ما الذي يمكن قوله بعد عام على إدارة ترمب؟

ما الذي يمكن قوله بعد عام على إدارة ترمب؟
TT

ما الذي يمكن قوله بعد عام على إدارة ترمب؟

ما الذي يمكن قوله بعد عام على إدارة ترمب؟

لم تحقق إدارة الرئيس دونالد ترمب إنجازات كبيرة بعد، لكن ينبغي أن نكون منصفين. لا يمكن لإدارة أميركية تصل إلى السلطة في يناير (كانون الثاني) التوصل إلى اتفاقات مهمة أو تحقيق انتصارات عظيمة بعد 12 شهراً فقط.
مع ذلك من الممكن طرح سؤال مختلف وهو: هل لدى إدارة ترمب استراتيجية، وتدرك ما تفعله في المناطق الحيوية مثل الشرق الأوسط أم لا؟
يعتقد بعض المحللين الأميركيين أن فريق ترمب ليست لديه استراتيجية في التعامل مع الشرق الأوسط. وتتجلى أولويات إدارة ترمب في المنطقة ببطء شديد؛ ويعود هذا التأخر إلى حد ما إلى تباطؤ كل من البيت الأبيض والكونغرس، اللذين يهيمن الحزب الجمهوري على كليهما، في تشكيل فريق كامل من وكلاء الوزارات، ومساعدي الوزراء في كلٍّ من وزارة الخارجية ووزارة الدفاع، ويعد هؤلاء المسؤولون قادة الموظفين الدائمين. وفي ظل عدم وجود قادة للفرق، تسير عملية اتخاذ القرارات بشأن الخطط والإجراءات بخطى بطيئة.
كانت استجابة إدارة ترمب البطيئة واضحة في تعاملها مع الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان العراق، والعلاقات بين أربيل وبغداد. ولم يطلق الأميركيون المباحثات المكثفة بين أربيل والسليمانية وبغداد إلا خلال الأيام القليلة السابقة للاستفتاء الذي تم إجراؤه في 25 سبتمبر (أيلول) الماضي. وأرسل وزير الخارجية ريكس تيلرسون خطاباً في 23 سبتمبر إلى الرئيس مسعود بارزاني وعده فيه بقبول الاستفتاء إذا لم تتم معالجة شكاوى أربيل بعد عام من المفاوضات مع بغداد. ولم يصل الخطاب إلا بعدما بدأ أكراد الخارج بالفعل في التصويت. ولو كان ذلك الخطاب وصل مبكراً، ربما كان بارزاني قد وجد غطاءً سياسياً لتأجيل إجراء الاستفتاء. عوضاً عن ذلك تم إجراء الاستفتاء، وكان لبغداد رد فعل كلّف الأكراد الكثير، وجعل تردد الأميركيين بادياً وظاهراً.
ركّز نهج ترمب في التعامل مع العراق وسوريا، مثل نهج الرئيس باراك أوباما، على «داعش»، وتجاهل المشكلات الأخرى. وأصدر تيلرسون في يوليو (تموز) بياناً كتابياً يضع فيه مسألة مستقبل سوريا في أيدي روسيا. وكان الأميركيون غائبين عن الاجتماعات، التي كانت تتم بقيادة روسية في نوفمبر (تشرين الثاني)، بشأن سوريا.

أولوية إيران
وكان ذلك خلال فترة حكم إدارة أوباما عام 2016. والتغيير الوحيد، الذي أحدثه ترمب فيما يتعلق بالسياسة الأميركية تجاه كل من سوريا والعراق، إلغاء قرار أوباما الذي كان يُلزم القوات الأميركية بالحصول على موافقة من البيت الأبيض على كل هدف يستهدفه هجوم جوي. كان فريق أوباما أكثر خوفاً وقلقاً من حدوث إصابات ووفيات في صفوف المدنيين، ومن القانون الدولي. أما ترمب، الذي لا يفكر بشكل قانوني، فقد ألغى الالتزام بالحصول على تلك الموافقة. نتيجة لذلك، رأينا ارتفاعاً في عدد الإصابات والوفيات بين المدنيين في مدن مثل الموصل، والرقة منذ تولي إدارة ترمب السلطة. لا يشعر ترمب بالقلق إزاء الإصابات أو الوفيات في صفوف المدنيين، بل أثنى على الدور العسكري الذي قامت به إدارته من أجل استعادة الأراضي التي كانت تحت سيطرة تنظيم داعش.
تمثل مكافحة الإرهاب إحدى ركائز خطة ترمب الخاصة بالشرق الأوسط، والآن بعدما خسر تنظيم داعش المدن التي كان يسيطر عليها، نرى بوضوح أن الشيء الآخر الذي تركز عليه إدارة ترمب في الشرق الأوسط هو إيران؛ فقد سعى ترمب إلى زيادة الضغط على إيران برفضه تأكيد احترام إيران للاتفاق النووي الذي طلبه منه الكونغرس. تردد ترمب في جعل أميركا تنسحب من الاتفاق تماماً، حيث تدرك إدارته أنه إذا قامت بذلك ستواصل دول أخرى مثل روسيا، والصين، والأوروبيين، تنفيذ الاتفاق مع إيران، وفي هذه الحالة سيتم إقصاء أميركا. في الوقت ذاته، لم يكن ترمب يرغب في التعرض لهجوم سياسي من تيار اليمين المتطرف في الولايات المتحدة الأميركية، ومن مؤيدي إسرائيل، بدعمه للاتفاق النووي؛ وعوضاً عن ذلك جعل الكرة في ملعب الكونغرس، حيث ترك لهم مسألة تحديد ما يمكن القيام به بشأن فرض المزيد من العقوبات. إنه يعلم أن الكونغرس سيفرض على الأرجح المزيد من العقوبات على إيران خصوصاً بسبب تصنيعها صواريخ، حيث وافق كل من الجمهوريين والديمقراطيين في مجلس النواب بالفعل على مشروع قانون يقضي بفرض عقوبات جديدة على إيران بسبب تصنيعها صواريخ، وكان عدد الأصوات الموافقة 432 في مقابل صوتين معارضين.
وربما تكون الانقسامات السياسية، التي تشهدها واشنطن حالياً، هي الأكبر منذ حرب فيتنام ونيكسون، لذا يعد التوحد على فرض المزيد من العقوبات على إيران أمراً جديراً بالملاحظة.
ويُعزى هذا التوحد بدرجة كبيرة إلى إدراك تراجع نفوذ واشنطن في الشرق الأوسط مع تزايد النفوذ الإيراني في المنطقة، ما يمثل تهديداً كبيراً على إسرائيل، وأصدقاء آخرين للولايات المتحدة. لم يكن أوباما يشعر بقلق شديد من تنامي النفوذ الإيراني في المنطقة، حيث صرح لمجلة «أتلانتيك» عام 2016 بأن على كل من المملكة العربية السعودية وإيران «تقاسم» المنطقة. ومن غير الواضح ما الذي كان أوباما يعنيه بكلمة «تقاسم»، وينبغي أن يكون للمواطنين في دول مثل العراق وسوريا ولبنان حق تقرير مصير دولهم في كل الأحوال.
على الجانب الآخر، يتسم موقف ترمب بقدر أكبر من التصميم تجاه ممارسات إيران في الإقليم؛ فقد أعلنت إدارة ترمب في أكتوبر (تشرين الأول) أنها ستدفع ملايين الدولارات نقداً كمكافأة لأي شخص يساعد في تحديد مكان اثنين من قادة «حزب الله» أو في القبض عليهما. وحض وزير الخارجية الأميركي خلال زيارته إلى بغداد في شهر أكتوبر، حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي، على إعادة جماعات مسلحة إيرانية إلى بلادهم، لكنه لم يكن يدرك أن أكثر أفراد تلك الجماعات المسلحة عراقيون وهم بالفعل في وطنهم الآن. ويوضح هذا مرة أخرى حاجة تيلرسون إلى تشكيل فريق يستطيع توضيح الأمور وشرحها له.
الأهم من كل ذلك هو سعي ترمب إلى تحسين العلاقات مع دول عربية قادرة على تكوين جبهة مشتركة موحدة مع الولايات المتحدة للتصدي للنفوذ الإيراني. وكانت العلاقات بين واشنطن وحلفائها في الشرق الأوسط شهدت تراجعاً خلال فترة حكم أوباما، ويعمل ترمب على تحسين تلك العلاقات. ومن الجدير بالذكر أن تكون الرحلة الأولى التي يقوم بها رئيس أميركي إلى الخارج هي رحلة إلى الشرق الأوسط، وأن تكون أول دولة يزورها هي المملكة العربية السعودية. وقام غاريد كوشنر، صهره ومستشاره السياسي، بالعديد من الزيارات الخاصة إلى الرياض لمناقشة تحسين سبل التعاون بين البلدين، وهي جيدة جداً وعلى مستوى رفيع من تبادل الزيارات. كذلك استقبل ترمب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض خلال شهر أبريل (نيسان)، والتقاه مرة أخرى في أثناء زيارة ترمب للرياض. واستقبل الرئيس الأميركي أيضاً محمد بن زايد، ولي عهد (أبوظبي)، في واشنطن في مايو (أيار).
وغابت قضايا حقوق الإنسان في الشرق الأوسط عن الخطاب الأميركي، وأخذ يركز على إيران، والاستقرار في المنطقة، والاتفاقات التجارية. كان يأمل الأميركيون خلال كل تلك المناقشات أن توافق الدول العربية الكبرى على التعاون للحد من النفوذ الإيراني، وهي رسالة تحظى بشعبية في المنطقة.

الأولوية الثالثة ودخول التاريخ
الأمر الثالث في سلم أولويات إدارة ترمب فيما يتعلق بالشرق الأوسط هو التوصل إلى اتفاق كبير لحل الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي. وكان ترمب قد التقى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في إسرائيل خلال شهر مايو وفي نيويورك خلال شهر سبتمبر، وذهب كوشنر إلى إسرائيل مرتين، وأصبحت التصريحات التي تصدر عن البيت الأبيض بشأن إسرائيل أكثر وداً من التصريحات خلال فترة حكم أوباما. يبدو أنه لا يوجد لدى الإدارة الأميركية أمل كبير في التمكن من إقناع الفلسطينيين باتخاذ خطوات كبيرة باتجاه نتنياهو. من المؤكد أن تهديد واشنطن في نوفمبر بتقييد عمل مكتب التمثيل الفلسطيني في واشنطن بسبب الإصرار الفلسطيني على إحالة اتهامات لإسرائيل بارتكاب جرائم حرب إلى المحكمة الجنائية الدولية قد قوّض قدرة أميركا على الاضطلاع بدور الوسيط. مع ذلك يفضل فريق ترمب التعاون مع الدول العربية الكبرى لإقناع السلطة الفلسطينية بتقديم مرونة من أجل التوصل إلى اتفاق سلام. وكذلك ينتظرون من الإسرائيليين اتخاذ بعض الخطوات، لكن ليس لدى ترمب أو الكونغرس أي فكرة عن كيفية إقناع إسرائيل بالقيام بذلك.
مما لا شك فيه أن ترمب يريد للتاريخ أن يسجل إبرامه هذا الاتفاق الهائل الذي ظل هدفاً يراوغ الرؤساء الأميركيين من نيكسون حتى أوباما، لكن لدى فريقه هدف آخر وهو تكوين جبهة عربية - إسرائيلية مشتركة ضد إيران. ولا تعد هذه الفكرة جديدة، حيث يدعو بعض المراقبين في الولايات المتحدة، واشنطن إلى تكوين تلك الجبهة منذ عدة سنوات. تعتقد إدارة ترمب أن الجبهة المشتركة ممكنة، في حين أن قدرتها على العمل بفعالية على المسارات الثنائية والإقليمية في غضون أشهر وسنوات من أجل التوصل إلى اتفاق فلسطيني - إسرائيلي لا تزال أمراً مشكوكاً به. ويصدق هذا بوجه خاص بسبب المشكلات الداخلية التي يواجهها كل من نتنياهو وعباس. كذلك يعتقد الأميركيون أنه نظراً إلى كون النفوذ الإيراني مشكلة كبيرة، تتجاهل دول في المنطقة مشكلات أخرى، وتعزف عن التعاون بشأنها. ويمثل تجاهل التاريخ في أجزاء أخرى من العالم مشكلة بالنسبة إلى الأميركيين بوجه عام، وبالنسبة إلى إدارة ترمب بوجه خاص.
بالمثل، لجأ ترمب إلى العلاقات الدبلوماسية الشخصية مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وهو أحد الحلفاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، الذي قاوم في الماضي تنامي النفوذ الإيراني واتساع نطاقه. واستقبل ترمب الرئيس التركي إردوغان في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض خلال شهر مايو، والتقاه مجدداً في نيويورك خلال شهر سبتمبر. ووصف ترمب إردوغان بأنه «صديق»، وأكد أن العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة في أفضل حالاتها. وتجاهل ترمب الإجراءات القمعية التي اتخذها إردوغان ضد معارضيه وخصومه السياسيين، والإعلام، والعاملين في القطاع الحكومي، بعد محاولة الانقلاب التي حدثت عام 2016، وكانت هناك حدود مهمة لتحرك واشنطن من أجل استعادة العلاقات التي شهدت توتراً خلال فترة حكم أوباما. الجدير بالذكر أن إدارة ترمب قد قررت في مايو 2017 إرسال السلاح بشكل مباشر إلى «وحدات حماية الشعب» الكردي في سوريا المقربة من حزب العمال الكردستاني، الذي يقاتل الحكومة التركية داخل تركيا، والمدرج على قائمة المنظمات الإرهابية الخاصة بكل من الحكومة الأميركية والحكومة التركية. وأخبر ترمب الرئيس إردوغان في 24 نوفمبر أن الولايات المتحدة ستتوقف عن توريد السلاح إلى «وحدات حماية الشعب» الكردي، لكن كان وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس قد صرح بالفعل بأن القوات الأميركية ستظل موجودة في المناطق الكردية السورية لحمايتها من قوات الرئيس بشار الأسد، وبالتالي أيضاً من الضغط التركي.

ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة إلى سياسة إدارة ترمب تجاه الشرق الأوسط في عام 2018؟
من المستحيل معرفة ذلك لأنه لا تزال هناك مناصب مهمة شاغرة في الإدارة. مع ذلك يبدو واضحاً عدم اتباع إدارة ترمب أي استراتيجية محددة تحكم كيفية مساعدة دول المنطقة في التصدي للجماعات الإرهابية في المستقبل، باستثناء بعض الإجراءات المرحلية الأمنية. لذا سنشهد المزيد من صفقات بيع الأسلحة، دون تقديم مساعدة اقتصادية لإعادة بناء سوريا، أو العراق، أو ليبيا، أو اليمن.
لقد ذكر ترمب بوضوح في تغريدة له على موقع «تويتر» بتاريخ 24 نوفمبر، أن القوات الأميركية لا ينبغي لها الانخراط في حروب منطقة الشرق الأوسط، وهو أمر أكده مراراً وتكراراً خلال حملته الانتخابية. لذلك قد لا تظل القوات الأميركية موجودة طويلاً في شرق سوريا، حيث لا يشعر ترمب على الأرجح بأي ولاء تجاه أكراد سوريا، ومن الممكن أن تسرع واقعة واحدة سيئة وتيرة سحب القوات الأميركية، مثلما سحب ريغان قوات مشاة البحرية الأميركية من بيروت بعد التفجير الانتحاري الذي وقع عام 1982.
ومع توقع زيادة الطريق إلى عملية السلام الفلسطيني - الإسرائيلي وعورةً عام 2018، من الممكن أن يطلب ترمب من الحلفاء ممارسة المزيد من الضغوط على الفلسطينيين، والاتجاه إلى المزيد من التعاون مع إسرائيل دون تقديم تعويض يذكر سوى بعض صفقات السلاح، والسكوت عن الوضع السياسي الداخلي في تلك الدول. من المرجح أن يصبح الصراع في اليمن هو الاختبار الأكبر الذي يوضح التزام ترمب. مع ذلك الأهم من ذلك بالنسبة إلى الولايات المتحدة هي التحقيقات مع الرئيس ترمب ووضعه القانوني، إلى جانب الانتخابات التشريعية المزمع عقدها في نوفمبر 2018، والتي من المتوقع أن تتجاوز سخونتها تأثير الاحتباس الحراري على الولايات المتحدة الأميركية.



الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.