مستشار خامنئي يتهم روحاني يتقديم احصاءات اقتصادية «غير واقعية»

رئيس البرلمان الإيراني يندد بـ «مثيري الخلافات الداخلية»

مستشار المرشد الإيراني اللواء رحيم صفوي (مهر)
مستشار المرشد الإيراني اللواء رحيم صفوي (مهر)
TT

مستشار خامنئي يتهم روحاني يتقديم احصاءات اقتصادية «غير واقعية»

مستشار المرشد الإيراني اللواء رحيم صفوي (مهر)
مستشار المرشد الإيراني اللواء رحيم صفوي (مهر)

اتهم مستشار المرشد الإيراني في الشؤون العسكرية، رحيم صفوي، الحكومة الإيرانية بتقديم إحصائيات مغلوطة حول النمو الاقتصادي، وخلق فرص العمل، متهماً الرئيس الإيراني حسن روحاني بتقديم إحصائيات «غير واقعية»، في حين نفى قائد مجموعة «خاتم الأنبياء» الذراع الاقتصادية للحرس الثوري، أي نشاط اقتصادي لقواته؛ وذلك في حين انتقد رئيس البرلمان علي لاريجاني جهات تقف وراء إثارة الخلافات الداخلية، وطالب المسؤولين بنبذ الخلافات لتجاوز المشكلات.
وفي أول رد من مسؤول رفيع خارج الحكومة الإيرانية، أبدى صفوي شكوكاً حول صحة الأرقام التي وردت على لسان الرئيس الإيراني حسن روحاني خلال مؤتمره الصحافي الأسبوع الماضي حول تحسن الوضع الاقتصادي، وصرح ليلة أول من أمس في مقابلة مع التلفزيون الرسمي: «يقدمون إحصائيات غير واقعية حول النمو الاقتصادي في حين أن الناس يرون أن ذلك لم يترجم على موائدهم، أو يذكرون أعداداً للوظائف، بينما نرى أن كل أسرة فيها عاطلون عن العمل من بين خريجي الجامعات».
وأبرزت وسائل إعلام إيرانية، أمس، نقاط التشابه بين تشكيك صفوي بالإحصائيات الحكومية ومواقف سابقة لخامنئي حول إحصائيات روحاني عن الوضع الاقتصادي. في سبتمبر (أيلول) الماضي، قال خامنئي في سياق تعليقه على إحصائية لحكومة روحاني: إن الإحصائيات الاقتصادية عن تراجع التضخم والنمو الاقتصادي «لا تظهر حقيقة الوضع ومعيشة الشعب في إيران».
وفي الأيام الماضية، شهدت أسواق العملة الإيرانية تطورات درامية بعدما تجاوز سعر الدولار جميع الأرقام القياسية قبل تنفيذ الاتفاق النووي ورفع العقوبات عن إيران، ونفى روحاني أن تكون الحكومة وراء تدهور سعر الدولار.
ويأتي تأثير سعر الدولار على الرغم من إعلان كبار المسؤولين الإيرانيين رغبتهم في تخفيف الاعتماد على الدولار في المعاملات الأجنبية، ووجهت إيران دعوات إلى حلفائها الاقتصاديين بأن تكون العملات المحلية في تلك البلدان وإيران بديلاً للدولار، وذلك في محاولة لتخطي القيود الأميركية على المعاملات المالية الإيرانية.
بحسب آخر تقرير للبنك الدولي صدر الشهر الماضي، أظهر نمو الاقتصاد الإيراني بنسبة 4.3 في المائة. وقال وزير الاقتصاد مسعود كرباسيان: إن النمو الاقتصادي الإيراني من دون احتساب مداخيل النفط يعادل 6 في المائة.
ولم يكن صفوي القيادي العسكري الوحيد الذي يرد على روحاني خلال اليومين الماضيين، أمس، رد بدوره قائد مجموعة «خاتم الأنبياء» اللواء عباد الله عبد اللهي على دعوة وجهها روحاني في مؤتمره الصحافي إلى الأجهزة العسكرية والمؤسسات غير الحكومية إلى مغادرة الساحة الاقتصادية. وقال عباد الله: إن الحرس الثوري «لا يقوم بنشاط اقتصادي»، لكنه الوقت نفسه طالب الحكومة بدفع ديونها إلى الحرس الثوري البالغة 30 ألف مليار تومان إيراني.
وتعد مجموعة «خاتم الأنبياء» أحد الذارعين الاقتصاديتين الأبرز للحرس الثوري، وإلى جانب نشاطها في إيران تنشط المجموعة بشكل واسع في تنفيذ مشروعات في العراق، ويتطلع الحرس الثوري إلى دور مماثل في مشروع إعادة إعمار سوريا بصفته جزءاً من المقابل لوقوف إلى جانب دمشق.
ونفى عبد اللهي أن تكون مؤسسات «الحرس الثوري» الاقتصادية بما فيها مجموعة «خاتم الأنبياء» منافسة للقطاع الخاص، وأضاف: إن قواته أوجدت «خيمة» لدعم وضمان أمن القطاع الخاص عبر تعاونها مع أكثر من خمسة آلاف مقاول. لافتاً إلى توفير المجموعة 200 ألف فرصة عمل، بحسب ما نقلت عنه وكالة «ايسنا» الحكومية.
ويواجه «الحرس الثوري» اتهامات من منتقديه بإنشاء شركات خاصة والزج بعدد كبير من المقاولين لإقامة شبكة اقتصادية تهدف إلى تجاوز العقوبات والملاحقات الدولية، وبخاصة تلك المتعلقة بقوانين غسل الأموال. في سياق موازٍ، وجّه خطيب جمعة طهران، كاظم صديقي، انتقادات إلى الرئيس الإيراني والأوضاع الثقافية والاجتماعية في إيران، قائلاً: «لا يقل أحد إننا لن نضمن الجنة للناس، أمانة الدين على عاتق المسؤولين، وأي ذنب في المجتمع فإن المسؤولين يجيبون عنه في يوم القيامة». في مایو (أيار) 2014 قال روحانی: إنه «لا يمكن غصب الناس على دخول الجنة» وفقاً لوكالة «تسنيم». منذ ذلك الحين تحولت عبارة روحاني إلى الكلمة الرمز لمنتقدي سياساته على الصعيدين الثقافي والاجتماعي. وكان روحاني راهن على شعارات التنمية الإنسانية وتعزيز الحريات مقابل الشعارات الاقتصادية التي رددها منافسوه المحافظون.
في غضون ذلك، انتقد رئيس البرلمان علي لاريجاني، في خطاب بمدينة أصفهان بمناسبة ذكرى الثورة، الكشف عن الخلافات الداخلية وقال: إن «تبرز الخلافات الداخلية ليس فناً ومن يسببون الخلافات يخونون الشعب والثورة».
ونسب لاريجاني المشكلات المعيشية والاقتصادية في إيران إلى «أهداف الأعداء»، مطالباً المسؤولين بالاهتمام بتحديات داخلية، مثل أزمة شح المياه والبطالة في العام المقبل و«حل جزء من المشكلات».
وأشار لاريجاني إلى تصريحات المرشد الإيراني علي خامنئي أول من أمس، التي طالب فيها المسؤولين في القضاء والحكومة والبرلمان بنبذ الخلافات والحفاظ على وحدة الشارع الإيراني لحل المشكلات الاقتصادية»، محذراً من «محاولات الأعداء لزعزعة الأمن الإيرانية عبر الضغوط الاقتصادية».
وقال لاريجاني: إن ادعاءاته بهذا الصدد تأتي بناءً على وثائق «غير علنية واستخباراتية». واتهم منتقدي الوضع الاقتصادي بـ«المبالغة».
كما اتهم مسؤولين لم يذكرهم بالاسم، بالسعي وراء إثارة الخلافات في البلاد، مقترحاً «تبعية ولاية الفقيه» حلاً لمواجهة المختصين بإثارة الخلافات. وقال: إن «البعض يريد أن تثار الخلافات وأن تتسع وتبرز الخلافات»، مضيفاً إن «إثارة الخلافات ليست فناً، ويجب أن نلملم الخلافات، وأن نتحرك معاً لرقي البلد».
ووجه لاريجاني رسالة إلى الجهات التي اتهمها بالوقوف وراء الخلافات السياسية الحالية، قائلاً: «إذا لديكم الكفاءة يجب حل الخلافات السياسية حتى تتحسن المشكلات الاقتصادية، إنه أمر طبيعي أن نختلف حول القضايا الثقافية والاجتماعية والسياسية والدبلوماسية»؛ لأن في البلد عقائد مختلفة، وفن رجال السياسية أن توظف الخلافات من أجل المصالح الوطنية وليس تعميق الخلافات».
في سياق آخر، أعلن النائب الإصلاحي عن مدينة طهران محمود صادقي، أنه تعرض إلى مضايقات من جهاز عسكري على أثر نقله معلومات عن ذوي المعتقلين في الاحتجاجات الأخيرة. وقال صادقي في تغريدة في شبكة «تويتر»: إن الجهاز العسكري أمهله 48 ساعة لنفي ما نشره عبر حسابه حول أوضاع المعتقلين في السجون.
في سياق متصل، أفاد موقع «إيران واير» نقلاً عن مصادر مطلعة، بأن «مخابرات الحرس الثوري استدعت عدداً من الناشطين الإصلاحيين من ضمنهم معتقلون في احتجاجات 2009»، وذلك من بين محاولات اتخذتها السلطات الإيرانية لاحتواء الأزمة على خلفية نزول آلاف الإيرانيين إلى الاحتجاج ضد الأوضاع الاقتصادية في أكثر من 80 مدينة إيرانية نهاية ديسمبر (كانون الأول) الماضي.
وبحسب المصادر، فإن الجهاز الأمني التابع لـ«الحرس الثوري» دعا الناشطين الإصلاحيين إلى اجتماعات فردية وجماعية، وقالت المصادر: إن الاجتماعات جرت في أجواء «ودية» رافقت «تهديد» وكشف الموقع عن تواصل بين مسؤول ملف الإصلاحيين في «الحرس الثوري» الذي يدعى مجيد.
ووفق الموقع، فإن الغاية من الاجتماعات إجراء مشاورات مع الإصلاحيين وقال: إن الحرس منح الناشطين الإصلاحيين «وقتاً كافياً لتوضيح وجهات نظرهم». إلا أن الموقع نقل عن المصدر أن «الاحتجاجات الأخيرة أدت إلى تقارب بين التيارات السياسية المختلفة في السلطة الإيرانية». وأشار المصدر، الذي رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية، إلى أن الضباط المشاركين في الاجتماعات هم من بين المسؤولين عن اعتقالات واستجواب الناشطين الإصلاحيين في احتجاجات انتخابات الرئاسة 2009. وأضاف إن «عدداً من أساتذة الجامعات المنتسبين للحرس الثوري شاركوا في الاجتماعات».
وقال المصدر: إن «تأكيد الحرس الثوري ركز على أن السبب الأساسي للاحتجاجات الأخيرة، وسائل إعلام معادية استغلت المشكلات الاقتصادية» ومن ضمن مطالب «الحرس الثوري» عدم التعاون بين الإصلاحيين ووسائل الإعلام. وأضاف: إن «خبراء الحرس الثوري يرون أنفسهم في موضع أعلى، ويؤكدون أن النظام لا يمزح مع أي شخص» مضيفاً أنه «يمكن إعادة اعتقال السجناء السابقين في حال قرروا ذلك».



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.