للقدس أبناء يحمون تاريخها وإرثها ومستقبلها

للقدس أبناء يحمون تاريخها وإرثها ومستقبلها
TT

للقدس أبناء يحمون تاريخها وإرثها ومستقبلها

للقدس أبناء يحمون تاريخها وإرثها ومستقبلها

فيما أنهمكت القيادة الفسطينية، ومن خلفها شعبنا، في الحشد السياسي والقانوني والشعبي، على الصعيدين الوطني والدولي، لجعل عام 2017 عام إنهاء الاحتلال، باعتباره استحقاقاً يتوجب على دول العالم إنجازه بعد مائة عام على ظلم شعبنا وتشريده والانتقاص المتعمد لحقوقه، واصلت أيضاً إسرائيل، السلطة القائمة بالاحتلال، سباق الزمن من أجل خلق واقع جديد على الأرض قبل الوصول إلى أي تسوية سياسية، وهيَّأت الأرض لهذه التسوية المحتملة بعلم المجتمع الدولي ورغماً عن إرادته وبتحدٍّ لمنظومته القانونية الدولية.
وعلى الرغم من أن هذا العام لم يختلف كثيراً عن سابقه من الأعوام، فإنه حمل مضامين سياسية وإنسانية خاصة، إذ أصر فيه شعبنا على تذكير العالم بمسؤولياته السياسية والقانونية والأخلاقية حول ما حلّ به من نكبات متواصلة لم تتوقف حتى لحظتنا هذه، منذ وعد بلفور المشؤوم قبل مائة عام، إلى قرار التقسيم قبل سبعين عاماً، ونكبته الكبرى قبل ما يقرب السبعين عاماً، إلى الاحتلال قبل خمسين عاماً، إلى عمليات التطهير العرقي المتواصلة، وقائمة لا تحصى من الخروقات والجرائم كابدها شعبنا، ولا يزال يدفع وحيداً ثمن صموده وثباته على هذه الأرض.
وبمراجعة سريعة لعام 2017 الذي كان نتاجاً وتراكم عمل لأعوام سابقة، فإن القيادة الفلسطينية لم تدّخر جهداً في استثمار أدوات القانون الدولي وحصانته، من أجل حماية حقوق شعبنا غير القابلة للتصرف ومحاسبة الاحتلال ومسؤوليه على احتلالهم وجرائمهم المتواصلة والممنهجة ضد الأرض والإنسان الفلسطيني. واتخذت فلسطين خلال تلك الفترة مكانتها الطبيعية كشريك، بل كندٍّ في المنظومة الدولية، وتحملت مسؤولياتها وواجباتها على أكمل وجه. واستمر نضالنا الرسمي والشعبي في مقاومة الاحتلال وفضح انتهاكاته وتعريته في جميع المنابر، في الوقت الذي لم نرفض فيه أي مبادرات دولية للوصول إلى حل سياسي عادل وقائم على أساس رؤية الدولتين على حدود 1967، على العكس رحبنا وانخرطنا في دفع مبادرات السلام، ومنها الفرنسية، وأعلنا قبولنا جميع الدعوات الدولية لبحث سبل تقدم العملية السياسية، بينما رفضها رئيس وزراء الاحتلال وقاطعها.
إنه لمن غير المنصف أو المنطقي المقارنة بين شعب ودولة يقعان تحت الاحتلال، والدولة المحتلة، إلا أننا مع ذلك، قمنا مرة تلو الأخرى، بالتدليل للمجتمع الدولي على حجم المفارقات والمقارنات بين ما قدمته فلسطين وما قامت به، وما قابلتها به دولة الاحتلال ومؤسساتها الرسمية وغير الرسمية، من أجل جلاء الحقائق أكثر أمام دول العالم التي أصبح يتحتم عليها اليوم أكثر من أي وقت مضى مواجهة قوة الاحتلال، ومعالجة عينها العوراء، وفتحها على ضرورة إنهاء حقبة طويلة أساءت أولاً لمعاييرها ومبادئها التي التزمت بها، بنفس القدر الذي أساءت فيه وعطلت إنجاز حقوق الشعب الفلسطيني.
وبعد أن تم تداول الأفكار الأميركية «الخارجة عن الصندوق»، وما يسمى «صفقة القرن» التي لم تُعرض علينا، أوضحنا موقفنا حيال ما تسرب حولها وحيال أي مبادرة أخرى، مؤكدين أن أي مبادرة لا تستند إلى قواعد القانون والشرعية الدولية ومرجعيات عملية السلام، ولا توقف الاستيطان، ولا تدعم حل الدولتين على حدود 1967، وتجسيد سيادة فلسطين وعاصمتها القدس، وإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين وفقاً لقرار 194، وبسقف زمني واضح، لن يتم التعامل معها. وطالبنا الولايات المتحدة تحديداً، بالالتزام بمواقف الإدارات الأميركية السابقة، فيما يتعلق بالاستيطان غير الشرعي وغيره من انتهاكات الاحتلال، وإعلان موقفها بوضوح، حتى أضحت ملامح هذه «الصفقة» التي تحولت إلى صفعة، واضحةً للقاصي والداني.
كانت إسرائيل خلال ذلك تواصل خلق الأمر الواقع على الأرض بقوة الاحتلال، والاستيطان الاستعماري، والعسكرة، وتدمير ما تبقى من حل الدولتين، لصالح فرض مشروع «إسرائيل الكبرى على أرض فلسطين التاريخية»، بمزيد من تكثيف مشاريع الاستيطان غير القانونية، وتهويد القدس ومحيطها ومناهجها، وسياسات التطهير العرقي والفصل العنصري والعقوبات الجماعية، من هدم وتهجير قسري، وقتل وتدمير واجتياح المناطق الفلسطينية، ومحاصرة وفصل قطاع غزة عن محيطه الفلسطيني، وتحويل الضفة الغربية إلى كنتونات وجزر معزولة، بالتزامن مع تشريع القوانين العنصرية الداعمة للاحتلال الاستعماري والاستيطان التي وصلت إلى 150 مشروع قرار عنصري، منذ بدء الولاية العشرين للكنيست من مايو (أيار) 2015 حتى يوليو (تموز) 2017، وهي في مجملها قوانين ضم وإحلال، من أبرزها قانون «القومية» وقانون «القدس»، وضم المستوطنات إلى إسرائيل، وقوننة سلب ونهب الأراضي الفلسطينية ذات الملكية الخاصة ومصادرتها لصالح المستوطنين (تسويات الاستيطان)، وقانون خصم أموال السلطة. ولم توفر هذه القوانين أهلنا في الـ48، وأخذت بشرعنة قوانين عنصرية مثل تدمير نحو 50 ألف بيت لفلسطينيي الـ48 وغيرها العشرات. يرافق ذلك جميعاً خطاب رسمي تحريضي يبث التطرف والكراهية وإقصاء الآخر.
هذا هو تماماً الواقع الذي اعترف به ترمب دون غيره من زعماء وشعوب الكرة الأرضية، واقع الاحتلال الاستعماري الذي أنشأته القوة العسكرية لإسرائيل، معلناً بتاريخ 6 ديسمبر (كانون الأول) اعترافه بالقدس عاصمةً لدولة إسرائيل، متبنياً الرواية الصهيونية، ومتوافقاً مع الخطاب الديني الأصولي الغيبي الذي روّجه نتنياهو طوال هذه السنوات. من جهة، جاء هذا الاعتراف ترسيخاً للاحتلال الاستعماري واستيطانه في المناطق المحتلة عام 1967، واعترافاً بمشروع الضم لأجزاء واسعة من الضفة الغربية، وتشجيعاً لسياسة «الأبرتايد»، وبشكل خاص، جاء لينقذ نتنياهو ويعزز موقعه في مواجهة تهم الفساد، وليرمم ائتلافه الحكومي من جهة أخرى.
وكأمر مفروغ منه ولا جدال عليه، بأن اعتراف ترمب الأحادي لم ولن يغير من مكانة القدس القانونية التي كفلتها وأقرتها الشرعية الدولية، وأن قراره يعدّ انتهاكاً لقواعد القانون الدولي، خصوصاً قرارات مجلس الأمن التي تنص، صراحةً، على أن أي تغيير على الوضع الراهن للقدس هو باطل ولاغٍ، إلاّ أن هذا الاعتراف استدعى التنبه إلى الخطر الشديد الذي يشكله قرار ترمب، ليس على القضية الفلسطينية فحسب، وإنما على النظام الدولي برمته الذي بنت أسسه وقواعده ومبادئه دول العالم لحماية حقوق الإنسان من جبروت القوة الغاشمة التي قد تستخدمها الدول، وجعلنا مقبلين على فصل عالمي جديد وسوداوي، تُشجع فيه الدول على خرق المنظومة القانونية الدولية، ويكافأ فيه كل من يخرق مبادئ حقوق الإنسان والإجماع الدولي، والأهم من ذلك، أنه سيفتح الأبواب على مصراعيها لإشعال فتيل حروب طائفية ودينية لا تنتهي، تنتصر فيها قوى التطرف والظلام مثل «داعش» وأخواته، وتنحصر فيها القوى المعتدلة والتقدمية.
هذه هي فقط النتائج الحتمية لعقيدة ترمب القاضية بتنفيذ «السلام من خلال القوة» وفرض العقوبات أو الضغوطات وغيرها. كان على الولايات المتحدة الاسترشاد بالتاريخ جيداً، فهذه ليست المرة الأولى التي تطرح فيها مثل هذه العقيدة المشوهة التي اتبعتها الدول الاستعمارية الكبرى واحدةً تلو الأخرى منذ القرن السادس عشر، والتي أدت إلى انهيار إمبراطورياتها، ولم تتمتع بالسلام يوماً واحداً.
لقد شكل قرار الاعتراف بالقدس عاصمةً لإسرائيل مصدر قلق عالمي شديد، حيث أدركت دول العالم جمعاء، ضرورة حماية النظام الدولي من هذا الخطر الداهم، وتداعت فوراً إلى رفض وإدانة القرار الأميركي غير المسؤول، وأجمعت على ضرورة تراجع الولايات المتحدة عن غيّها ومخالفتها الصارخة لقواعد القانون الدولي. وفي محاولة لإنقاذ هذه القواعد ومواجهة ترمب بخطوات مضادة لإبطال وتعطيل هذه الخطوة، كانت أولى هذه الخطوات تقديم مشروع قرار إلى مجلس الأمن يطالب الولايات المتحدة بالتراجع عن خطوتها، ويمنعها من المشاركة في التصويت باعتبارها أصبحت طرفاً في النزاع المقدم إلى مجلس الأمن وفقاً لميثاق الأمم المتحدة بند 3-27. وحيث إنه من المعلوم جيداً أن الولايات المتحدة ستجهض هذا القرار، توجهنا إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لاستصدار القرار نفسه تحت جلسة بعنوان «متحدون من أجل السلام». وبالفعل، اتحد العالم في تلك الجلسة التاريخية من أجل السلام، وانتصر فيها لا لفلسطين وعاصمتها القدس فحسب، بل لكرامته التي حاولت الولايات المتحدة هدرها، وانتصر لمنظومته ومبادئه القانونية والإنسانية التي عملت أميركا على ترهيبها ورشوتها وابتزازها. ولذلك، فإن المطلوب من هذه الدول اليوم الإصرار على مواقفها المبدئية، وعدم السماح بالتلاعب بالقانون الدولي وفرض شريعة الغاب بديلاً عنه، وإنفاذ إرادتها التي تجلت صراحة في الإجماع الدولي العارم على ضرورة إنهاء الاحتلال الاستعماري، وإنجاز استقلال دولة فلسطين على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
ومن هنا، فإن الموقف الفلسطيني كان بيّناً منذ البداية، وقد أعلنه السيد الرئيس محمود عباس في القمة الطارئة لمنظمة التعاون الإسلامي، وهو رفضنا المطلق لأي دور أميركي راعٍ للعملية السياسية، والتي بقرار منها أخرجت نفسها من هذه المعادلة التي لم تكن فيها يوماً وسيطاً نزيهاً، فأي وسيط هذا الذي يمارس جميع أنواع التهديدات والضغوطات والعقوبات على الطرف الأضعف، بدءاً من وسمنا بالإرهاب، وممارسة الابتزاز الرخيص من قبل الكونغرس، وقطع المساعدات وتقليصها وربطها بشروط تعجيزية للتخلي عن حقوقنا الوطنية الأصيلة كوقف رواتب الأسرى وأسر الشهداء، وتهديدنا الدائم بإغلاق مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وتحذيرنا من ممارسة حقنا الطبيعي والقانوني في الانضمام إلى المنظمات والمعاهدات الدولية، ومحاسبة الاحتلال، وجلب مجرمي الحرب إلى العدالة الدولية، إلى رفض الالتزام بمواقف الإدارات الأميركية السابقة، بما في ذلك إدانة الاستيطان، إلى المساهمة الفاعلة والدائمة في إلقاء اللوم على الطرف الفلسطيني في الوقت الذي لم يتم فيه، ولا مرة واحدة، لوم الطرف الإسرائيلي على انتهاك الاتفاقات والمرجعيات والقانون الدولي وتدمير حل الدولتين بشكل متعمد، بل تم الاحتفاء به في قلب المستوطنات غير الشرعية في أرضنا المحتلة؟
لقد قضينا وقتاً وجهداً كبيرين من أجل إحياء العملية السياسية ودفعها إلى الأمام، ولم نوفر فرصة في تحذير العالم من خطورة انتهاكات الاحتلال واستمراره في فلسطين، كما حذرنا بأننا لا نمتلك رفاهية تبديد الوقت وأننا لن نقبل المزيد من خسارة الأرض والإنسان، وأن عجز المجتمع الدولي عن محاسبة إسرائيل وإنهاء احتلالها يضعنا أمام خيارات أشد قسوة من أجل إنقاذ هذه المسيرة، ولم نكن نحذر بسبب عجزنا عن اتخاذ القرارات أو تنفيذها، بل من منطلق تحملنا لمسؤولياتنا الوطنية تجاه شعبنا والحفاظ على حقوقه بشكل خاص، واحتراماً للمنظومة الدولية ومنحها المساحة لاتخاذ الإجراءات المناسبة بشكل عام. إلاّ أن الجريمة مستمرة منذ سبعين عاماً، والوقت يمضي على حساب حياة أبنائنا وأرواحهم الغالية وكرامتهم ومستقبلهم.
وعليه، فقد أصبح التأسيس لمرحلة الفعل وتصويب هذه العملية السياسية برمتها واجباً لا يحتمل التأجيل، ولهذا نقوم، حالياً، بحشد كل الإمكانيات السياسية والقانونية لتوظيف واستثمار الإجماع الدولي الحالي على رفض القرار الأميركي وعزله ومواجهته، وإنهاء الاستحواذ الأميركي على العملية السياسية، وجعل الولايات المتحدة تصل إلى استنتاج أنه من دون التراجع عن هذه الخطوة لا يمكن أن تكون جزءاً من المسار السياسي، والإصرار على الحقوق الفلسطينية وتأكيد الالتزام بالقانون والشرعية الدولية، والمطالبة بالاعتراف بدولة فلسطين للدول التي لم تعترف بها بعد، ودعوة الدول إلى ربط الاعتراف بإسرائيل بالشرعية الدولية ومراجعة اعترافها بها ما دامت تخالف القانون الدولي، والعودة بملف القضية الفلسطينية إلى حضن الشرعية الدولية في الأمم المتحدة، والانضمام إلى ما تبقى من منظمات ومعاهدات دولية باعتباره حقاً لفلسطين وترسيخاً لمكانتها القانونية، وحث المحكمة الجنائية الدولية على فتح تحقيق في جرائم الاحتلال، وتقديم الإحالات وغيرها من الوسائل القانونية المتاحة للتسريع في محاكمة مسؤولي الاحتلال ومجرميه، كما سنسعى إلى الحصول على العضوية الكاملة لدولة فلسطين في مجلس الأمن. كما سنواصل مطالباتنا لجميع الدول بمقاطعة وتجريم المستوطنات الإسرائيلية بجميع إفرازاتها، ودعم نشر قائمة الشركات العاملة بالاستيطان والمتورطة في انتهاك القانون الدولي ودعم الاحتلال. وسندفع بكل السبل من أجل إعادة فتح مؤسسات منظمة التحرير في القدس، وتعزيز صمود أهلنا بالقدس بدعم الدول العربية والإسلامية الشقيقة باعتباره الحجر لأساس لتقوية وجودهم في وجه مخاطر المخططات الاستعمارية بالطرد والتهجير القسري.
كما سيعقد المجلس المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية جلسة خلال الفترة القريبة المقبلة بحضور ومشاركة جميع القوى الوطنية والإسلامية، بما في ذلك حركتا حماس والجهاد الإسلامي، لرسم استراتيجيات نضاله للمرحلة المقبلة، والعمل معاً من أجل استنهاض النظام السياسي، وإعادة تشكيله بما يكفل مواجهة التحديات المستقبلية وبما ينسجم مع مكانة فلسطين الراسخة في العمل السياسي الدولي، وإعادة ترتيب البيت الداخلي، سيما أننا نتمم ملف المصالحة الوطنية، وإصلاح مؤسسات منظمة التحرير وإعادة الاعتبار السياسي لها، وإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وبناء التحالفات السياسية المبدئية، وإعادة تعريف القضية الفلسطينية باعتبارها قضية سيادة وقضية شعب يتحرر من سياسة «الأبرتايد» والتطهير العرقي، ومن آخر احتلال استعماري في العالم.
لقد أثار هذا القرار الأحادي والمستهتر ردة فعل الكرة الأرضية بكاملها حتى في داخل إسرائيل وأميركا نفسها، ويعترينا الفخر والاعتزاز الشديدين بأصدقاء فلسطين وحلفاء الحق، ونثمِّن ونقّدر عالياً جميع المواقف الرسمية والشعبية التي اتخذتها الدول والشعوب العربية والإسلامية والدولية، وقوى التحرر والعدل والسلام التي خرجت بعشرات الآلاف تنديداً بقرار ترمب، ودعماً لحق الشعب الفلسطيني بسيادته على دولته وعاصمتها الأبدية القدس الشريف.
لقد اشترت إسرائيل الزمن والدعم الأميركي والصمت الدولي المطبق، أما القضية الفلسطينية فقد عوّلت على عدالتها والإرادة السياسية والإنسانية العالمية، ولا تعوّل اليوم إلا على أبنائها ومواصلة نضالهم الوطني الفلسطيني الذي لم يبخلوا به يوماً على قضيتهم وأرضهم. وهبّات أبناء القدس في حماية تاريخها ومستقبلها، ونضال أبناء غزة وجميع مدن الضفة الغربية نموذج يحتذى به في الصمود والمقامة. وما زالت فلسطين تعوّل على أصدقائها في جميع أنحاء العالم وتدعوهم إلى مواصلة وتكثيف حراكهم السياسي والقانوني والدبلوماسي والشعبي حتى إنهاء الاحتلال الاستعماري لفلسطين بقوة القانون والعدل.



تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

حراك جديد يشهده مسار مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يقوده الوسطاء بعد اجتماعات في القاهرة لتنفيذ بنوده المتعثرة مع زيادة حدة الجمود منذ اندلاع حرب إيران.

الاجتماعات التي سوف تتجدد الأيام المقبلة في القاهرة، تهدف، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لكسر جمود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتحقيق تقدم في القضايا العالقة مثل عمل «لجنة التكنوقراط»، فضلاً عن إحراج إسرائيل وعدم السماح لها بتكريس الأمر الواقع.

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، السبت، عن مصادر لم تسمها، إلى أن «القاهرة استضافت خلال اليومين الماضيين، مباحثات بمشاركة الوسطاء والممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لاستكمال جهود وقف إطلاق النار في غزة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف في 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن «أجواء إيجابية سادت المفاوضات مع إبداء جميع الأطراف الالتزام بالعمل على تنفيذ كل بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غزة»، لكنها أوضحت أن «حماس» تتمسك بتنفيذ كل مخرجات قمة شرم الشيخ وخطة الرئيس ترمب بشأن غزة.

وأضافت المصادر أن «حركة (حماس) والفصائل الفلسطينية أكدت جديتها لاستكمال خطوات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بكل مراحله، وهناك توافق بين جميع الأطراف على استكمال المحادثات في القاهرة، خلال الأسبوع المقبل».

جاءت تلك التأكيدات غداة حديث «حماس»، في بيان، الجمعة، أن وفدها التقى مسؤولين مصريين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، كما عقد لقاء مع الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، بحضور وسطاء من مصر وقطر وتركيا، مؤكدة ضرورة استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بجميع بنودها.

وأعرب وفد «حماس»، عن التزام الحركة والفصائل الفلسطينية باتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله، مشيراً إلى أنه تلقَّى دعوة لاستكمال المحادثات في القاهرة خلال الأيام المقبلة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية المحلل السياسي في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن القاهرة حريصة على أن يبقى ملف اتفاق غزة قائماً بما لا يسمح لإسرائيل بتكريس الأمر الواقع واستمرار سيطرتها على القطاع في ظل استمرار حرب إيران، وبالتالي يحاول الوسطاء كسر جمود الاتفاق، واستمرار المحادثات حول القضايا العالقة ومنها بدء لجنة التكنوقراط عملها.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن «حماس» تدرك أن إسرائيل لن تنفذ المرحلة الثانية لأسباب عديدة، بينها التملص من الالتزامات والاستحقاقات عليها، وتريد أن تلقي بالكرة في الملعب الإسرائيلي من أجل إحراجه أمام العالم، وتقول إنها جاهزة لتنفيذ كل الاتفاق، بما يسمح بتفكيك الجمود الحالي.

فلسطينيون نازحون يتجمعون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

كان مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية أكد لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

ويرى نزال أن ملادينوف لا يتفاوض وإنما ينقل رسائل، لافتاً إلى أن الجميع على باب المرحلة الثانية، لكنه لن يُفتح إلا بعد إنهاء حرب إيران، وحالياً ما يتم هو تجهيز لكل الملفات لبَدْئها على الفور بعد انتهاء الأزمة الدولية.

ويعتقد فهمي أن الاجتماعات المقبلة سوف تشهد ترتيبات لتحقيق إنجاز على الأرض، لا سيما في ملف عمل «لجنة التكنوقراط».


تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)

تزايدت التحذيرات الدولية من تأثر اليمن بتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في وقت يعاني فيه بالفعل من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتراجع العمل الإنساني في أجزاء واسعة من البلاد، ما قد يدفع إلى مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي والإنساني.

وتعكس التطورات الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة ومصادر الطاقة، المخاوف المتزايدة من تأثير التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي في اليمن، وتزيد من الضغوط على ملايين السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف معيشية شديدة الهشاشة.

وتشهد مدينة عدن حالة قلق بين الأهالي تظهر في تزايد الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، بعد سريان مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما دفع شركة النفط اليمنية إلى التأكيد على انتظام تموين كل المحطات الحكومية والخاصة بالوقود، والتحذير من الشائعات التي اتهمت جهات، لم تسمّها، بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى.

وعلى الرغم من ثبات أسعار الوقود وتوفره، فإن مصادر محلية نقلت لـ«الشرق الأوسط»، وجود ملامح أزمة بالغاز المنزلي بدأت في الظهور من خلال تراجع المعروض منه بسبب الإقبال والزحام المتزايدين على شرائه وتخزينه، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في منافذ بيع جديدة غير خاضعة للرقابة، يخشى السكان من أن تكون مقدمة لسوق سوداء.

طوابير السيارات أمام محطات الوقود في عدن قبل 5 أعوام (أ.ف.ب)

ويرى عبد الواحد العوبلي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن تكلفة أسعار الوقود هي أكثر ما يلحق الضرر بالاقتصاد اليمني ومستوى المعيشة، وفي حال استمرار المواجهات العسكرية الحالية وتداعياتها، فإن هذه التكلفة ستزيد من الأعباء على السكان والمغتربين.

وقال العوبلي لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة استيراد الوقود قبل 3 أعوام كانت تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار، وإذا استمرت الأزمة الحالية، فستكون هناك زيادة تقدر بمليار دولار، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما سيدفع إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويجبر المغتربين على مضاعفة تحويلاتهم إلى أقاربهم.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة «ACAPS» المعنية بتنسيق وتحليل بيانات الطوارئ الإنسانية، من احتمال حدوث تصعيد خطر في اليمن على خلفية تطورات الصراع الإقليمي.

احتياجات متزايدة

بيّن التقرير الصادر في أول أيام الشهر الحالي، أن اليمن يعدّ من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتوترات الإقليمية، خصوصاً مع احتمالية انخراط الجماعة الحوثية في النزاع بشكل يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل البلاد، وزيادة الضغوط على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

سكان عدن أظهروا قلقاً من عودة أزمات الوقود برغم التطمينات الحكومية (شركة النفط اليمنية)

ونبه إلى أن ذلك سينعكس مباشرة على حياة السكان، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات، والهشاشة الاقتصادية المزمنة.

ولمّح إلى أن التصعيد العسكري قد يعطل طرق التجارة ويزيد من تكاليف النقل والإمدادات، ويدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى، ويعمّق مستويات الفقر والجوع.

وحدّد 3 سيناريوهات محتملة للتطورات، تبدأ بانتهاء سريع للصراع الإقليمي مع بقاء تداعياته الاقتصادية، إلى جانب استمرار تعقيد المشهد العسكري الداخلي، وصولاً إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، وهو السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه الأخطر على اليمن، حيث قد يؤدي إلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.

ولا تقتصر التحديات على الغذاء فقط؛ إذ حذرت منظمة «الصحة العالمية»، بدورها، من أزمة متفاقمة في القطاع الصحي، حيث يواجه عدد من المستشفيات نقصاً في الأكسجين الطبي، مع استمرار أنشطتها لتقييم احتياجات المرافق الصحية، والسعي لإنشاء محطات أكسجين وتطوير شبكات داخلية لنقله مباشرة إلى غرف المرضى، ومحاولة تفادي انهيار بعض الخدمات الطبية الحيوية.

سلاسل الإمداد إلى اليمن معرضة للخطر جراء تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي (أرشيفية - رويترز)

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية في اليمن، مع استمرار الجمود السياسي وتراجع التمويل الدولي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان ظروفاً معيشية قاسية. وزادت السيول الأخيرة من تعقيد المشهد بعد تضرر آلاف الأسر، ما دفع وكالات أممية لتقديم مساعدات طارئة لنحو 12 ألف متضرر.

انتظار التدخل الدولي

في ضوء هذه التحذيرات، جدّد برنامج الغذاء العالمي التذكير بأن اختطاف الجماعة الحوثية موظفيه، واستيلاءها على مكاتبه وأصوله، أدى إلى تراجع كبير في نطاق العمليات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها خلال العام الماضي.

وأورد البرنامج في تقرير سنوي، أن بيئة العمل الإنساني أصبحت مليئة بالعقبات السياسية والأمنية، وأن احتجاز موظفي الوكالات الأممية، تسبب في تعليق كامل للأنشطة الإنسانية في تلك المناطق.

قوة أمنية حوثية أمام بوابة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (رويترز)

واختطفت الجماعة الحوثية عشرات الموظفين المحليين العاملين في المنظمات الدولية، متسببة في عرقلة وصول المساعدات الغذائية إلى الأسر الأكثر ضعفاً، وإضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات للبقاء.

وينبه إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الإنساني، إلى أن برنامج الغذاء العالمي سبق وأعلن، قبل عامين، توقف أنشطته الخاصة بتوزيع الأغذية في مناطق سيطرة الحوثيين، متوقعاً استمرار بعض الأنشطة في مناطق سيطرة الحكومة، بالحدود الدنيا بسبب نقص التمويل.

ويذهب القرشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تراجع العمليات الإنسانية وتقلص التمويل الدولي قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم الحجم الأكبر من المحتاجين، متوقعاً أن يكون أكثر من 23 مليون يمني لا يعرفون ما سيأكلونه في اليوم التالي.

انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي تهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)

ووصف القرشي تخلي المجتمع الدولي عن اليمنيين، بأنه «وضع غير مقبول إنسانياً»، داعياً الحكومة والداعمين إلى إنجاز خطوات اقتصادية بالاعتماد على الموارد ومواجهة الفساد.

ومن كل ذلك، تبدو الأزمة الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تتخذ خطوات دولية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز العمل الإنساني، لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.


صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
TT

صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)

في خطوة تعكس تحسن الأداء المؤسسي في اليمن وعودة الانخراط الدولي، أقرّ مجلس إدارة صندوق النقد الدولي نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الحكومة الشرعية بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في تطور يعدّ مؤشراً مهماً على استعادة قنوات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الثقة بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة.

وأكد الصندوق في بيانه أن استئناف هذه المشاورات يعكس تحسن القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات الاقتصادية، مشيداً بالجهود التي بذلتها السلطات اليمنية لتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأشار الصندوق إلى أن الاقتصاد بدأ يُظهر بوادر تعافٍ تدريجي بعد الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر الصندوق من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤثر سلباً على الاقتصاد اليمني خلال العام الحالي، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية واعتماد البلاد على الواردات، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفد من البنك الدولي يشهد تدشين مشروع للمياه في عدن (إعلام حكومي)

وشدد بيان صندوق النقد على أهمية التزام الحكومة اليمنية بتعبئة الإيرادات وتعزيز الحوكمة المالية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استمرارية تقديم الخدمات العامة الأساسية.

كما أشار إلى أن اعتماد سعر صرف قائم على السوق، إلى جانب إصلاحات قطاع الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، تمثل ركائز رئيسية لدعم التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار الحوار مع الدائنين وتأمين التمويل الخارجي سيسهمان في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية الحادة التي يواجهها اليمن. كما توقع أن يؤدي إعطاء الأولوية للإنفاق الأساسي إلى ضغوط مؤقتة على الميزان المالي، إلا أنه سيساعد في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبها، رحّبت الحكومة اليمنية بإقرار نتائج المشاورات، معتبرةً أن هذه الخطوة تمثل تقديراً دولياً للإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الانضباط المالي والشفافية ومكافحة الفساد، رغم تداعيات الحرب وتوقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة في مختلف القطاعات، والعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026 ضمن جهود إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني كبيرة ومعقدة، في ظل استمرار الحرب والانقسام المؤسسي وضعف الموارد المالية. وأكد صندوق النقد أن المخاطر المحيطة بالآفاق المستقبلية تظل مرتفعة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الواردات، تمثل عوامل ضغط رئيسية على الاقتصاد اليمني، ما يتطلب تبني سياسات احترازية متوازنة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. كما شدد على أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع قاعدة الصادرات، خصوصاً في القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، توقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد اليمني في استعادة زخمه تدريجياً اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم وتحسن الدخول الحقيقية وتخفيف السياسات المالية التقشفية، إضافة إلى نمو التحويلات المالية والصادرات غير النفطية.

سياسات مرنة

أكد محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أن استئناف مشاورات المادة الرابعة يمثل عودة مهمة للتفاعل المؤسسي مع المجتمع الدولي، ويفتح آفاقاً جديدة للحصول على الدعم الفني والمالي.

وأوضح أن السياسات المالية والنقدية التي تم تبنيها خلال الفترة الماضية أسهمت في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهيئة أرضية أولية للتعافي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تبني سياسات واقعية ومتدرجة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة.

جانب من اجتماع وفد دولي في عدن مع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن البنك المركزي يواصل تنفيذ سياسات نقدية منضبطة ومرنة في آنٍ واحد، تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من التضخم، وضمان توفر السلع الأساسية، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.

كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، تمثل تحدياً إضافياً يتطلب استجابة سريعة وسياسات متوازنة لتقليل آثارها على الاقتصاد الوطني.

وشدد محافظ البنك المركزي اليمني على أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يظل مرهوناً بتضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي، إضافة إلى إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.