مراقبة أفضل لأوضاع الفيلة، فسوف يعاني قطاع السياحة بالبلاد، حتى مع اعتزام الحكومة مضاعفة عدد السياح بحلول عام 2016.
ويرى تشاميكارا أنه "يجب على السياح الذين يمتطون الفيلة في نزهات أن يشعروا بالقلق إزاء الأوضاع التي تحتجز في ظلها، وهذا يعد أحد الأساليب التي يمكن من خلالها أن نلفت الأنظار إلى الأشخاص الذين يحتجزونها".



منزل رفيق رحلة كوكب الشرق أحمد رامي تحت رحمة معاول الهدم

منزل أحمد رامي (فيسبوك)
منزل أحمد رامي (فيسبوك)
TT

منزل رفيق رحلة كوكب الشرق أحمد رامي تحت رحمة معاول الهدم

منزل أحمد رامي (فيسبوك)
منزل أحمد رامي (فيسبوك)

يبدو أن المبنى رقم 4 شارع محمد نبيل السباعي، بحي حدائق القبة (شرق القاهرة) والذي عاش فيها الشاعر المصري الكبير أحمد رامي المُلقب بـ«شاعر الشباب» و«عاشق أم كلثوم»، سيكون على موعد مع الهدم خلال الفترة المقبلة، بعد رفع الحماية القانونية عنه.

وأثار قرار وزير الإسكان رفع منزل رامي من سجلات التنسيق الحضاري الخاصة بالتراث المعماري الأولى بالحماية دهشة كثير من المهتمين بحماية المباني التراثية بالدهشة.

المبنى الذي مر على إنشائه أكثر من 120 عاماً، ويتميز بطراز معماري فريد تعرض على مدى أكثر من 23 عاماً لمحاولات الهدم ما عرّض مالكه إلى الحبس والغرامة.

ويرى عبد العظيم فهمي، مدير مبادرة «سيرة القاهرة» أن «العقار كان ضحية وجودة تحت اختصاص أكثر من جهة رسمية»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أننا في وضع مشاهدة طوال الوقت لما يحدث من إزالة لبيوت ذات طابع معماري متميز، تحدثنا كثيراً، وسعينا لتفسير أهمية المحافظة عليها، لكن لم يستجب أحد؛ لذلك ركزنا على توثيق التراث وتصويره والكتابة عنه، وأصدرنا عدداً من الكتب في هذا الصدد، للحفاظ على هويتنا وتراثنا».

تشريعات مشددة

وأضاف فهمي أن «تراثنا يحتاج إلى تشريعات وقوانين مشددة لحمايته، بالإضافة إلى ضرورة تطبيق هذه القوانين حتى لا تكون حبراً على ورق، ويجب أن تكون هناك جهة واحدة تختص بذلك؛ لأن تعدد الجهات المسؤولة عن حماية التراث، هو الذي يؤدي لإهداره، بجانب التذرع بأن الموقع محل الخلاف غير مسجل كأثر، أو تراث، ما يسهل مسألة الهدم لأنه غير محمي بالقانون».

أحمد رامي وكوكب الشرق (أرشيفية)

وتكمن الإشكالية الرئيسية في قضية المباني والقصور ذات الطابع المعماري المتميز، وفق فهمي، «في عدم فهم معنى كلمة التراث، ومفهوم الأثر»، مشيراً إلى أن عدم اهتمام المسؤولين بهذا الأمر يجعلنا نفقد بنايات يمكن أن تشكل نوعاً من السياحة تقوم بالأساس على فكرة الأدب والفنانين والكتَّاب، تعتمد في مساراتها على بيوتهم وأماكن كانوا يقيمون فيها».

وتعود أزمة هدم منزل أحمد رامي الذي كان يقيم فيه مع عائلته بالإيجار، إلى عام 2014 عندما تم التفكير في هدمه.

من جهته، قال المحامي محمود عزت لـ«الشرق الأوسط» إنه تابع قضية منزل رامي، وأضاف: «قمنا بحملات كثيرة لوقف إزالته، انطلاقاً من كونه مسجلاً لدى جهاز التنسيق الحضاري ضمن العقارات المحمية، وقد لاحظنا أن المالك يعمل بشكل منظم على تخريبه، وإزالة نقوشه حتى يفقد ما يميزه. وقام بذلك عبر سنوات طويلة، ويبدو أنه وورثته نجحوا في النهاية بعد أن قررت وزارة الإسكان أخيراً رفعه من قائمة المباني التراثية».

خطورة داهمة

قال المهندس محمد أبو سعدة رئيس جهاز التنسيق الحضاري في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط» إن المباني المسجلة حين تخرج من القوائم المحمية بقرار أو من خلال لجان الحصر، يكون مفوضاً في ذلك وزير الإسكان».

وعن منزل أحمد رامي، قال أبو سعدة إنه تم رصد انهيار في أحد جوانب المنزل؛ ما أثر في سلامته الإنشائية، ومن ثم تم عرضه على المحكمة فأقرت خروجه من حصر المباني ذات الطابع المعماري، كما أقرت هيئة قضايا الدولة أنها استنفدت الإجراءات القانونية تجاه العقار، وارتأت أنه يشكل خطورة داهمة على السكان والمارة.

رامي مع أم كلثوم (أرشيفية)

ويتزامن إعلان خروج منزل رامي من حصر العقارات المحمية، مع عمليات هدم العقار التاريخي للإدارة الهندسية لسكك حديد مصر، التي تجري حالياً، وقاربت على الانتهاء، ضمن مسلسل إزالة لحق بالكثير من البنايات التراثية بما فيها مقابر بقرافة الإمام الشافعي والسيدة نفيسة التي شكلت صدمة كبيرة للمهتمين بالتراث.


ثيمة «العودة» تهيمن على أفلام «برلين»... حكايات مواجهة الذات والمجتمع

ليلى بوزيد تتوسط ماريون باربو وهيام عباس وسلمى بكار وفريال الشماري وآية بوترعة (إ.ب.أ)
ليلى بوزيد تتوسط ماريون باربو وهيام عباس وسلمى بكار وفريال الشماري وآية بوترعة (إ.ب.أ)
TT

ثيمة «العودة» تهيمن على أفلام «برلين»... حكايات مواجهة الذات والمجتمع

ليلى بوزيد تتوسط ماريون باربو وهيام عباس وسلمى بكار وفريال الشماري وآية بوترعة (إ.ب.أ)
ليلى بوزيد تتوسط ماريون باربو وهيام عباس وسلمى بكار وفريال الشماري وآية بوترعة (إ.ب.أ)

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين-5 هناك عودات كثيرة في أفلام اليوم. دائماً ثمة من يعود إلى مدينته أو قريته أو إلى موقع آخر عاش فيه طفولته.

هنا في «مهرجان برلين» نجد 3 أفلام عن تلك العودة، من بينها فيلم ليلى بوزيد «بيت الحس». والآخران هما «خلاص» (Salvation) لأمين ألبر، عن رجل يعود إلى قريته التركية ليطالب بأرض كان قد تركها لسنوات، و«محاكمة هاين»، فيلم ألماني من إخراج كان شتانك عن عودة رجل، بعد 14 سنة من الغياب، إلى الجزيرة الصغيرة التي وُلد فيها.

هذا ليس جديداً؛ إذ نجده في عشرات الأفلام كل سنة، سواء تلك التي تُعرض في المهرجانات أو التي تكشف عنها العروض التجارية.

العودة، بشكل عام، هي محاولة شخص ما إجراء مقارنة بين ما هو عليه الآن وما كان عليه في السابق. هي اكتشاف ذاتي التوجّه، تحت ستار رغبة مُعلنة وأخرى مستترة. المعلنة تُبرِّر العودة بزيارة أو بالرغبة في ترك المدينة المزعجة. والمستترة تكمن تحت خط الأحداث لتكشف رغبة العائد في تلك المقارنة المنشودة.

البحث في الخفاء

هيام عبّاس وآية بوترعة (مهرجان برلين)

في فيلم المخرجة التونسية «بيت الحس» هناك تلك العودة المزدوجة. بطلة الفيلم ليليا تعود من باريس إلى بلدها تونس لحضور مأتم خالها المتوفى. هذا هو السبب المعلن. وفي الداخل هناك قدر من البحث عن تاريخها الشخصي وعن العائلة التي عاشت بين أفرادها.

لكن المخرجة ليلى تُضيف عاملاً آخر: ليليا (تؤديها آية بوترعة) لديها صديقة فرنسية (ماريون باربو)، تأتي معها إلى مدينة سوسة حيث تقع الأحداث. تؤمِّن ليليا لها فندقاً ومن ثم تنصرف لحضور المأتم.

حين يأتي، في الفيلم، كشفُ حقائق وقوع الجريمة يكون الوقت قد فات لتبرير المخرجة أسباب اختياراتها من الأحداث. كل شيء هنا يمر بهدوء أقل مما يجب أحياناً، ومن دون غموض كافٍ لإثارة التساؤلات المطروحة، عوض الاكتفاء بسردها.

تعرض المخرجة الشعائر التي تصاحب غسل الرجال للميت، وتلاوة القرآن الكريم، ثم توجِّه، بعد فترة ليست قصيرة، اهتمامها إلى الأم وحيدة (هيام عباس)، والجدة نفيسة (سلمى بكّار).

بلا دوافع كافية

ليلى بوزيد وهيام عباس وماريون باربو خلال مهرجان «برلين» (إ.ب.أ)

الهدف الذي يبدو أن المخرجة اكترثت له هو الحديث عن قسوة المفاهيم المجتمعية في تونس.

لا سبب واضحاً لقيام ليليا بدور التحرّي للكشف عن قاتل خالها. ولا توجد خلفية في الفيلم تُبرِّر عدم عودتها إلى باريس بعد المأتم، سوى وضع درامي يمكِّن المخرجة من سرد الحكاية التي اختارتها.

تمضي ليليا في سرد الحالات العاطفية التي تمرُّ بها والدتها وجدتها وباقي نساء العائلة. تقترب من الوصفية وتبتعد عن منح الفيلم ما هو أكثر من مجرد الحبكة الموضوعة. وفي حين أن شخصية ليليا تقود الفيلم، فإن محوره الفعلي هو الدور الذي تؤديه هيام عباس.

لا ترغب ليليا في تقديم بحث بوليسي عن القاتل، وإن كان تبرير البدء بهذا المسار غير واضح. ما يتبدّى هو تجاوز سؤال كيف مات خالها الشاب إلى البحث عن دلائل ذلك وانعكاساته على العائلة التي تحاول إخفاء الحقيقة. بذلك يصبح الفيلم عن التداعيات، وعن الفرص المتاحة للمداولة حول الشخصيات وما ترفضه وتُضطر إلى قبوله أحياناً.

عاصفة عاطفية في بيروت

سبق المخرج الألماني الراحل راينر فرنر فاسبيندر المخرجة دانيال عربيد إلى الحبكة التي تستخدمها في فيلمها الجديد «لمن يجرؤ» (Only Rebels Win)، وهو العنوان التسويقي الرسمي، بينما يحمل عنواناً فرنسياً آخر هو «سوزان وعثمان» (Susanne et Osmane).

يروي فيلم عربيد حكاية مهاجر سوداني شاب بلا جواز سفر يتعرَّف على أرملة تكبره سناً بسنوات كثيرة، وكلاهما يحتاج إلى الآخر، مُنشئين علاقة عاطفية إلى أن يختار الفيلم نهاية لها.

أما فيلم فاسبيندر «علي: الخوف يأكل الروح» (Ali: Fear Eats the Soul) سنة 1974، فيدور حول مهاجر مغربي (الهادي بن سالم) يتعرَّف على الأرملة الألمانية إيمي (برجيت ميرا) ويعيش معها.

في الفيلمين، كل شخص بحاجة إلى الآخر. الوحدة والخوف، ثم مواجهة رفض المجتمع، ترسم البعدين الاجتماعي والعاطفي للحكايتين.

هذا لا يعني بالضرورة أن فيلم دانيال عربيد مقتبس من الفيلم الألماني. خط كل فيلم يسير بموازاة الآخر، والفيلم اللبناني يستفيد من المحيط الاجتماعي المميَّز لبلد متعدد الديانات والثقافات، ومن الأجواء الشخصية كذلك.

يبدأ الفيلم بكلمات تكشف أنه صُوّر في استوديو فرنسي عوض مكانه الطبيعي في العاصمة اللبنانية بسبب «القصف الإسرائيلي». بالنسبة لكثير من اللبنانيين يبدو السبب غير مقنع، لكنه يُسهم في ترويج العمل منذ بدايته.

محمد أمين بن رشيد وهيام عبّاس في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

إنه فيلم آخر للممثلة الفلسطينية، المقيمة في باريس والناشطة عالمياً، هيام عباس، وهي أستاذة في تعاملها مع الشخصيات، تمزج بين هدوء التقبُّل وانفعال العاطفة.

تؤدي دور سوزان، الأرملة التي بلغت 63 من العمر (بلكنة لبنانية صحيحة)، وتشاهد مجموعة من الشبان يضربون شاباً أفريقياً. هؤلاء عصابة احتجزت جواز سفره وأجبرته على العمل من دون أجر.

اسمه عثمان، سوداني المولد، وتأخذه سوزان إلى بيتها لتضميد جراحه. وبوتيرة سريعة تنشأ رغبة متبادلة بينهما. ليس من الصعب معرفة السبب: هي تحتاج إليه لاستعادة بعض أسباب الحياة، وهو يحتاج إليها بحثاً عن ملاذ آمن. ما يحدث بعد ذلك يسير في اتجاه توطيد العلاقة قبل أن تتهاوى.

نقد ورؤية

الفيلم لا يتناول علاقتهما بمعزل عن البيئة البيروتية المحيطة. تواجه سوزان انتقاد بعض جيرانها ونميمة آخرين، وما يتفشى في المجتمع من عنصرية. تختار عربيد، في هذا الفيلم الجيد لها، معالجة هذه الأبعاد بوضوح.

التجسيد الأبرز لهذا الرفض يتمثل في ولديها اللذين يشعران بالإهانة بسبب تلك العلاقة.

هو انتقاد لمجتمع يكره الغرباء والمهاجرين. المخرج زياد الدويري تناول جانباً من ذلك في فيلمه «القضية رقم 23» (2017)، لكن عربيد تتوسَّع هنا وتتعمَّق، انسجاماً مع رؤية المخرجة للواقع ورغبتها في معاينة ردود فعل الشخصيات المختلفة على علاقة بين امرأة مسيحية ثرية وكبيرة سناً وشاب سوداني مسلم يصغرها بأكثر من 30 سنة.

التصوير في الاستوديو ليس عائقاً، وهناك مشاهد من مدينة بيروت تندمج جيداً مع الدراما المصوّرة داخلياً.


هاروت فازليان «في بحر الحبّ»: الموسيقى والشِّعر يُعيدان تشكيل الإنسان

ارتفعت العصا في يد هاروت فازليان فبدا كأنّ الصمت نفسه يستعدّ ليقول شيئاً (الجامعة الأميركية)
ارتفعت العصا في يد هاروت فازليان فبدا كأنّ الصمت نفسه يستعدّ ليقول شيئاً (الجامعة الأميركية)
TT

هاروت فازليان «في بحر الحبّ»: الموسيقى والشِّعر يُعيدان تشكيل الإنسان

ارتفعت العصا في يد هاروت فازليان فبدا كأنّ الصمت نفسه يستعدّ ليقول شيئاً (الجامعة الأميركية)
ارتفعت العصا في يد هاروت فازليان فبدا كأنّ الصمت نفسه يستعدّ ليقول شيئاً (الجامعة الأميركية)

دخل الجمهور إلى حفل «في بحر الحبّ»، الذي استضافته قاعة «أسمبلي هول» في «الجامعة الأميركية في بيروت»، مثل مَن يدخل مساحةً تُعاد فيها تربية الإصغاء. الحفل مُدرَج ضمن «برنامج زكي ناصيف للموسيقى»، بفكرة وتنظيم وقيادة أوركسترا للمايسترو هاروت فازليان، وبمرافقة إبداعية من جويل حجار، فيما تولَّى الممثل المسرحي رفعت طربيه الإلقاء الشِّعري. كان البرنامج يمضي على تخوم الشِّعر والموسيقى، حيث يتحوَّل النصّ إلى نبرة قابلة للقياس وتتحوَّل النغمة إلى لغة تفهم ما تعجز الكلمات عن التقاطه.

الكلمات التي وُلدت من الشِّعر عاشت ثانيةً حين وجدت إيقاعها في الهواء (الجامعة الأميركية)

بدا اختيار البداية موفَّقاً منذ الافتتاح بـ«السيمفونية الخامسة والعشرين» لموتسارت. فالموسيقى وضعت المُستمع مباشرةً أمام نبض سريع وقلق نبيل، كأنّ الحبّ في تعريفه الأول اقتحامٌ لا يطلب الإذن. تلك الدقائق الأولى صنعت إطاراً نفسياً للحفل وأظهرت الحبّ قوةً تُغيّر إيقاع الذات وتدفع الإنسان إلى مواجهة نفسه من دون وسائط.

رفعت طربيه أطلق الكلمات فمضت تبحث عن مكانها في صدور الحاضرين (الجامعة الأميركية)

فازليان، برهافة تُشبه طريقته في تحريك يديه، طلب من الحاضرين أن يتركوا ما يحدث في الخارج خلف الأبواب، ويسمحوا للمشاعر بأن تقودهم. قال: «إذا كان لا بدّ من ضياع، فليكن ضياعاً في الحبّ». العبارة جاءت مثل مفتاح قراءة. فالحفل قدَّم الحبّ حالةَ إدراكٍ تتبدَّل معها علاقة الإنسان بالعالم؛ فما كان ثقيلاً يخفّ، وما كان هامشياً يقترب من القلب.

كان التصفيق محاولة للبقاء قليلاً داخل ما حدث (الجامعة الأميركية)

في لحظات مثل «نيمرود» لإدوارد إلغار، بدا الحبّ أقرب إلى قوة تُرمّم الإنسان من عمقه... موسيقى تمنح الجرح حقّه من الزمن ثم ترفع عنه المبالغة. وحين جاءت قراءة رفعت طربيه قصيدة أنسي الحاج «ماذا صنعت بالذهب... ماذا فعلت بالورد؟»، بدا التساؤل كأنه يفتّش عن الأثر الذي تركته التجربة في الإنسان. ماذا يفعل الحبّ بما نظنّه ثميناً فينا؟ ماذا يفعل بجمال كنا نريد له أن يبقى؟ السؤال يطول الإنسان بعد أن يتغيَّر معيار القيمة في داخله ويفهم أنّ بعض الأثمان تُدفع بالتحوُّل لا بالمال.

في لحظات... لا يعود الزمن يُقاس بالدقائق وإنما بما تركه من أثر (الجامعة الأميركية)

على هذا الخطّ، كانت القصائد تدخل وتخرج من الموسيقى كأنها تعبُر مجرى واحداً. قصيدة هنري زغيب «داناي... مطر الحبّ» جاءت على وقع «أندانتي» لتشايكوفسكي، فبدت المحبّة حدثاً يهبط على الإنسان هبوطاً يفتح طبقات جديدة من الوعي. الإيقاع الهادئ لا يرفع الصوت، يرفع الانتباه... يجعل المستمع يرى كيف يتكوَّن الشعور خطوةً خطوةً، ويصبح الإنسان مكاناً قابلاً للتأثُّر، وأيضاً قابلاً للتغيُّر.

ثم تلوَّن الحفل بوجوه أخرى للحبّ... «الفانتازيا الإسبانية» لإسحق ألبينيز أعطت للحبّ بُعده الجسدي، فتراءى الشغف وهو يتحرّك ويجرّ معه التردُّد والجرأة والتراجع والعودة. و«متتالية كارمن» لبيزيه وضعت في القلب فكرة الحرّية حين تُرافق الحبّ، وكيف يمكن للعاطفة أن تكون حادّةً حين ترفض أن تُختَزل أو تُروَّض. في المقابل، جاء «أداجيو» لرخمانينوف، مع قصيدة سعيد عقل «حبّك نار»، ليقدّما الحبّ الذي يجعل كلّ كلمة مشحونة بما يكفي كي تُقال مرةً واحدة وتبقى.

الموسيقى كشفت عن أنّ الفراغ نفسه كان ينتظرها (الجامعة الأميركية)

على امتداد الأمسية، برزت جودة الفرقة ووضوح شخصيتها. فازليان قاد بعين تعرف متى تتقدَّم ومتى تترك للنغم أن يقوم بالعمل. ضمَّت الأوركسترا مواهب شابّة، وكان ميشال المرّ على الكمان في موقع قائد العازفين، يوازن بين الدقّة والحسّ. وفي لحظة قراءة قصيدة منصور الرحباني «شايف البحر شو كبير» على وَقْع «جيمنوبيدي» لإيريك ساتيه، ظهر معنى الحبّ على هيئة اتّساع لا يملأه الكلام. موسيقى ساتيه تترك فراغاً مُتعمّداً يُمكّن المُستمع من أن يرى كبر البحر داخل الإنسان، حيث يصبح الحبّ مقياساً جديداً للحجم، ويتعلَّم المرء أنّ بعض المشاعر تُفهم من داخلها أكثر مما تُفهم عبر الشرح.

بعض الموسيقى يتسرّب حتى يجده المستمع وقد أصبح جزءاً منه (الجامعة الأميركية)

أمّا قصيدة طلال حيدر «بيّاع الزمان» تُرافقها «هواء على مقام ري» لباخ، فبيَّنت كيف يجعل الحبّ الوقت محسوساً، ويُدخِل قيمةً على اللحظات، ويمنح الفقدان فكرة ملموسة. باخ قدَّم امتداداً يُعلّم المُستمع كيف يبقى الأثر حتى حين ينتهي العزف.

يُذكّر هذا كلّه بمشهد من فيلم «جمعية الشعراء الموتى» حين يضع روبن ويليامز أمام طلّابه العلوم والمهن في مكانها الضروري، ليقول إنّ الشِّعر والجمال والرومانسية والحبّ هي التي تمنح الحياة سبباً يُحتَمل. المعنى نفسه تحرَّك في «في بحر الحبّ». نيتشه قال أيضاً: «من دون موسيقى تصبح الحياة خطأ».

ومن «افتتاحية حلاق إشبيلية» لروسيني، إلى «الرقصات الهنغارية» لبرامز، وصولاً إلى «السيمفونية التاسعة»، كان الحبّ يتقدَّم مرةً مثل قوة تقتحم؛ وثانيةً مثل قوة تُرمّم، وثالثةً مثل قوة تترك الإنسان يقف على قدميه وهو يعرف أنه تغيَّر...

كانت النغمة تُرى وهي تعبُر الوجوه وتتركها أعمق هدوءاً (الجامعة الأميركية)

وعند الختام، حضرت «المحبّة» من كتاب «النبي» لجبران خليل جبران على موسيقى «سينما باراديسو» لإنيو موريكوني، فكأنّ الحفل أعاد تعريف الحبّ على هيئة أثر يتجاوز زمن حدوثه. تجربة لا تنتهي عند لحظتها، تبقى في الذاكرة مثل شيء يُربّي حساسية الإنسان ويجعله أعلى استعداداً للوضوح مع نفسه.

بين صوت رفعت طربيه ونَفَس فازليان، وبين الشّعراء والملحّنين الذين مرّوا، ترك «في بحر الحبّ» للروح حقّها في أن تُصاب، ثم تتعافى، ثم تتّسع.