30 مليار دولار حصيلة مؤتمر إعمار العراق

دول الخليج وتركيا والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي أبرز المانحين

أمير الكويت بين رئيس الوزراء العراقي والأمين العام للأمم المتحدة أمس (أ.ف.ب)
أمير الكويت بين رئيس الوزراء العراقي والأمين العام للأمم المتحدة أمس (أ.ف.ب)
TT

30 مليار دولار حصيلة مؤتمر إعمار العراق

أمير الكويت بين رئيس الوزراء العراقي والأمين العام للأمم المتحدة أمس (أ.ف.ب)
أمير الكويت بين رئيس الوزراء العراقي والأمين العام للأمم المتحدة أمس (أ.ف.ب)

تمكن المؤتمر الدولي لإعادة إعمار العراق الذي استضافته الكويت، من جمع نحو 30 مليار دولار، بعد ثلاثة أيام حافلة لحشد جهود المجتمع الدولي من أجل إعادة إعمار المناطق المتضررة من الحرب ضد تنظيم داعش.
وجاءت التعهدات على شكل قروض وتسهيلات ائتمانية واستثمارات للمساهمة في إعادة إعمار العراق، رغم أن المسؤولين العراقيين قالوا: إن تكلفة إعادة تأهيل المناطق المتضررة تتجاوز 88 مليار دولار. ورداً على سؤال لـ«الشرق الأوسط»، قال وزير الخارجية العراقي إبراهيم الجعفري إن المبلغ الذي تم جمعه في هذا المؤتمر «لا يسد الحاجة... لكن ما تحقق ليس قليلاً ونحن راضون عن هذا العطاء».
واعتبر الجعفري أن التعهدات تجسد «إرادة المجتمع الدولي الوقوف إلى جانب العراق للتخلص من تركة الإرهاب بعد الانتصار على تنظيم داعش». وكشف أن حكومته كانت تراهن على مبلغ أقل مما تحقق، وقال: «لم نكن نتوقع الحصول على 88.2 مليار، فهذا المبلغ يظهر حجم الحاجة وليس حجم الطلب، ولكن ما تحقق كبير».
وأعلن وزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح الخالد الحمد الصباح أن وصول مساهمات الدول المشاركة في المؤتمر إلى 30 مليار دولار يمثل «نجاحاً كبيراً». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الكويت في غاية الارتياح للمشاركة الواسعة في هذا المؤتمر من قبل الدول والقطاع الخاص والمنظمات التطوعية». وأضاف أن «اقتصاد العراق يتجه للتعافي للقيام بواجباته في مواصلة إعمار البلاد».
وجاءت غالبية هذه المساهمات من دول الخليج وتركيا والبنك الدولي والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى خط ائتمان بثلاثة مليارات دولار أعلنت عنه الولايات المتحدة. وأجمع المتحدثون في الجلسة الختامية للمؤتمر، على دعم جهود الحكومة العراقية في إعادة إعمار المناطق المتضررة، ودعم رئيس الوزراء حيدر العبادي في خططه الرامية نحو تحقيق إصلاحات ضرورية في مجالات الاقتصاد والأمن والإصلاح السياسي. كما أكدوا دعمهم لعراق ديمقراطي مستقر وآمن يضمن التعايش السلمي والمشاركة لجميع أبنائه.
واختتم المانحون والمستثمرون اجتماعات مطولة في الكويت أقيمت على مدى ثلاثة أيام وشارك فيها مئات الخبراء والمسؤولين من نحو 72 بلداً، إضافة إلى ما يفوق ألفي شركة من دول عدة، لمناقشة جهود إعادة بناء اقتصاد العراق وبنيته التحتية مع خروجه من صراع مدمر مع «داعش».
وافتتح أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح العطاء بالإعلان عن دعم العراق بملياري دولار، نصفها يُمنح كقرض والآخر مخصص للاستثمار. وقال الشيخ صباح الأحمد في كلمته أمام المؤتمر، إن «الكويت تعلن التزامها بتخصيص مليار دولار كقروض تصرف وفق آلية الصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية، ومليار دولار آخر في الفرص الاستثمارية، فضلاً عن مساهمة الجمعيات الخيرية الكويتية».
وأضاف أن «ما يواجهه عالمنا اليوم من أزمات وتحديات يتطلب من المجتمع الدولي عملاً جماعياً وتحركاً شاملاً وعلى كل المستويات، مؤكدين أننا ندرك حجم هذه التحديات، ونحنن متحدون في مواجهتها وصولاً إلى غاياتنا المنشودة بأن تنعم البشرية وأجيالها المقبلة بكوكب آمن ومستقر خالٍ من الغلو والتطرف والإرهاب، لنحفظ لشعوب الأرض الحياة الحرة الآمنة والكريمة».
وأشار إلى «إننا ندرك حجم الدمار الذي لحق بالعراق من جراء سيطرة تلك التنظيمات الإرهابية على بعض الأراضي العراقية وما ترتب على ذلك من قتال لتلك التنظيمات لتطهير التراب العراقي، الأمر الذي يتوجب معه على العراق اليوم الشروع في إعادة إعمار شاملة لما تم تدميره من بنية تحتية ومرافق الحياة الأخرى، وهو عمل لن يتمكن العراق من التصدي له وحده، مما دعانا إلى التوجه بالنداء إلى المجتمع الدولي لدعوته إلى المشاركة في هذا العمل وتحمل تبعاته».
وأكد أمير الكويت أن هذا الاجتماع يعد رسالة قوية من دول التحالف والمجتمع الدولي للتعبير عن مدى الإصرار واستمرار المواجهة لهزيمة الإرهاب.
ودعا رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي المجتمع الدولي للمشاركة في دعم بلاده، مشدداً على أن «تنمية العراق تنمية للمنطقة كلها». وأكد في كلمته أمام المؤتمر حرص حكومته في خطتها الاستراتيجية على دعم القطاع الخاص والاستثمار عبر إطلاقها حزمة من القرارات والقوانين الجاذبة لإعادة تأهيل وتشغيل واستثمار المنشآت المتوقفة عن العمل وتطوير القطاعات المختلفة.
وقال إن «العراق نجح في القضاء على تنظيم داعش في البلاد وإعادة نصف النازحين داخل العراق الذين يزيد عددهم على خمسة ملايين نازح إلى مناطقهم». وأضاف: «بعد أن حقق العراق نصره الكبير ودحر (داعش) وأنهى حلمه البغيض... يتطلع عراقنا اليوم إلى المستقبل بثقة».
وأشار إلى أهمية إعادة تأهيل الخدمات الأساسية في مناطق النازحين «لتساهم بإعادة أكبر عدد ممكن». وأضاف: «رغم ما عاناه العراق من تراجع في التنمية نتيجة لمحاربة الإرهاب، فإنه أرض للفرص الكثيرة». وأشاد بالجهود المبذولة لإنجاح المؤتمر، قائلاً: «نتطلع إلى شراكات حقيقية استراتيجية وتبادل منافع مع الجميع، ونسعى إلى تكامل مع دول المنطقة ومحيطها».
وأعرب عن تطلع العراق إلى «خلق أجيال قادمة تحقق مفهوم التعايش والتصالح المجتمعي لا سيما بعد الانتصار الكبير الذي تحقق بدحر (داعش)». وأضاف أن «التنمية في العراق هي تنمية لكل المنطقة ولكل جيرانه، فنحن اليوم نرسخ مفهوم أن يكون العراق جسراً للتلاقي وليس ساحة للصراع، وأن يكون مساحة للتفاهمات المشتركة وبوابة لتبادل المصالح والمنافع والرؤى والأفكار. وهدفنا خلق بيئة اقتصادية سليمة لتوفير الآلاف من فرص العمل للشباب وأصحاب الحرف وتحسين المستوى المعيشي والخدمي للمواطنين».
وأضاف أن «ما يعانيه العراق من وجود معوقات كثيرة تحول دون التطور الاستثماري كالبيروقراطية والقوانين غير الجاذبة والفساد الإداري والمالي، جعل الحكومة تصدر حزمة من النظم والقوانين لخلق بيئة اقتصادية سليمة». وذكر أن العراق يحتاج إلى تجديد للبنى التحتية وخلق العمالة الماهرة وتدريبها بالشكل الكافي لإدارة وتشغيل الفرص الاستثمارية الموجودة.
وأقر بوجود فساد في الدولة العراقية، لكنه تعهد محاربته «كما حاربنا الإرهاب». وقال: «نؤكد أن إصرارنا على محاربة الفساد كفيل بإضفاء بيئة ناجحة، تحت عمل واضح وشفاف، ولن نتوقف عن محاربة الفساد، تلك الآفة الخطيرة التي لا تقل خطورة عن الإرهاب، بل هي أحد الأسباب لنشوء الإرهاب».
ودشنت الأمم المتحدة، أمس، برنامجاً على مدى عامين لإعادة إعمار العراق يهدف إلى مساعدة الحكومة على المضي في مراعاة الأبعاد الاجتماعية لإعادة الإعمار بسرعة. وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن البرنامج «سينعش المناطق التي تواجه خطر العنف ويدعم المشاركة السياسية الواسعة والتنمية الاجتماعية الشاملة». وأضاف أن «البرنامج سيساعد من وقع عليهم الضرر الأكبر».
كما أعلنت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي فريدريكا موغيريني أن الاتحاد سيستثمر 400 مليون يورو، بالإضافة إلى مساهمات فردية من الدول الأعضاء. وقالت موغيريني إن الاتحاد لديه «استراتيجية جديدة في العراق من أجل تثبيت الاستقرار وإعادة الإعمار». وأوضحت أن المؤتمر «جاء لإزالة جميع العوائق والتحديات وإيجاد الحلول لها». ورأت أن المنطقة «بعيدة كل البعد عن السلم ولا يزال هناك توتر جديد ينشأ، لكن العراق يعطينا الأمل لبناء مستقبل أفضل».
وأشارت إلى وجود مناطق ومدن عراقية «بحاجة ماسة إلى استجابة حقيقية لإعادة الإعمار، ودعم طارئ لمساعدة أهالي تلك المناطق والمدن في العودة إليها وممارسة حياتهم الطبيعية». وتعهدت تقديم الاتحاد مساعدات في مجالات الكهرباء والمياه والمستلزمات الطبية والغذائية للمناطق المحررة في العراق، إضافة إلى إعادة تأهيل المدارس في عدد من المدن وتدريب القوات المسلحة.
وأوضحت أن دعم الاتحاد سيركز على دعم المؤسسات ومساعدة القطاعين العام والخاص في المجالات كافة، مشيرة إلى أهمية تحسين بيئة الاستثمار لإعادة بناء اقتصاد العراق. وأكدت وجوب أن يصاحب عملية إعادة الإعمار «بناء عراق موحد يضم جميع مكونات وأطياف المجتمع ويتمتع من خلاله الشعب بسبل العيش الكريم كافة».
وأكد رئيس مجموعة البنك الدولي جيم يونغ كيم التزام البنك بزيادة التمويل للمساعدة في بناء العراق وإعماره، مشدداً على ضرورة ازدهار العراق لمنطقة الشرق الأوسط والعالم ككل. وقال في كلمته أمام المؤتمر إن ثمة «فرصاً كبيرة للاستثمار في العراق وإعادة البناء فيه»، موضحاً أن عملية التنمية والبناء لا يمكن أن تتم بالموارد الحكومية وإنما بمشاركة من القطاع الخاص.
وأشار إلى أن البنك زاد التزامه نحو العراق من 600 مليون دولار في 2016 حسب المبادرة بين الطرفين إلى 4.7 مليار دولار في الوقت الحالي، مشيراً إلى سعيه إلى تقديم مبالغ أكبر من أجل تحقيق انتعاش اقتصادي والعمل على إعادة بناء الخدمات والبنية التحتية للمناطق المتضررة.
وأعلن وزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو أن أنقرة ستخصص خمسة مليارات دولار للعراق على شكل قروض واستثمارات. وقالت بريطانيا إنها ستمنح العراق تسهيلات ائتمانية في مجال الصادرات تصل إلى مليار دولار سنوياً ولمدة عشرة أعوام. وأعلنت أنها ستقدم مساعدات للعراق قيمتها 350 مليون يورو في 2018. كما تعهدت ماليزيا بـ100 ألف دولار.
وتعهدت منظمات غير حكومية إلى الآن تقديم مساعدات إنسانية بقيمة 330 مليون دولار. كما قال المدير العام للتعاون التنموي في إيطاليا جورجيو مارابودي إن بلاده ستقدم قروضاً ميسّرة قيمتها 260 مليون يورو (321 مليون دولار) للعراق إلى جانب منح قيمتها 6.5 مليون دولار ومساعدات إنسانية بخمسة ملايين دولار. وكانت الولايات المتحدة قالت أول من أمس، إنها تمد خط ائتمان بثلاثة مليارات دولار، لكنها لن تقدم أي مساعدات حكومية مباشرة.
وأكد وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون خلال لقاء مع العبادي، مساء أول من أمس، في الكويت، دعم بلاده «لعراق موحد وديمقراطي ومزدهر وإقليم كردستان مستقر وقابل للحياة في إطار الدولة العراقية».



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».