مشكلات «ثلاث لوحات» خارج بلدة صغيرة

أحداث غير عادية وشخصية لا تتغير

فرنسيس مكدورمند في فيلم «ثلاث لوحات خارج إيبينغ، ميسوري»
فرنسيس مكدورمند في فيلم «ثلاث لوحات خارج إيبينغ، ميسوري»
TT

مشكلات «ثلاث لوحات» خارج بلدة صغيرة

فرنسيس مكدورمند في فيلم «ثلاث لوحات خارج إيبينغ، ميسوري»
فرنسيس مكدورمند في فيلم «ثلاث لوحات خارج إيبينغ، ميسوري»

في طريقها إلى بلدتها النائمة على بسط من الطبيعة الخضراء، تتوقف ميلدرد (فرنسيس مكدورمند) بسيارتها على ذلك الطريق الريفي فجأة. لقد مرت بثلاث لوحات إعلانية كبيرة من تلك التي تُنصب على قارعة الطرقات لتعلن عن ماركة حليب للأولاد أو مركز عقاري جديد أو جهاز هاتفي حديث بفارق أنها الآن لا تحمل أي إعلان على الإطلاق بل بقايا ممزقة ومهملة من إعلانات سابقة.
ماذا، تقول ميلدرد في نفسها، لو وضعت إعلاناتي على تلك اللوحات؟. على الفور تنطلق لتنفيذ الفكرة. تقصد الشركة التي تمتلك حق نشر الإعلانات فوق تلك اللوحات وتقدم لرئيسها الشاب ما تريد الإعلان عنه. يقرأ ويسألها إذا كانت متأكدة مما تريد أن تفعله. تجيبه بنعم. العملية قانونية. العقد تجاري وحرية القول مكفولة.
الإعلان الأول يقول: «اغتصبت بينما كانت تموت».
الثاني يقول: «وليس هناك من إلقاء قبض»
الثالث يسأل: «كيف حدث يا رئيس البوليس ويلوفبي؟».

بلدة بشارع واحد
«ثلاث لوحات خارج إيبينغ، ميسوري» (ليس هناك من بلدة اسمها إيبينغ في ولاية ميسوري) فيلم ثالث من المسرحي البريطاني مارتن ماكدوناف شهد عرضه الأول في مهرجان فينيسيا والثاني في مهرجان تورنتو ثم توزع بين مهرجانات هلسنكي، وزيوريخ، ولندن وسواها قبل أن يحط على عتبة الترشيحات الرسمية للأوسكار. وهو حتى الآن ربح «غولدن غلوبس» أفضل سيناريو وأفضل ممثلة (مكدورمند) وأفضل ممثل في دور مساند (سام روكوَل) ونالت مكدورمند أيضاً جائزة أفضل تمثيل نسائي من «جمعية الممثلين» الأميركية بينما نال كل الممثلين فيه جائزة أفضل تمثيل جمعي وخرج بجائزتي أفضل سيناريو وأفضل ممثلة في حفلة جمعية «لندن فيلم سيركل» لجانب عدد كبير من الجوائز الأخرى وما زالت هناك ترشيحات له لم يتم صدور نتائجها.
هو الفيلم الثالث لمخرجه بعد In Bruges سنة 2008 وSeven Psychopaths قبل خمس سنوات. والأول له في الولايات الأميركية.
أما حظوظه في الفوز بالأوسكار المقبل فإنها كانت أفضل حتى الأسبوعين الماضيين عندما أخذت الاحتمالات والتوقعات المحيطة بأفلام أخرى (أساساً «شكل الماء» الذي هو أيضاً من عروض فينيسيا) ترتفع عما كانت عليه. لكنه ما زال منافساً مهماً، ومن شبه المؤكد أن تخرج فرنسيس مكدورمند بأوسكار أفضل ممثلة.
هذا كله لم يكن من دون دواع أو مبررات. «ثلاث لوحات خارج إيبينغ، ميسوري» مصنوع كفيلم انتقادي للولايات المتحدة ونوعية حياتها ومفاهيمها حول العنصرية والعنف وأن إيبينغ تلك تمثل، على نحو أو آخر، بلدات ومدن الجنوب والوسط والشمال الأميركي بعيداً عن المدن المغمورة بالمهاجرين والأحداث المختلفة مثل نيويورك وسان فرانسيسكو أو لوس أنجليس أو شيكاغو. «إيبينغ» هي لا شيء. مدينة صغيرة فيها، على ما يبدو لنا من الفيلم، شارع واحد يمثل القطاع التجاري من البلدة ومركز شرطة يغلق أبوابه ليلاً ليذهب رجاله إلى النوم في داراتهم.
لكن في كل ذلك هناك أشياء غير طبيعية. ما نراه ترتيب أوراق لتبدو الوقائع والمفاهيم والدلالات الناتجة عنها على هذا النحو. هناك أخطاء في الصورة المقدّمة تميد بالصيت الحسن الذي أنجزه الفيلم ليس فقط على صعيد الموضوع ومضمونه، بل حتى على صعيد الكيفية التي عولج بها هذا المضمون.
رئيس البوليس ويلوفبي (وودي هارلسون في أداء باهر) يلوم ملدريد على ما قامت به من تشهير. «هل تعلمين أنني مصاب بالسرطان وسأموت؟»، على ذلك ترد: «كلنا سنموت». لكنه ليس الوحيد المستاء مما نشرته ملدريد على مدخل البلدة. أبناء المدينة كلهم مستاءون. نعم لقد خسرت حياة ابنتها التي اختطفت واغتصبت وقتلت (ربما بترتيب مختلف) لكن هذا لا يعني أن تشهر برئيس البلدة. نكتشف في خلال ذلك أن ميلدرد ليست في الأصل امرأة محبوبة وهي لا تحاول أن تكون، ولا المخرج يريدها أن تكون قريبة من قلوب المشاهدين. هذا بالطبع ما يجعل المشاهد يحافظ على المسافة بينه وبينها قدّر أو لم يقدّر مشكلتها. في الواقع التقدير يبدأ عالياً ثم ينحدر مع دخول الفيلم مساحات ضبابية كثيرة من بينها أن قوّة شكيمة ميلدرد تقودها إلى أفعال خاطئة من بينها رمي قنابل مولوتوف (صنعتها بنفسها) على مركز البوليس المغلق بعد الدوام لتكتشف أن نائب رئيس البوليس ديكسون (سام روكوَل) كان موجوداً فيه. لقد تسلل في الظلام ليبحث عن أوراق مستخدماً بطارية يد... كيف لملدريد أن تعرف ذلك؟ النتيجة أنها حرقته كما المركز ورئيس البوليس الجديد (أفرو أميركي) يصدق أن لا علاقة لها. أغلق الملف.

هامشية
ويلوفبي ينتحر بعدما استفحل المرض وديكسون يتصرف كما لو أنه فوق القانون وهو في الأساس عنصري تشرب البغضاء من والدته التي توعز له بما يقوم به. لكن الرسالة التي تركها له ويلوفبي، سيغيّرانه تماماً مبدياً تعاوناً مع ميلدرد لمعرفة الجاني.
«ثلاثة لوحات...» من تلك الأفلام الانتقادية للمجتمع الأميركي من دون دراية كافية أو التزام فعلي بذلك النقد. يبقى غير صادق في طروحاته ضد العنف والعنصرية بل يستخدم الاثنين كاريكاتورياً.
واقعياً، الفيلم عن شخصيات مُساقة بدوافع سلبية بعضها أضعف من بعض لكنها جميعاً تتحرك على الشاشة بقدر كبير من العدائية المقصودة بذاتها. الشخصيات الإيجابية تنتحر (رئيس البوليس) أو تعمد إلى الشرب لتنسى (القزم) أو لا تصبح مقبولة إلا من بعد أن تحترق. ميلدرد ذاتها امرأة لديها رسالة واحدة في هذا الفيلم هي إهانة البلدة التي تعيش فيها ومن يعيش فيها أيضاً. بذلك لا نشعر فداحة خسارتها أو صدق قضيتها. سماتها لا تتغير وشخصيتها تبقى، طوال الفيلم، بوتيرة واحدة حتى بعد أن تدرك أنها أخطأت وأن حملتها أخفقت. هي امرأة فظّة، وهي فخورة بذلك والفيلم فخور بها على هذا النحو أيضاً.
فجأة لديها ضرس بحاجة إلى معالجة، لكن طبيب الأسنان يزعجها. عوض أن تغادر العيادة تختطف آلة الحفر من يده وتغز بها أصبعه في مشهد جعل بعض المشاهدات يصفقن لها، هذا من قبل أن يكتشفن أنها ليست المرأة النموذجية التي يمكن الاقتداء بها حتى ولو كانت قضيتها (البحث عن مغتصب وقاتل ابنتها) محقة.
المخرج وكاتب السيناريو مارتن ماكدوناف مشغول بالعقاب. يريد معاقبة الجميع: يقرر لرئيس البوليس أن ينتحر. يسخر على القزم (بيتر دينكلايج) ويقزّمه أكثر لمجرد أنه قزم (النازية كانت تعتبر أن المرضى المزمنين أو الناس المعاقين عبء اجتماعي يستحق التجاهل). رئيس البوليس الجديد (كلارك بيترز) لا دراية له بما يجب فعله وهو أحد ثلاث شخصيات أفرو - أميركية هامشية في الفيلم. أما ديكسون فتتم معاقبته مرّتين: الأولى باحتراق وجهه، والثانية عندما يتلقى ضرباً مبرحاً من رجلين ارتاب في أن أحدهما قد يكون الجاني. حتى طبيب الأسنان يُعاقب كما سبق.
... ثم لا يصل الفيلم إلى نتيجة.
حين يصل الأمر إلى التمثيل، أخال أن الجميع مُنح شخصيات تتطوّر مما يجعلهم قادرين على التطوّر درامياً معها، باستثناء فرنسيس مكدورمند. نعم مطلوب منها أن تبقى مثل وجه على طابع بريد لا يتغير. لكن المفقود في الأساس هو تغيير يقع تحت السطح، وهذا أيضاً لا يتم.

مدن صغيرة: من «فارغو» إلى «ثلاث لوحات»

> البلدات والمدن الأميركية الصغيرة دائماً ما كانت الرمز الصالح للنظر إلى أميركا صافية بعيداً عن قضايا المدن وشواغلها الكبيرة. فرنسيس مكدورمند نفسها لعبت شخصية رئيسة بوليس بلدة فارغو (في فيلم بالعنوان ذاته أخرجه زوجها جووَل كووَن سنة 1996). البلدة الصغيرة أيضاً كانت موقعاً لأفلام كثيرة: Bad Day at Black Rock (جون ستيرجز، 1955) تحدث عن بلدة اسمها بلاك روك في ولاية كاليفورنيا. ألألماني فيم فندرز حقق «باريس، تكساس» سنة 1984 وديفيد لينش وجد ضالته في «توين بيكس» المدينة الخيالية الواقعة عند الحدود الكندية (1992). والبلدات الصغيرة هي - في الخمسينات والستينات - مقصد المخلوقات الشريرة الهابطة من كواكب بعيدة لكي تدمر أميركا.‬


مقالات ذات صلة

وفاة الممثل البريطاني راي ستيفنسون نجم «ثور» و«ستار وورز»

يوميات الشرق الممثل البريطاني راي ستيفنسون (أ.ب)

وفاة الممثل البريطاني راي ستيفنسون نجم «ثور» و«ستار وورز»

توفي الممثل البريطاني راي ستيفنسون الذي شارك في أفلام كبرى  مثل «ثور» و«ستار وورز» عن عمر يناهز 58 عامًا.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «إسماعيلية رايح جاي» يشعل «الغيرة الفنية» بين محمد فؤاد وهنيدي

«إسماعيلية رايح جاي» يشعل «الغيرة الفنية» بين محمد فؤاد وهنيدي

أثارت تصريحات الفنان المصري محمد فؤاد في برنامج «العرافة» الذي تقدمه الإعلامية بسمة وهبة، اهتمام الجمهور المصري، خلال الساعات الماضية، وتصدرت التصريحات محرك البحث «غوغل» بسبب رده على زميله الفنان محمد هنيدي الذي قدم رفقته منذ أكثر من 25 عاماً فيلم «إسماعيلية رايح جاي». كشف فؤاد خلال الحلقة أنه كان يكتب إفيهات محمد هنيدي لكي يضحك المشاهدين، قائلاً: «أنا كنت بكتب الإفيهات الخاصة بمحمد هنيدي بإيدي عشان يضحّك الناس، أنا مش بغير من حد، ولا يوجد ما أغير منه، واللي يغير من صحابه عنده نقص، والموضوع كرهني في (إسماعيلية رايح جاي) لأنه خلق حالة من الكراهية». واستكمل فؤاد هجومه قائلاً: «كنت أوقظه من النوم

محمود الرفاعي (القاهرة)
سينما جاك ليمون (يسار) ومارشيللو ماستروياني في «ماكاروني»

سنوات السينما

Macaroni ضحك رقيق وحزن عميق جيد ★★★ هذا الفيلم الذي حققه الإيطالي إيتوري سكولا سنة 1985 نموذج من الكوميديات الناضجة التي اشتهرت بها السينما الإيطالية طويلاً. سكولا كان واحداً من أهم مخرجي الأفلام الكوميدية ذات المواضيع الإنسانية، لجانب أمثال بيترو جيرمي وستينو وألبرتو لاتوادا. يبدأ الفيلم بكاميرا تتبع شخصاً وصل إلى مطار نابولي صباح أحد الأيام. تبدو المدينة بليدة والسماء فوقها ملبّدة. لا شيء يغري، ولا روبرت القادم من الولايات المتحدة (جاك ليمون في واحد من أفضل أدواره) من النوع الذي يكترث للأماكن التي تطأها قدماه.

يوميات الشرق الممثل أليك بالدوين يظهر بعد الحادثة في نيو مكسيكو (أ.ف.ب)

توجيه تهمة القتل غير العمد لبالدوين ومسؤولة الأسلحة بفيلم «راست»

أفادت وثائق قضائية بأن الممثل أليك بالدوين والمسؤولة عن الأسلحة في فيلم «راست» هانا جوتيريز ريد اتُهما، أمس (الثلاثاء)، بالقتل غير العمد، على خلفية إطلاق الرصاص الذي راحت ضحيته المصورة السينمائية هالينا هتشينز، أثناء تصوير الفيلم بنيو مكسيكو في 2021، وفقاً لوكالة «رويترز». كانت ماري كارماك ألتوايز قد وجهت التهم بعد شهور من التكهنات حول ما إن كانت ستجد دليلاً على أن بالدوين أبدى تجاهلاً جنائياً للسلامة عندما أطلق من مسدس كان يتدرب عليه رصاصة حية قتلت هتشينز. واتهم كل من بالدوين وجوتيريز ريد بتهمتين بالقتل غير العمد. والتهمة الأخطر، التي قد تصل عقوبتها إلى السجن خمس سنوات، تتطلب من المدعين إقناع

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
سينما سينما رغم الأزمة‬

سينما رغم الأزمة‬

> أن يُقام مهرجان سينمائي في بيروت رغم الوضع الصعب الذي نعرفه جميعاً، فهذا دليل على رفض الإذعان للظروف الاقتصادية القاسية التي يمر بها البلد. هو أيضاً فعل ثقافي يقوم به جزء من المجتمع غير الراضخ للأحوال السياسية التي تعصف بالبلد. > المهرجان هو «اللقاء الثاني»، الذي يختص بعرض أفلام كلاسيكية قديمة يجمعها من سينمات العالم العربي من دون تحديد تواريخ معيّنة.


أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.


شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

Only Rebels Win

«لمن يجرؤ» ★★★

• إخراج:‫ دانيال عربيد‬

• لبنان/ فرنسا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»). هذا لأن العلاقة بين سوزان المسيحية الفلسطينية الأصل (الجيد هيام عبّاس) وبين السوداني عثمان (أمين بن رشيد) لا تنتهي بأي ربح. بعد علاقة حب متبادل بين الأرملة التي تبلغ 63 سنة والعامل السوداني عثمان ذي الـ 27 سنة يمشي كل منهما في درب مختلف. تعود هي إلى كنفها وواقعها ويبعث لها برسالة بعدما هاجر إلى بلد آخر.

لا غبار على الحكاية ذاتها: سوزان تنقذ عثمان من شبّان تعرّضوا له بالضرب. تأويه إلى شقّتها في تلك الليلة التي تلتها ليالٍ أخرى حفلت بحب كلٍّ للآخر عاطفياً وجسدياً. هي تجد فيه أملاً أن تُحب من جديد، وهو يجد فيها أمل الاستقرار من حياة من العوز وعدم الاستقرار.

حديث عن زواجهما المحتمل (والذي لا يتم) يُضاعف من ردّ الفعل الذي يفوح بالعنصرية. تصبح سوزان حديث محيطها الاجتماعي في بيروت (حيث تدور الأحداث)، وسبباً في مواجهات وخناقات بينها وبين ابنتها وابنها، كما بين جيرانها.

الفحوى هنا يكاد يكون أهم ما يعرضه الفيلم. عربيد تعرف ما تتحدّث فيه وتعرض مواقف عنصرية عانى منها، كما يذكر الفيلم، الفلسطينيون والسوريون وأجانب آخرون. هنا تصبح سوزان عرضة لانتقاد القريب والبعيد لها على أساس أنها تعاشر سودانياً مسلماً. هناك فصول يشوبها الضعف (كمشهد سرقة بغية دفع عثمان لتكاليف السفر)، كذلك أن الانتقالات بين كل مشهد وآخر لا تقوم على الربط بينها في سياق مشدود. وبينما كل الشخصيات تعكس واقعاً وعمقاً، فإن شخصية عثمان تقوم على الفكرة وليس التجسيد.

TRACES

«آثار»

★★1/2

• إخراج:‫ أليسا كوڤالنكو، مرسيا نيكيوك‬

• أوكرانيا/ بولندا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

الفيلم الخامس للمخرجة الأوكرانية أليسا كوڤالنكو.

في العام 2014، خلال احتلال الروس لمقاطعة دونباس، تعرّضت المخرجة أليسا كوڤالنكو للاغتصاب والعنف، ثم لمحاولات «إعادة تأهيلها». خرجت من التجربة وقد حدّدت هدفاً ثابتاً لها، وهو مساعدة أخريات عانين ما عانته. الناتج هو هذا الفيلم، الذي تشرح فيه ما حدث لها وكيف قررت إنشاء جمعية للاعتناء بالنساء اللواتي تعرّضن للتجربة ذاتها (تُعرف الجمعية بأحرفها الأولى CRSV).

«آثار» (مهرجان برلين)

هذا فيلم كاميرا تصوّر نساءً يتحدّثن أكثر من تصوير الأحداث ذاتها. لا ملامة هنا، إذ لا يمكن استعادة هذه الحكايات روائياً وإلا لخرج الفيلم عن كونه تسجيلياً، لكن بصرف النظر عن قيمة تلك المعاناة كما تتبدّى تباعاً عبر المقابلات، فإن القيمة الفنية محدودة. كل حكاية مروية هنا من قبل الضحايا (ستة) تستحق التسجيل، لكن لا شيء أبعد من ذلك على صعيد التأليف الجيد، باستثناء اعتماد المخرجتين على شريط الصوت وكيفية تصوير شخصياتهما في إضاءة خافتة. الفيلم، بطبيعة ما يسرده، مُحمّل بالعاطفة، وحسنته في هذا المجال هي مساحات من الصمت تسود بعض مشاهده لتسجّل المشاعر الحزينة والأمل بالتغلّب على ذاكرة قاسية.

AROUND PARADISE حول الفردوس

‫يوليا لوكشينا

• ألمانيا (2026)

• تسجيلي | ألوان (120 د)

• مهرجان برلين (بانوراما) | ★★★

في أواخر القرن التاسع عشر، سعت إليزابث فورستر نيتشه، شقيقة الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه، لتأسيس «عالم جديد» في منطقة نائية في باراغواي، قريباً من الموقع المسمّى بـ«الفردوس الأخضر»، والذي اختاره حديثاً رجل أعمال ألماني امتلك مساحات أرض كبيرة بغية بناء مجتمع جديد ينأى بنفسه عن العالم المحيط وما يدور فيه.

«حول الفردوس» (مهرجان برلين)

أحد أهم مشاهد الفيلم هو الذي يُبدي فيه أحد المستثمرين قلقه من أن يختلط سكانه البيض بآخرين من عناصر أخرى.

يكشف المشهد نفسه عن أمر آخر عندما يعبّر البعض عن شكوكهم حول المشروع بعدما استثمروا فيه، ليجدوا أنه ما زال أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.

ما يوحي إليه الفيلم هو أن فكرة إقامة شعب مختار بعناية عرقياً وطبقياً تراءت للأوروبيين منذ قرون سابقة، بصرف النظر عما انتهت إليه تلك الأحلام.

عرفت المخرجة كيف تكسب ثقة أصحاب المشروع وتُصوّر ما تريد، قبل أن تقوم بعملية توليف هادفة سياسياً وتحمل تحذيراً اجتماعياً. هناك تناسق بين المشاهد داخل المحمية وخارجها، ومتابعة لعدة شخصيات. هذا وحده لا يجعل الفيلم مميّزاً على صعيد الحرفة، بقدر ما يتبلور ككشف لهاجس يعكس فكرة خوف الإنسان من العالم المحيط به.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.