رسام الكاريكاتير العراقي بسام فرج... الحفر في أرض الوطن

من كاريكاتيرات بسام فرج
من كاريكاتيرات بسام فرج
TT

رسام الكاريكاتير العراقي بسام فرج... الحفر في أرض الوطن

من كاريكاتيرات بسام فرج
من كاريكاتيرات بسام فرج

يصدر قريباً عن دار «المدى» العراقية، كتاب «بسام فرج: سيرة الاحتجاج» وهو من تأليف الراسم والناقد التشكيلي العراقي موسى الخميسي.
هنا مقتطفات وافية من مقدمة الكتاب

يحظى الفن الكاريكاتيري بمزيد من الاهتمام في العالم، ذلك لأن هذا الفن الذي بدأ يأخذ حيزا كبيرا في واقع الحياة اليومية للناس، يعد أكثر التعبيرات قدرة على استخراج الكثير من أشكال الديمقراطية من جيوب الرقابة التي تفرضها مؤسسات أي نظام من أنظمة العالم التي بنت استمراريتها على الرقابة والمصادرة والمنع. فن الكاريكاتير، يضع في اعتباره، إعطاء المشاهد أفكارا جدية وذات معنى عميق لما يدور في مجتمعه وفي العالم من أحداث، ورسام الكاريكاتير السياسي، يستفيد من السخرية لإيقاظ سخط الناس واستيائهم على مسببي الحروب والكوارث والمآسي والمظالم، لأنه مقتنع بأن ما يفعله، يعدّ وسيلة وحيدة للخروج من دائرة التخلف التي يعيد إنتاجها النظام السياسي فيشكل دورة مغلقة، حتى ولو كان ذلك بتغييب العقل.
ولا نبالغ إذا قلنا بأن الفن الكاريكاتيري هو فن مفردات ومجازات خاصة، تكون لغته الوسيط الشعبي الساخر. والصورة الكاريكاتيرية بما تحمله من نبض خفي للحياة يقدمها رسام الكاريكاتير وكأنها تبدو بعض الأحيان بديهيات إلا أنها تحمل دلالاتها الرمزية المبنية على الأساليب الفكهة والقادرة على تأسيس الكثير من القناعات التي تمتد جذورها في الواقع.
إن الحديث عن الكاريكاتير السياسي النقدي في أي بلد بالعالم هو في بعض الأحيان كالحديث عن زجاجات معبأة بالبارود، لها شكلها وإيقاعها وزمنها الذي تنفجر فيه. فبعض الأحيان ترتكز على قاعدة لغوية لتكّمل الشوط في نقل أحاسيس مشاهدها إلى عوالم تحول بين ظهورها حراب الرقابة، وبعض الأحيان تنطلق من دون قيود اللغة. جنرالان يجلس كل منهما أمام الآخر وصدر كل منهما تحول إلى جدار يحمل عشرات الأوسمة والنياشين الحربية، وهالة غموض معقدة تغطي سحنتيهما، يمسك كل منهما بسيجار، وينفث الدخان من فمه، فيلتقي دخان بعضهما بدخان الآخر ليشكل دخان قنبلة ذرية. صورة أخرى مرسومة بالألوان تشكل صواريخ نووية في دائرة حول الكرة الأرضية، وهي تلعب لعبة الأطفال الصغار، صورة أخرى تمثل صاروخا ينطلق وكأنه حكاية من حكايات الزمان السالف «افتح يا سمسم» حيث تتحول تلك الكلمة العراقية السحرية القديمة إلى كلمة معاصرة لتكون «افتح يا سام». موضوع السياسة والحب هو الطاغي في كل فعالية فنية جماهيرية هنا في العراق أو سوريا أو اليمن، أو الولايات المتحدة، فالحروب والأزمات الاقتصادية واللعب السياسية التي تقودها الطوائف والعشائر والأحزاب الدينية، تشكل الخوف الفعلي في حياة الناس، وما يقال وما يرسم يمثل صرخات الاحتجاج والخلاص تنطلق من كل مكان ضد الترسانات العسكرية، والمحافل السياسية.
العراق ينفرط ويتحلل في مدارات مظلمة وزاويا معتمة، وكأن هذا الجميع منتش بما أصاب الجسد العراقي الذي أنهكته الديكتاتورية الفاشية والأحزاب التي لبست لباس الدين الحنيف بوجوهها الطائفية والمذهبية، لتجهز عليه الخلافات التي ستحول هذا البلد الذي هو مهد الحضارات الإنسانية إلى لا شيء في الحسابات الدولية أكثر مما هو عليه حاليا.
الأزمات في بلادنا، وأيضا في كل بلدان العالم، لا تنتهي عند حد معين، كيما لا يغضب ذالك العراب المتربص لإسدال ستائره المظلمة على حلم النهار الديمقراطي.
و«الكاريكاتير» العراقي ليس له تاريخ طويل، إلا أنه وفي سنوات ما بعد سقوط النظام الديكتاتوري ولحد اليوم أخذ حيزا كبيرا في واقع الحياة الثقافية اليومية للمواطن العراقي، فهو موجود في أغلب الصحف اليومية العراقية، إذ أصبحت ظاهرة عامة في الحياة اليومية للشعب العراقي، أسوة بشقيقيه المصري واللبناني، لقد أصبح السفر ممتعا، ومريحا مع «دخانه» المتطاير الذي تحمله بعض التعليقات، التي توخز الفكر المحافظ، الغارق في يقينه، والخائف من الآخر ومن ثقافته، ومن حداثته وتقدمه، والمنتمي للآخرة أكثر من انتمائه للحياة، في واقع زاد زحاما، وأشدت غبارات أجوائه فأصبحت المنافذ «الدخانية» سهلة الاختراق لكل الحواجز التي يرفعها هذا الواقع، وذلك من خلال نصب الأفخاخ الذكية، وإجراء المقالب الماكرة، ابتدأت من معطف الفنان البغدادي غازي عبد الله الذي كان فنانا قديرا، وجاء من بعده تلميذ نجيب، هو بسام فرج، ليكون رافعا ماهرا للأقنعة، عن وجوه وعورات الكثير من السياسيين. ومهارته هذه قائمة على الملاحظات الثاقبة للحياة والواقع، وذلك في أخذ الكثير من جوانب هذا الواقع الأكثر تعقيدا من غيره، وصلنا من خلاله إلى زمن اللاعقلانية بامتياز، في كل مجالاتنا الحياتية... وأصبحنا ننظر إلى المستقبل يزدحم بعلامات الانهيار والتكلس القاتل في أفقه، فهو يعيد إنتاج الموت البطيء للثقافة والفكر والإنسان.
فقدم الفنان بسام للرمز صورة الفكاهة، لحمل الناس إلى رؤية الأشياء التي تسير على رؤوسها بالمقلوب، في واقع يمشي الجميع على قدميه.
واتسمت رسومه بالتبسيط في الفكرة والخط، لموضوعات هي بالأساس غير مبسطة للحد الذي تنتزع هذه الرسوم لتعكس الأشياء والظواهر المحيطة بسهولة وكأنها جزء من موجودات التعامل اليومي في الحياة الاجتماعية والسياسية العراقية، أنها تعتمد اعتمادا كبيرا على نقل الوعي بشرارات ذكية تخرج من الصورة وتلامس ذهن المشاهد، من دون تعليمية، ومن دون مخادعة، وإنما في سعي، يحمل وعيا واضحا يلامس، وينحاز إلى محبة الشعب العامل ليصل إلى العمق ليجعله يطفح على سطح واقع أي مجتمع، غني أو فقير، ديمقراطي أو ديكتاتوري.
معارك الأحزاب السياسية المستمرة، وفضائحها المدمرة، تمشي في طابور من أجل أن تدخل إحدى الغسلات الكبيرة والتي كتب عليها «غسل الضمير». إنها تبدو حقائق، وليست نكات خارج هموم العيش، لها القدرة في إيقاظ المخيلات، وفضح الواقع السياسي وبلاغته. أنه يدرك بأن المشكلة الكبرى، تتمثل الآن بانتصار التخلف الذي جعل من الحق باطلا، ومن الباطل حقا. فلا حداثة حقيقية من دون استعادة العقل السجين الذي يحتاج إلى تحريره من اليقينيات القاتلة والمتكررة.
معظم النتاجات الإبداعية التي حققها بسام فرج، كانت تحفر في أرض الوطن، وما تثيره من أسئلة حارقة ومارقة، لا تستسلم لكوابح العنف والتسلط وقمع الرأي، وإنما استطاعت تخطى العوائق والموانع؛ لتوقد جِذوة البحث الأبدي عن عشبة خلود الحياة والإبداع. لذلك اعتبر أن الرحلة في أهوال تيه الأنظمة السياسية ومكابداتها، من أبرز المحدّدات المهمة لعملية نقد لاذع وخلاق يمتلك صفة التخفي، يمجّد قيم الإنسان العراقي دون سواه، وهنا مطمح الإبداع القح والجدير بالديمومة. وقد تمكّنت عبْر رحلتي المتواضعة مع صديق العمر بسام فرج، أن أقف عند تخوم هذه التجربة منذ بداياتها الأولى الذاتية، في تشابك وتوالج وتواشج وإعجاب. رحلة اتسمت معالمها على الدوام، بالتنقيب عن وسيلة أسلوبية ناجعة.



أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
TT

أحمد وفيق لـ«الشرق الأوسط»: ندمتُ على المشاركة في «الحلانجي»

وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)
وفيق يرى أن طول قامته أدى إلى تأخره فنياً (الشرق الأوسط)

أعرب الفنان المصري أحمد وفيق عن سعادته بتجربته السينمائية الجديدة «الغربان» مع النجم عمرو سعد. وقال إن مسلسله الجديد «قلب شمس» مع المخرج محمد سامي يحمل العديد من المفاجآت الدرامية، مُبدياً ندمه على مشاركته في مسلسل «الحلانجي».

وأشار وفيق إلى أن شخصيته في العمل محورية وتعتبر العنصر الأساسي في الصراع.

ويشارك في بطولة المسلسل: يسرا، ودُرة، وإنجي المقدم، وسوسن بدر، وانتصار، ومحمود قابيل، والمسلسل يسلط الضوء على مشاكل العلاقات الإنسانية والصراعات الاجتماعية المختلفة، ومن المقرر عرضه قريباً على إحدى المنصات الرقمية.

ووصف وفيق شخصية «المحامي راشد» التي قدمها في مسلسل «البخت» بأنها من الشخصيات المهمة في مشواره، خصوصاً أنه سبق أن قدم شخصية «المحامي الشرير» الذي يمارس كل الألعاب الذهنية والإجرامية، بينما «راشد» يتمتع بـ«الشر الهادئ» الذي يعتمد على الأداء النفسي. ويرجع الفضل في أدائه للمخرج معتز حسام، على حد قوله، الذي عدّه من أكبر الداعمين له.

«بيت الشدة»

وعن مسلسله «بيت الشدة»، قال إنه عمل يمزج بين التشويق والرعب والواقعية الاجتماعية، وجسد فيه شخصية «المعلم مختار» الرجل الشعبي الشهم المتعلم الذي يمتلك مقهى، ويعتبر نفسه القائد الطبيعي للسكان، ويتصدى لمحاولات السيطرة على الحارة.

الفنان المصري أحمد وفيق (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن حبه للعمل جاء بسبب الفكرة المهمة التي يطرحها وهي أن القائد هو من يتمتع بالأخلاق وليس السطوة أو النفوذ.

وأكد أنه ليس بالضرورة أن يتكلم البطل الشعبي بطريقة معينة أو أن يكون أسيراً للمخدرات، كما نشاهد في بعض الأعمال حالياً.

«الحلانجي»

لكن السعادة التي يتحدث بها وفيق عن دوره في «بيت الشدة» تتبدل عندما يتم التطرق إلى مسلسل «الحلانجي» الذي جسد فيه شخصية رجل أعمال ذي نفوذ وسلطة، مؤكداً ندمه على المشاركة في هذا المسلسل، إذ لم يضف له العمل شيئاً على المستوى الفني، ولم يحظِ بالمشاهدة التي كان يتوقعها رغم الجهد الذي بذله فيه.

شارك وفيق في أعمال درامية كثيرة (الشرق الأوسط)

وكان المسلسل قد عرض في موسم رمضان 2025 وهو من تأليف محمود حمدان وإخراج معتز حسام وبطولة محمد رجب وعبير صبري وأيتن عامر ومحمد لطفي.

فيلم «الغربان»

ووصف وفيق تجربته السينمائية في فيلم «الغربان» بأنها مثيرة ومن أكبر الإنتاجات في تاريخ السينما العربية من حيث الميزانية والتنفيذ، إذ تدور أحداث العمل عام 1941 خلال الحرب العالمية الثانية، وتحديداً حول معركة العلمين في الصحراء الغربية، ويتناول صراعات ومعارك تاريخية بأسلوب بصري مدهش يضاهي أفلام هوليوود، على حد قوله.

وفيق أعرب عن ندمه على المشاركة في مسلسل «الحلانجي» (الشرق الأوسط)

ويجسد وفيق في الفيلم شخصية قائد جيوش الغربان وهي شخصية محورية ومؤثرة في مسار الأحداث وقد خضع بسببها لتدريبات شاقة.

الفيلم من بطولة عمرو سعد ودينا الشربيني ومي عمر وأسماء أبو اليزيد ومحمد علاء وماجد المصري، وعائشة بن أحمد، كما يشارك فيه ممثلون من روسيا وألمانيا وبريطانيا وأميركا، ومن المقرر طرحه في دور العرض خلال ديسمبر «كانون الأول» المقبل بعد رحلة تصوير وإنتاج استغرقت نحو خمسة أعوام وسيتم ترجمته إلى 12 لغة.

ورغم ذلك يؤكد وفيق أن شخصية «الطبيب النفسي عاصم» التي قدمها ضمن مسلسل «سراب» الأقرب إلى قلبه.

طول القامة

ويؤكد وفيق أن طول قامته لم يمنحه ميزة في العمل بمجال الفن، بل ساهم في تأخير مشواره في البدايات، حيث تم استبعاده من أعمال كثيرة رُشح لها لأن طوله لا يتناسب مع بقية الممثلين، وأوضح أن المخرج الراحل يوسف شاهين كان أول من حل هذه المشكلة تقنياً، بعد أن طمأنه بأن زوايا التصوير يمكن أن تتحكم في إظهار الممثل طويلاً أو قصيراً.

وفيق في دور المحامي (الشرق الأوسط)

ولفت إلى أن البطولة المُطلقة ظلمت فنانين كباراً وحرمت الجمهور من الاستمتاع بموهبتهم حيث يخشى بعضهم تقديم أدوار معينة خوفاً من رفض الجمهور لها.

وكشف وفيق عن أنه بدأ مسيرته المهنية بالعمل صحافياً في جريدة «الوفد» المصرية، حيث اعتبرها خطوة داعمة ومُكملة لطريقه نحو التمثيل إذ ساهمت في صقل خبراته بالإضافة إلى ممارسته لأعمال فنية أخرى مثل الديكور والنقد الفني والتشكيلي وتمصير النصوص والإخراج المسرحي.


مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
TT

مارسيلو مارتينيسي: ركزت على طرق صناعة الاستبداد في «نارسيسو»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» (الشركة المنتجة)

قال المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي إن فكرة فيلم «نارسيسو» بدأت عندما قرأ كتاباً يتناول حادثة قتل حقيقية وقعت في باراغواي في أواخر الخمسينات، موضحاً أن ما جذبه في هذا العمل التحليل الاجتماعي الذي يقدمه وليس الجانب البوليسي، إذ ينظر الكتاب إلى تلك الجريمة بوصفها انعكاساً لبنية مجتمع كامل، وليس مجرد حادثة فردية، وهو ما دفعه للتفكير في تحويلها إلى فيلم يطرح أسئلة أكبر من مجرد البحث عن القاتل.

وأضاف مارتينيسي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن ما لفت انتباهه أيضاً في تلك القراءة هي الطريقة التي تُتناول بها الديكتاتورية في تاريخ باراغواي، إذ غالباً ما يركِّز الحديث على شخصية الحاكم وحده، في حين يتم تجاهل الدور الذي لعبه المجتمع نفسه في دعم تلك السلطة أو التعايش معها، وهو ما جعله يحاول من خلال الفيلم الاقتراب من هذه المنطقة الرمادية، «حيث تتداخل المسؤوليات الفردية والجماعية في صناعة المناخ الذي يسمح بترسيخ الاستبداد»، على حد تعبيره.

تحمس المخرج للفيلم بعد قراءة قصة البطل (مهرجان برلين)

وأشار إلى أنه لم يكن مهتماً بنقل أحداث الرواية أو الوقائع التاريخية حرفياً، بل استخدمها نقطة انطلاقٍ لبناء عالم سينمائي خاص، لأن السينما تمنح المخرج حرية إعادة تخيل التاريخ، ما جعله يفضّل أن يركز على الأجواء النفسية والاجتماعية لتلك المرحلة أكثر من التزامه بالتفاصيل الدقيقة للحدث الحقيقي.

تدور أحداث «نارسيسو» الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان «برلين السينمائي» بنسخته الماضية، في باراغواي عام 1959، حين يعود شاب غامض يحمل روحاً متمردة وإيقاعات موسيقى «الروك آند رول» التي كانت في ذلك الوقت تمثل رمزاً للتغيير، وسرعان ما يتحول هذا الشاب إلى نجم إذاعي يلفت الأنظار بحضوره الطاغي وشخصيته الآسرة، ليصبح رمزاً غير مباشر لرغبة جيل كامل في التحرر داخل مجتمع محافظ يعيش تحت قبضة سياسية صارمة.

المخرج الباراغواياني مارسيلو مارتينيسي (الشركة المنتجة)

لكن هذا الصعود السريع لا يستمر طويلاً، فبعد أحد عروضه الأخيرة يُعثر على نارسيسو ميتاً في ظروف غامضة، لتتحول وفاته إلى حدث يهز المجتمع بأكمله، ومن خلال هذه الجريمة الغامضة يفتح الفيلم باباً واسعاً للتأمل في طبيعة السلطة والخوف الجماعي، وفي الطريقة التي يمكن أن يتحول بها المجتمع نفسه إلى شريك في إنتاج القمع.

يقول مارسيلو مارتينيسي إن «الإذاعة كانت بالنسبة لي المكان المثالي الذي يمكن أن تتقاطع فيه كل هذه الخيوط، لأنها كانت في ذلك الزمن وسيلة الإعلام الأكثر تأثيراً في المجتمع، فجاء الاستوديو الإذاعي ليس مجرد موقع للأحداث، بل فضاء يجتمع فيه الفن والسياسة والسلطة، ويمكن للكلمة أو للأغنية أن تتحول إلى أداة تأثير حقيقية في الجمهور».

وتحدث المخرج عن التحدي الذي واجهه في إعادة تمثل باراغواي في خمسينات القرن الماضي، مشيراً إلى أن «تلك الفترة لا يوجد لها أرشيف بصري كبير يمكن الاعتماد عليه، فمعظم الصور المتبقية من تلك السنوات جاءت من مؤسسات رسمية، مما يعني أنها تقدم رؤية السلطة أكثر مما تعكس الحياة اليومية للناس».

صناع الفيلم خلال العرض الأول في مهرجان «برلين» (الشركة المنتجة)

وأوضح أن «فريق العمل اضطر إلى البحث في مصادر عدّة، من صور قديمة، وشهادات شخصية، وحتى ذكريات بعض من عاشوا تلك الفترة؛ لأن الهدف لم يكن إعادة بناء الماضي بشكلٍ متحفي، بل خلق إحساسٍ حي بذلك الزمن، يسمح للممثلين والجمهور معاً بأن يشعروا بأنهم يعيشون داخله».

وأضاف مارتينيسي أن «غياب المراجع الكثيرة، رغم مساوئه، منحهم في الوقت نفسه مساحة أكبر للخيال؛ لأن السينما تحتاج إلى خلق عالم مُقنع يشعر المشاهد بأنه حقيقي، حتى لو كان جزءٌ منه متخيّلاً».

وتحدَّث المخرج عن الشخصيات التي تدور حول «نارسيسو»، موضحاً أن العلاقات بينها تقوم على صراعٍ خفي بين الرغبة والسلطة؛ لأن المجتمع في تلك الفترة كان يفرض قيوداً صارمة على التعبير عن الهوية الشخصية، وهو ما يجعل كثيراً من الشخصيات تعيش حالة من التناقض بين حياتها العلنية وما تُخفيه في داخلها.

وأضاف أن «بعض الشخصيات تحاول التمسّك بصورة اجتماعية مثالية، حتى لو كان ذلك يعني قمع مشاعرها الحقيقية، بينما تمتلك شخصيات أخرى هامشاً أكبر من الحرية؛ لأنها أقل ارتباطاً بالقواعد الاجتماعية المحلية»، في تباين خلق توتراً درامياً ازداد تعقيداً مع وجود «نارسيسو».

وأشار إلى أن شخصية «نارسيسو» نفسها صُممت لتبقى غامضة إلى حدٍّ كبير؛ فالفيلم لا يقدّم له سيرة واضحة أو تفسيراً كاملاً لشخصيته، لأن ما يهم ليس ماضيه بقدر ما هو التأثير الذي يتركه حضوره في الآخرين، ما يجعله يمثّل نوعاً من الحرية التي يصعب على المجتمع استيعابها؛ ولذلك يصبح وجوده مصدر جذب وخوف في الوقت نفسه.


«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
TT

«بينالي الدرعية» يختتم نسخته الثالثة بعد رحلة فنية بين الترحال والتبادل الثقافي

بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)
بوتقة واحدة تعكس وحدة التجارب الإنسانية (بينالي الدرعية)

داخل صالات العرض وفي مختلف أنحاء حي جاكس، واصل الزوَّار، حتى الساعات الأخيرة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026»، استكشاف الأعمال الفنية، والمشاركة في الورش، وتبادل لحظات ينسجها الإبداع والتفاعل.

وعلى مدى أكثر من 92 يوماً، أخذت الدورة الثالثة من بينالي الدرعية، التي جاءت بعنوان «في الحل والترحال»، زوارها في رحلة لاستكشاف مفهوم التنقل، واضعة إياهم في حالة حركة مستمرة عبر مسارات متشابكة بين الثقافات والتعبيرات الفنية

التقت الحكايات وتقاربت الرؤى وتحولت الحركة إلى حوار حيّ عبر الثقافات (بينالي الدرعية)

وقد عكست هذه المسارات موضوعات البينالي، وفي مقدمتها التبادل الثقافي والفني، الذي تبلور في أروقته، حيث التقت تجارب من مختلف أنحاء العالم لتشكِّل مشهداً فنياً متفاعلاً ينصهر في بوتقة واحدة، تعكس وحدة التجارب الإنسانية.

وعبر فضاءات متعددة، ولغات متنوعة، ومسارات متقاطعة، جمع «بينالي الدرعية للفن المعاصر 2026» هذا التنوع في مساحة مشتركة، حيث التقت الحكايات، وتقاربت الرؤى، وتحولت الحركة إلى حوار حي عابر للثقافات والمسافات والزمن.

«الأرشيف» كائن حي يصوغ المستقبل

يتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام للبينالي «الحل والترحال» (بينالي الدرعية)

وفي ختام الفعاليات الرئيسية التي احتضنها «البينالي»، برز تساؤل يتجاوز حدود اللوحات والمنحوتات: كيف يمكن للذاكرة أن تتحول إلى مادة خام للمستقبل؟ وذلك من خلال مشروع «حراس الزمن: الأرشيف في حالة تحول»، الذي أطلقته مؤسسة «بينالي الدرعية» ضمن مسارها الفكري والفني.

وكشفت سيبيل فاسكيز، مديرة البرامج الثقافية والعامة في «مؤسسة بينالي الدرعية«» بالسعودية، عن الفلسفة الكامنة وراء هذا التوجه، مؤكدة أن الأرشيف لم يعد مجرد رفوف غبارية أو سجلات منسية، بل نظام حي يتنفس في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها السعودية.

البينالي جمع بين أطراف العالم لإكمال مشهد فني متفاعل (بينالي الدرعية)

وأوضحت أن اختيار شعار «حراس الزمن» جاء استجابة طبيعية للسيولة الثقافية التي يختبرها البينالي، مضيفة: «بصفتنا مؤسسة، يمر عبرنا كمٌّ هائل من الأفكار والبحوث والحوارات، وسرعان ما ندرك أن القليل منها يبقى ثابتاً؛ من هنا برزت الحاجة إلى تعريف الأرشيف بوصفه كياناً يتشكل بنشاط في الحاضر، لا كوعاء ساكن للماضي».

ويتقاطع مفهوم الأرشيف بعمق مع الإطار العام لـ«البينالي» هذا العام «الحل والترحال»، حيث تشير فاسكيز إلى أن «الأرشيف يعمل بطريقة تشبه الفواصل والتحولات؛ فهو مليء بالثغرات والتعديلات، وننظر إليه بوصفه فضاءً انتقالياً بين الماضي والمستقبل».

عبر أماكن ولغات ومسارات جمع بينالي الدرعية التنوّع في مساحة واحدة (بينالي الدرعية)

وأضافت أن الفنانين المشاركين استكشفوا هذه المساحات عبر موضوعات النزوح، والذاكرة، والسرديات المتطورة، ما حوَّل الأرشفة من مجرد «توثيق» إلى «ممارسة فنية» تجمع بين العمق الشخصي والتقنيات المعاصرة.

ومع تسارع التحولات الرقمية، ترى فاسكيز أن دور الأرشيف تجاوز الحفظ إلى التأثير، موضحة: «لقد جعلت التقنيات الأرشفة أسهل، لكنها في الوقت نفسه زادت من تعقيد فهمنا للمواد؛ ولم يعد السؤال: ماذا نحتفظ؟ بل كيف نتعامل مع ما نحتفظ به؟»، مشيرة إلى أن الأرشيف في السعودية اليوم بات مادة خاماً يُعيد من خلالها الممارسون بناء سرديات جديدة.

التبادل الثقافي والفني تبلورا بين أروقة البينالي وأركانه (بينالي الدرعية)

وبهذه الرؤية، كرَّس «بينالي الدرعية» مكانته، ليس بوصفه منصة لعرض الفنون فقط، بل بوصفه مختبراً وطنياً يعيد تعريف العلاقة بالزمن، ويحوّل «حراس الزمن» إلى شركاء في كتابة تاريخ لم يتشكل بعد.

وخلال الفترة من 30 يناير (كانون الثاني) إلى 2 مايو (أيار) 2026، في حي جاكس الإبداعي بالدرعية، خاض الجمهور تجربة فنية تفاعلية عبر الأعمال والأفكار التي تناولت عالماً يتَّسم بالحركة والتغير المستمر.

وقدمت تصوراً لعالم يتشكل عبر الترحال لا الثبات، ومن خلال مسارات متقاطعة من الطرق والإيقاعات والعلاقات، تجسدت في أعمال ملأت قاعات العرض، وشارك فيها 68 فناناً يمثلون أكثر من 37 دولة، لتتلاشى بينها الحواجز وتتوحد في سرد إنساني مشترك.