كيف يصبح الشباب المنحرف إرهابياً؟

الإرهاب والجريمة المنظمة في عصر «الهجانة»

عناصر من {قوات سوريا الديمقراطية} في الرقة بعد هروب فلول {داعش} في أغسطس (آب) الماضي (رويترز)
عناصر من {قوات سوريا الديمقراطية} في الرقة بعد هروب فلول {داعش} في أغسطس (آب) الماضي (رويترز)
TT

كيف يصبح الشباب المنحرف إرهابياً؟

عناصر من {قوات سوريا الديمقراطية} في الرقة بعد هروب فلول {داعش} في أغسطس (آب) الماضي (رويترز)
عناصر من {قوات سوريا الديمقراطية} في الرقة بعد هروب فلول {داعش} في أغسطس (آب) الماضي (رويترز)

يعتقد عالِم الإجرام جان فرنسوا جيرو في كتابه الذي صدر له أخيراً بعنوان «من الإرهاب إلى العصابات... الهجانة: الوجه الجديد للعنف»، أن الإرهاب اليوم يعيش حقبة جديدة استطاعت من خلالها الجريمة المنظمة كسر الحدود القائمة بين عالمها المافيوي والإرهاب. ومن هنا ينطلق الخبير الدولي الفرنسي ليؤكد أن الحدود التقليدية بين الطرفين قد تلاشت تماماً، وأن الانفصال الذي نعيشه اليوم بين الإرهاب والجريمة المنظمة هو في الحقيقة إجرائي، وجاء بعد فترة طويلة كان كل منهما يعيش باعتباره فئة ضيقة، ليجدا نفسيهما اليوم في طفرة غريبة تجسد نوعاً جديداً من الاتصال الشبكي بين الجانبين.
وليس من الغريب أن نجد المقاتلين الماركسيين الثوريين يعيشون من الاتجار بالكوكايين، بينما المجموعات القومية المسلحة تدعم وتمارس أعمال اللصوصية، كما تحول رجال العصابات إلى الإرهاب المتطرف. كل ما سبق يؤكد أننا في حقبة جديدة أطلق عليها مستشار التنسيق الوطني للاستخبارات ومكافحة الإرهاب (المتصل بالرئاسة الفرنسية) جان فرنسوا جيرو «التهجين»، مما يفيد بأن التشابك والاختلاط بين الجريمة المنظمة والإرهاب أصبح قاعدة، وأن كل منهما محفز للآخر، وأن تفسير أسباب انتشار أحدهما بمعزل عن تطور الآخر لا يقدم تحليلاً علمياً لما نعيشه من تهديد كبير للاستقرار والسلم العالمي.
في هذا السياق التبادلي المعقد بين الجريمة والإرهاب، يمكن فهم الانتقال السلس للشباب من عالم الجريمة إلى حضن الجماعات الإرهابية، مثل «القاعدة» و«داعش»، كما يمكننا هذا التحول الجديد من تفسير ظهور الميليشيات على سطح الأحداث السياسية لمناطق التوتر الدولي، فبشكل مفاجئ ظهرت قوى غير نظامية مقاتلة، مع نهاية الحرب الباردة بين المعسكر الشرقي والغرب.
واليوم، فرض فاعل جديد نفسه في ساحة القتال المسلح، وتميز بأنه لا يخضع للجيوش الوطنية، وهو يعبر عن نفسه عبر تنظيمات معقدة التركيب ولها دهاء كبير، وتوحدها خاصية «الهجانة»، بمعنى المزج بين النشاط السياسي وممارسات العصابات.
وتبعاً لذلك، يجب أن نستغرب كون الشباب المنحرف والمحترف للجريمة المنظمة يمارسون الإرهاب بالغطاء الديني المزيف، ذلك أن «الفاعلين السياسيين»، مثل الإرهاب أو الميليشيات، وكذا الجهات الفاعلة في «القانون العام»، مثل العصابات أو الكارتلات أو المافيا، الذين عاشوا بالأمس انفصالاً حقيقياً، في الفضاءات العامة بفعل منطق الحرب الباردة، وجدوا أنفسهم، فجأة، على مسرح موحد لهم هو «العنف المفترس».
لم يكن هذا ليحدث لولا قدرة كل من الجريمة المنظمة والتنظيمات الإرهابية على تجنيد الشباب، غير أن التجنيد نفسه يعيش على الاقتيات من الظروف التي أنتجتها العولمة بعد الحرب الباردة، كما ينتعش التجنيد في مناطق التوتر والصراعات الأهلية الدينية والسياسية، وهذا هو سرّ تنامي دور الميليشيات والتنظيمات الإرهابية على المستوى الدولي.
لقد أصبح العنف اليوم معتقداً ذا وجهين، مثل الإله يانوس بيفرون. وهذا التطور الذي انخرطت فيه الجريمة والإرهاب مسلحين بجيش من الشباب المتعدد الجنسيات، والأحوال الاجتماعية، والطوائف والمهارات العلمية والنوازع الآيديولوجية، جعل الخبير جان فرنسوا جيرو يقترح اعتماد شبكة جديدة جذرياً لتحليل العنف ما بعد الحرب الباردة، على اعتبار أن التحولات الجوهرية التي حدثت على ساحة العنف السياسي والإجرامي تشكل طفرة غير مسبوقة من حيث تجنيد الشباب، ومن حيث القدرة الفائقة على التعاون والاتصال بين عالم الجريمة والإرهاب، وعليه، فلم يعد من المقبول علمياً، وواقعياً، اليوم، الحديث عنهما باعتبارهما فضاءين منفصلين، كما كانا قبل سنوات مضت.
فنظرية «الهجانة» التي يطرحها جيرو اليوم باعتبارها نظرية علمية تفسر التداخل بين الجريمة والإرهاب، تجد في الأحداث الإرهابية التي ضربت كلاً من فرنسا وبلجيكا سنتي 2015 و2016 سندها الكبير، بل يمكن القول إن هذه الموجة من الهجمات هي مثال لتطبيق هذه النظرية. فماذا حدث فعلاً؟ إن الذي وقع، هو أن لجميع الشباب مرتكبي هذه الهجمات تقريباً تاريخاً من الإجرام قبل اللجوء إلى الإرهاب، وقد سُجلت ضد مجملهم جرائم، وتحتفظ الشرطة الفرنسية والبلجيكية بسجلات هؤلاء الشباب المتطرفين باعتبارهم مجرمين، لكنهم فاجأوا الجهات الأمنية بقفزهم وبسلاسة، في وقت وجيز، من عالم الإجرام إلى تنفيذ أعمال إرهابية وحشية.
أكثر من ذلك، عندما نرجع بالبحث والتقصي العلمي للبيانات الاجتماعية، والمسار الفردي للإرهابيين، نجد أن التحول من مجرم إلى إرهابي، ليس حالة معزولة وشاذة ووليدة ظروف معينة. بل تجد أن الهجانة كما تطرح هنا لها قوة تفسيرية قوية وتتجاوز غيرها من النظريات التفسيرية المعاصرة التي عالجت ظاهرة الإرهاب المعاصر بشقه الميليشياوي والتنظيمي الديني. فالشباب الذين تحولوا إلى إرهابيين لم يكونوا ممن تلقى تعليماً عالياً، ولا هم من الطبقة الميسورة، بل هم من المهمشين والمنبوذين اجتماعياً الذين يهاجمون مقرات الشرطة ويمارسون السرقة والاتجار في المخدرات وغيرها.
وهؤلاء الشباب في الواقع، ومن الناحية الذهنية، هم أقرب لأعضاء عصابات شوارع لوس أنجليس، أو أعضاء في فرق موسيقى الهيب هوب العنيفة المعروفة عند العصابات الأميركية، وهم في المقابل أبعد عن ذهنية خريجي الأزهر بالقاهرة.
في هذا الإطار يجب فهم «الهجرة المعاكسة» التي أدت لاستقبال تنظيم داعش لأكثر من 40 ألف مقاتل شاب من 110 دول في سنة 2014، أما الإنتربول فقد أفاد في سبتمبر (أيلول) 2017 بأنه تأكد من أن 19000 شخص انضموا إلى «داعش». ولم يكن هذا العدد ليصل للعراق وسوريا لولا التداخل والتشابك الكبير بين التنظيمات المافيوية والإرهاب، واستغلالها لوسائل التواصل الاجتماعي وشبكات الهجرة غير الشرعية الدولية.
وبحسب التقرير الذي أعده منسق الاتحاد الأوروبي لقضايا الإرهاب، جيل دو كيرشوف، نهاية 2016م، فإن إجمالي المقاتلين الأوروبيين الداعشيين نحو 2500 مقاتل. وبحسب المرجع ذاته، فقد قتل منهم 15 إلى 20 في المائة، بينما عاد نحو 30 إلى 35 في المائة إلى دولهم، في الوقت الذي لا يزال ما يقرب من 50 في المائة إلى حدود النصف الأول من 2017 في سوريا والعراق.
وفيما يخص الشباب الفرنسي المسلم الملتحق بـ«داعش»، فعلينا أن نعلم أن الأمر لا يتعلق بأسلمة التطرف أو تطرف الإسلام، هذا الموضوع ناقشه البروفسور والخبير في الجماعات الإرهابية أوليفي روا بتفصيل وهي وجهة نظر محترمة.
بالنسبة لجيرو عالم الإجرام، ومستشار التنسيق الوطني للاستخبارات ومكافحة الإرهاب المرتبطة بقصر الإليزيه، فإن إدراك أبعاد المشكلة يتطلب تجاوز النقاش الرسمي المتعلق بـ«أسلمة التطرف والتطرف الإسلامي».
ما تطرحه نظرية «الهجانة» هو تصور خارج هذا التفسير، لذا فهي تقف على أرضية أخرى وتنظر بعيداً. فمن الواضح أن الواقع الآيديولوجي للسلفية أمر حاسم، و«الخطأ الكبير الذي ارتكب في فرنسا، هو أننا سمحنا بانتشار هذه الآيديولوجية، مما يعني تكريس صورة من صور الانفلات من العقاب».
غير أنه من السذاجة حصر مصدر الإرهاب في العامل الديني، وفي الوقت ذاته، لا يمكن القول إن الإسلام لا علاقة له بذلك، ومن هنا يجب الاهتمام بالجريمة، وبالتفسير الذي تطرحه نظرية «الهجانة». ففي الواقع الفرنسي والأوروبي، نجد آلاف الشباب في الأحياء المهمشة، مثل حي مولنبيك بضواحي بروكسل، وضواحي باريس، يعيشون في عالم الجريمة، ويتعرضون للعقوبات، كما يتعرضون لخطر التجنيد والتحول المفاجئ لمربع الإرهاب.
وهكذا، يمكن الاستدلال بضاحية العاصمة البلجيكية باعتبارها مثالاً لمنطقة تحولت إلى «مولنبيكستان»، تعيش على وقع ثلاث حقائق إجرامية أبطالها هم الشباب بالدرجة الأولى، وهي: أولا: اقتصاد إجرامي مكثف يستند أساساً إلى الاتجار بالمخدرات، وثانياً، تعايش قائم على خلفية للأخلاق التي تشكل أرضاً خصبة للعمل الإرهابي، وثالثاً، سياسات محلية متواطئة مع الوضع القائم، مقابل ضمان السلم الاجتماعي والأصوات الانتخابية. وهذا التهجين السياسي - الإجرامي لا يمكن أن يتجذر إلا في سياق إنكار الواقع، الذي يطرح بشكل ملح انتشار مواضيع العنصرية وكراهية الأجانب، والإسلاموفوبيا.
بكلمة يعتقد صاحب كتاب «من الإرهاب إلى العصابات... الهجانة: الوجه الجديد للعنف»، بأن نظرية «الهجانة» تملك قوة تفسيرية تتجاوز الأطروحات التي درست الظاهرة الإرهابية المعاصرة، وأن تطبيق هذه «النظرية» على كثير من الحالات الإجرامية، في أماكن وسياقات مختلفة جداً، يثبت تطور العلاقة بين الإرهاب والإجرام في المسار والتاريخ، غير أنه لا بد من الاعتراف كذلك بأن بعض الأعمال الإجرامية، تبقى غامضة، ربما لأسباب وظروف وملابسات سياسية، مما يعقِّد الأمر ويجعله صعب التفسير.
وبحسب الرؤية التفسيرية التي كانت سائدة والمنتشرة نظرياً، فمن المفتَرَض أن يشير الاختلاف بين عصابات الإرهاب والجريمة المنظمة إلى تعارُض واضح في الأهداف، والوسائل، على اعتبار أن للإرهاب غرضاً سياسياً، في حين أن المنظمة الإجرامية تسعى فقط إلى الربح. بينما يريد الأول تدمير أو قهر السلطة لأغراض مختلفة (الآيديولوجية والدينية والعرقية)، فإن الجريمة تهدف إلى افتراس المجال الاقتصادي والمالي، وتحقيق تراكم الثروة.
أما اليوم فلم يعد ممكناً اعتماد التصنيف الذي يفصل عالم العصابات والجريمة المنظمة عن الإرهاب وتنظيماته، فالأهداف والوسائل، وطرق الاشتغال نفسها تعرضت للتشابك والاندماج بين الجانبين، ومن هنا تقدم نظرية التهجين نموذجاً تفسيرياً، لتوضيح هذه الظاهرة المعقدة. وبدءاً من تحليلات لويز شيلي وجون بيكاريلي، يقترح كتاب «من الإرهاب إلى العصابات... الهجانة: الوجه الجديد للعنف»، نموذجاً لمسار التحول في العلاقة بين الإرهاب والجريمة، عبر دينامية تاريخية أنتجت التهجين، وتمت عبر أربع عمليات وهي: أولاً، عملية التعاون، ثانياً، التقارب، ثالثاً تحقيق عملية التحول، ورابعاً إنجاز التعايش في المجال الجغرافي. وهكذا وصلنا في الواقع الدولي اليوم إلى الاندماج والتشابك، وبعبارة أخرى، وصنا لمرحلة تم فيها تسييس الجريمة وتجريم السياسة، وعليه يستحيل فصل الإرهاب عن الجريمة المنظمة.
* أستاذ زائر للعلوم السياسية
في جامعة محمد الخامس - الرباط



ملادينوف و«حماس» في القاهرة من أجل تفاهمات «حاسمة» بشأن «نزع السلاح»

أطفال يقفون خارج خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال يقفون خارج خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

ملادينوف و«حماس» في القاهرة من أجل تفاهمات «حاسمة» بشأن «نزع السلاح»

أطفال يقفون خارج خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
أطفال يقفون خارج خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

أفادت مصادر فلسطينية ومصرية، لـ«الشرق الأوسط»، بأنَّ وفداً من حركة «حماس» يصل إلى القاهرة الجمعة؛ لعقد اجتماعات مع الممثل الأعلى لقطاع غزة في «مجلس السلام»، نيكولاي ملادينوف، والفصائل الفلسطينية، بجانب السلطات المصرية.

تلك الاجتماعات التي تعدُّ الثانية في نحو أسبوع، تأتي لبحث «تفاهمات حاسمة»، بشأن ملف نزع السلاح، وفق ما تقول المصادر، غداة حديث إعلام إسرائيلي، عن أنَّ مهلة ملادينوف للحصول على رد «حماس» بشأن نزع السلاح بالقطاع تنتهي الجمعة، وإن لم تحسم الحركة ردَّها بالإيجاب ستشن إسرائيل عمليةً عسكريةً جديدةً.

ويُعدُّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمَّن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقُّق النهائي من خلو غزة من السلاح». وتقول إسرائيل إنَّها لن توافق على الانسحاب من غزة ما لم يُنزَع سلاح «حماس» أولاً.

تحركات وتهديدات

ووفقاً لصحيفتَي «يديعوت أحرونوت»، و«إسرائيل هيوم»، الخميس، فإنَّ إسرائيل تترقب ردود «حماس»، بعد انتهاء مهلة ملادينوف.

وكانت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» نقلت الثلاثاء، عن 3 مصادر، أن «مجلس السلام منح (حماس) مهلةً حتى الجمعة لقبول اقتراح نزع السلاح».

وقبيل انتهاء المهلة، قال ملادينوف، في تغريدة مساء الخميس عبر حسابه على منصة «إكس»: «دخلت 602 شاحنة إلى غزة مُحمَّلةً بإمدادات أساسية للعائلات التي انتظرت طويلاً».

وشكَّك المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، في بيان الجمعة، من صحة ذلك، قائلاً: «تؤكد البيانات الفعلية ليوم 9 أبريل (نيسان) الحالي دخول 207 شاحنات فقط إلى القطاع، من بينها 79 شاحنة مساعدات في حين تضم حمولة بقية الشاحنات الـ207 عادة بضائع تجارية لشركات خاصة».

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المُدمَّرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

وقال المصدر المصري، إنَّ المحادثات ستبدأ مساء الجمعة وتتوالى، ومن المتوقع أن تبدي «حماس» رداً إيجابياً، خصوصاً مع تحريك في أعداد شاحنات المساعدات كبادرة إبداء نوايا حسنة من جانب ملادينوف، مع تفهم للاختلافات في الأعداد التي يطرحها كل جانب، لكنه تطور إيجابي يبنى عليه خلال المحادثات.

ويعتقد أن «هناك مؤشرات إيجابية حتى الآن تقول إن (حماس) ستناقش بعد ردها الإيجابي كيفية التنفيذ، وهذا يحتاج لتفاهمات حاسمة، للانتقال إلى تدابير وأفعال على الأرض، ونرى دخولاً فعلياً للجنة إدارة غزة»، مع مفاوضات متواصلة، مشيراً إلى أنَّ إسرائيل سلوكها متقلب دائماً، وقد تتذرَّع بأنَّ «حماس» تناور وتتجه إلى عمليات عسكرية.

لكن المصدر الثاني وهو فلسطيني، قال إنَّ الوفود الفلسطينية ستكتمل الجمعة أو السبت بحد الأقصى، لافتاً إلى أنَّ رد «حماس» قد لا يتضمَّن رفضاً تاماً أو قبولاً تاماً.

وأوضح المصدر أن الحركة والفصائل تنتظر رداً من ملادينوف على استفسارات بشأن تنفيذ الإطار المطروح، ومدى التزام إسرائيل بالاتفاق والانسحاب من القطاع، بخلاف أولوية نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل «لجنة إدارة غزة».

ويعتقد المصدر الفلسطيني الثالث، المقرَّب من «حماس»، «أن لقاء القاهرة لن يكون سهلاً لجميع الأطراف، خصوصاً أنَّ هناك استياء مما أثاره ملادينوف من حديث غير مطابق للواقع بشأن المساعدات، لكن الحركة معنية بتخفيف المعاناة عن الفلسطينيين، والسعي للتنفيذ الكامل للاتفاق، خصوصاً من جانب (الاحتلال)».

مصادر تتوقع بوادر إيجابية

ومن الواضح حسب صحيفتَي «يديعوت أحرونوت»، و«إسرائيل هيوم»، أنَّه في حال كان رد «حماس» سلبياً فسيكون القرار بيد إسرائيل، وسيتعيَّن عليها نزع سلاح «حماس» بالقوة، وسط تأكيد منهما أنَّ «جميع الخيارات مطروحة، وننتظر التوجيهات السياسية، ولكن في ظلِّ تركيز الاهتمام على لبنان، يصعب توقُّع استئناف القتال في غزة خلال الأيام المقبلة».

وهذا يتماشى مع ما نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الاثنين، عن مصادر بأنَّ هناك ضغوطاً إقليمية مكثفة من قبل الوسطاء؛ لدفع الحركة نحو القبول بهذه المبادرة، لتجنُّب جولة جديدة من العمليات العسكرية الشاملة، خصوصاً في ظلِّ تلويح الإدارة الأميركية باستخدام خيارات عسكرية حازمة في حال رفض المسار السلمي.

وفي ضوء تلك التطورات، يعتقد أستاذ العلوم السياسية المتخصص بالشأن الإسرائيلي والفلسطيني، الدكتور طارق فهمي، أنَّ لقاء القاهرة الثاني خلال أسبوع، يبدو أنَّه يتجه لمشهد إيجابي، شريطة التزام كل الأطراف بالتوافق.

ويرى فهمي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنَّه في ضوء ردود «حماس» المتوقع أن تكون إيجابيةً ومشروطةً، وتحركات ملادينوف بشأن المساعدات، ومساعي القاهرة، يمكن أن نقول إن فرص النجاح قائمة في التوصُّل لتفاهمات تُنفَّذ بشأن ملفات اتفاق غزة، محذِّراً من أنَّ البديل حال الفشل سيكون احتلال إسرائيل باقي القطاع كما تخطِّط حالياً وتتمنى.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور أيمن الرقب، أنَّ التهديدات المتوالية خلال الأسبوع الحالي، وعشية لقاء ملادينوف و«حماس»، من باب الضغوط لا أكثر على الحركة.

وأشار الرقب في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنَّ أفضل المسارات التي يجب أن يذهب لها لقاء القاهرة، هو التوافق المبدئي على تسليم السلاح، وذلك بعد تشكيل الشرطة الفلسطينية ووصول قوات الاستقرار الدولية، ولكن هذا يتوقف على حسابات «حماس»، خصوصاً وهي تسعى لأن يكون المسار الإجباري للخروج من المشهد بأقل الخسائر.


مبيدات قاتلة بأسماء جذابة تهدد الأمن الغذائي اليمني

في السنوات الأخيرة تزايدت المخاوف من تلوث العسل اليمني بسبب انتشار المبيدات (غيتي)
في السنوات الأخيرة تزايدت المخاوف من تلوث العسل اليمني بسبب انتشار المبيدات (غيتي)
TT

مبيدات قاتلة بأسماء جذابة تهدد الأمن الغذائي اليمني

في السنوات الأخيرة تزايدت المخاوف من تلوث العسل اليمني بسبب انتشار المبيدات (غيتي)
في السنوات الأخيرة تزايدت المخاوف من تلوث العسل اليمني بسبب انتشار المبيدات (غيتي)

تحصل بعض المبيدات الخطرة التي يجري ترويجها في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية على أسماء جذابة، في حين يعيش السكان والمزارعون مخاوف متزايدة على صحتهم وجودة المحاصيل، في ظل انتشار معلومات عن احتوائها على مواد محظورة أو مجهولة المصدر، في ظل فساد الجماعة وغياب رقابة فعّالة.

وحذّر عدد من المزارعين، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، من انتشار مواد يُشتبه في خطورتها على المحاصيل وصحة الإنسان، مبدين قلقهم على مزروعاتهم ومحاصيلهم وأراضيهم الزراعية من تأثيرات خطيرة تنعكس أيضاً على صحة المستهلكين، بالتزامن مع تزايد الاتهامات الموجهة إلى شبكات تجارية تابعة للجماعة الحوثية بالوقوف وراء إدخال مبيدات مجهولة المصدر تحت أسماء لافتة؛ مثل: «العبد» و«الفيل» و«الوسام».

ويقول المزارعون إن استخدام تلك الأنواع من المبيدات يتسبّب في أضرار جسيمة للمحاصيل الزراعية، مشيرين إلى أن زراعة «القات» تحظى بالنصيب الأكبر من استخدام هذه المواد، في بلد يستهلك غالبية سكانه هذه النبتة يومياً في طقوس الترفيه والاسترخاء. كما حذّر المزارعون والناشطون من احتواء «القات» على كميات كبيرة من السموم والمبيدات التي تشكّل تهديداً كبيراً ومباشراً على صحة المستهلكين، وذلك بسبب رغبة مزارعي هذه النبتة في تحقيق نمو سريع لأغصانها وأوراقها في زمن قياسي. وذكرت مصادر مطلعة في صنعاء، لـ«الشرق الأوسط»، أن غالبية مزارعي «القات» يبررون إقدامهم على استخدام المبيدات بشكل مفرط، بسبب الإتاوات الكبيرة التي تفرضها جهات تابعة للجماعة الحوثية عليهم، مما يقلّل من أرباحهم بشكل كبير، ويضطرهم إلى مضاعفة الإنتاج بسرعة.

وثيقة مسرّبة تكشف عن تواطؤ القطاع الزراعي الذي يسيطر عليه الحوثيون مع تجار المبيدات (إكس)

وأوضحت المصادر أن الجهات الرقابية في القطاع الزراعي الذي تسيطر عليه الجماعة الحوثية تتجاهل الشكاوى والبلاغات التي ترد إليها، بما في ذلك التحذيرات التي تطلقها جهات صحية، وترفض إجراء أعمال رقابية وفحوصات ميدانية سواء في الأسواق والمزارع.

وثائق وشهادات

تفسّر المصادر الصمت الذي تمارسه هذه الجهات، بوجود أوامر من قيادات حوثية عليا من مصلحتها استمرار بيع المبيدات من جهة، وزيادة الإنتاج الزراعي مهما كان ملوثاً من جهة أخرى، للحصول على المزيد من الأموال بفرض المزيد من الجبايات عليه. ولا تقتصر هذه المخاوف على مزارعي «القات» فحسب؛ إذ يؤكد المزارعون أن تلك المبيدات تُستخدم أيضاً في زراعة الخضراوات والفواكه، مما يوسع دائرة القلق لتشمل سلامة الغذاء الذي يصل إلى موائد السكان، في بلد يعاني أصلاً من هشاشة أمنه الغذائي واعتماد كبير على الإنتاج المحلي المحدود.

مزارع «القات» في اليمن تشهد استخداماً مفرطاً لأنواع مختلفة من المبيدات المحظورة (فيسبوك)

وخلال الأيام الماضية، تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو لمزارع من مديرية بني مطر غرب العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، يحذّر من دخول مبيدات وصفها بـ«الخطرة والمسرطنة» إلى الأسواق عبر التهريب، منبهاً إلى أن استخدامها ألحق أضراراً بالمزروعات. وكشف المزارع عن أنه تعرّض لضغوط وتهديدات لإجباره على سحب شهادته تلك، أو إثبات ما قام بنشره رغم تقديمه شهادات من مزارعين آخرين أكدوا تجربة تلك المواد. ويتزامن ذلك مع تداول وثيقة تشير إلى سماح قطاع الزراعة في حكومة الحوثيين غير المعترف بها، بدخول مبيدات مُصنّفة ضمن المواد المقيدة أو المحظورة دولياً إلى الأسواق في مناطق سيطرة الجماعة، مقابل مبالغ مالية كبيرة يُلزم التجار بدفعها بوصفها رسوماً.

هيئات الرقابة الخاضعة للحوثيين متهمة بعدم التفاعل بخصوص المبيدات القاتلة (فيسبوك)

وتكشف الوثيقة عن أنه تم الإفراج عن شحنة مبيدات بعد دفع نحو 30 ألف دولار من إحدى الشركات التجارية، رغم التحذيرات المرتبطة بخطورة مكونات تلك المواد على الصحة العامة والبيئة الزراعية.

تواطؤ مكشوف

اتهم عدد من رواد مواقع التواصل الاجتماعي الجماعة الحوثية بالتناقض في مواقفها السياسية المعلنة وممارساتها الحقيقية على أرض الواقع، وذلك بالإشارة إلى معلومات تتحدث عن استيراد مبيدات خطرة من إنتاج إسرائيلي، رغم الخطاب المعادي للدولة العبرية.

ومنذ سنوات يتناقل السكان معلومات، لم يجرِ تأكيدها، بدخول مبيدات إسرائيلية المنشأ، إلى مناطق سيطرة الجماعة، في حين يقول خبراء زراعيون وكيميائيون إن خطورة المبيدات لا يقضي بالضرورة أن يكون مصدرها إسرائيل. وخلال جلسات محاكمته خلال العامَين الماضيَين، أقر تاجر المبيدات الموالي للجماعة الحوثية، عبد العظيم دغسان، والمتهم بإدخال وبيع مبيدات مهرّبة ومحظورة ومنتهية الصلاحية، باستيراد تلك المواد عبر التهريب، وحصوله على توجيهات عليا بالإفراج عن الشحنات المضبوطة. ورغم صدور قرار من القضاء التابع للجماعة بالقبض القهري على دغسان، وإغلاق محلاته التجارية، يؤكد ناشطون موالون للجماعة أن ذلك القرار لم يجد طريقاً للنفاذ، بسبب حصوله على حماية من قيادات عليا.

وقفة احتجاجية سابقة ضد مخطط حوثي لإنشاء مصنع مبيدات وسط التجمعات السكنية (إعلام محلي)

وخلال العامَين الماضيَين تعرّض عدد من الناشطين الموالين للجماعة الحوثية لملاحقات أمنية وإجراءات تعسفية شملت الاعتقال والتهديد بتعريضهم لمحاكمات بتهم تتعلق بالإساءة للأمن العام والتجسس على خلفية انتقادهم انتشار المبيدات المحظورة، وأحاديثهم عن انتشار شبكات لتجارتها. ومنذ أكثر من شهر، دعت الجمعية اليمنية لحماية المستهلك في صنعاء، الجهات المعنية التابعة للجماعة الحوثية، إلى اتخاذ إجراءات صارمة لمنع استيراد المبيدات المحظورة دولياً وغير المسجلة، وتشديد الرقابة على المنافذ الجمركية، ونشر قوائم بالمبيدات الممنوعة لحماية المزارعين والمستهلكين.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


المنفي يحضّ الأطراف الليبية على التوافق لإنجاز الانتخابات

المنفي مستقبلاً عدداً من أعضاء «الحوار المهيكل» في مكتبه بطرابلس (المجلس الرئاسي)
المنفي مستقبلاً عدداً من أعضاء «الحوار المهيكل» في مكتبه بطرابلس (المجلس الرئاسي)
TT

المنفي يحضّ الأطراف الليبية على التوافق لإنجاز الانتخابات

المنفي مستقبلاً عدداً من أعضاء «الحوار المهيكل» في مكتبه بطرابلس (المجلس الرئاسي)
المنفي مستقبلاً عدداً من أعضاء «الحوار المهيكل» في مكتبه بطرابلس (المجلس الرئاسي)

يكثّف محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، على نحو غير معهود، من لقاءاته بمختلف أطياف المجتمع في غرب البلاد، على خلفية خلافه غير المعلن مع عبد الحميد الدبيبة، رئيس «حكومة الوحدة» المؤقتة.

عدد من أعضاء «الحوار المهيكل» خلال اجتماعهم من المنفي (المجلس الرئاسي)

وقال مكتب المنفي إنه «في إطار مواصلة التشاور الوطني، وتعزيز مسارات التوافق السياسي»، بحث المنفي مع عدد من أعضاء «الحوار المهيكل» مستجدات الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في البلاد، بالإضافة إلى «التحديات الراهنة»، كما جرى «استعراض السُّبل الكفيلة بالدفع قدماً نحو ترسيخ الاستقرار، من خلال الوصول إلى استحقاق انتخابي شامل، يلبّي تطلعات الشعب الليبي».

وجدد المنفي، الذي التقى سياسيين وعسكريين عديدين خلال الأيام الماضية، مناشدته جميع الأطراف الليبية التوافق السياسي من خلال الحوار، بعيداً عن «الصفقات»، بهدف إنجاز الاستحقاق الرئاسي والنيابي، الذي يتوق إليه الشعب الليبي.

وفي ظل ما تعانيه السلطة التنفيذية في العاصمة طرابلس من تجاذبات حادة، شدد المنفي على «أهمية توحيد الجهود الوطنية، وتكثيف العمل المشترك بين مختلف الأطراف؛ بما يضمن إطلاق عملية سياسية جامعة لا تُقصي أحداً، وترتكز على مبادئ الشفافية والتوافق ومحاربة الفساد»، لافتاً إلى أن ذلك من شأنه الوصول بالبلاد إلى إجراء انتخابات عامة، تعبّر عن الإرادة الحرة والصادقة لليبيين.

ويمثل «الحوار المهيكل»، الذي انطلق منتصف ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أحد المسارات الأساسية ضمن «الخريطة الأممية»، التي عرضتها المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن في أغسطس (آب) الماضي، لمعالجة الانقسام بين حكومتي شرق ليبيا وغربها.

المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه (غيتي)

وتعمل البعثة الأممية لدى ليبيا، برئاسة هانا تيتيه، على دعم العملية السياسية في البلاد على نحو يتيح إجراء الانتخابات الرئاسية والنيابية المؤجلة منذ نهاية عام 2021؛ بسبب الخلافات على القاعدة الدستورية اللازمة للاستحقاق.

وسعياً لرأب الصدع بين منظومة القضاء في ليبيا ومنع انقسامها، سارعت البعثة من خلال نائبة الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا للشؤون السياسية ستيفاني خوري إلى مناقشة الأزمة مع النائب العام الصديق الصور، مساء الخميس، حيث أطلع النائب العام خوري على مستجدات جهوده المستمرة في الوساطة، الهادفة إلى معالجة الانقسامات المؤسسية داخل السلك القضائي.

النائب العام الليبي مستقبلاً خوري لبحث أزمة «القضاء» (مكتب النائب العام)

من جانبها، جدّدت البعثة الأممية دعمها لمقترحات لجنة الوساطة الليبية، مؤكدةً أهمية الحفاظ على «وحدة القضاء، وضمان أن تسهم الجهود الجارية في تعزيز نظام العدالة في ليبيا، بما يتماشى مع مبادئ سيادة القانون».

في شأن مختلف، نفت شركة الخطوط الجوية الليبية ما تم تداوله من أنباء حول فصل عدد من موظفيها، موضحة أن «ما يجري راهناً هو عملية إعادة تنسيب لأكثر من ألف موظف إلى قطاعات مختلفة، وفقاً لدرجاتهم الوظيفية وتخصصاتهم، ضمن خطة تنظيمية تهدف إلى تحسين توزيع الكوادر ورفع كفاءة الأداء».

وأوضحت الشركة، في وقت مبكر من صباح الجمعة، أن هذه الخطوة «تأتي في إطار إعادة تنظيم الهيكل الوظيفي، بما يعزز كفاءة العمل داخل مختلف الإدارات والقطاعات التشغيلية، مع التأكيد على التزامها الكامل بالحفاظ على استقرار موظفيها، وضمان حقوقهم الوظيفية كافة».

وقالت الشركة إنها عقدت اجتماعاً مشتركاً بمدينة بنغازي، ضم مدير منطقة بنغازي بالشركة الدكتور فرج المسلاتي، ورئيس مصلحة الطيران المدني محمد الغرياني؛ لبحث استكمال إجراءات تنسيب عدد من موظفي الشركة إلى مصلحة الطيران المدني. ولفتت إلى أن الاجتماع تناول متابعة الترتيبات الإدارية المتعلقة بعملية التنسيب، حيث تم الاتفاق على استكمال الإجراءات، وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة، و«بما يضمن انتقالاً منظماً وسلساً للموظفين».