فرقاء جنوب السودان يوقعون اتفاقاً أولياً لتقاسم السلطة يعيد مشار نائباً للرئيس

سلفا كير احتفظ بمنصبه وقوى معارضة رفضت التوقيع... والاتفاق النهائي في 5 أغسطس

هنري ادوار ممثل رياك مشار يوقع على الاتفاق (أ.ف.ب)
هنري ادوار ممثل رياك مشار يوقع على الاتفاق (أ.ف.ب)
TT

فرقاء جنوب السودان يوقعون اتفاقاً أولياً لتقاسم السلطة يعيد مشار نائباً للرئيس

هنري ادوار ممثل رياك مشار يوقع على الاتفاق (أ.ف.ب)
هنري ادوار ممثل رياك مشار يوقع على الاتفاق (أ.ف.ب)

وقَّع الطرفان المتحاربان في جنوب السودان، أمس، اتفاقاً أولياً لتقاسم السلطة، يعيد تعيين زعيم المتمردين رياك مشار نائباً للرئيس.
وفي إطار جهودها الإقليمية لإنهاء النزاع في هذه الدولة، استضافت الخرطوم جولةً من محادثات السلام منذ يونيو (حزيران) بين الزعيمين المتحاربين كير ومشار. واتفق الطرفان على وقف دائم لإطلاق النار وسحب قواتهما من المناطق السكنية. وكان الطرفان اتفقا في السابع من يوليو (تموز) الحالي، على تقاسم السلطة إلا أن التوقيع على الاتفاق تأخر بسبب خلافات حول فحوى الاتفاق.
وقال وزير خارجية السودان الدرديري محمد أحمد خلال مراسم التوقيع التي جرت في الخرطوم إنه يتعين أن يتبع الاتفاق الأولي الذي تم التوقيع عليه أمس، اتفاق نهائي في الخامس من أغسطس (آب). وقال أحمد: «تم التوقيع على وثيقة لتقاسم السلطة تعالج جميع القضايا العالقة خلال الفترة الانتقالية». وأضاف: «سلفا كير سيبقى رئيساً لجنوب السودان وسيكون رياك مشار نائباً أول للرئيس». وأضاف: «سيكون هناك أربعة نواب رئيس آخرين بين الجماعات السياسية الأخرى».
ووقع على الاتفاق بأكاديمية الأمن العليا بالخرطوم، كل من حكومة جنوب السودان والمعارضة الرئيسية المسلحة بزعامة رياك مشار، وبعض أعضاء من مجموعة تحالف الأحزاب السياسية المعارضة، ومنظمات المجتمع المدني، فيما تحفظت مجموعة المعتقلين السياسيين السابقين بزعامة الأمين العام السابق لحزب الحركة الشعبية الحاكم باقان أموم، وبعض من مجموعة تحالف المعارضة، على التوقيع على الاتفاق.
ووقَّع وزير الخارجية السوداني الدرديري محمد أحمد عن حكومة السودان، إلى جانب ممثل هيئة الوساطة الأفريقية «إيقاد» كشاهدين.
وفور التوقيع على اتفاق سلام سيتم منح الطرفين ثلاثة أشهر لتشكيل حكومة انتقالية بصيغة جديدة ستتولى السلطة لمدة 36 شهراً أخرى. وقال أحمد إن بين القضايا التي لا يزال يتعين حلها كيفية تقاسم السلطة على مستوى الأقاليم والمقاطعات.
وقال الوزير إن «المفاوضات ستتواصل حتى نتوصل إلى اتفاق»، مضيفاً أن بعض جماعات المعارضة رفضت التوقيع على الاتفاق، ولكن المحادثات معهم لا تزال مستمرَّة.
وحسب الوزير الدرديري، فقد تقرَّر تشكيل مجلس الوزراء جديد من 35 وزيراً، منحت الحكومة الحالية، 20 حقيبة، فيما نالت المعارضة التي يقودها رياك مشار، 9 حقائب، وتحالف المعارضة، 3 حقائب، ومجموعة «المعتقلين السابقين»، وزيرين والقوى السياسية، وزيراً واحداً. كما نص الاتفاق على تكوين المجلس التشريعي (البرلمان) من 550 نائباً، منحت الحكومة، 330 مقعداً، ولمجموعة مشار 123 مقعداً، وتحالف المعارضة 50 مقعداً والقوى السياسية الأخرى، 30، وللمعتقلين السابقين 10 مقاعد.
وقال أحمد إنه سيتم تشكيل لجنة مستقلة لتحديد عدد المحافظات في البلاد. وقال إن الأطراف اتفقت على حل مشكلة حدود وعدد ولايات جنوب السودان، بتشكيل مفوضية خلال الأشهر الثالثة من الفترة الانتقالية تتولى النظر في النزاع وتبت فيه. وسلم فريق الوسطاء السوداني الأطراف مقترحاً خاصّاً بتشكيل آلية لترسيم حدود الولايات مع الإبقاء على تقاسم السلطة على المستوى الولائي.
وكانت جوبا وفصائل المعارضة قد رفضت على حد سواء مسودة الاتفاق الذي قدمته الوساطة الأسبوع الماضي حول لجنة الحدود الولائية، التي تشكلت معظمها من الأجانب. وحدد المقترح الجديد 15 عضواً للجنة ستحدد مصير 32 ولاية رفضتها فصائل المعارضة. واقترحت الوثيقة الجديدة أيضاً، تعيين 5 أعضاء من حكومة جنوب السودان، وممثلين اثنين من حركة مشار ومندوب واحد لكل من تحالف الأحزاب المعارضة، ومجموعة المعتقلين السابقين، ومنظمات المجتمع المدني. وأبقت الوثيقة على ممثلي دول «الترويكا» كخبراء على أن تضم اللجنة خمسة ممثلين من الاتحاد الأفريقي من نيجيريا وتنزانيا والجزائر وتشاد وجنوب أفريقيا.
وأوضح مقترح الوسطاء أن لجنة ترسيم حدود الولايات تقتصر على البدائل المقترحة من قبل الأطراف، وأي بدائل أخرى قابلة للتطبيق، وتم تغيير آلية اتخاذ القرار في حالة فشل أعضاء اللجنة في التوصل إلى توافق، وأن يتم اتخاذ القرارات من قبل ثلثي أعضاء اللجنة بسبعة على الأقل من أعضائها الجنوب سودانيين، وبذلك أسقطت الوثيقة المقترح السابق بأن يتم اتخاذ القرارات بالأغلبية البسيطة، ومن بين التغييرات التي أدخلت في المسودة الجديدة، منحت الحركة الشعبية في المعارضة، بزعامة رياك مشار، منصب نائب رئيس البرلمان.
وكان تم التوقيع على اتفاق مماثل في 2015 إلا أنه فشل في وقت لاحق، وانتهى بمعركة دامية فرَّ على أثرها مشار إلى المنفى.
واندلعت الحرب في جنوب السودان بعد أن اتهم كير نائبه السابق مشار بالتآمر للإطاحة به. وأدَّت المعارك إلى مقتل عشرات الآلاف وتشريد الملايين.
وكان البيت الأبيض حذر في بيان من أن الولايات المتحدة تشك في أن رئيس جنوب السودان سلفا كير وزعيم المتمردين رياك مشار لديهما صفات القيادة اللازمة لإحلال السلام في الدولة التي تشهد حرباً منذ عام 2013.
وأضاف البيت الأبيض أن محادثات السلام يجب أن تكون أكثر شمولاً، مضيفاً أن واشنطن ستفرض عقوبات جديدة على كل من يهدد استقرار البلاد.
ويمثل البيان موقفاً أميركياً صارماً من أحداث جنوب السودان الذي أيدت واشنطن استقلاله في 2011 بعد حرب مع السودان استمرت عشرات السنين. ومنذ الاستقلال قتل عشرات الآلاف من الأشخاص في حرب أهلية في جنوب السودان.
وقال البيان: «نعبِّر عن عميق القلق إزاء مسار عملية السلام الحالية... الاتفاق المحدود بين النخب لن يحل المشكلات التي يعاني منها جنوب السودان». وناشد البيان الطرفين المتحاربين إقرار وقف لإطلاق النار في خطوة أولى، وندَّد بإقدام برلمان البلاد على تمديد فترة ولاية كير. وقال البيان: «قادة جنوب السودان السياسيين لم يتحلوا بروح القيادة المطلوبة لإقرار السلام... ما زلنا نشك في إمكانية أن يقودوا انتقالاً سلمياً ومواتياً إلى الديمقراطية والحكم الرشيد».
إلى ذلك، أصدرت المملكة المتحدة أمس تحذيراً لرعاياها، بعدم السفر إلى دولة جنوب السودان، بسبب القتال الدائر هناك. وقالت إن جوبا ليس لديها حظر تجوال رسمي من قبل الحكومة، ولكن السفارة البريطانية ومعظم المنظمات الدولية تلاحظ وجود حظر تجوال فرض نفسه. وأبلغت لندن مواطنيها بالتوجه إلى المفوضية البريطانية في نيروبي في المقام الأول قبل التوجه إلى جوبا. وأضافت: «يجب الحذر من الوضع الأمني المحلي ومراقبة وسائل الأعلام المحلية والبقاء في مكان آمن».
وحذَّرَت المملكة المتحدة من حدوث مزيد من التدهور الأمني، الذي لا يزال متوقّعاً بشكل كبير، يمكن أن يكون مدفوعاً بعدَّة عوامل منها التطورات في عملية السلام الجارية وللاقتصاد الهش الذي تعيشه البلاد. وقالت إنه في حالة حدوث تدهور أمني خطير مثل الذي حدث في يوليو 2016، وديسمبر (كانون الأول) 2013 سيتم إغلاق الطرق داخل وخارج جنوب السودان، وإغلاق المطار، أو تعذر الوصول إليه، وقد يتم تعليق الرحلات الجوية لوقت قصير، كما أن الطريق الرئيسي بين جوبا وأوغندا بات بالغ الخطورة، حيث لا يستبعد وقوع هجمات إرهابية في جنوب السودان.



إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قدَّمت إيران إلى الولايات المتحدة، عبر باكستان، مقترحاً جديداً للتفاوض بشأن وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي في طهران الجمعة. وأوردت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا»: «قدمت إيران أحدث مقترحاتها للتفاوض إلى باكستان، بصفتها الوسيط في المباحثات مع الولايات المتحدة، ليل الخميس»، من دون تفاصيل إضافية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران، إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.