واشنطن: سنعمل مع الحلفاء في أوروبا والشرق الأوسط لمواجهة سلوك إيران

الجمهوريون في الكونغرس يعدّون مشروع قانون لإصلاح عيوب الاتفاق النووي... والديمقراطيون يهاجمون قرار ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطابا حول استراتيجيته تجاه إيران، في البيت الأبيض الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطابا حول استراتيجيته تجاه إيران، في البيت الأبيض الجمعة (أ.ب)
TT

واشنطن: سنعمل مع الحلفاء في أوروبا والشرق الأوسط لمواجهة سلوك إيران

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطابا حول استراتيجيته تجاه إيران، في البيت الأبيض الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي خطابا حول استراتيجيته تجاه إيران، في البيت الأبيض الجمعة (أ.ب)

تباينت ردود الفعل الأميركية، أمس، بشأن الاستراتيجية الجديدة حول إيران، التي أطلقها الرئيس دونالد ترمب، وفرض من خلالها عقوبات على الحرس الثوري الإيراني، بينما أحال الاتفاق النووي المبرم مع إيران، ومجموعة الدول الست الكبرى، إلى الكونغرس للعمل على إصلاح العيوب الواردة فيه، مهدداً بإلغائه إذا فشل المشرعون الأميركيون في إصلاحه خلال مهلة 60 يوماً. وأكدت واشنطن في المقابل أنها ستعمل مع حلفائها الأوروبيين وفي الشرق الأوسط لمواجهة سلوك إيران المزعزع للاستقرار.
وفور انتهاء خطاب ترمب أول من أمس، سارع أعضاء من الجمهوريين في الكونغرس، بإعداد مشروع قانون لتعديل العيوب في الصفقة النووية الإيرانية، حيث أعلن السيناتور بوب كروكر والسيناتور توم كوتون تحضيرات للعمل على مشروع قانون لمعالجة العيوب الواردة في الاتفاق مع إيران، مثل ما ورد بالسماح لإيران بعد 8 سنوات بالمضي قدماً بتجاربها النووية، وتشديد قدرات التفتيش على كل المنشآت ومنها المنشآت العسكرية. وقال السيناتور بوب كروكر رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، للصحافيين: «لقد وجدنا طريقاً للتغلب على أوجه القصور في الاتفاق مع الحفاظ على الصفقة».
وسيكون على الكونغرس الأميركي خلال الشهرين القادمين أن يقرر ما إذا كان سيقدم على فرض عقوبات أميركية جدية قد تؤدي إلى الانقلاب على الاتفاق أو سيقدم على تشريع جديد لإصلاح العيوب وفرض عقوبات على إيران (لا تندرج تحت البرنامج النووي) حول التجارب الصاروخية الباليستية وانتهاكات حقوق الإنسان ودعم جماعات متطرفة في المنطقة. ولتمرير التشريع سيحتاج الأمر إلى موافقة 60 صوتاً داخل مجلس الشيوخ الأميركي، ويوجد حالياً 52 من الجمهوريين (يحتاج إلى 8 ديمقراطيين)، مما يجعل المعارضة الديمقراطية الموحدة عقبة رئيسية أمام إحداث تغيير يرغبه الرئيس ترمب. وقد هدد الرئيس الأميركي بأنه إذا لم يصل المشرعون في الكونغرس إلى اتفاق حول تشريع جديد بشأن إيران فإنه على استعداد للانسحاب من الاتفاق.
وقال وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون في مؤتمر صحافي مساء أول من أمس، إنه يتوقع أن يدعم حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا والشرق الأوسط تحركات الرئيس ترمب، وتوجهاته بشأن إيران، وقال للصحافيين: «من مصلحتنا جميعاً أن نعمل معاً لمواجهة التهديد الذي تشكّله إيران، وإن خطة الرئيس ترمب واضحة تماماً». من جانبه قال وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس، إن أولويته الأولى الآن هي إيران والتشاور مع الحلفاء بعد أن أعلن الرئيس ترمب نهجه الجديد. وقال للصحافيين إنه يريد أن يستمع مباشرة إلى الحلفاء من الشرق الأوسط وخارجها، لفهم وجهات نظرهم بشكل أفضل حول ما تصفه إدارة ترمب بسوء سلوك إيران في مجالات غير نووية ومنها الدعم الإيراني للجماعات المتطرفة وبرامج الصواريخ الباليستية. وقال ماتيس: «الولايات المتحدة تعتزم ثني إيران عن القيام بشحن الأسلحة إلى اليمن ودعم المتمردين الحوثيين الشيعة، وهذا لا يعني أي عمل عسكري أميركي وإنما تبادل المعلومات الاستخباراتية مع الحلفاء والشركاء الذين يشاركوننا القلق بشأن السلوك الإيراني».
وتتابعت بيانات التأييد من كبار الجمهوريين داخل الكونغرس، وقال السيناتور ميتش ماكونيل، زعيم الأغلبية بمجلس الشيوخ: «هذه الاستراتيجية الجديدة التي ترمي إلى احتواء طموحات إيران الإقليمية وسلوكها الخبيث وجهودها للسيطرة على الشرق الأوسط هي رد مناسب على عواقب سياسات إدارة أوباما الفاشلة». وأضاف ماكونيل «إن قرار الرئيس بعدم التصديق على الاتفاق النووي يصب في المصلحة الأمنية الوطنية الحيوية للولايات المتحدة... ويتيح الفرصة للكونغرس لتعزيز قانون مراجعة الاتفاق النووي الإيراني ووضع معيار لإصدار الشهادات بما يتفق مع مصالحنا».
وأشار رئيس مجلس النواب بول راين إلى العيوب التي شابت الاتفاق، مؤيداً قرار الرئيس ترمب، وقال: «الاتفاق النووي الذي أبرمته الإدارة السابقة مع إيران به عيوب قاتلة، ولم يقتصر الأمر على تقنين قدرة إيران على التخصيب المحلي، ولكن بمجرد انتهاء القيود الرئيسية في السنوات المقبلة، سيكون النظام حراً في متابعة الأسلحة النووية تحت ستار الشرعية الدولية»، مشيراً إلى أن إيران واصلت اختبار الصواريخ الباليستية وتمويل وكالاتها الإرهابية في جميع أنحاء العالم. وأضاف أن «مجلس النواب سيعمل مع إدارة الرئيس ترمب لمواجهة مجموعة الأنشطة المزعزعة للاستقرار في إيران».
وشدد السيناتور تيم سكوت على أهمية مواجهة إيران بقوة، وقال: «إيران تموّل الأعمال الإرهابية في جميع أنحاء العالم منذ عقود، ويجب على الولايات المتحدة أن تأخذ موقفاً قوياً ضد الإجراءات الإيرانية المارقة، وقد أوضح الرئيس أننا لن نقف مكتوفي الأيدي عندما يتعلق الأمر بإيران. وإنني أتطلع إلى النقاش في الكونغرس على مدى الأسابيع المقبلة بشأن الخطوات المحتملة المقبلة لضمان عدم قيام إيران بتطوير سلاح نووي».
من جانبه ساند السيناتور جون ماكين قرار إدارة الرئيس ترمب لكنه طالب باستراتيجية شاملة، وقال: «لسنوات، كان النظام الإيراني يتهرب من المساءلة وكانت الولايات المتحدة تفتقر إلى استراتيجية شاملة لمواجهة التهديد المتعدد الأوجه الذي تفرضه إيران. إن الأهداف التي طرحها الرئيس ترمب في خطابه هي تغيير مرحّب به وهو يقدم للولايات المتحدة طريقاً إلى الأمام يوجه سياستنا تجاه إيران بشأن طموحاتها الإقليمية المزعزعة للاستقرار بدلاً من برنامجها النووي وحده». وأضاف ماكين: «إنني أتطلع إلى معرفة المزيد عن تفاصيل هذه الاستراتيجية، وسوف تقوم لجنة الخدمات المسلحة بمجلس الشيوخ بمراقبة شاملة لدورنا العسكري فيها».
في الجانب الآخر، عارض معظم المشرعين الديمقراطيين قرار الرئيس ترمب، ووصفت نانسي بيلوسي زعيمة الأقلية الديمقراطية بمجلس النواب، قرار الرئيس ترمب بعدم التصديق، وتهديداته بإلغاء الصفقة بأنها «خطأ فادح» يهدد الأمن القومي الأميركي، خصوصاً أن الجانب الإيراني ملتزم بتنفيذ بنود الاتفاق. ووصفت بيلوسي في مؤتمر صحافي مساء الجمعة قرار ترمب بأنه «غير لائق» وقالت: «إنني أقول: إن الاتفاق النووي الإيراني هو أفضل طريق لمنع إيران من أن تصبح دولة مسلحة نووياً، ورفْض الرئيس ترمب إعادة التصديق على الاتفاق خطأ فادح يهدد أمن أميركا ومصداقيتها في هذا الوقت الحرج للغاية». وأضافت بيلوسي: «إن تهديد الرئيس بالانسحاب من الاتفاق يعزل الولايات المتحدة على الساحة العالمية، وهذه الخطوة خطرة بشكل خاص، نظراً إلى الوضع القائم مع كوريا الشمالية».



إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قدَّمت إيران إلى الولايات المتحدة، عبر باكستان، مقترحاً جديداً للتفاوض بشأن وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي في طهران الجمعة. وأوردت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا»: «قدمت إيران أحدث مقترحاتها للتفاوض إلى باكستان، بصفتها الوسيط في المباحثات مع الولايات المتحدة، ليل الخميس»، من دون تفاصيل إضافية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران، إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.