الولايات المتحدة تعزز صادرات النفط إلى الهند لتقليل اعتمادها على الواردات الإيرانية

وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف ونظيرته الهندية سوشما سواراج في نيودلهي في 28 مايو الماضي (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف ونظيرته الهندية سوشما سواراج في نيودلهي في 28 مايو الماضي (رويترز)
TT

الولايات المتحدة تعزز صادرات النفط إلى الهند لتقليل اعتمادها على الواردات الإيرانية

وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف ونظيرته الهندية سوشما سواراج في نيودلهي في 28 مايو الماضي (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف ونظيرته الهندية سوشما سواراج في نيودلهي في 28 مايو الماضي (رويترز)

مع استمرار ضغطها على الهند لخفض واردات النفط الإيرانية، عززت الولايات المتحدة من الإمدادات النفطية إلى نيودلهي لتقليل اعتمادها على واردات المحروقات من إيران وفنزويلا الخاضعتين لحزمة عقوبات اقتصادية أميركية.
ويفيد تقرير لوكالة «رويترز» بأن الولايات المتحدة سترسل أكثر من 15 مليون برميل من النفط الأميركي الخام إلى الهند خلال يوليو (تموز) من العام الحالي، مقارنة بنحو 8 ملايين برميل طوال عام 2017.
وفي خضم ذلك، حذّرت إيران الهند من أنها ستخسر الامتيازات الخاصة إذا ما حاولت استيراد النفط من دول أخرى لتعويض الفاقد من إمدادات النفط الإيراني. ووجّه الدبلوماسي الإيراني، مسعود رزفانيان رهاجي، المقيم في نيودلهي، الانتقادات إلى الهند لعدم التزامها بوعودها فيما يتعلق بالاستثمار في ميناء تشابهار الإيراني الاستراتيجي وفي عملية توسيعه.
وجاء تحذيره وسط تقارير تفيد بأن المصافي النفطية الهندية كانت تحاول الحصول على النفط الخام من دول أخرى مثل المملكة العربية السعودية، وروسيا، والعراق، والولايات المتحدة، من بين دول أخرى، لتعويض النقص في واردات النفط الإيراني.
وقال رهاجي، متحدثاً خلال ندوة بعنوان «الفرص والتحديات الناشئة في الدبلوماسية العالمية وأثرها على الروابط الثنائية مع الهند»: «مما يؤسف له أن الوعود الاستثمارية الهندية بتوسيع واستغلال ميناء تشابهار الإيراني وما يتصل بها من مشروعات لم تستكمل حتى اليوم. ومن المتوقع أن تتخذ الهند الخطوات الضرورية والعاجلة في هذا الشأن إن كانت مشاركتها وتعاونها في تطوير الميناء الإيراني ذات طبيعة استراتيجية لدى نيودلهي».
وكانت الهند تستورد النفط الخام الإيراني على معدل يومي يبلغ 588 ألف برميل منذ بداية العام الحالي؛ مما يجعلها ثاني أكبر مستورد للنفط الإيراني الخام بعد الصين مباشرة، والدولة التي تكافح كثيراً مع اقتراب ميعاد بدء تنفيذ العقوبات الاقتصادية على طهران.
وكانت الولايات المتحدة قد أبلغت الهند وغيرها من البلدان بخفض الواردات النفطية من إيران إلى الحد الصفري بحلول 4 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الحالي، أو الاستعداد لمواجهة عقوبات أميركية. ورغم أن العلاقات الثنائية الأميركية - الهندية كانت في نمو وتصاعد مستمرين خلال العامين الماضيين، مدفوعة إلى حد كبير بشواغل القلق المتبادل بشأن الصعود الصيني على المسرح العالمي، فإن الخلافات بدأت في الظهور بين واشنطن ونيودلهي بشأن إيران.
وزارت سفيرة الولايات المتحدة إلى منظمة الأمم المتحدة، نيكي هيلي، نيودلهي مؤخراً، حيث نقلت رسالة رسمية من واشنطن تتعلق بوقف الواردات النفطية من إيران وإعادة النظر في العلاقات الهندية - الإيرانية. وقالت هيلي، إنها تتفهم الموقف الهندي وصعوبة تغيير العلاقات الثنائية التي تربطها بإيران على نحو مفاجئ، لكنها أضافت: «إنني أفكر في الوقت نفسه في مستقبل الهند، ومستقبل المقدرة على الحصول على الموارد والجهات التي تعتمد عليها نيودلهي في ذلك. وإنني أود حض الهند وتشجيعها على إعادة النظر في العلاقات مع إيران»، على نحو ما صرحت به إلى قناة «إن دي تي في» الهندية.
كما ألغت الولايات المتحدة أخيراً المحادثات الاستراتيجية الرفيعة المستوى، والمعروفة إعلامياً باسم «2 زائد 2»، التي كان من المقرر انعقادها بين وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، ووزير الدفاع جيمس ماتيس مع وزيرة الشؤون الخارجية الهندية سوشما سواراج، ووزيرة الدفاع نيرلاما سيثارامان، وذلك في اللحظات الأخيرة. وقال البروفسور محمد بدر العلم من الجامعة الإسلامية في الهند: «أعتقد أن العلاقات مستقرة إلى درجة ما، لكنها تمر بحالة من الاضطرابات بسبب العامل الإيراني والتعريفات الجمركية. ولا يمكن التنبؤ بخطوات (الرئيس دونالد) ترمب المقبلة، وينبغي على الهند التحرك بحذر عبر هذا الخضم حفاظاً على العلاقات».
وتجدر الإشارة هنا إلى أن وزيرة الشؤون الخارجية الهندية سوشما سواراج قد صرحت في مايو (أيار) الماضي بأن الهند ستواصل التجارة البينية مع إيران ولن تتبع سوى العقوبات المفروضة من جانب الأمم المتحدة، وليس العقوبات التي تفرضها أي دولة أخرى على إيران.
ورداً على سؤال بشأن استجابة نيودلهي لقرار الولايات المتحدة بالانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران وإعادة فرض العقوبات على طهران، قالت الوزيرة الهندية: «الهند تتبع فقط العقوبات الصادرة عن الأمم المتحدة وليست العقوبات أحادية الجانب الصادرة عن أي دولة من الدول».
وذكرت مصادر في وزارة النفط الهندية، أن الوزارة طلبت من شركات مصافي النفط الاستعداد لتخفيض الوارد من النفط الإيراني إلى الحد الصفري اعتباراً من نوفمبر المقبل وفقاً لما طلبته إدارة الرئيس ترمب.
وهناك عدد من شركات المصافي الهندية التابعة للقطاع العام، مثل شركة «إنديان أويل كورب»، و«بهارات بتروليوم كورب»، و«هندوستان بتروليوم كوربوريشن ليميتد»، وشركة «ريلاينس» الخاصة، كانت قد انتهت من اختبارات إمدادات النفط الأميركي الخام خلال العام الحالي، وذلك – في كثير من الأحيان – عن طريق خلط النفط الأميركي بأنواع النفط الثقيلة الأخرى التي تعمل تلك المصافي على معالجتها في المعتاد. وكانت المصافي الهندية قد شرعت في اختبار النفط الأميركي الخام اعتباراً من العام الماضي.
وبدأت شركة «ريلاينس إنداستريز ليميتد» الهندية، وهي أحد أكبر مجمعات تكرير النفط الخام، في الخلط بين النفط الأميركي الخفيف مع الأنواع الأثقل من النفط الوارد من بلدان أخرى.
وفي خضم المخاوف بشأن استيراد النفط من إيران بعد العقوبات الأميركية، أعلنت الهند على نحو رسمي أن كل ما يتعين القيام به لخدمة المصلحة الوطنية للبلاد سيجري القيام به لا محالة.
ورداً على التعليقات التي أدلى بها نائب السفير الإيراني في الهند، أفاد المتحدث باسم الخارجية الهندية، رافيش كومار، بأن تصريحاته قد «أسيئ نقلها» وأن الجانب الإيراني قد أصدر إيضاحاً من طرفه في هذا الصدد.
وأصدرت السفارة الإيرانية في نيودلهي بياناً مفاده أن طهران ستبذل قصارى جهدها لضمان تأمين إمدادات النفط الإيراني إلى نيودلهي، مؤكدة على أن إيران كانت شريكاً جديراً بكل ثقة فيما يتعلق بشؤون الطاقة مع الهند.
وأشار رافيش كومار، المتحدث باسم الخارجية الهندية، إلى أن بلاده «تعتبر إيران شريكاً يحظى بالأهمية في الطاقة والتواصل. ولقد أوضح الجانب الإيراني الكثير من الأمور المهمة في البيان التوضيحي الصادر عن سفارة بلادهم (...) لقد تفهموا موقفنا جيداً، وتجمعنا بهم علاقات قوية وراسخة للغاية». وأضاف أن الهند على تواصل مستمر مع إيران عبر مختلف القضايا، بما في ذلك تداعيات انسحاب الولايات المتحدة من خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) بين إيران، من جهة، وبين الولايات المتحدة، والصين، وفرنسا، وألمانيا، وروسيا والمملكة المتحدة، من جهة أخرى.
ورداً على سؤال بشأن ما إذا كانت هناك أي تطورات على صعيد التواصل الأميركي مع الهند إزاء مسألة الحد من واردات النفط الإيرانية إلى نيودلهي، قال كومار: «لقد أشير إلى هذا الأمر في الحقيقة. ولقد صدر بيان عن الخارجية الأميركية أعرب فيه الأميركيون عن رغبتهم في التواصل أو الاستعداد للمشاركة في مباحثات مع الكثير من البلدان بصدد هذه المسألة. غير أنهم لم يذكروا الهند على وجه التحديد». واستطرد: «نرحب من دون شك بمثل هذه التواصلات والارتباطات. ولقد التقطنا إشارات بشأنها من قبل. ولسوف نبحث الخطوات اللازم اتخاذها في هذا الصدد. ومن بين الأمور الواضحة للغاية أن كل ما يلزم القيام به خدمة لمصلحة البلاد سيدخل حيز التنفيذ الفعلي لا محالة».



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.