مئات الافتتاحيات الأميركية تردّ على انتقادات ترمب للإعلام

وصف «الأخبار الكاذبة» بـ«حزب المعارضة»

الصفحة الأولى من صحيفة «بوسطن غلوب» في متحف الأخبار بواشنطن أمس (أ.ف.ب)
الصفحة الأولى من صحيفة «بوسطن غلوب» في متحف الأخبار بواشنطن أمس (أ.ف.ب)
TT

مئات الافتتاحيات الأميركية تردّ على انتقادات ترمب للإعلام

الصفحة الأولى من صحيفة «بوسطن غلوب» في متحف الأخبار بواشنطن أمس (أ.ف.ب)
الصفحة الأولى من صحيفة «بوسطن غلوب» في متحف الأخبار بواشنطن أمس (أ.ف.ب)

أطلقت عشرات الصحف الأميركية، أمس، حملة منسقة للرد على هجمات الرئيس دونالد ترمب على الصحافة والإعلام، رافضة في افتتاحيتها وصفه لها بـ«عدوّ الشعب».
ونشرت أكثر من 350 صحيفة كبيرة ومحلية، أمس، مقالات افتتاحية تشدد على أهمية الصحافة الحرة في المجتمع الأميركي، وتذكّر بالمادة الأولى من الدستور الأميركي التي تنص على حرية الصحافة والإعلام.
وأطلقت الصحف وسماً على وسائل الإعلام الاجتماعية هو «EnemyOfNone»، أي «لسنا عدواً لأحد»، وطالبت القارئ الأميركي بمساندتها وحماية حرية الصحافة.
وجاءت هذه الحملة المنسقة في أعقاب استطلاع للرأي أصدرته شركة «إبسوس» الأسبوع الماضي، أشار إلى أن 51 في المائة من الجمهوريين يعتبرون الصحافة عدواً للشعب وليست جزءاً مهماً من المناخ الديمقراطي. كما وجد الاستطلاع أن سمعة وسائل الإعلام تدهورت، وأن عدد الأميركيين الذين لديهم ثقة كبيرة في الصحافة قد انخفض 30 نقطة مئوية منذ أواخر السبعينات. ورغم أن الغالبية العظمى من الأميركيين (نحو 85 في المائة) يتفقون مع أن حرية الصحافة ضرورية للديمقراطية الأميركية، وثلثي الأميركيين (نحو 68 في المائة) يقولون إنه يجب حماية الصحافيين من الضغوط التي تمارسها الحكومات أو مصالح الشركات الخاصة، فإن ربع الأميركيين (26 في المائة) يتفقون مع أن الرئيس يجب أن يكون لديه السلطة لإغلاق الصحف ذات السلوك السيئ. فيما يرى 72 في المائة من المستطلعين أنه من الأسهل مقاضاة المراسلين الذين ينشرون معلومات خاطئة عن عمد.
ويشدد المدافعون عن حرية الصحافة على أن هجمات ترمب ضد الصحافة تهدد الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام، ووجهوا له اتهامات بأنه يسيء استخدام السلطة ويعرض المادة الأولى للدستور الأميركي للخطر.
وقادت صحيفة «بوسطن غلوب» هذه الحملة التي انضم إليها كثير من الصحف الليبرالية والمحافظة ومن كل التيارات السياسية، في الولايات الأميركية. وقالت في افتتاحيتها أمس: «لدينا اليوم في الولايات المتحدة رئيس خلق شعاراً يقول إن وسائل الإعلام التي لا تدعم بشكل صارخ سياسات الإدارة الأميركية الحالية هي (عدوة الشعب)». وحذرت الصحيفة من أن هذا الهجوم الدؤوب على الصحافة الحرة له عواقب وخيمة.
وبلهجة قاسية، أضافت الصحيفة في افتتاحيتها أن استبدال الإعلام الحر واستخدام وسائل إعلام تديرها الدولة أمر يعد ظاهرة واضحة لأي نظام فاسد يستولي على دولة ما، وأن المبدأ الأول في الدستور الأميركي هو حماية الصحافة الحرة، محذرةً من أن «نموذج الدول الحرة أصبح تحت تهديد خطير»، معتبرةً أن تصرفات ترمب مع الصحافة تشجع رؤساء مثل الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب إردوغان، على معاملة الصحافيين كأعداء.
وشددت الجريدة على أن الصحافة ضرورية لأي مجتمع حر، ولَمّحت إلى ما يواجهه الرئيس ترمب من تحقيقات من قبل المحقق الخاص روبرت مولر يدفعه لإخافة الصحافيين الذين يقومون بالاستقصاء والتدقيق بشكل مستقل.
بدورها، نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» افتتاحيتها على صفحة بأكملها تحت عنوان كتبته بأحرف كبيرة: «الصحافة الحرة تحتاجك». وذكرت الصحيفة أنه حينما كتب الدستور الأميركي في عام 1787، قال الرئيس الأميركي توماس جيفرسون إنه إذا خيرت بين حكومة دون صحف أو صحف دون حكومة، فإنني دون تردد سأختار الأخيرة. وأضافت: «لكنه بعد عشرين عاماً، كتب يقول إنه لا يمكن تصديق أي شيء نقرأه في صحيفة»، وقالت إنه يحق للناس انتقاد الصحافة، إذا أخطأت. واعتبرت أن «الإصرار على أن الحقائق التي لا تعجبك هي (أخبار كاذبة) خطر على شريان حياة الديمقراطية. وتسمية الصحافيين بأنهم (أعداء الشعب) مسألة خطيرة». كما أوضحت الصحيفة أن نشر الأخبار في مجتمع مفتوح يسبب عدم ارتياح، لكن الجمهور المطلّع هو الأفضل تجهيزاً للقضاء على الفساد، وتعزيز الحرية والعدالة على المدى الطويل.
وأوضحت «نيويورك تايمز»، التي خصّها الرئيس الأميركي بالذكر مراراً في انتقاداته للإعلام، أن عام 2018 شهد أكثر الهجمات الضارة من المسؤولين الحكوميين، وحذّرت من أنها تهدد حياة الصحافيين. وذكرت أن الصحف متأثرة بالفعل من الأزمة الاقتصادية، ورغم ذلك يواصل الصحافيون العمل الشاق لطرح الأسئلة وتغطية القصص الصحافية. وقالت الجريدة إنها انضمّت إلى الحملة التي تقودها صحيفة «بوسطن غلوب» ومئات الصحف الأخرى لتذكير القراء بقيمة الصحافة الحرة في أميركا.
من جانبه، اقترح جيم أكوستا، مراسل شبكة «سي إن إن» لدى البيت الأبيض، الذي دخل في سجالات كثيرة مع الإدارة الأميركية ومع سارة ساندرز المتحدثة باسم البيت الأبيض، بالقيام بمظاهرات في واشنطن ورفع لافتات وملصقات ترفض ادعاءات ترمب للصحافة بأنها «عدوة للشعب». وقد واجه أكوستا بشكل خاص حملة انتقادات من جانب أنصار ترمب في إحدى التجمعات الانتخابية في مدينة تامبا بولاية فلوريدا، وكتب أكوستا عبر «تويتر»: «أنا قلق للغاية من أن العداوة التي أثارها ترمب ستؤدي إلى إصابة شخص ما، يجب ألا نعامل زملاءنا بهذه الطريقة، فالصحافة ليست العدو».
بدوره، قال محرر صفحة الرأي بصحيفة «شيكاغو صن تايمز» إنه في الوقت الذي تتعرض فيه الصحف في جميع أنحاء البلاد لضغوط تجارية وسياسية حقيقة «نعتقد أنه من المهم إظهار التضامن من خلال هذه الحملة».
وانضمت إلى هذه المبادرة أيضاً الرابطة الإخبارية الرقمية للتلفزيون والإذاعة (RTDNA) التي تضمّ أكثر من 1200 محطة تلفزيونية وإذاعية. وقال دان شيلي، المدير التنفيذي للرابطة: «علمنا بهذه الحملة من قبل الصحافيين، وفكرنا في المشاركة عن طريق دعوة المحطات الإخبارية الإذاعية والتلفزيونية في جميع أنحاء البلاد للتضامن مع الصحف، وتوضيح أن الصحافيين الحقيقيين ليسوا أعداء للشعب». وأضاف: «إننا نريد أن نوضّح أن الصحافيين في الصحف والتلفزيون والراديو والصحافة الرقمية يعملون فقط لتسليط الضوء على قضايا المجتمع، ونطالب الرئيس وكل المسؤولين بالتوقف عن مهاجمة المادة الأولى للدستور وحرية الصحافة، وإظهار أن الصحافة ضرورية للحياة اليومية لكل أميركي».
وفي رده على هذه الحملة، واصل الرئيس الأميركي هجومه على المنافذ الإعلامية والصحافية. وكتب ترمب على «تويتر» أن «إعلام الأخبار الكاذبة هو حزب المعارضة... إنه أمر سيئ للغاية بالنسبة لبلادنا العظيمة... ولكننا في طريقنا للفوز».
وتواجه الحملة المنسقة احتمال استقطاب مؤيدي الرئيس حول فكرة أن وسائل الإعلام تطارده. وقال الجمهوري مايك هاكابي، حاكم ولاية أركنسو السابق المعلق لدى «فوكس نيوز»، إن «وسائل الإعلام تنظم هجوماً متعمداً وعلنياً على دونالد ترمب، وعلى نصف البلاد الذي يؤيده. وتتساءل وسائل الإعلام عن سبب قولنا إنها (أخبار كاذبة)؟!»، كما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية.
كما رفضت صحيفة «وول ستريت جورنال» الانضمام للحملة، واعتبر أحد كُتّابها هو جيمس فريمان أن تصريحات ترمب حول الإعلام تندرج في إطار حرية التعبير.



إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قدَّمت إيران إلى الولايات المتحدة، عبر باكستان، مقترحاً جديداً للتفاوض بشأن وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي في طهران الجمعة. وأوردت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا»: «قدمت إيران أحدث مقترحاتها للتفاوض إلى باكستان، بصفتها الوسيط في المباحثات مع الولايات المتحدة، ليل الخميس»، من دون تفاصيل إضافية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران، إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.