أكثر من 6 ملايين ناخب نمساوي يختارون اليوم 183 برلمانياً

كل الاحتمالات قائمة... واليمين أصبح مقبولاً أكثر في العملية الديمقراطية

امرأة تسير أمام ملصق في فيينا لوزير الخارجية سابستيان كورتز زعيم حزب الشعب المحافظ (إ.ب.أ)
امرأة تسير أمام ملصق في فيينا لوزير الخارجية سابستيان كورتز زعيم حزب الشعب المحافظ (إ.ب.أ)
TT

أكثر من 6 ملايين ناخب نمساوي يختارون اليوم 183 برلمانياً

امرأة تسير أمام ملصق في فيينا لوزير الخارجية سابستيان كورتز زعيم حزب الشعب المحافظ (إ.ب.أ)
امرأة تسير أمام ملصق في فيينا لوزير الخارجية سابستيان كورتز زعيم حزب الشعب المحافظ (إ.ب.أ)

يتوجه اليوم (الأحد)، أكثر من 6 ملايين نمساوي لاختيار 183 نائباً برلمانياً لدورة تستمر 5 سنوات، ويخوض المعركة الانتخابية 13 حزباً في مقدمتها «الاشتراكي الديمقراطي»، الذي يطلق عليه اسم «الحزب الأحمر»، بقيادة المستشار الحالي كرستيان كيرن، الذي يتمتع بأكبر عدد مقاعد في البرلمان الحالي للحزب (52 نائباً). ويحتل حزب «الشعب المحافظ» بقيادة وزير الخارجية سابستيان كورتز المركز الثاني بـ47 نائباً في البرلمان الحالي. و أضاف كورتز كلمة «الجديد» لاسم الحزب. يأتي في المركز الثالث حزب «الطريق للحرية» اليميني بقيادة هاينز كرستيان اشتراخا، وكان أقوى أحزاب المعارضة واحتل 40 مقعداً برلمانياً. أما حزب «الخضر»، الذي يأتي في المركز الرابع بعدد المقاعد البرلمانية (20 مقعداً) فترأسه أولاريكا لونا تشيك. وهناك أيضاً حزب «النيوز (المستقبل)» بقيادة ماتياس اشتولز (9 مقاعد)، إضافة إلى أحزاب صغيرة أخرى تُمثّل بـ15 مقعداً، إلا أنها قد تتلاشى هذه المرة.
منذ نهاية الحرب العالمية ظل الحزبان، «الاشتراكي الديمقراطي» و«الشعب المحافظ»، يحكمان النمسا ائتلافاً برئاسة الأول، ودائماً بفارق أصوات ضئيل بينهما، عدا الفترة ما بين 2000 و2006 عندما تكونت حكومة بتحالف بين حزب الشعب وحزب يميني كان بقيادة السياسي النمساوي الأشهر يورغ هيدر، مما أدى إلى حصار ومقاطعة أميركية غربية حاسمة ضد تلك الحكومة اليمينية، عقاباً لقبولها بمشاركة حكومية لحزب شعبوي متطرف.
مع بداية هذا العام تغيرت الأمور عالمياً وقويت شوكة التطرف وزادت درجات قبوله، خصوصاً مع صعود اليمين في مناطق مختلفة من دول العالم. ويقول النمساويون إنهم لا يختلفون عن أي مكان آخر، والمثال على ذلك أن الولايات المتحدة الأميركية يحكمها رئيس يميني متطرف وعدواني.
كما دخل البرلمان الألماني للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، حزب يميني عنصري تطال بعض أعضائه اتهامات بالنازية، مما يسهل بالتالي ظهور حكومة نمساوية يمينية، سيما أن مؤشرات قوية تشير إلى إمكانية تغلب الحزب المحافظ الذي انعطف أكثر إلى اليمين.
ولا يستبعد أي مراقب إمكانية أن يحكم متحالفاً مع حزب «الطريق للحرية» اليميني. إنْ تحقق هذا السيناريو سيتحول الحزب الاشتراكي الديمقراطي للمعارضة، وتكون الحكومة النمساوية الجديدة حكومة يمينية يتنافس حزباها على أيهما الأكثر تشدداً تجاه المهاجرين. وكان المستشار كيرن، 51 عاماً، قد أعلن إبان الحملة الانتخابية أن حزبه سيذهب إلى مقاعد المعارضة في حال لم ينل العدد الأكبر من الأصوات، مؤكداً أنه لن يتحالف مطلقاً مع حزب «الطريق للحرية» تاركاً الباب مفتوحاً لأي تحالفات أخرى.
بإعادة النظر إلى مواقف الأحزاب وبرنامجها الانتخابي يعتبر الحزب الاشتراكي أكثر الأحزاب -بالإضافة إلى حزب الخضر- دعماً للمهاجرين واللاجئين، ولا يعتبر معادياً للإسلام ويعتبره ديانة يعترف بها الدستور النمساوي منذ عام 1912، كما يدعو لرفع الحد الأدنى للأجور، مشدداً على أهمية المساعدات الاجتماعية التي تقدمها الدولة وعلى التأمين الصحي والمعاشي، ودور النمسا ضمن منظومة الاتحاد الأوروبي، ودورها عالمياً كدولة ثرية ومتقدمة، وأنها رغم حيادها يمكن أن يكون لها أثر بالغ الأهمية. ما يؤخذ على الحزب الاشتراكي الديمقراطي فقدانه تلك الزعامات التي اشتهر بها على سبيل المثال إبان فترة المستشار الأشهر برونو كرايسكي الذي حقق للحزب أغلبية بلغت 51,03 في المائة من أصوات الناخبين، بينما انخفض معدله في الانتخابات الأخيرة إلى 26,82 في المائة. بدورهم يتهم معارضو الحزب ما يصفونه بالتهاون وفتح الحدود النمساوية للاجئين بتلك الكثافة، مما أصبح عبئاً مالياً على دافع الضريبة، خصوصاً أن بعض الإعانات المالية للأسر الكبيرة قد تصل إلى 3 آلاف يورو شهرياً. ليس ذلك فحسب بل يتخوف مؤيدون للحزب من ضعف قدرته على مواجهة الموجات اليمينية الآخذة في التوسع.
ويُنظر إلى حزب الشعب على أنه حزب أصحاب العمل والأثرياء. وإبان الحملة الانتخابية الأخيرة لاحقته الاتهامات بالانحراف يميناً، سيما بعد أن تولى رئاسته شهر مايو (أيار) الماضي الشاب سابستيان كورتز، 31 عاماً، الذي يقف وراء سياسة الحدود المغلقة في وجه المهاجرين وطالبي اللجوء. كما يعتبر عرّاب قانون الاندماج الجديد الذي يمنع البرقع. ويطالب كورتز وبشدة بخفض المساعدات الاجتماعية التي تقدّم للاجئين، مهدداً بسحبها في حالة عدم الاندماج في المجتمع النمساوي، داعياً لتشديد قواعد الحصول على الجنسية النمساوية.
أوروبياً، يبدو كورتز متفائلاً بتغييرات يمكن أن تُحدثها النمسا داخل منظومة الاتحاد الأوروبي، مؤكداً أن الفرصة واسعة أمام النمسا حين تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي العام المقبل. أما حزب «الطريق للحرية» فهو حزب عنصري شعبوي ظل صوته يعلو ضد الإسلام والأجانب، ويقف معادياً لسياسات الاتحاد الأوروبي، مطالباً بإغلاق النمسا أمام المهاجرين، محذراً مما يصفه بضياع ثقافتها وإرثها مع الانفتاح.
زعيمه هاينز كرستيان اشتراخا، 48 عاماً، شعر بالقلق تجاه المنحى اليميني الجديد الذي ينحاه سابستيان كورتز، خصوصاً أن كورتز يتميز بالهدوء وعدم التشنج، كما يسنده من وراء الستار عدد من كبار رجال المال والسياسة النمساويين فيما تُكسبه وسامته أصواتاً لا بأس بها مع دعاية تقول «إنه أعزب أمامه مستقبل عريض». وكان اشتراخا الذي حقق حزبه نجاحاً واضحاً إبان الانتخابات الرئاسية التي جرت العام الماضي، وقسمت المجتمع النمساوي إلى نصفين، قد دخل المعركة الانتخابية البرلمانية ظناً أنه سيكسب منصب المستشار، ولكن مع ظهور كورتز كمنافس يميني، لم يبقَ أمام اشتراخا غير تغيير استراتيجيته، مؤكداً أنه الأصل وأن كورتز مجرد تقليد.
من جانبه يولى حزب الخضر، وهو الحزب الكبير الوحيد الذي تتولى رئاسته امرأة، أولاريكا لونا تشيك، 60 عاماً، اهتماماً أكبر للبيئة، وهي أقل قلقاً تجاه فتح النمسا ودعمها للاجئين، كما يقف حزبها ضد حظر البرقع والنقاب، باعتباره تعدياً على الحريات الفردية، مطالباً بالمساواة الكاملة بين الجنسين، مؤمناً بفوائد الانفتاح كتلك التي تسببها الاتفاقات التجارية والاقتصادية التي تُفرض بدعوى العولمة.
وأكثر ما يخشاه الحزب الأخضر ألا يحقق النسبة التي حققها إبان الانتخابات البرلمانية الأخيرة، وبلغت 12,42 في المائة، وذلك بسبب ما تعرض له من انقسامات كانشقاق قياديه الأسبق بيتر بيلز، الذي انسلخ ومن معه وركب موجة الشعبوية ضد الإسلام وضد المهاجرين، آملاً أن تنال قائمته نسبة 4 في المائة من الأصوات، وهي النسبة اللازمة لدخول البرلمان حتى يكون -كما قال- محققاً ورقيباً يقف في مواجهة كل التهديدات التي قد تحدق بالنمسا وضد سياسات الاشتراكيين أو ما وصفه بسياسات التهاون في تحقيق مبادئ العدالة والحرية والدفاع عن القيم النمساوية.



إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

إيران قدمت لأميركا مقترحاً جديداً للتفاوض عبر باكستان

ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
ركاب يمرون أمام صورة للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ومنحوتة للمرشد الراحل الخميني تم نصبهما على طول أحد شوارع طهران في 29 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قدَّمت إيران إلى الولايات المتحدة، عبر باكستان، مقترحاً جديداً للتفاوض بشأن وضع حد نهائي للحرب في الشرق الأوسط، بحسب ما أفاد الإعلام الرسمي في طهران الجمعة. وأوردت وكالة الأنباء الرسمية «إرنا»: «قدمت إيران أحدث مقترحاتها للتفاوض إلى باكستان، بصفتها الوسيط في المباحثات مع الولايات المتحدة، ليل الخميس»، من دون تفاصيل إضافية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويدخل الصراع في المنطقة «منعطفاً حرجاً» مع إعلان الإدارة الأميركية تحركَين دبلوماسياً وعسكرياً واسعَين لكسر الجمود في مضيق هرمز، عبر تدشين تحالف «آلية حرية الملاحة». وتأتي هذه الخطوة، التي كشف عنها مسؤولون في وزارة الخارجية الأميركية، في وقت يواجه فيه العالم تداعيات اقتصادية حادة جراء استمرار إغلاق الممر المائي الحيوي، الذي يتدفق عبره نحو 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية.

وفي حين تواصل القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) تشديد قبضتها البحرية عبر حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد»، برزت نبرة تحدٍّ جديدة من طهران، إذ وصف المرشد الإيراني مجتبى خامنئي التحركات الأميركية بأنَّها «محكومة بالفشل»، عادّاً أنَّ المنطقة دخلت «فصلاً جديداً» منذ اندلاع المواجهة المباشرة في 28 فبراير (شباط) الماضي.


الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
TT

الناتو والصين... حلف بطيء يتصدّى لمنافس سريع

معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)
معرض للسيارات في بكين... قوة صناعية كبيرة (أ.ف.ب)

كان الهدف من إنشاء حلف شمال الأطلسي (ناتو) عام 1949 تحقيق الدفاع الجماعي ضد الاتحاد السوفياتي، وفق مبدأ أن الاعتداء على أي دولة عضو في الحلف هو هجوم على الجميع. يضاف إلى ذلك أن الرئيس الأميركي وقتذاك هاري ترومان أراد تثبيت الوجود الأميركي في أوروبا المنهكة بعد الحرب لضمان الأمن ومنع الفراغ الاستراتيجي.

غير أن انهيار الاتحاد السوفياتي، ومعه المعسكر الاشتراكي، أنهى الحرب الباردة، وأرغم الناتو على التكيّف والقيام بعمليات خارج الجغرافيا الأوروبية، وذلك في البلقان (في حربَي البوسنة وكوسوفو)، ثم أفغانستان بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى عمليات بحرية لمكافحة القرصنة (قبالة سواحل القرن الأفريقي على سبيل المثال)، وتبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون في مكافحة الإرهاب.

وعقد الحلف شراكات تعاون مع دول من خارج نطاقه، كما وسّع مفهوم الأخطار لتشمل الأمن السيبراني والحرب الهجينة وأمن الطاقة، وأخيراً التهديد الذي تمثله الصين.

في الخلاصة، انتقل الناتو من تحالف دفاعي أوروبي صِرف إلى دور أمني أوسع عالمياً بدفع أساسي من الولايات المتحدة، مع استمرار تركيزه اليوم أيضاً على ردع التهديدات داخل أوروبا.

وفي السنوات الأخيرة، وسّع الحلف الذي يتخذ من بروكسل مقراً، اهتمامه نحو منطقة الإندو باسيفيك (شرق آسيا والمحيط الهادئ) لأسباب استراتيجية تتجاوز أوروبا. ويأتي في طليعة هذه الأسباب ترابط الأمن العالمي من حيث التهديد السيبراني، وضرورة عمل سلاسل الإمداد بانسيابية ومن دون عراقيل، وانتشار التكنولوجيا المتقدمة التي تكاد تلغي أهمية الحدود الجغرافية.

صعود الصين

ومن الأسباب أيضاً، النظر إلى صعود الصين بوصفه تحدياً استراتيجياً يؤثر على ميزان القوى العالمي. ولهذا يهم الدول الأطلسية الـ32 (كانت 12 عند التأسيس) أن تحمي طرق التجارة، لا سيما منها الممرات البحرية التي تضمها منطقة الهندي - الهادئ والبالغة الأهمية للاقتصاد العالمي، مثل مضيق مالاكا بين ماليزيا وإندونيسيا، وهو الأهم في العالم كونه يربط بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي (المحيط الهادئ)، ويمر عبره نحو 25 في المائة من حجم التجارة العالمية السنوية، فضلاً عن كونه الشريان الرئيسي لنقل النفط والطاقة إلى الاقتصادات الآسيوية الكبرى: الصين واليابان وكوريا الجنوبية..

علم الناتو خارج مقر الحلف في العاصمة البلجيكية بروكسل (د.ب.أ)

وتشعر الدول الأعضاء في الناتو بـ«قلق استراتيجي» حيال الصين لعدد من الأسباب الجوهرية؛ أولها أن الصين تطور جيشها بشكل كبير، خصوصاً في مجالات مثل الصواريخ، الفضاء، والقدرات السيبرانية. وكل هذا يغيّر توازن القوى عالمياً.

أما السبب الثاني الملازم للأول فهو الصعود الاقتصادي الصيني الذي يتمظهر تمدّده من خلال مبادرات مثل «الحزام والطريق» التي تفتح للصين طرق توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهو ما قد يولّد اعتماداً عليها داخل دول قريبة من المجال الحيوي للناتو.

ومن أسباب تزايد القلق، التقارب بين الصين وروسيا، خصوصاً بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير (شباط) 2022؛ لأن ذلك قد يعني تنسيقاً بين قوتين كبيرتين ضد الغرب.

في موازاة ذلك، يدور صراع غير مباشر على من ينال قصب السبق في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، شبكات الاتصالات، وأشباه الموصلات. ومن الطبيعي أن يرى الناتو أن التفوق التكنولوجي عنصر أساسي للأمن.

وعقد الناتو اتفاقات شراكة وتعاون مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا، تشمل تدريبات عسكرية مشتركة، وتبادل معلومات، وتنسيقاً سياسياً. لكن لا يبدو أن الناتو يخطط لتوسيع العضوية إلى منطقة الهندي - الهادئ، مفضلاً التركيز على الشراكات المرنة بدل الانتشار العسكري الدائم.

سفينة شحن تايوانية تبحر في مضيق مالاكا (إ.ب.أ)

والمهم أن انخراط الناتو في تلك المنطقة الواسعة يعكس تحوّله من تحالف إقليمي إلى لاعب أمني له امتدادات عالمية، مع الحفاظ على شراكاته بدل التوسع الرسمي خارج أوروبا.

تحدٍّ طويل الأمد

وتجدر الإشارة إلى أن الناتو لا يتعامل مع الصين بوصفها عدواً مباشراً مثلما كان الحال مع الاتحاد السوفياتي، بل يراها «تحدياً طويل الأمد» يحتاج إلى مراقبة حثيثة، خاصة مع سعيها المستمر إلى توسيع نفوذها على رقعة الشطرنج العالمية.

لكن في اجتماعهم في بروكسل في يونيو (حزيران) 2021، اتفق قادة الناتو على أن «طموحات الصين المعلنة وسلوكها الحازم يشكلان تحديات منهجية للنظام الدولي القائم على القواعد، ولمجالات ذات صلة بأمن الحلف»، مؤكدين التزامهم بالعمل على استجابة مشتركة متعددة الأوجه وحازمة لصعود بكين. ورداً على هذه اللغة القوية، نفت الحكومة في بكين بشدة تشكيلها «تحدياً منهجياً للآخرين»، قائلة إنها «لن تقف مكتوفة الأيدي إذا شكّل الآخرون تحديات منهجية لها».

وتتهم دول غربية عدة الصين باعتماد استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة على سلاسل الإمداد العالمية والتقنيات الأساسية المستقبلية، والسعي إلى السيطرة على الشركات المبتكرة من خلال استثماراتها الأجنبية المباشرة، إضافةً إلى ممارسة التجسس الإلكتروني والسرقة الواسعة للبيانات التجارية والملكية الفكرية عبر اختراقات لشبكات كمبيوتر ترعاها الدولة أو تغضّ الطرف عنها.

والأهم من ذلك، أن هناك اقتناعاً غربياً بأن الصين منافس قويّ؛ فهي لا تُعدّ في الوقت الراهن تهديداً عسكرياً، لكن الآمال في أن تتطور داخلياً نحو اتجاه أكثر ديمقراطية، أو أن تلتزم بنظام ليبرالي لم تعد عملياً قائمة. وعلى المدى الطويل، ترى الديمقراطيات الغربية في الصين منافساً أكبر بكثير من روسيا، نظراً لقدرتها الواسعة على الابتكار والتطور التكنولوجي، وتنامي قوتها العسكرية، ودورها الواسع في التجارة والاستثمار على المستوى العالمي.

فرقاطة صينية في مياه قريبة من تايوان (إ.ب.أ)

القيود الأطلسية

تواجه جهود الناتو الرامية إلى التصدي للصين عقبات عديدة؛ أُولاها أن كل القرارات تُتخذ بإجماع الدول الأعضاء، الأمر الذي يمنح كل دولة «حق التعطيل الفعلي»، وينتج عن ذلك بطء في اتخاذ القرار ومساومات وتسويات ضعيفة لا تسمح بالتعامل مع الأزمات على النحو المطلوب. وقد رأينا أخيراً كيف رفضت بعض الدول الأطلسية طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساعدة قوات بلاده في فتح مضيق هرمز، انطلاقاً من واقع أن هذا النزاع لا يعنيها.

بعبارة أخرى، الحلف ليس دولة فوق الدول، فكل عضو يحتفظ بسيادته الكاملة على قواته. لذلك لا تكون المشاركة في العمليات العسكرية إلا اختيارية، وهذا ما يعقّد التخطيط الجماعي والتنفيذ الموحّد، ويُغضب الولايات المتحدة التي تفوق قدراتها العسكرية قدرات كل الدول الأطلسية الأخرى مجتمعة، وهي دائماً ما تجد نفسها تتحمل العبء الأكبر لأي عمل عسكري، خصوصاً إذا كان مسرحه خارج النطاق الجغرافي للحلف، كما في حالة مضيق هرمز.

يضاف إلى ذلك أن هناك تفاوتاً بين أولويات الدول الأعضاء؛ إذ تركّز دول أوروبا الشرقية على ردع روسيا خشية أن تعود الطموحات التوسعية إلى الواجهة بعد أكثر من ثلاثة عقود من سقوط الستار الحديدي الذي أرهق هذه الدول، بينما تهتم دول أخرى بمكافحة الإرهاب أو إرساء الاستقرار في جنوب الكرة الأرضية.

دبابات مجرية خلال تدريب لقوات من حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ألمانيا (أ.ب)

بناءً على ذلك، يغدو الحفاظ على المدماك الأساسي للحلف، وهو الوحدة، أمراً صعباً بسبب ضرورة الإجماع، والسيادة الوطنية، وتباين المصالح، والخلاف على حجم الإنفاق العسكري الذي لا تنفك واشنطن تطالب شركاءها الأطلسيين برفعه، فيما يفكر بعض الأوروبيين، وفي طليعتهم فرنسا، في خيار الاستقلال الاستراتيجي عن «الأخ الأكبر» عبر تقوية القدرات الدفاعية الأوروبية.

فكيف يقف الناتو ذو الحركة البطيئة في وجه العملاق الصيني الذي يتحرك بسرعة هائلة؟

أليس هذا من أسباب فتور واشنطن حيال الأعضاء الآخرين في «النادي الأطلسي» والتلويح بفرط عقده؟


كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
TT

كيف يحدَّد الفائز بجائزة نوبل للسلام؟

الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)
الميدالية المقدمة إلى تشارلز إم رايس الحائز على جائزة نوبل في الطب خلال حفل أقيم في نيويورك الولايات المتحدة 8 ديسمبر 2020 (رويترز)

أعلنت لجنة نوبل النرويجية، الخميس، أنها ستنظر في منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 لواحد من 287 مرشحاً، وبينهم 208 أفراد، و79 منظمة.

وفيما يلي لمحة عن آلية منح الجائزة، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

من يقرر الفائز؟

تتألف لجنة نوبل النرويجية من خمسة أفراد يعيّنهم البرلمان النرويجي. وغالباً ما يكون الأعضاء من الساسة المتقاعدين، ولكن ليس دائماً. ويترأس اللجنة الحالية رئيس الفرع النرويجي لمنظمة «بن إنترناشونال»، وهي مجموعة تدافع عن حرية التعبير. وتضم اللجنة أيضاً أستاذاً جامعياً بين أعضائها.

وتتولى الأحزاب السياسية النرويجية ترشيحهم جميعاً، ويعكس تعيينهم توازن القوى في البرلمان النرويجي.

من المؤهل للفوز؟

الإجابة المختصرة: من يستوفي المواصفات التي حددها رجل الصناعة السويدي ألفريد نوبل في وصيته عام 1895. وتنص الوصية على ضرورة منح الجائزة للشخص «الذي بذل أقصى جهد، أو أفضله، لتعزيز أواصر الإخاء بين الأمم، وإلغاء الجيوش النظامية، أو تقليص أعدادها، وإقامة مؤتمرات للسلام، والترويج لها».

يقول كريستيان بيرغ هاربفيكن سكرتير لجنة الجائزة إن الإجابة الأكثر تعقيداً هي أن الجائزة «يتعين وضعها في سياقها الحالي». ويتولى هاربفيكن إعداد ملفات الترشيح، ويشارك في المداولات، لكنه لا يدلي بصوته.

وقال لوكالة «رويترز» العام الماضي: «سيلقون نظرة على العالم، ويرون ما يحدث، وما الاتجاهات العالمية، وما الشواغل الرئيسة، وما هي أكثر التطورات الواعدة التي نراها؟».

وأضاف: «وقد تعني التطورات هنا أي شيء، من عملية سلام بعينها إلى نوع جديد من الاتفاقيات الدولية قيد التطوير، أو تم اعتمادها في الآونة الأخيرة».

هل تقرر الحكومة النرويجية الفائز بالجائزة؟

لا. بمجرد أن تعيّن الأحزاب السياسية مرشحيها في اللجنة، فإنها لا تتدخل في عملها.

ويشارك في الاجتماعات فقط أعضاء اللجنة الخمسة، وسكرتيرها. ولا تُدوّن محاضر الاجتماعات.

وتعرف الحكومة اسم الفائز أو الفائزين في نفس اللحظة التي يعرف فيها الجميع، وذلك عندما يعلن رئيس اللجنة اسمه في أكتوبر (تشرين الأول).

من يحق له الترشيح؟

يمكن لآلاف الأشخاص اقتراح أسماء، من أعضاء الحكومات، والبرلمانات، ورؤساء الدول الحاليين، وأساتذة الجامعات في تخصصات التاريخ، والعلوم الاجتماعية، والقانون، والفلسفة، ومن سبق لهم الفوز بجائزة نوبل للسلام، وغيرهم.

وانتهت فترة الترشيحات في 31 يناير (كانون الثاني). ويحق لأعضاء اللجنة أيضاً تقديم ترشيحاتهم الخاصة في موعد أقصاه اجتماعهم الأول في فبراير (شباط). وتظل القائمة الكاملة محفوظة في خزانة، ولا يُكشف عنها إلا بعد مرور 50 عاماً.

هل رُشح الرئيس ترمب؟

قال قادة كمبوديا وإسرائيل وباكستان إنهم رشحوا ترمب لجائزة هذا العام، وإذا كانت هذه الترشيحات قُدمت بالفعل لكان ذلك على الأرجح في ربيع وصيف عام 2025، وبالتالي فهي مؤهلة لجائزة عام 2026. ولا توجد طريقة للتحقق من أنهم رشحوه حقاً.

كيف تقرر اللجنة؟

يناقش الأعضاء جميع الأسماء المرشحة، ثم يخلصون إلى وضع قائمة مختصرة، وبعد ذلك يقوم فريق من المستشارين الدائمين وخبراء آخرين بدراسة وتقييم كل مرشح على حدة.

وتجتمع اللجنة مرة كل شهر تقريباً لمراجعة الترشيحات. وقال هاربفيكن إن القرار عادة ما يُتخذ في أغسطس (آب)، أو سبتمبر (أيلول).

وتسعى اللجنة للتوصل إلى توافق في الآراء بشأن اختيارها. وإذا تعذر ذلك، يتخذ القرار بأغلبية الأصوات.

وكانت آخر مرة استقال فيها عضو احتجاجاً على الفائز في 1994 عندما تقاسم الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات الجائزة مع الإسرائيليين شمعون بيريس، وإسحق رابين.

ما الذي يحصل عليه الفائز بالجائزة؟

ميدالية، وشهادة تقدير، و11 مليون كرونة سويدية (1.18 مليون دولار)، واهتمام عالمي فوري.

متى يكون الإعلان والحفل؟

يعلن رئيس اللجنة عن الفائز بالجائزة في التاسع من أكتوبر في معهد نوبل النرويجي بأوسلو.

ويقام الحفل في قاعة مدينة أوسلو في العاشر من ديسمبر (كانون الأول)، ذكرى وفاة ألفريد نوبل.