مرحبا بـ2014.. مرحبا بالمخمل والبروكار والصوف

الموضة تستقبل العام الجديد بأقمشة دافئة وغنية

الدانتيل من الأقمشة التي لا تغيب وتنجح دائما في إضفاء لمسة رومانسية (فستان من الدانتيل الأسود المبطن بالأخضر من كاورلينا هيريرا Carolina Herrera)
الدانتيل من الأقمشة التي لا تغيب وتنجح دائما في إضفاء لمسة رومانسية (فستان من الدانتيل الأسود المبطن بالأخضر من كاورلينا هيريرا Carolina Herrera)
TT

مرحبا بـ2014.. مرحبا بالمخمل والبروكار والصوف

الدانتيل من الأقمشة التي لا تغيب وتنجح دائما في إضفاء لمسة رومانسية (فستان من الدانتيل الأسود المبطن بالأخضر من كاورلينا هيريرا Carolina Herrera)
الدانتيل من الأقمشة التي لا تغيب وتنجح دائما في إضفاء لمسة رومانسية (فستان من الدانتيل الأسود المبطن بالأخضر من كاورلينا هيريرا Carolina Herrera)

حلول عام جديد مناسبة تنجح دائما في إدخال نوع من السعادة، المشوبة بالترقب والتفاؤل، على النفوس. فهي ترمز إلى فصل انتهت كتابته، بكل أفراحه وأحزانه، وبداية فصل جديد بكل ما تتضمنه هذه البداية من تفادي أخطاء العام الماضي والاستفادة منها لتحقيق المزيد من الإنجازات. لا شعوريا، تتحول هذه الحالة من الترقب إلى رغبة عارمة في الاحتفال بما يمكن تسميته حفلات الوداع والاستقبال. وإذا سألت أي امرأة عن الطريقة التي تريد الاحتفال بها بالمناسبة، سيأتيك جوابها ومن دون تردد: بأجمل حلة وأحلى مظهر. بالنسبة لها، هذا يتطلب إما أزياء تحملها من النهار إلى المساء بسهولة، أو أزياء سهرة غير عادية تلمع مع كل حركة أو إيماءة. والحقيقة، إن هذه ربما تكون من المناسبات القليلة التي يمكنها فيها أن تطلق العنان لخياراتها، سواء كانت البريق الذي يشع من الترتر وأحجار الكريستال أو من أقمشة اللاميه أو من البروكار. وعلى ذكر الخيارات، فهي كثيرة ومتنوعة، لأن أجمل ما في الموضة حاليا، أنها تعانق كل الأساليب والتوجهات، فكل شيء مقبول وجائز طالما يخضع لمعايير الذوق الخاص أو الرفيع. من هذا المنطلق، ليس من الضروري، أن تنجرف المرأة الموالية للموضة الهادئة، وراء موضة البريق، بل يمكنها الحفاظ على أسلوبها الكلاسيكي العملي من دون أن يؤثر هذا على صورتها، ما دامت هذه الصورة تتقيد بمعايير الأناقة العالمية. في المقابل، يمكنها تطويع التفاصيل واستعمالها كوسيلة للحفاظ على التميز. والمقصود بهذه التفاصيل، ليس فقط الإكسسوارات أو التطريزات وما شابهها، بل نوعية الأقمشة، التي تلعب هذا العام دورا بارزا في تحديد مظهرك. أكبر مثال على هذا، الصوف، فإلى عهد قريب، لم يكن يعد مناسبا للسهرات، وهذا مفهوم إلى حد كبير في بلداننا العربية حيث تكون درجات الحرارة غير محتملة، لكنها في هذا الوقت من السنة وفي الأوقات التي تنخفض فيها درجات الحرارة إلى تحت الصفر، فإن الدفء يصبح حاجة ملحة. وهنا، لا بد من ذكر ميزات الصوف، فبالإضافة إلى أنه يأتي بعدة أنواع، بعضها بملمس الحرير وخفته، فإنه لا يحتاج سوى إلى بعض الإكسسوارات أو الجواهر، لكي يرتقي إلى مستوى أي مناسبة، أيا كانت فخامتها وأهميتها، سواء كانت القطعة على شكل فستان أو كنزة سوداء مثلما برهنت لنا المصممة كارولينا هيريرا في عرضها لخريف وشتاء 2014. فكنزة من الصوف برقبة عالية مع بنطلون واسع أو مستقيم أو مع تنورة مستديرة - تبدو رائعة في أي مناسبة، وكل ما عليك القيام به هو تزيينها ببروش أو قلادة لتتحول من قطعة عملية إلى قطعة سهرة تنافس باقي القطع. وليس ببعيد أن تتفوقي عليها إذا كنت من النساء اللاتي يفضلن الدفء والراحة على تعذيب النفس بسبب الخوف من تكسير بعض الكليشيهات المترسخة في الذهن، مثل أن أزياء السهرة يجب أن تكون من الحرير أو الموسلين أو الساتان وتكشف الصدر والأذرع. المؤكد، إن مظهر امرأة مرتاحة مع نفسها يعكس الثقة والأناقة أكثر من مظهر امرأة تلبس قطعة شفافة ومثيرة، لكن تجعلها ترتعش من البرد طوال الوقت عوض التركيز على الأحاديث والاستمتاع بها. ثم لا تنسي أن الأناقة لها عدة وجوه، والوجه البسيط في الغالب هو الأكثر أناقة مقارنة بالوجه المتكلف والمبالغ فيه. إذا كانت فكرة كنزة من الصوف لا تناسبك أو لا ترين أنها تناسب أجواء سهرتك، فإن جاكيت توكسيدو يمكن أن يفي بالمطلوب وأكثر، لأنه يمنح الدفء والتميز في الوقت ذاته. فهذا الجاكيت موجه أساسا لمناسبات المساء، وبالتالي يمكنك ارتداؤه مع بنطلون أو مع فستان طويل مرصع بالأحجار، كما يمكنك ارتداؤه مع قميص أبيض أو فقط وضعه على كتفيك بلا مبالاة بدل شال الباشمينا الذي أصبح موضة قديمة.
في هذا الوقت من السنة، تبرز أيضا أهمية أقمشة أخرى تجمع عمق الألوان بفخامة الملمس ودفئه، مثل البروكار والمخمل. ورغم أن هذه الأقمشة تتنافس بعضها مع بعض لجذب المرأة، فإن كل واحدة منها تتميز بخصائص وميزات معينة.
البروكار، مثلا، درامي يتميز بمظهر سميك وألوان متداخلة إلى حد ما، لهذا يجب أن تضعي بعين الاعتبار أن القليل منه كثير. صحيح أن بعض المصممين يتعاملون معه بحيطة وطرحوه بدرجة لون واحدة، مثل كارولينا هيريرا، وصحيح أنه إذا كان بجرعات بسيطة فهو عنوان الترف والفخامة، خصوصا أنه يتميز بأشكال ثلاثية الأبعاد تمنحه حيوية لا تتوافر في باقي الأقمشة، إلا أنه عندما يأتي مطرزا بشكل غني ومبالغ فيه، فإنه قد يعطي الانطباع بأن مكانه الأنسب هو الستائر أو الكنبات. وهذا ما انتبهت له ميوتشا برادا وطوعته منذ عدة مواسم في قطع أقبلت عليها المرأة بنهم، سواء كانت بنطلونات للنهار أو فساتين للكوكتيل. وما إن اكتشفت المصممة أنها وضعت يديها على منجم ذهب، حتى سارعت بطرح مجموعة لا تقل إبهارا في خطها الأصغر (ميوميو) من خلال تشكيلة، تبدو للوهلة الأولى كأنها مستلهمة من الفينتاج بالنظر إلى نقوشاتها وألوانها المعدنية. سارة بيرتون، مصممة دار «ألكسندر ماكوين»، بدورها قدمت فستانا باللونين الأحمر والأسود هذا الموسم، كما حذت حذوها كل من ستيلا ماكارتني، والثنائي دولتشي آند غابانا و«مارني»، إضافة إلى سرب من محلات الموضة مثل «توب شوب»، و«زارا» و«إتش آند إم» حتى لا تشعر المرأة ذات الإمكانات المحدودة بأنها مهمشة وخارج لعبة الموضة. واللافت هذا العام، أن معظم المصممين أجمعوا على جمال البروكار، فالأميركية ترايسي ريس، مثلا، صرحت بأنها تعشق هذا القماش لأنه مثير للنظر، مما يجعلها تستعمله في معظم تشكيلاتها. وأضافت أن جانبا آخر من جاذبيته بالنسبة لها، أنه لا يحتاج إلى أي إكسسوارات أخرى. فهو يكفي لكي يسرق الأضواء. المأخذ الرئيس فيه، أنه لا يناسب كل النساء، لأنه قد يضفي عليهن بعض الوزن كما لا يخفي بعض العيوب التي تحب المرأة التمويه عليها عموما. بعبارة أصح، فهو لا يناسب المرأة التي تميل إلى الامتلاء أو السمنة، كما لا يناسب المرأة الهادئة أو الخجول، وإن كانت بعض الأشكال الصغيرة والألوان غير المتضاربة، أو قطعة واحدة على شكل بنطلون مثلا أو جاكيت، مناسبة للكل.
أما بالنسبة للمخمل، فلا يختلف اثنان في أنه يعيش نهضة جديدة منذ بضع سنوات، سواء تعلق الأمر بأزياء الرجل أو المرأة. بالنسبة لهذه الأخيرة، كانت دار «غوتشي» هي التي أعادت فتح عيونها على جمالياته عندما قدمته لها منذ عامين تقريبا من خلال فستان سهرة باللون الأخضر الزمردي. أثار الفستان الانتباه والرغبة فيه، مما شجع الكثير من المحلات الشعبية على استنساخه. ما نجحت فيه الدار الإيطالية حينها، أنها نفضت عنه غبار الزمن وخلصته من إيحاءاته القديمة، التي ارتبطت بموضة الثمانينات، وهي حقبة تريد الكثير من النساء نسيانها، لتسوقه لنا في صورة عصرية أضفت على الحفلات الكثير من الدفء والبريق. فقد اكتشف المصممون أنه، بألوانه العميقة التي تتراقص في الضوء، رائع يعوضهم عن استعمال التطريزات التي أصابت المرأة بالتخمة بعد عشر سنوات تقريبا من التركيز عليها. كما أنه يعد قماش مناسبات المساء والسهرة بلا منازع، حين تنخفض درجات الحرارة خصوصا.
بالنسبة للرجل، فإن هذا القماش الذي ارتبط بالحقبة الجميلة يتوجه إليه بسخاء أكبر، لأنه يأتي في قطع للنهار والمساء على حد سواء. وبعد أن كان يخاطب شرائح معينة من الرجال أغلبهم من الطبقات المخملية، كما يشير اسمه، ثم المفكرين ونجوم الروك آند رول فيما بعد، أصبح قماش كل الرجال والأوقات والأماكن ما دامت النية هي التميز. وعلى عكس الاعتقاد السائد لدى البعض، أنه جريء يناسب الرجل الاستعراضي فقط، فإنه يضج بالكلاسيكية مع لمسة حنين إلى الماضي الجميل، حسب طريقة تنسيقه. توني غلينفيل، المدير الفني في «كوليدج أوف فاشن» بلندن، يقول إنه «يتمتع بلمسة حسية مثيرة ومتلونة حسب الزمان والمكان. فهو يبدو حميما في مناسبات النهار، كما يبدو لافتا في المساء، وما علينا إلا أن نتخيل صورة جيمس بوند بتوكسيدو من المخمل». ويضيف أن هذا القماش ليس صرعة موسمية تعود إليها الموضة بين الفينة والأخرى، بل من الأساسيات التي تتشكل بوجوه مختلفة في كل موسم، ومن هنا على كل رجل أنيق أن يمتلك على الأقل سترة واحدة منه. ويوافقه الرأي ريتشارد فرومبورغ، صاحب محلات «غري فلانل»، بقوله إن المخمل خضع لعملية تجميل ناجحة محت صورته الداندية إلى حد ما وجعلته يعيش نهضة جديدة وشبابية في السنوات الأخيرة.
ومع ذلك، لا ننصحك بارتداء بدلة متكاملة من المخمل، بل الاكتفاء بسترة مع قميص أبيض مثلا ورابطة «بابيون» على أن يكون البنطلون من قماش مختلف والعكس.

* همسة
- بينما الأسود أو الأزرق النيلي من الألوان الكلاسيكية التي لا يؤثر فيها الزمن، مما يجعل المرأة تقبل عليها، خصوصا إذا كانت الفكرة ارتداؤها في مناسبات كثيرة وعلى مدى سنوات - فإن الأمر يختلف بالنسبة للبروكار. فهو خاص بامرأة مرفهة، لا يهمها إن كانت ستلبس فستانها في مناسبة واحدة ثم تنساه لعقد من الزمن أو أكثر.
- الذهبي من أسهل الخيارات في هذه المناسبة، سواء جاء في فستان من اللاميه لحفلة كبيرة، أو في إكسسوارات على شكل ساعة يد أو حذاء أو حقيبة يد. وطبعا، جواهر من الذهب هي أفضل ما يمكن أن تنسقيه مع قطعة باللون الأسود حتى تنعشه وتضفي عليه البريق.
- رغم أن الأناقة لا تعني التكلف والبهرجة ولا الاستعراض، فإنها لا تعني أن تحرمي نفسك من متعة استعمال قطع جواهر لا يمكنك استعمالها في الأيام العادية. سواء كانت من «كارتييه» أو «تيفاني» أو «بولغاري» وغيرها من بيوت الجواهر الراقية، فإن هناك مناسبات تتطلبها وهذه واحدة منها، لأنها ستضفي البريق على وجهك وعلى أي قطعة تقررين ارتداءها.
- مهما تغيرت الموضة والتوجهات، يبقى الدانتيل حاضرا ولو في تفاصيل صغيرة تزين الجوانب والحواشي. في السنوات الأخيرة، أرسلت عواصم الموضة العالمية رسالة قوية، مفادها أنه قماش الأنوثة والرومانسية بلا منازع. وبالفعل، أكد أنه كذلك، وإن كان القليل منه كثيرا مثل البروكار، إذ يفضل الاكتفاء به في الأكمام أو الياقة أو حواشي فستان لتأثير قوي وعصري.

* عندما تعرفين الفكرة التي ألهمت مجموعة «سوبرستيشين» Superstition من «شانيل» ستسحرك أكثر من ألوانها التي تتحدى رمادية السماء وبرودة الطقس وأكثر من تركيبتها التي تتوزع على البشرة بسهولة لتتجانس معها مباشرة. الفكرة أن الآنسة غابرييل شانيل كانت تؤمن بالخرافات بشكل كبير.. تتفاءل ببعض الأشياء وتتشاءم من أخرى.. الأمر الذي ترجمته الدار في كثير من تشكيلات الأزياء والجواهر وأخيرا في هذه المستحضرات الساحرة. الجميل فيها أنها تثير الإحساس بالتفاؤل بعام جديد بحكم أن ألوانها مستوحاة من ألوان الربيع مثل الوردي والمرجاني والبني الناعم وغيرها. فظلال الجفون قد تكون الوحيدة التي جاءت داكنة لخلق إطلالة مدخنة تلعب على سحر الغموض وجاذبية العيون، ومع ذلك، فهي الأخرى تتخللها ذرات معدنية خفيفة الغرض منها زيادة إضفاء البريق عليها وبعض الاتساع. كل المجموعة تقريبا مصنوعة بتركيبة من الكريم تجف بمجرد وضعها على البشرة لتضفي عليها نضارة سريعة تبدو فيها المرأة كما لو أنها خضعت لحقن بوتوكس، خصوصا فيما يتعلق بأحمر الخدود وأحمر الشفاه.



كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)
اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)
TT

كيف تعيد الموضة تعريف العاطفة؟

اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)
اعتمدت «برونيلو كوتشينيللي» على أسلوب الطبقات للحصول على مظهر في غاية الأناقة (برونيلو كوتشينيللي)

تساءل بعض الظرفاء مؤخراً عما إذا كان صناع الترف والموضة قد وجدوا أنفسهم في مأزق بسبب تقارب تواريخ عيد الحب وشهر رمضان الفضيل بفارق أيام قليلة. تزامن بدا للبعض أشبه بمن وُلد في يوم عيد، فصار عليه أن يقاسم احتفاله وهداياه واهتمامه بين مناسبتين مختلفتين.

فإلى حد كبير تعتبر المناسبتان في جوهرهما أن واحداً يتلخص في الاهتمام بالآخر والتعبير عن ذلك بالعطاء. لكن الفرق بينهما أيضاً واضح. بينما يركز عيد الحب على علاقة ثنائية ومشاعر فردية، يوسّع رمضان دائرة الحب والعطاء لتشمل العائلة والمجتمع. وهنا يكمن الإرباك التجاري بالنسبة لبيوت الأزياء وضرورة اعتمادهم خطابين تسويقيين مختلفين.

محلات «هارودز» استبقت الشهر وطرحت منذ فترة كل ما لذ وطاب من أكل ومجوهرات وأزياء (هارودز)

القلب طريق الجيب

هذا التساؤل، رغم ما ينطوي عليه من شقاوة، يكشف الكثير إذا أخذنا بعين الاعتبار أن صناع الموضة اعتادوا استغلال المناسبتين معاً للترويج لمنتجاتهم وتحقيق أرباح مغرية. فهم يُدركون أنهم هنا يخاطبون وجدان شريحة من الزبائن لا تبخل على نفسها ولا على أحبتها بالغالي والنفيس. وهكذا يغرقون السوق بسيل من الاقتراحات المغرية، عبارة عن باقات ورد حمراء وعلب شوكولاتة ودببة ومجوهرات وعطور إلى جانب الأزياء والإكسسوارات الفخمة.

من وجهة نظر تجارية محضة، ورغم أن هذا التزامن لم يكن مريحاً لصناع الموضة والعلامات التجارية الكبيرة، فإنهم تعاملوا معه بقدر من الحنكة. كان لزاماً عليهم التضحية بواحد على حساب الثاني، وكانت الأولوية لشهر رمضان. ليس لأنه يمتد زمنياً فحسب، بل لأن معنى الحب الذي يحمله أوسع وأعمق، ولأن عائداته الاقتصادية أكبر، تسمح بتعويض فترات ركود تمتد لأشهر أخرى، كما أكدت تجارب وأرقام السنوات الماضية. في دراسة أجريت العام الماضي مثلاً، تبين أن الأثر الاقتصادي الإجمالي لهذا الشهر في بريطانيا وحدها، يُقدّر بما يتراوح بين 800 مليون و1.3 مليار جنيه إسترليني، ويشمل ذلك الإنفاق على التجزئة والتبرعات الخيرية ومشتريات المتاجر الكبرى، والتسوق لعيد الفطر وما شابه.

محلات كثيرة تعرف أن لا بيت عربي يخلو من العطور والبخور فطرحت شموعاً وزيوتاً معطرة في قوالب مبتكرة (هارودز)

كل هذا يشير إلى أن الشهر الكريم، بالمقارنة بعيد الحب، لا يقتصر على الورود والقلوب الحمراء والإكسسوارات وعلب الشوكولاته والدببة ولا على يوم واحد فحسب، بل هو كل هذا فضلاً عن كرم الوقت ومراعاة الآخر والاهتمام به ولو من خلال وجبة إفطار في مكان خاص، سواء كان حميماً في بيت عائلي أو في مطعم فخم. وطبعاً كل هذا يحتاج إلى أزياء وإكسسوارات أنيقة وروائح عطرة، إضافة إلى أن ما يتم تقديمه من هدايا أكبر وأغلى ينعش كل القطاعات التي تتعلق بالحياة.

سباق رمضان يتوسَّع

فالورود والدببة لا تشكل أرقاماً مجزية مقارنة بما تُحقِّقه الشموع المعطرة والمجوهرات، فضلاً عن مجموعات حصرية كاملة من الأزياء والإكسسوارات، فيما أصبح تقليداً سنوياً يُطلق عليه سباق رمضان يبدأ قبل حلول الشهر الفضيل بأشهر. كل دار أزياء تتفنن في تقديم الجديد، وأحيانا اللعب على تشكيلاتها الأخيرة تنتقي منها ما يناسب ثقافة المنطقة، معتمدة إما على أسلوب الطبقات المتعددة لخلق صورة محتشمة أو على مواقع تصوير بطابع شرقي في حملاتها الرمضانية. في الأولى يتم تنسيق الفساتين أو العبايات مع كنزات كشمير ناعمة، وسراويل واسعة، ومعاطف من الصوف أو سترات دينم ناعمة، وفي الثانية تستعمل رمال الصحراء الذهبية أو مواقع أخرى ذات معمار شرقي. دار «فيراغامو» مثلاً صوّرت حملتها في المغرب على خلفية فسيفسائية، وعلى صوت الشاعرة الإماراتية فاطمة الجرمن، وهي تتلو نصاً صوتياً أصلياً، ساهم في تضخيم الطابع العاطفي.

الممثل معتصم النهار وزوجته لين في أزياء حملة «لاكوست» الرمضانية (لاكوست)

ويبدو واضحاً أن التعاون مع مؤثرين ومبدعين من المنطقة بات تقليداً مُرحّباً به. لا بوصفه خطوة تسويقية فحسب، بل كوسيلة تمنح المنتجات صوتاً محلياً وحمولة ثقافية أعمق. فالرغبة لدى البعض تتجاوز موسمية الشهر وتعكس محاولة لتوطيد علاقة طويلة الأمد مع سوق يُدركون أهميته في كل الأوقات. ومع ذلك لم ينجح الجميع في تحقيق المعادلة الصعبة بين العاطفة والتجارة... دار «لاكوست» مثلاً اكتفت بأزياء للنهار بألوان ساطعة، فيما راهنت على البُعد الإنساني عبر تعاونها مع الممثل معتصم النهار وزوجته لين برنجكجي في سرد بصري قالت إنه يُوثّق لحظات شخصية تنبض بالحميمية والدفء. تراجعت الأزياء للوراء لصالح المشاعر والإيقاع اليومي والارتباط الإنساني بين زوجين. اختيار يثير تساؤلاً حول ما إذا باتت العاطفة بديلاً للموضة في حملة يراد منها بيع الأزياء.

تعاونت «تيفاني آند كو» مع المؤثرة والفنانة الإماراتية علياء الشامسي لاختيار نصّ شعري باللغة العربية (تيفاني آند كو)

«تيفاني آند كو» للمجوهرات في المقابل قدمت حملة مصورة بعنوان «تحت هلالٍ واحد»، قالت إنها تحتفي فيها بالتأمل الذاتي. هي الأخرى قدمت مجوهرات أيقونية من أرشيفها، مثل «هاردوير من تيفاني» و«نوت من تيفاني» و«تي من تيفاني» إضافة إلى «بيرد أون آ روك من تيفاني» الذي تقول إنه يستحضر إحساساً بالروحانية والتفاؤل، لما يجسّده من شعور بالتجدد. لكنها قوّت موقفها باستنادها إلى رموز رمضانية يظهر فيها الهلال كقوسٍ رقيق من الضوء، يرمز إلى الزمن والتحوّل، فيما توحي النجوم بالهداية والطمأنينة. وتشكل درجات السماء الليلية العميقة المرصعة بالنجوم ملامح المشهد، لتخلق أجواءً تأملية مفعمة بالسكينة. في قلب هذه الحملة، يبرز نصّ شعري باللغة العربية، كتبته الكاتبة والفنانة الإماراتية علياء الشامسي، يعكس الوهج اللطيف لهلال الشهر الفضيل، وكيف يبعث نوره شعوراً بالقرب والحضور المشترك.

هلَّ هلال رمضان علينا بنقشٍ مُذَهَّب

وجمعَنا تحت سماءٍ لامعة كعقد الثُّرَيّا،

نورٌ يلامس القلوب ويضيء الإحساس

«تي-شيرتات» وقبعات و«شورتات مطاطية» مطرز بعضها بشعار الدار باللغة العربية من (بالنسياغا)

بين الابتكار والاجترار

بيوت أزياء كثيرة أخرى لم تتأخر عن الركب ودخلت السباق بكل قوتها، متوجهة إلى زبائنها في المنطقة بتصاميم واقتراحات تأمل أن تجذبهم إليها ومن تم تحقق لهم الربح. نذكر منهم دار «بالنسياغا» التي استبقت الشهر وطرحت في يناير (كانون الثاني) الماضي «سلسلة بالنسياغا رمضان 26» الحصرية التي تعيد فيها ابتكار بعض الرموز الأيقونية ضمن لوحات لونية تروق للذائقة العربية، تشمل «تي-شيرتات» وقبعات و«شورتات مطاطية»، مطرز بعضها بشعار الدار باللغة العربية، إلى جانب بلوزات حريرية وفساتين وأوشحة بألوان الأخضر الداكن والخوخي الفاتح. وتظهر النعال المكشوفة لحذاء «سبيد» الأيقوني باللون الذهبي.

بدورها طرحت دار «توري بيرش» الأميركية تشكيلة رمضانية تضم إكسسوارات وأزياء جاهزة ومجوهرات تعكس أسلوب مصممة تعشق روح الشرق وتستلهم تفاصيله في معظم عروضها حتى خارج الموسم الرمضاني.

دار «فالنتينو» طوّعت 6 إطلالات من عرضها من خط الكروز الأخيرة ليناسب الشهر الفضيل (فالنتينو)

أما «فالنتينو» فصوّرت حملة إعلانية صاغ رؤيتها المدير الإبداعي أليساندرو ميكيلي، والتقطتها عدسة المصورة جولي غريف، ضمت ست إطلالات من خط الـ«كروز» الأخير، واحد منها قفطان تم تنسيقه مع بنطلون متطابق بوهج ذهبي متدرج ووردي فاتح. ويبدو أن الدار مثل غيرها تراهن على الإكسسوارات بشكل كبير، بالنظر إلى كم حقائب اليد والأحذية والأوشحة التي طرحتها وأغدقت عليها الكثير من الترصيع.

من اقتراحات «دي كي إن واي» لهذا الشهر: الأزياء عصرية ومعاصرة والخلفية عربية (دي كي إن واي)

علامة «دي كي إن واي» DKNY ذهبت إلى أبعد من طرح مجرد أزياء محتشمة أو إكسسوارات تتوخى أن تجد لها مكاناً بارزاً في هذا السباق. تعاونت مع المؤثرة دينا السعدي من خلال تشكيلة محدودة الإصدار وحصرية «استُلهمت تفاصيلها من أمسيات رمضان الهادئة ولحظات التلاقي الدافئة» وفق قولها، وهو ما ترجمته في قصّات انسيابية، وألوان هادئة تتباين بين الترابي الهادئ والذهبي الدافئ.

المحلات الكبيرة أيضاً دخلت السباق متسلحة بكل العلامات المتوفرة لديها. محلات «هارودز» بلندن تقدم منذ بداية شهر فبراير (شباط) إلى شهر مارس (آذار) اقتراحات شهية عبارة عن سلال مليئة بكل ما طاب من تمور وحلويات وعسل طبيعي وشاي مغربي ومنتجات أخرى خاصة برمضان، يمكن تقديمها كهدايا، إضافة إلى أزياء وإكسسوارات تناسب دعوات الإفطار والسحور: أنيقة ومحتشمة وعملية، من مصممين كبار مثل تالر مامو، وستيلا مكارتني، وجيني باكهام، وميسوني.

صورت «هارودز» حملتها الرمضانية بالتعاون مع 5 مؤثرين ومبدعين عرب (هارودز)

وفي حملة مبتكرة تعاونت «هارودز» مع خمسة من أبرز المبدعين العرب في تصوير وإخراج فيلم قصير. تولّت بطولته نيا عمّون، المقيمة بين دبي والرياض ولندن، والتي تمثل فن «الاحتشام في الحداثة»، وأخرجه سيرج أسعد وصوره مازن أبصرور، ليجمع بين روعة ديكور هارودز وفخامة الأسلوب المحتشم المعاصر. أما تنسيق الأزياء فتولّاه أحمد النجار بينما أجرت المكياج خبيرة المكياج كنزة بيا.

اختارت «هارفي نيكولز دبي» ألواناً ترابية و50 قطعة بدرجة من الأزرق للدلالة على الصفاء والسكينة (هارفي نيكولز)

محلات «هارڤي نيكلز» أيضاً أطلقت منذ فترة حملة تأمل تدعو فيها للتصالح مع الذات، بعنوان «خيوط من النور». تلعب كل تفاصيلها على أناقة مرسومة بألوان الصحراء وتصاميم منسابة على شكل قفاطين من دار «تولر مارمو». لم تقتصر الاقتراحات على الألوان الترابية والذهبية، فهناك خمسون قطعة كلها بدرجة من الأزرق تتدرج من لون السماء إلى عمق الغسق، من ستيلا ماكارتني و«ماكوين» ومجوهرات من ميسوما وآلان كروسيتي وغيرهم. ويأتي هذا الاهتمام المكثف بالأزرق لتعزيز الإحساس بالسكينة والصفاء، وفق ما أكدته المسؤولات عن هذه الاختيارات.

الرموز الإيطالية في خدمة الثقافة العربية

ومن إيطاليا أرسلت دار «برونيلو كوتشينيللي» بطاقة حب إلى المنطقة العربية بمناسبة الشهر الفضيل، مكتوبة بلغة مباشرة وصادقة. كل ما فيها من تفاصيل يعترف بأنه يتودد لزبونة المنطقة، لكن بأسلوب يحترم ثقافتها وأسلوبها الخاص أيضاً.

كانت اقتراحات «برونيلو كوتشينيللي» الأقرب والأصدق لأنها احترمت الثقافة من دون استسهال (برونيلو كوتشينيللي)

ما يُحسب لها أن الجانب التجاري لم يأتِ على حساب الأناقة والحرفية. بالعكس تماماً، فكل عباية، بقصّاتها الراقية والمنسدلة، تُجسّد القيم الرمضانية، من راحة وخفّة وسهولة تنسيق. حتى الزخارف الهادئة في بعض القطع، تضيف للأقمشة المترفة بعُداً بصرياً وعمقاً إيقاعياً مستوحى من الزهور المتلألئة أو نقشة جلد التمساح، ونقشة الجاكارد المحبوكة. كلها تتناغم مع ألوان طبيعية مثل البني الرملي والبيج والبني الداكن والأبيض، إضافة إلى العنّابي الداكن والرمادي.

هذه الرغبة في إبراز الحرفية، تظهر أيضاً في مجموعة «فندي»، التي اعتمدت فيها الدار على استكشاف أبعاد جديدة لبريق المواد وملمسها ومدى تناغمها مع الدرجات المعدنية والتطريزات الدقيقة. والنتيجة جاءت على شكل فساتين طويلة من الشيفون أو الدانتيل تنسدل براحة فيما تتألق الملابس المنزلية بزخرفة زهرة الأقحوان.

في مجموعتها «نور» قدمت دار «فندي» مجموعة تعتمد على الحرفية والألوان الفاتحة مثل الوردي والذهبي (فندي)

وبينما غلب اللون الوردي على الأزياء، اكتسحت درجات الذهبي المائل للعاجي الإكسسوارات للتقرب من ذائقة اشتهرت بميلها إلى كل ما هو ذهبي أو زمردي ومصنوع باليد.

ضمن هذه المجموعة أعيد ابتكار حقيبتيْ «ميني باغيت» Mini Baguette وميني بيكابو Mini Peekaboo الأيقونيتين بتطريز كل قطعة يدوياً على قاعدة من الساتان، مع استخدام أحجار الكريستال والخرز الزجاجي في تقنية تتطلب ما يقارب الأسبوعين من العمل على يد حرفي متمكن للحقيبة الواحدة.

وهكذا فإن رمضان بروحه الجامعة وطقوسه الاجتماعية، ربما أربك التسويق لعيد الحب في المنطقة العربية وأنقص من وهجه، لكنه أعاد ترتيب الأولويات، الأمر الذي جعل تضارب التوقيت فرصة لاختيار الحب بوصفه قيمة ثقافية واجتماعية. كان أيضاً فرصة لاكتشاف أن أقوى الرسائل التسويقية هي التي تنجح في ملامسة الثقافة والوجدان معاً.


«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
TT

«أسبوع نيويورك للموضة»... هل يعيد زهران ممداني الأمل للمصممين الناشئين؟

تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)
تباين «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026» بين التحدي والاستسلام (أ.ف.ب)

لا يختلف اثنان على أننا في عصر تنتشر فيه الصورة أسرع من أي بيان سياسي... يكفي ظهورُ نجمةٍ أو شخصية معروفة بإطلالة مدروسة في مناسبةٍ ما لكي تتحول جزءاً من النقاش العام.

ومع انطلاق «أسبوع نيويورك لخريف وشتاء 2026»، يبرز التساؤل بشأن قدرة مصممي الأزياء على الاستفادة من هذه الومضات والإشعاعات المؤقتة، وما إذا كان ظهور نجمة كبيرة بقطعة مُوقّعة من أحدهم يمكن أن يرتقي به إلى مصاف الكبار من أمثال رالف لورين، وتوري بورش، وكارولينا هيريرا... وغيرهم ممن نجحوا في تأسيس علامات راسخة تمتلك موارد كافية لتجاوز أي تغيرات اقتصادية قصيرة المدى. الجواب وفق ما تابعناه مؤخراً مختلف بالنسبة إلى المصممين الجدد... قد يمنحهم بريقاً سريعاً، لكنه مؤقت لا يترجَم دائماً إلى أرقام.

ليدي غاغا وهي تغني في الـ«سوبر بول إل إكس» بفستان من توقيع المصمم راوول لوبيز (كيربي لي إيماجن)

عندما اعتلت ليدي غاغا مسرح الـ«سوبر بول إل إكس» حديثاً لتقدم عرضها الموسيقي، ارتدت فستاناً أزرق سماوياً صممه الدومينيكاني المقيم في نيويورك، راوول لوبيز، خصيصاً لها. كان رائعاً ولافتاً، وكان من المتوقع أن ينال مصممه ولو قليلاً من سحره. لكن مع انطلاق «أسبوع نيويورك»، غاب اسمه من البرنامج الرسمي. ورغم أنه لم يُصرّح بالسبب، فإن ضيق الحال قد يكون السبب. وهذا يشير إلى أن المنصات الكبرى قد توفر دفعة هائلة للناشئين، لكنها ليست بديلاً عن بيئة اقتصادية مستقرة، ودعم هيكلي مستدام، يساعدان في نمو العلامة.

نيويورك... الحقبة الانتقالية

الدورة الحالية من «أسبوع الموضة الأميركية» تأتي في لحظة مفصلية تتقاطع فيها الموضة مع مناخ سياسي متقلب ووضع اقتصادي هش يضغط على هذه الصناعة منذ سنوات.

رئيس بلدية نيويورك الحالي، زهران ممداني، صرّح مؤخراً أمام مجلس شيوخ الولاية في اجتماع لمناقشة ميزانيتها لعام 2026، بأنها «تقف على حافة الهاوية» ودعا إلى زيادة الضرائب اثنين في المائة على سكان نيويورك الذين يتقاضون أكثر من مليون دولار سنوياً، إلى جانب زيادة معدل الضريبة على الشركات في الولاية. مقترحات طرحها خلال حملته الانتخابية وأكسبته أصواتاً كثيرة ويحتاج إلى تنفيذها على أرض الواقع.

بالنسبة إلى الموضة، فإنها شهدت في العام الماضي انهيار نموذج تجارة التجزئة متعددة العلامات؛ مما خلق حالة من عدم الاستقرار لكثير ممن كانوا يعتمدون عليها للوصول إلى الزبائن. فقد تقدّمت منصة «إسنس» الكندية المعروفة باحتضانها علامات مستقلة بطلب حماية من الإفلاس في أغسطس (آب) الماضي، وكانت مدينةً حينها بنحو 93 مليون دولار كندي للمورّدين. كما أدى اندماج «بيرغدوف غودمان» و«نيمان ماركوس» و«ساكس» تحت مظلة «ساكس غلوبال»، وما تبع ذلك من تعقيدات وتصفيات مالية مطلع هذا العام، إلى تعقيدات كان الكل في غنى عنها.

هذا الواقع كشف عن هشاشة اعتماد العلامات الصغيرة على شبكات توزيع محدودة؛ لأن تأخر مستحقات موسم واحد قد يعني إلغاء عرض أو تقليصه، إضافة إلى تأجيل الإنتاج أو إعادة هيكلة الفريق بالكامل. انسحاب المصمم راوول لوبيز مثلاً من العرض في البرنامج الرسمي لـ«الأسبوع» بات ظاهرة متكررة.

إطلالة كلاسيكية بتوقيع علامة «ذي بابليك سكول نيويورك» التي تأسست عام 2008 (رويترز)

السياسة والموضة

آمال كبيرة معقودة على زهران ممداني حالياً؛ فقد وعد بدعم العلامات الناشئة بغض النظر عن الهوية، بتقديم دعم اقتصادي ملموس لهم؛ مما يمكن أن يُحسن أيضاً الاقتصاد عامة.

فتلاقي الموضة بالسياسة من خلال الاقتصاد في الولايات المتحدة الأميركية عموماً، ونيويورك تحديداً، ليس جديداً؛ ففي عام 2020 نشطت مبادرات، مثل «فاشن أور فيوتشر 2020»، أطلقتها المصممة أبريما إروياه والممثلة روزاريو داوسون، بالتعاون مع أسماء بارزة؛ لتحفيز الجماهير على التسجيل للتصويت. وفي سبتمبر (أيلول) 2024، نظم «مجلس مصممي الأزياء» في أميركا، بدعم من مجلة «فوغ»، مسيرة، مع انطلاق «أسبوع الموضة»، لحشد من الناخبين في فعالية وُصفت بـ«غير الحزبية» رغم مشاركة السيدة الأميركية الأولى حينها، جيل بايدن، فيها.

ألوان زاهية وتصاميم عملية من توري بورش (أ.ف.ب)

الشعارات وحدها لا تكفي

هذا الموسم يلاحَظ خلال «الأسبوع»، وفي مناسبات السجاد الأحمر التي سبقته مثل حفل «غولدن غلوب» توزيع دبابيس «Ice Out» و«Be Good»، وهي مبادرات تراهن على الصور المتداولة رقمياً، وتذكر بقضايا إنسانية ووجودية. لكن هل تكفي لخلق تأثير حقيقي؟ تساؤل يطرحه مصممون، مثل ويلي شافاريا، وهو من أصول آيرلندية ومكسيكية، الذي هجر نيويورك للعرض في «أسبوع باريس»، وتساءل عن جدوى هذه المبادرات الرمزية، قائلاً إن التعبير عن الهوية في حد ذاته سياسي. كثير من المصممين الشباب يوافقونه الرأي ويعتقدون أن الموضة الأميركية تحتاج إلى أكثر من دبابيس أو شعارات. الحل بالنسبة إليهم حالياً هو إبراز القصص الفردية لكل مصمم، من الذي يمثلون «الآخر» بمعناه الثقافي والإنساني. ففي تفرد الهوية تكمن العالمية؛ شرط أن تكون الرسالة واضحة وصادقة. كذلك أعاد فوز زهران ممداني الأمل في عدالة اجتماعية وفي تحريك الأنشطة الإبداعية، خصوصاً أن زوجته ناشطة في المجال الفني بنيويورك.

وبين الغيابات وحضور العلامات الكبيرة، تقف نيويورك اليوم أمام اختبار مزدوج: اقتصادي ثقافي؛ من خلال الرهان على ممداني ذي الأصول الهندية، كما على قدرة مصمميها على تحويل هشاشة اللحظة إلى لغة تُعبر عن التغيير الإيجابي. فنيويورك اقتصاد متكامل بين العقارات والمال والأعمال والمجالات الإبداعية بكل أشكالها. وبينما يبقى مستقبل هذا الاقتصاد في طور التكوين والبناء، فإن ما قُدّم على منصات العرض منذ بداية «الأسبوع» يشير إلى أن القوة لا تزال بيد دور الأزياء ذات التاريخ الطويل. فالطفرات الاقتصادية التي عاشتها نيويورك في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي تجعلها تتحرك بمرونة أكبر بفضل مواردها الكافية لمواجهة تقلبات السوق.

من اقتراحات توري بورش (رويترز)

توري بورش مثلاً قدمت عرضها في مبنى «ماديسون أفينيو»، مؤكدة قدرتها على تحقيق المعادلة بين أزياء يسهل تسويقها، والأناقة العابرة للأجيال. تنوعت التصاميم بين بنطلونات من قماش «الكوردروي» ومعاطف خفيفة كأنها مستلهمة من عبايات، وكنزات صوفية نسقتها مع تنورات بعضها مقلّم. في كل هذا ركزت المصممة على أسلوب كلاسيكي يمكن أن يجعل كل قطعة تبقى رفيقة صاحبتها أكثر من موسم. الصوف مثلاً اكتسب لمسة ذهبية من خلال تطريزات معدنية نُفّذت بأيادٍ هندية، والحرير طُوّع في فساتين منسدلة تتميز بخصور منخفضة وألوان تباينت بين الأحمر والأصفر بكل درجاتهما، وعلى نغمات أغنية دوللي بارتون الشهيرة «9 تو 5»، أطلقت مجموعة مستوحاة من ثمانينات القرن الماضي أكدت فيها أن الكلاسيكيات لا تموت، وأن العملية لا تتناقض مع الأناقة.

من اقتراحات «كوتش» وتغلب عليها روح «سبور» وأسلوب عملي مستلهم من حقب ماضية (كوتش)

علامة «كوتش» أيضاً قدمت عرضاً لخص المفهومَين التجاري والفني... قالت الدار إنها استوحته من عصور وحقب ماضية، مثل الأطقم الرياضية المستوحاة من قمصان كرة القدم في السبعينات، والأحذية المصنوعة من جلد الشامواه المعتق، بينما استلهمت الفساتين من الحقبة الفيكتورية، كذلك القمصان ذات الياقات العالية التي تُربط على شكل فيونكة.

العارضة جيجي حديد تفتتح عرض «رالف لورين» (رويترز)

لكن يبقى عرض «رالف لورين» الأكبر إبهاراً؛ فتصاميم الدار تلامس شريحة عالية من الناس حول العالم، كما أن قدراتها التسويقية هائلة، وتتمثل في مشاركات عالمية، مثل «دورة الألعاب الأولمبية الشتوية» الحالية، وإقبال سيدات البيت الأبيض على تصاميمها، حتى أصبحت رمزاً أميركياً قائماً بذاته. لكن الأهم أنها في كل مرة تدغدغ أحلام امرأة تريد «السهل الممتنع».

إطلالة مخملية ظهرت بها جيجي حديد في عرض «رالف لورين» (أ.ف.ب)

ما يُذكر أن الدار واكبت تغيرات عدة؛ اقتصادية واجتماعية وثقافية، ونجحت في التأقلم معها؛ بل وتجاوزها في أحيان كثيرة. لكن هذا لا يمنع من القول إنها كانت محظوظة في أنها واكبت حقباً اقتصادية مزدهرة قادها رؤساء أميركيون، مثل بيل كلينتون. وفي كل المراحل، كانت تصاميمها تعكس الحلم الأميركي. حتى بعد أن دخل «جِيلِ زد» على الخط، وبدأ يفرض أسلوبه على المصممين، قرأ مؤسسها، البالغ من العمر 86 عاماً، نبض السوق جيداً... وهذا ما جعل الدار حتى الآن من بين أكبر المؤثرين على الموضة الأميركية. حتى انخفاض المبيعات بين عامي 2016 و2018 لم يُضعفها، وما اقترحته، مساء الثلاثاء الماضي، كان تحدياً للأزمة النيويوركية، ويؤكد أن الفساتين المخملية والقطع الجلدية ستعرف طريقها إلى خزانة المرأة أينما هي، وأَيَّمَّا كانت هويتها.


ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.