«الشرق الأوسط» داخل أوكار المتطرفين في ليبيا (5 من 5): رسائل مضطربة من البغدادي إلى {دواعش} ليبيا

دعاهم إلى التوجه جنوباً واستقبال الفارين من العراق وسوريا

جانب من الخراب الذي تركه «داعش» في محيط ميناء بنغازي البحري (تصوير: عبد الستار حتيتة)
جانب من الخراب الذي تركه «داعش» في محيط ميناء بنغازي البحري (تصوير: عبد الستار حتيتة)
TT

«الشرق الأوسط» داخل أوكار المتطرفين في ليبيا (5 من 5): رسائل مضطربة من البغدادي إلى {دواعش} ليبيا

جانب من الخراب الذي تركه «داعش» في محيط ميناء بنغازي البحري (تصوير: عبد الستار حتيتة)
جانب من الخراب الذي تركه «داعش» في محيط ميناء بنغازي البحري (تصوير: عبد الستار حتيتة)

تكشف نصوص رسائل مضطربة من زعيم تنظيم داعش أبو بكر البغدادي، إلى قيادات تنظيمه في ليبيا، عن شعور الرجل بالهزيمة وخيبة الأمل عقب الضربات الموجعة التي تعرض لها «داعش» في العراق وسوريا، وفي مدينة سرت الليبية. ودعا في لهجة يائسة مندوبيه في ليبيا إلى التوجه إلى الجنوب ذي التضاريس الوعرة، واستقبال الفارين من العراق وسوريا وتجميعهم هناك، والاستفادة من إمكانات هذا البلد الغني بالنفط والقريب من أوروبا.
وبناءً على معلومات اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، وتقدم أهم ما فيها في هذه الحلقة الأخيرة من التحقيقات في أوكار المتطرفين في ليبيا، فإن تاريخ رسائل البغدادي يعود إلى أواخر العام الماضي، وحتى أسابيع قليلة مضت. وهي محفوظة في الوقت الراهن لدى جهات أمنية عدة، وكذلك لدى قادة من «الجماعة الليبية المقاتلة» المرتبطة بتنظيم «القاعدة». واعتمدت أدبيات بعض رسائل البغدادي على كتب مُنظِّر تنظيم «الجهاد» المصري سيد إمام، الذي يكني بـ«الدكتور فضل». وزاد البغدادي، في نصوص نقلها من «شروح فضل»، فقرات تحث أنصاره في ليبيا على تجنيد الأطفال، أو «الأشبال» لتعويض النقص المتوقع في عدد المقاتلين، قائلاً في لغة مرتبكة من جراء خلافات أتباعه: إن «المعركة طويلة وصعبة».
ترك تنظيم داعش في الأوكار التي انسحب منها كنزاً من المعلومات التي حصلت عليها قوى مختلفة في بلد منقسم على نفسه، منها الجيش الوطني الذي يحارب المتطرفين في بنغازي، وقوات «البنيان المرصوص» التي دحرت «داعش» في سرت، إضافة إلى قوى أخرى في طرابلس، تمكنت إحداها أخيراً من اجتياح منزل كان يستخدمه قادة «داعش» مركزاً لهم في العاصمة الليبية، ويقع قرب مسجد النصر، في شارع رقم عشرة، في ضاحية «غوط الشعال».
وتقول المعلومات التي جرى الحصول عليها خلال العمليات إن البغدادي ما زال على قيد الحياة، وإنه أصيب إصابة طفيفة، أثناء حرب القوات العراقية في الموصل.
ولا يوجد وفاق يذكر بين زعيم «داعش» وقائد «القاعدة» أيمن الظواهري، لأسباب ترجع إلى طريقة تفسير كل منهما لدور تنظيمه. وبينما يبدو أمر الخلاف بينهما واضحاً في العراق وسوريا ومناطق أخرى من العالم، إلا أنه يتميز في ليبيا بمعطيات مغايرة، من بينها المشكلات الواقعة بين قيادات «الجماعة المقاتلة» نفسها، وتعامل بعضها مع «داعش» ورفض آخرين، وتمسكها بموالاة الظواهري، وقيامها بمطاردة القيادات المقربة من البغدادي التي وصلت إلى ليبيا أثناء الهجوم الذي تعرض له «داعش» في سرت أواخر العام الماضي.
ومثل ميليشيات ليبية كثيرة، يملك فريق «الجماعة المقاتلة» المتمسك بولاية الظواهري، أجهزة شبه استخباراتية ودوريات متحركة في ضواحٍ بالعاصمة. وفي أحد الأيام وصلت معلومات عن نشاط لـ«داعش» في منطقة مزدحمة بالسكان بين شارع قرجي، الواقع ناحية البحر، والطريق الدائري الجنوبي لطرابلس، وذلك بعد أسابيع من تغيير البغدادي عدداً من قادة التنظيم في ليبيا بسبب خسارته لسرت.
ومن خلال مراقبة تحركات العناصر «الداعشية» في العاصمة، أمكن تحديد المقر الذي اتخذه قادة التنظيم مركزاً لإدارة العمليات في المدينة التي يعيش فيها أقل قليلاً من مليوني نسمة في ظروف اقتصادية وأمنية صعبة منذ 2011 حتى الآن.
وفي خضم التحقيقات، بدأ التعرف على هوية سبعة من زعماء الدواعش المترددين على المنزل، ومن بينهم تونسيان ومصريان ولبناني وجزائري وسوداني يلقب بحسن، من دون أن يكون واضحاً ما إذا كان هذا اسمه الحقيقي.
في ذلك المساء وصل كل هؤلاء للاجتماع في المقر، قادمين من بلدات تقع غرب طرابلس، منها صبراتة وزوارة والزاوية. كانت المعلومات شحيحة؛ لأن أغلبهم لا يستخدمون الهواتف النقالة، أو يستخدمون أرقاماً جديدة كل بضعة أيام.
ويقول أحد من شاركوا في عملية اجتياح منزل حسن: «كانت قوتنا، كما ترى، محدودة. سيارتان تراقبان المقر من بعيد... وسيارة في قرجي وسيارة على أول شارع عشرة من جهة الدائري. كان من الصعب الهجوم عليهم جميعاً. ولذلك؛ انتظرنا إلى أن انفض الاجتماع، ثم اقتحمنا البيت في عملية خاطفة».
وجرى اعتقال صاحب المنزل السوداني، وهو الوحيد الذي كان تبقى فيه بعد انصراف الستة الآخرين. وبين المتعلقات التي تمت مصادرتها كومبيوترات ووثائق، بينها رسائل البغدادي إلى قيادات التنظيم في ليبيا.
وأدلى حسن تحت التعذيب على يد موالين لـ«القاعدة» في مبنى قديم تابع لكلية الشرطة في العاصمة، بمعلومات عن الطريقة التي أصبح يتنقل بها بين ليبيا والعراق. وتقول التحقيقات التي جرت معه إنه يبلغ من العمر 52 عاماً، ومتزوج ولديه أربعة أطفال، وخريج كلية الشريعة في جامعة الخرطوم.
وتضيف التحقيقات أيضاً أن الرجل دخل إلى ليبيا من السودان للمرة الأولى في 2014، وأن قيادياً من الفرع الموالي لـ«داعش» في «الجماعة الليبية المقاتلة» هو من سهّل عملية وصوله، مع آخرين، وإقامته لبعض الوقت في واحة الكفرة، إلى أن انتقل إلى بلدة صبراتة في شمال غربي ليبيا.
في ذلك الوقت، كان رجل «داعش» الأبرز في طرابلس يدعى المدهوني، وهو ليبي يحمل الجنسية العراقية. وكان البغدادي يعول عليه في الحفاظ على «إمارة سرت»، إلا أن هزيمة التنظيم في المدينة على يد «البنيان المرصوص»، دفعت البغدادي إلى استدعاء المدهوني.
وتشير التحقيقات إلى أن حسن ونحو 13 من قيادات «داعش» في ليبيا رافقوا المدهوني، عبر تونس ثم تركيا، في رحلة الاستدعاء إلى مكتب البغدادي في العراق.
كان التنظيم قد خسر سرت وبدأ في خسارة مناطق واسعة من العراق وسوريا. وبعد نحو شهرين عاد الجميع مرة أخرى إلى ليبيا ما عدا المدهوني. وبدأت عملية جديدة لتوزيع المهام على القادة الـ13 في عموم ليبيا. ومن بين هؤلاء، بالإضافة إلى حسن، ليبي كنيته «أبو حذيفة»، ولبناني يكنى بـ«أبو طلحة»، ومغربي يدعى عبد القادر، ومصريان، الأول يعرف باسم فهمي، والآخر بلقب مكاوي، وتونسيان يكنى أولهما بـ«أبو حيدرة»، فيما يعرف الآخر بلقب العيوني. وبدأت رسائل البغدادي تصل تباعاً إلى هذه المجموعة، وتضمنت تعليمات بالتركيز على الانتقال إلى الجنوب الليبي، والاستعداد لاستقبال عناصر أخرى من التنظيم من العراق وسوريا، إلا أن الطابع العام للرسائل يحمل بين طياته مخاوف زعيم «داعش» من الانشقاقات والخلافات في تفسير الكثير من الأسس التي يعمل التنظيم وفقاً لها.
وفي واحدة من هذه الرسائل التي أمكن لـ«الشرق الأوسط» الاطلاع عليها، كان الحديث موجهاً إلى جدل يبدو أنه عصف بأتباعه في ليبيا حول السياق الذي وردت فيه تعليمات تحث على مواصلة القتال، وطريقة تفسير هذا الموضوع. يقول البغدادي وقد وضع تفسيره الخاص والمغاير لرغبة بعض القيادات في إعادة النظر في أعمال القتل والتفجير: «هذا الوهم ليس له أدنى نصيب من الحقيقة، وهو استنتاج مغلوط؛ لأنه مبني على فرضية مغلوطة».
ويضيف في موضع آخر كأنه يبعد أتباعه عن أي تفكير في الاستراحة من الحرب: «أعلم أن الأعداء كانوا يحيطون بنا من كل الجهات... الحرب حالة طوارئ خاصة، تستدعي شحذاً للهمم، وتحريضاً على القتال بكل الوسائل المعنوية والمادية، فلا يمكن أن استقبل عدوي الذي يريد قتلي بالورود وعبارات الترحيب».
وتعكس فقرات من رسالة جديدة شعور البغدادي نفسه بالإرهاق الذي أصاب أتباعه في ليبيا. فبعد أن يستعرض وجوب استمرار القتال ضد كل من يخالف التنظيم، يقول بلغة فيها نوع من الترهيب والتهديد الذي يعبر عن نفاد الصبر: «كثُر الكلام بين المرتجفين الخانعين بينكم، وما كان حاسماً لذلك إلا أن تُضرب الأعناق، وتتدحرج الرؤوس بيننا، قبل الأعداء، فما هزمنا وأفقدنا أخوتنا إلا الخيانة بين صفوفنا».
ومعظم رسائل البغدادي مكتوبة باللغة العربية، ومع كل منها نسخ مترجمة بلغات منها الإنجليزية والفرنسية. ويقول في رسالة بعنوان «الحرب التي فرضتها المتغيرات»: إن «ما يتم الآن ضدنا في سوريا والعراق حرب فرضتها متغيرات على العالم. كان علينا أن نعرف أن حدوث التغير ظاهرة كونية. فلا ثبات في موقف. ولا صعود دائماً. ما يأتي صعب التنبؤ به، وحصوله ظاهرة تغيب عنا في توقعها... الساحة القادمة لجهادنا ليبيا. فهي إمارة الإسلام القادمة. ومنها ترفع راية الجهاد في مصر وتونس والجزائر».
وفي نص رسالة أخرى تدل على طريقة التواصل بين البغدادي وخلايا التنظيم في أوروبا، ما يشير إلى علم قياداته في ليبيا بما يجري بين ضفتي البحر المتوسط، فيقول: «مجاهدونا في تركيا وفرنسا يعرفون ما عليهم فعله. فإن انقطع تواصلنا معهم فلهم في تقدير وضعهم... ونتيجة ما يتوقعونه تعود لهم». ويضيف: «نهاجر من بلاد العراق والشام، لا حباً في هجرتها، ولا خوفاً من الموت فيها، وإنما استمراراً للجهاد ولرفع رايتنا».
وفي ملف آخر يحتوي على بضع رسائل قصيرة، ما عدا واحدة طويلة، بعنوان «واجبات الخليفة ومسؤولياته»، يركز البغدادي على مهام منصبه ويحاول إقناع أتباعه بطريقته في الحكم بعيداً عن أي مراجعة له. ويقول في الرسالة الطويلة في هذا الملف: إن «الشورى ليست واجبة، بل هي مستحبة، وأقصى ما يقال فيها إنها سُنّة، ولا نرى إلزامية الشورى، فهي لاستطلاع الآراء». واعتبر أن له «أن يأخذ بها أو يدعها، واختيار من يشاورهم. ومن قال إن الشورى ملزمة، فاعلم أنه مخالف للكتاب والسُّنّة».
وبعد ذلك يورد البغدادي في رسالة من رسائله ثمانية أصول يراها «عاصمة للمنهج من الانحراف والزلل»، لكن يلاحظ أن هذه الأصول التي أشار إليها في بقية الرسالة مأخوذة أساساً من نظريات قديمة تخص مُنظّر تنظيم «الجهاد» المصري «الدكتور فضل». إلا أن رسالة البغدادي أضافت فقرات جديدة لافتة للنظر عن ضرورة تجنيد الأطفال واصطحابهم أيضاً لمشاهدة تنفيذ عمليات القتل في إطار «التربية الإيمانية العامة... وخلق الشدة والقوة وصلابة العود، ليكونوا عماد» التنظيم في المستقبل. وأضاف: «ما لم نهتم بالنشء وصناعته بهذه الروح... فسوف تختفي الجماعة. فقد نال العدو منا الكثير، ولزاماً تجهيز جيل جديد لحمل الراية».
وفي رسالة أخرى يبدي البغدادي غضبه من تنظيم «أنصار بيت المقدس» المصري الذي كان الكثير من عناصره قد فروا من سيناء إلى ليبيا. ويقول في هذه الرسالة: «لقد بلغني أن سلوكاً غير سوي انتشر بينكم... نشره فيكم القادمون من سرايا بيت المقدس، وهو سلوك أربك صورة الجهاد لديكم. وهذا الخلل أصابكم في مقتل، وعليكم تداركه».
وأضاف لأتباعه من قادة «داعش» في ليبيا: إن معركة «بيت المقدس» في مصر «ليست في معزل منا، ولكن عليكم الانتباه إلى أن أفكار إخوتنا في بيت المقدس تتناقض في بعض منها مع أفكارنا، وهي قد لا تكون صالحة في ليبيا. فهم لم يتموا معركتهم في مصر، وقدومهم إلينا ليس بروح جهاد كاملة، ولكن هروباً من حرب أشعلوها، وفشلوا في كسبها. إذن هم عُصبة تحمل بداخلها بوادر هزيمة وَرِدَّة. نساعدهم في العودة إلى ساحتهم. لهم ذلك، (لكن أن) يزرعوا بينكم روح الهزيمة، (فيجب أن) يُعاملوا كالعدو الواجب قتاله».
وتقول نصوص لرسائل قصيرة أخرى: إن «عليكم بعدم التخاذل في القتال، والنصر في المعركة». ويضيف نص آخر منفصل: «لِمَا آلت له ظروفنا، وضعف الدعم، فـعلى القادة (في داخل ليبيا) البحث عن موارد دعم في إمارة ليبيا، ولبقية المجاهدين، فهناك الإخوة في مالي يعانون من قلة الدعم، وتمكن العدو منهم».
ويتغزل البغدادي في رسائله بليبيا وموقعها الاستراتيجي، خصوصاً في الجنوب، حيث الصحراء الشاسعة والجبال والوديان التي تصعب مراقبتها بالطيران، كما يقول، إلى جانب الإمكانات الضخمة في هذا البلد.
وفي الفترة التي كانت ترد فيها رسائل البغدادي إلى قادة التنظيم في ليبيا، نفذ «داعش» عمليات عدة ضد الجيش الليبي في جنوب البلاد، وضد مدينة مصراتة التي لعبت دوراً كبيراً في طرد التنظيم من سرت، ونفذ عملية واحدة على الأقل في غرب طرابلس أيضاً.
وتمكن التنظيم أخيراً من عقد تحالفات مع مجاميع متطرفة تنشط في الجنوب الغربي، أهمها جماعة الجزائري مختار بلمختار الذي كان في السابق يرفض التعاون مع تنظيم داعش.
وفي الأسابيع الأخيرة، كشفت مصادر في المخابرات العسكرية في العاصمة عن أن قادة التنظيم الجدد تمكنوا من استقبال مئات من «الدواعش» الفارين من العراق وسوريا، عبر طرق معقدة، منها دروب في جنوب شرقي ليبيا في بلدات قريبة من الحدود مثل القطرون والكفرة وواحة سليمة وجبل عوينات، وطرق في الشمال، من خلال التسلل من الحدود مع تونس، أو عبر البحر إلى سواحل في شرق طرابلس وغربها.



لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
TT

لماذا يبتسم ترمب في وجه الزيدي؟

صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية
صورة نشرها «الإطار التنسيقي» للاجتماع الذي اختار فيه علي الزيدي لتشكيل الحكومة العراقية

رحلة مثيرة قطعها تحالف «الإطار التنسيقي» العراقي، من رفض أميركي مُحرج لترشيح نوري المالكي رئيساً للحكومة، إلى تهنئة بالحرف الكبير خطّها الرئيس دونالد ترمب لعلي الزيدي، المكلف الذي جاء من حديقة مالية يُشاع أنها كبرت تحت ظلال السياسة.

في 27 يناير (كانون الثاني) 2026، هدد ترمب بقطع الدعم عن العراق في حال عودة المالكي إلى السلطة. بعد 93 يوماً، فاجأ القوى الشيعية في بغداد بتهنئة مرشحها الشاب، داعياً إياه إلى تشكيل «حكومة خالية من الإرهاب»، ومن ثم زيارة واشنطن. ولم تقل طهران كلمة عن ذلك حتى الآن.

كان مبعوث ترمب إلى سوريا توم برّاك قد أجرى اتصالاً بالزيدي، الثلاثاء، بدا أنه تمهيد لاتصال الرئيس الأميركي الذي حوّل الزيدي، المصرفي المرضيّ عنه بإجماع القوى الشيعية، إلى واجهة لصفقة محتملة، لكنها غامضة.

في العادة، لا تترك الجماعات العراقية الموالية لإيران مثل هذه الاتصالات الودودة مع الأميركيين دون إشغال الرأي العام بموجات من النقد العنيف لأي محاولة تطبيع مع واشنطن، العدو الأكبر. لم يحدث شيء من هذا القبيل بعد مرور 24 ساعة على تهنئة ترمب.

على العكس، ينشغل صقور ما يُعرف بـ«محور المقاومة» بالفضاء العام في تقديم نصائح إلى رئيس الوزراء المكلّف بأن تضم حكومته «شخصيات قوية» لضمان نجاحها. أرسلوا إليه ترشيحات بالجملة عبر وسائل الإعلام.

لقد نُصب الزيدي مكلّفاً في قصر الرئاسة ببغداد، بعد ساعتين فقط من تسريب اسمه للمرة الأولى. وكان الاسم قد ظهر فجأة بعد أيام قليلة من تقارير عن زيارة إسماعيل قاآني، قائد «قوة القدس»، إلى بغداد، وليس معروفاً إن كان قد فرض شروطه أو استسلم لصفقة خارج إرادة إيران.

جاء تكليف الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة في بلد يقع بين فكي واشنطن وطهران، اللتَين تحاولان فرض إيقاعهما على بغداد، وقد يكون التكليف علامة على تفوّق أحدهما، أو على العكس، صفقة بين قوتين متحاربتين منذ عقود.

لقد سبقت مفاوضات القوى الشيعية لاختيار رئيس وزراء مقبول، إلى هذا الحد، الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. بالنظر إلى تسلسل الأحداث، فإن الفيتو الأميركي على المالكي قلّص الخيارات أمام قادة التحالف الشيعي، وأجبرهم على جولات متوالية من كسر الإرادة.

لكن، مع الحرب وما تبعها من مفاوضات متعثرة بين واشنطن وطهران، يُسوّق اسم علي الزيدي بوصفه مخرجاً محتملاً، غير أن الصفقة التي جاءت به محل تساؤلات.

لا يسمع صوت الخلافات داخل «الإطار التنسيقي» منذ تكليف الزيدي تشكيل الحكومة العراقية

مفتاح باب صغير

يميل كثيرون ممن ينخرطون في نقاشات سياسية خاصة إلى أن الزيدي «مفتاح باب صغير لصفقة أوسع»، أثارت ربما اهتمام ترمب، الذي يكون قد سمع من طرف فاعل في بغداد عرضاً يستحق الانتظار، من دون صك أميركي مفتوح.

تقول مصادر خاصة إن الزيدي لم يقفز من المنطاد داخل غرفة القرار في «الإطار التنسيقي»، بل كان موجوداً هناك دائماً، «بطاقة رابحة على مكتب أطراف متنفذة».

وكانت هناك مصادر تتحدث عن احتمالَين لمصير تكليف الزيدي: إخفاق حكومته في نيل ثقة البرلمان العراقي، وسيكون «الإطار التنسيقي»، حينها، قد التقط أنفاسه من الانسداد السياسي، وجهز بدائل أخرى، ويُنظر في هذا السيناريو امتداداً إلى تكتيكات دأب عليها رئيس الوزراء المنتهية ولايته محمد شياع السوداني.

يفيد الاحتمال الثاني بأن يجتاز الزيدي عقبة البرلمان، ويمضي إلى مرحلة انتقالية تقضي سنتين، أو أقل، من عمرها الافتراضي. في هذه الحالة، يُشيع كثيرون فكرة الانتخابات المبكرة، لكنها لا تبدو واقعية في الوقت الحاضر، إلا إذا كان هناك تنسيق غير معلن مع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر.

سيكون الصدر قد وصل إلى مثل هذا السيناريو بعد أن تضحي بغداد بكباش فداء من الفصائل، وهو خبر جيد لزعيم التيار الصدري.

لكن ثمة احتمالاً ثالثاً، ترجحه الطريقة نفسها التي جاء بها الزيدي، والسلاسة التي حصل خلالها على دعم أطراف في المنطقة، يفيد بأن هناك صفقة مُعدة سلفاً مع الأميركيين. يقفز في هذا الاحتمال اسم المبعوث الأميركي توم برّاك، ويسمع في الكواليس حديث عن تحجيم النفوذ الصيني في المنطقة.

في هذه الحالة، فإن الصفقة التي يبدو أنها شجعت ترمب على تهنئة الزيدي على النحو الذي يحمل دلالات، ربما تكون واشنطن قد ربحت بها شيئاً كبيراً في بغداد مقابل أن تخفف قبضتها على إيران، أو أن أوراق الأخيرة تراجعت إلى الدرجة التي سمحت للاعبين كبار في بغداد بالقيام بما يلزم، وبضمنه ترشيح الزيدي، لتفادي عقوبات اقتصادية من شأنها تعميق عزلة العراق، ومحاصرة طهران.


الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
TT

الأمطار الموسمية تفاقم هشاشة الوضع الإنساني باليمن

السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)
السيول في اليمن جرفت الأراضي الزراعية والثروة الحيوانية (إعلام محلي)

في وقت تتراجع فيه قدرة اليمن على احتواء الأمراض المعدية ومواجهة موجات التفشي الموسمية، تتعمق التداعيات الإنسانية للأمطار الغزيرة والسيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد خلال الأسابيع الماضية، مخلفة خسائر بشرية وأضراراً كبيرة في البنية التحتية وموجات نزوح جديدة.

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه المنظمات الإنسانية صعوبات متزايدة في الاستجابة، نتيجة نقص التمويل، وتراجع القدرات التشغيلية في القطاعات الأساسية.

وأظهرت بيانات صادرة عن وكالات الإغاثة العاملة في اليمن أن عدد المتضررين من السيول الناجمة عن الأمطار الموسمية منذ الشهر الماضي ارتفع إلى نحو 200 ألف شخص، مع ترجيحات بزيادة هذا الرقم خلال الفترة المقبلة في ظل استمرار الهطولات المطرية، واتساع نطاق الأضرار في المناطق المنخفضة والأكثر هشاشة، خصوصاً على امتداد الساحل الغربي وفي المحافظات الجنوبية الغربية.

ووفق تقديرات الوكالات الدولية والمحلية، شهدت مناطق جنوب غربي اليمن، منذ أواخر مارس (آذار)، أمطاراً غزيرة وفيضانات شديدة تسببت في وفيات ونزوح جماعي وأضرار واسعة بالممتلكات العامة والخاصة، بينما تصدرت مديريات المخا وموزع والوازعية في محافظة تعز، إلى جانب مديريتي الخوخة وحيس في محافظة الحديدة، قائمة المناطق الأكثر تضرراً من موجة السيول الأخيرة.

السيول جرفت المنازل والطرقات في جنوب الحديدة وتعز (إعلام محلي)

وبحسب مصادر إنسانية متعددة، أسفرت الفيضانات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 24 شخصاً، بينما تضرر نحو 55 ألف شخص على طول الساحل الغربي الواقع ضمن مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، مع استمرار عمليات التقييم الميداني للأضرار التي لحقت بالمساكن وشبكات الطرق ومصادر المياه والأراضي الزراعية، وهي أضرار يرجَّح أن تتجاوز التقديرات الأولية مع انكشاف حجم الخسائر في المناطق الريفية المعزولة.

وتشير تقارير مشتركة بين وكالات الإغاثة إلى أن عدد المتضررين مرشح للارتفاع إلى نحو 220 ألف شخص إذا استمرت الحالة المطرية بالمعدلات الحالية، خصوصاً مع هشاشة البنية التحتية وضعف شبكات تصريف المياه، الأمر الذي يحول الأمطار الموسمية في كثير من المناطق اليمنية إلى كوارث متكررة تضرب السكان ومصادر رزقهم بصورة مباشرة.

وفي محاولة لتعزيز الاستجابة الطارئة، خصصت المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية مبلغ 175 ألف يورو (نحو 205 آلاف دولار) عبر صندوق الاستجابة الطارئة للكوارث، لدعم عمليات الإغاثة العاجلة، بما يشمل توفير مواد الإيواء ومستلزمات النظافة الأساسية للأسر المتضررة، في إطار تدخلات تستهدف الحد من التداعيات الصحية والإنسانية للفيضانات.

فجوة تمويل

على الرغم من كل هذه المساهمات، تؤكد الأمم المتحدة أن الاستجابة الإنسانية في اليمن تواجه منذ مطلع عام 2025 فجوة تمويلية حادة انعكست بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة، وأدت إلى تقليص العمليات الإنسانية في قطاعات حيوية، بينها إدارة المخيمات، وخدمات المياه والصرف الصحي، وبرامج الحماية الصحية، وهو ما أضعف قدرة المؤسسات الإنسانية على التعامل مع الأزمات المتلاحقة.

المنظمات الإغاثية في اليمن تعاني من نقص التمويل (إعلام محلي)

وفي هذا السياق، واصلت المنظمة الدولية للهجرة عملياتها خلال الربع الأول من العام الحالي في 17 موقع نزوح ذي أولوية، تستضيف أكثر من 134 ألف شخص، بالتوازي مع توسيع أنشطة المناصرة لتشمل عشرات المواقع المهددة بالإغلاق التدريجي بسبب تراجع الموارد.

كما استمرت آليات التغذية الراجعة المجتمعية وخدمات التواصل مع المجتمعات المتضررة، لتصل إلى أكثر من 227 ألف نازح وأفراد من المجتمعات المضيفة، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من قنوات الدعم الإنساني.

غير أن حجم الاحتياجات المتزايد، مقروناً بتراجع التمويل، يجعل هامش المناورة أمام المنظمات الإغاثية أكثر ضيقاً، خصوصاً في ظل تكرار الصدمات المناخية وارتفاع أعداد النازحين وتآكل قدرة المجتمعات المحلية على امتصاص الأزمات، بعد سنوات طويلة من الحرب، والانهيار الاقتصادي، وتراجع الخدمات العامة.

تهديد صحي متصاعد

على الجانب الصحي، تبدو التداعيات أكثر خطورة، مع تحذيرات من أن تراجع الإنفاق الإنساني وانسحاب الخدمات من عدد من المناطق، خصوصاً في محافظتي حجة والحديدة، أدى إلى إغلاق أو تقليص خدمات صحية أساسية، تاركاً آلاف الأسر أمام خيارات محدودة للحصول على الرعاية، في وقت ترتفع فيه مخاطر انتشار الأمراض المعدية المرتبطة بمواسم الأمطار، مثل الكوليرا والإسهالات الحادة والملاريا وحمى الضنك.

تراجع قدرة اليمن على مواجهة تفشي الأمراض المعدية والسيطرة عليها (الأمم المتحدة)

وأكدت منظمة «أطباء بلا حدود» أن نقص المرافق الصحية القريبة يدفع السكان إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى المستشفيات العاملة، وغالباً ما يصل الأطفال وحديثو الولادة في مراحل متقدمة من المرض، بعد أن يكون التدخل المبكر قد أصبح أكثر صعوبة، وهو ما يرفع معدلات المضاعفات والوفيات في أوساط الفئات الأكثر هشاشة.

وأوضحت المنظمة أن العبء المالي للوصول إلى العلاج أصبح تحدياً إضافياً؛ إذ تضطر العائلات لتحمل تكاليف نقل باهظة في ظل إغلاق عيادات محلية كانت تشكل خط الدفاع الأول للرعاية الصحية الأولية؛ ما يجعل الحصول على العلاج مرتبطاً بالقدرة المادية، لا بالحاجة الطبية، في بلد يعيش غالبية سكانه أوضاعاً معيشية شديدة القسوة.


هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
TT

هيئة بحرية: بلاغ عن واقعة جنوب غربي المكلا في اليمن

سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)
سفن وقوارب في مضيق هرمز... 1 مايو 2026 (رويترز)

قالت ​هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إن ‌ربان ‌سفينة ​شحن ‌بضائع ⁠سائبة ​أبلغ، الجمعة، عن ⁠اقتراب زورق صغير ⁠يحمل ‌سبعة مسلحين ‌على ​بعد ‌92 ‌ميلاً بحرياً جنوب غربي المكلا ‌اليمنية في خليج ⁠عدن.

إلى ذلك، حمّلت الحكومة اليمنية، الخميس، إيران مسؤولية مباشرة عن تصاعد التهديدات التي تستهدف الممرات البحرية الدولية، عادَّة أن ما تشهده خطوط الملاحة، وفي مقدمها مضيق باب المندب، من أعمال قرصنة وإرهاب تنفذها الجماعة الحوثية، يأتي ضمن أجندة إيرانية أوسع تسعى إلى عسكرة البحار واستخدام أمن الطاقة والتجارة الدولية ورقةَ ضغطٍ وابتزاز سياسي.

وأكدت الحكومة، في كلمة اليمن أمام مجلس الأمن خلال جلسة المناقشة المفتوحة رفيعة المستوى حول «سلامة وحماية الممرات المائية في المجال البحري»، أن التحديات المتنامية التي تواجه الأمن البحري تتطلب استجابة جماعية أكثر حزماً، في ظل تصاعد غير مسبوق للتهديدات التي تطول حرية الملاحة الدولية وأمن الممرات المائية الحيوية.

وقال مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، إن بلاده تولي أهمية قصوى لأمن الملاحة الدولية انطلاقاً من موقعها الاستراتيجي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الشرايين البحرية في العالم، بوصفه ممراً تجارياً رئيسياً يربط بين الشرق والغرب، ويمثل ممراً حيوياً لتدفقات التجارة والطاقة نحو أسواق العالم.