أسرار «بيست باي» للازدهار في عصر «أمازون»

كثيرون افترضوا سقوط قطاع التجزئة

أسرار «بيست باي» للازدهار في عصر «أمازون»
TT

أسرار «بيست باي» للازدهار في عصر «أمازون»

أسرار «بيست باي» للازدهار في عصر «أمازون»

عندما كنت أقوم ببعض المشاوير في ذلك اليوم، مررت بأحد فروع «بيست باي» لشراء سماعات أذن، وكان ما رأيته في الداخل صادماً. كان هناك أشخاص تبدو على محياهم أمارات السعادة؛ يجلسون حول طاولات عليها أحدث أجهزة من «مايكروسوفت» و«آبل». كذلك كان ممر ألعاب الفيديو صاخباً، وكان العاملون، الذين يرتدون قمصاناً زرقاء، يساعدون عميلاً في الاختيار من عدة شاشات تلفزيون مسطحة؛ وكان هناك صف أمام منصة الدفع.
افترض كثيرون، ومنهم أنا، أن قطاع متاجر التجزئة سوف يسقط في النهاية تحت عجلات شركة «أمازون». كنت أعرف أن «بيست باي» قضت الأعوام الماضية في اتخاذ موقع الدفاع في مواجهة «أمازون»، وحققت بعض النجاح الأولي من خلال خفض التكاليف، وخفض الأسعار لتكون نداً لمنافسيها النشطين على الإنترنت.
مع ذلك، استمر ازدهار وضع «بيست باي» على نحو غير متوقع. وفاقت العائدات توقعات «وول ستريت» خلال الأرباع الستة من آخر سبعة أرباع. وارتفع سعر سهم الشركة بمقدار يزيد على 50 في المائة خلال العام الماضي. ويشعر العاملون بالرضا، وبناء على عدة زيارات أخرى قمت بها لمتاجر «بيست باي»، يبدو أن السلسلة قد نجت من المصير القاتم لمتاجر التجزئة الأخرى.
كيف فعلوها؟
لاكتشاف ذلك، اتصلت بهيوبرت جولي، الرئيس التنفيذي لـ«بيست باي». أوضح جولي، الفرنسي المتفائل الذي عمل لأكثر من عقد في شركة الاستشارات «ماكينزي آند كامبني»، والبالغ من العمر 58 عاماً، أن التحول الذي حدث لـ«بيست باي» بدأ منذ سنوات، وقد تضمن إعادة تشكيل كل جزء من نموذج عملها. إنه كتاب قواعد مذهل للشركات التي تأمل في البقاء والاستمرار في عصر «أمازون». وفيما يلي بعض النقاط الأساسية لعملية تحول «بيست باي» بحسب جولي:
السعر... ثم السعر... ثم السعر:
عندما بدأ جولي العمل في 2012 كانت شركة «بيست باي» تنزف، حيث استقال الرئيس السابق بعد اعترافه بوجود علاقة بينه وبين إحدى العاملات في الشركة. كذلك كانت أنظمة الشركة قديمة، وكان كثير من المتاجر التابعة للشركة يخسر المال؛ وكان الزمن قد تجاوز كثيرا من المنتجات، التي كانت تجذب العملاء إلى المتاجر، مثل الإصدارات الحديثة من الأسطوانات المدمجة، والـ«دي في دي».
كان التوجه، الذي يثير القلق حقاً في عالم متاجر التجزئة، هو «تجربة المنتجات»، حيث كان العملاء يختبرون المنتجات الجديدة في المتجر قبل شرائها بسعر أقل على الإنترنت من متجر تجزئة آخر. للتصدي لهذه الظاهرة، وإقناع العملاء بإتمام عملية الشراء في «بيست باي»، أعلن جولي عن ضمان البيع بالسعر المعروض على الإنترنت. وأوضح قائلا: «إلى أن أتمكن من الوصول إلى أسعار (أمازون)، فسوف نخسر العملاء». كلفت هذه الطريقة «بيست باي» أموالا حقيقية، لكنها منحت العملاء سببا للبقاء في المتجر، وساعدت الشركة على تجنب الاستسلام للمنافسين.

التركيز على الإنسان
أدرك جولي أيضاً أنه إذا أرادت شركة «بيست باي» منافسة «أمازون»، التي تنفق المليارات على وضع أنظمة تسليم سريعة، وتخطط لاستخدام الطائرات التي تعمل من دون طيار حتى تصبح أكثر كفاءة، فعلى الشركة التطور والتفوق في الأشياء التي لا يستطيع الإنسان الآلي القيام بها وتحديداً خدمة العملاء.
زار جولي خلال الأشهر الأولى من عمله في الشركة متاجر «بيست باي»، التي تقع بالقرب من مينيسوتا، لسؤال العاملين العاديين عما يواجهونه من صعوبات. ومن تلك الصعوبات إظهار محرك بحث داخلي بيانات خاطئة عن السلع المتوفرة في المتجر. أصلحت «بيست باي» محرك البحث، وعادت لعمل خصومات للعاملين كان قد تم إلغاؤها من قبل، وشرعت في تنفيذ برنامج طموح لإعادة تدريب العاملين بحيث يتمكنوا من الإجابة عن الأسئلة الخاصة بالأنواع الجديدة من الأجهزة الإلكترونية مثل سماعات الواقع الافتراضي، والأجهزة المنزلية الذكية. وقال جولي: «أصبح المساعدون في متاجرنا اليوم أكثر وعياً بالمجال، وأكثر كفاءة».
لطالما كان العملاء يحبون «فريق الخبراء» في «بيست باي»، وهم مجموعة من خبراء الدعم الفني المدربين بشكل خاص، والذين يمكن الاستعانة بهم من أجل تركيب أجهزة تلفزيون وغيرها من الأجهزة في منازل العملاء. مع ذلك، كان الناس أحياناً بحاجة إلى المساعدة قبل شراء الأجهزة الضخمة وباهظة الثمن. لذا دشنت الشركة برنامجا استشاريا يسمح للعملاء بتلقي استشارات مجانية في المنزل بشأن المنتجات التي ينبغي شراؤها، وكيفية تركيبها. بدأت الخدمة بوصفها برنامجا تجريبيا العام الماضي، وانتشرت حالياً على مستوى البلد. وقال بيتر كيث، محلل تجزئة لدى مؤسسة «بايبر جافري»: «لقد حققت شركة (بيست باي) نجاحاً من خلال القيام باستثمارات تعتمد على تجربة وخبرة العميل».

تحويل الجانب المادي إلى واجهة عرض وشحن
عندما بدأ جولي العمل لدى «بيست باي»، كان نظام طلب المنتجات عبر الإنترنت من الشركة منفصلاً تماماً عن متاجر الشركة؛ فإذا أراد عميل طلب منتج من خلال الموقع الإلكتروني، يتم شحنه من أحد المخازن المركزية. إذا لم يكن هذا المنتج موجودا في المخزن، فسيكون حظ العميل سيئاً. أدرك جولي أنه من خلال إجراء بعض التغييرات الطفيفة، يمكن لكل متجر من متاجر «بيست باي»، التي يزيد عددها على الألف، أن يشحن المنتجات إلى العملاء، ويعمل مخزنا صغيرا في المنطقة المحيطة به. عندما يطلب عميل منتجا من خلال الموقع الإلكتروني لـ«بيست باي»، يتم إرساله من الموقع الأقرب إلى العميل، فأيهما أفضل؛ متجر في آخر الشارع، أم مخزن يقع على بعد 5 ولايات؟
كان ذلك التغيير بسيطاً، لكنه أتاح لـ«بيست باي» تحسين عملية الشحن، وتوصيل الطلبات بشكل أسرع، مما ساعد في الفوز برضا العملاء. ويتم حالياً شحن نحو 40 في المائة من المنتجات، التي يتم طلبها عن طريق الإنترنت، أو اختيارها من المتجر.
كذلك أبرمت «بيست باي» صفقات مع كبرى شركات الإلكترونيات مثل «سامسونغ»، و«آبل»، و«مايكروسوفت»، من أجل عرض منتجات كل منها في مساحة مخصصة لها داخل المتاجر. بدلا من وضع المنتجات بعضها إلى جانب بعض دون تصنيف على الأرفف، تتيح الطريقة الأخرى التي اتبعتها «بيست باي»، لها، إنشاء منصات خاصة بكل منها داخل المتاجر. على سبيل المثال، يوجد في المساحة المخصصة لمنتجات «آبل» في متجر «بيست باي»، الطاولات الخشبية والتصميم البسيط الخاص بمتجر تابع لـ«آبل». إنه مفهوم مقتبس من المتاجر ذات الأقسام المتعددة، وقد ساعد ذلك في عمل خط جديد لتحقيق العائدات الكبيرة، وحتى «أمازون» أنشأت منصات في «بيست باي» لعرض أجهزة «أليكسا» الخاصة بها والتي يتم تفعيلها بالصوت.
يبدو أن «بيست باي» تتمتع في اتفاقات الشراكة تلك بميزة أنها المؤسسة الوحيدة الباقية، فقد أفلس كثير من شركات البيع بالتجزئة المنافسة لها، مثل «سيركيت سيتي»، و«راديو شاك»، و«إتش إتش غريغ»، أو أغلقت أبوابها تماماً. ويعني هذا أنه إذا أرادت شركة «سامسونغ» عرض خطها الجديد من الأجهزة اللوحية في متجر إلكترونيات للبيع بالتجزئة، فلن يكون أمامها سوى خيار واحد.

خفض التكاليف بهدوء
تشمل كل خطة للتحول في الأعمال تقريباً خفض التكاليف. تحت إدارة جولي، استخدم «بيست باي» المشرط الجراحي بأكبر قدر ممكن من الهدوء، فقد انتظر حتى تنقضي فترة إيجار المتاجر التي لا تحقق أرباحاً تدريجياً، ودعم الأفرع الموجودة في الخارج. كذلك تخلص من طبقة من الصف الوسيط من المديرين عام 2014. وعاد للاستعانة بـ400 عامل من فريق الخبراء داخل الشركة. مع ذلك، لم يعلن أبدا عن عملية تسريح ضخمة للعاملين، لما لذلك من تأثير سلبي على معنويات العاملين، ولأنه ينشر الشعور بأن الشركة تغرق. وقال جولي عام 2015: «كان رفت العاملين هو الملجأ والخيار الأخير، فأنت بحاجة إلى أسر قلوب وعقول العاملين». كذلك اكتشفت شركة «بيست باي» وسائل أكثر ابتكارا لتوفير النفقات. لاحظت الشركة انخفاض عدد ما لديها من شاشات التلفزيون المسطحة؛ وراجعت طريقة التعامل، حيث خفضت عدد مرات نقل شاشات التلفزيون باستخدام الرافعة، وأدخلت عربات جديدة لمنع سقوط صناديق الشاشات. أدت التغيرات إلى انخفاض عدد الشاشات المكسورة في المخازن مما زاد من الأرباح.

مع الحظ... كن متواضعاً ولا تتحدى القدر
لم يخبرني جولي بصراحة بهذا الأمر، لكنه بديهي وواضح، فقد استفادت «بيست باي» من بعض الحظ الجيد. كان من حسن حظ الشركة أن المنتجات، التي تخصصت في بيعها، مثل شاشات التلفزيون الكبيرة والمعدات الصوتية المتطورة، ما زالت من الأشياء التي يشعر كثير من العملاء بعدم الارتياح تجاه شرائها من خلال موقع إلكتروني دون رؤيتها رأي العين. كان من حسن طالع الشركة أيضاً خروج كثير من الشركات المنافسة الكبرى من السوق، مما قلّص عدد المنافسين. كذلك كان من حسن حظ الشركة استمرار الشركات التي تبيع المنتجات نفسها مثل «آبل» و«سامسونغ»، في بيع الأجهزة المتطورة باهظة الثمن.
وقال ستيفن بيكر، محلل في المجال الفني لدى مجموعة «إن بي دي»: «إنهم تحت رحمة دورات المنتج. إذا امتنع الناس عن شراء أجهزة الكومبيوتر الشخصي، أو فقدوا اهتمامهم بشاشات التلفزيون الضخمة، فسيكون أمامهم تحدٍّ».
يعلم جولي أنه رغم الزخم الأخير الذي شهدته شركة «بيست باي»، فإنها لم تتجاوز الأزمة بعد. على الشركة خفض التكاليف، والوصول بأسعارها إلى مستوى الأسعار المنافسة من أجل تحقيق النجاح على المدى الطويل. تستثمر شركة «وول مارت»، وهي شركة كبرى تعمل في مجال بيع التجزئة، مليارات الدولارات في التوسع الرقمي من خلال الاستحواذ على شركات تجارة إلكترونية مثل «جيت» و«بونوبوس»، وقد تكون شركة منافسة قوية. كذلك تقوم شركة «أمازون» بالتوسع في مجال البيع بالتجزئة من خلال الاستحواذ على «هول فودز»، وتتجه نحو سوق الخدمات والتركيب التي تتميز فيها شركة «بيست باي».
مع ذلك، جولي متفائل تجاه فرص «بيست باي» في مواجهة تلك الشركات العملاقة، لكنه غير مستعد للاحتفال بعد. يقول: «بمجرد مرورك بتجربة الاقتراب من الموت، يختفي الغرور من داخلك حتى إذا كان متغلغلاً داخل نفسك حتى النخاع».
* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«أمازون» تتحدى «ستارلينك» بصفقة كبرى للاستحواذ على «غلوبال ستار»

الاقتصاد صاروخ «أطلس 5» التابع لـ«يونايتد لونش ألاينس» على منصة الإطلاق حاملاً أقمار مشروع «كويبر» التابع لـ«أمازون» للإنترنت الفضائي (رويترز)

«أمازون» تتحدى «ستارلينك» بصفقة كبرى للاستحواذ على «غلوبال ستار»

أعلنت شركة «أمازون دوت كوم»، يوم الثلاثاء، اتفاقها للاستحواذ على شركة «غلوبال ستار» للأقمار الاصطناعية في صفقة تبلغ قيمتها 11.57 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أحد مراكز البيانات التابعة لـ«أمازون ويب سيرفسز» (الشركة)

ماذا يعني تعطل خدمات «أمازون» في الإمارات والبحرين؟

تعطل خدمات «أمازون ويب سيرفسز» في الإمارات والبحرين يوقف الأنشطة المرتبطة بهذه المراكز في المنطقة، ويؤثر على استمرارية عمل الشركات.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مكتب شركة «أمازون» في آيرلندا شهر أكتوبر 2025 (رويترز)

«أمازون» تؤكد استهداف منشآتها السحابية في الإمارات والبحرين بمُسيَّرات

أكّدت شركة «أمازون ويب سيرفسز» أن طائرتين مسيّرتين ضربتا بشكل مباشر منشأتين للحوسبة السحابية تابعتين لها في دولة الإمارات، ما تسبب في أضرار جسيمة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الصفحة الرئيسية لـ«تشات جي بي تي» تظهر عليها عبارة «مرحباً بكم في أوبن إيه آي» - بافاريا (د.ب.أ)

عمالقة التكنولوجيا يخططون لاستثمار 60 مليار دولار في «أوبن إيه آي»

ذكرت صحيفة «ذا إنفورميشن» يوم الأربعاء، أن شركات «إنفيديا» و«أمازون» و«مايكروسوفت» تُجري محادثات لاستثمار ما يصل إلى 60 مليار دولار في شركة «أوبن إيه آي».

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
تكنولوجيا أوضحت شركة «مايكروسوفت» أن الشريحة «مايا 200» الجديدة ستبدأ العمل هذا الأسبوع بمركز بيانات بولاية أيوا الأميركية مع خطط لموقع ثان في أريزونا (د.ب.أ)

«مايكروسوفت» تكشف عن «مايا 200»... الجيل الثاني من شرائحها للذكاء الاصطناعي

كشفت «مايكروسوفت» الاثنين عن الجيل الثاني من شريحة الذكاء الاصطناعي التي تنتجها داخل الشركة «مايا 200».

«الشرق الأوسط» (سان فرانسيسكو)

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
TT

الأسهم السعودية تتراجع إلى 11464 نقطة في أولى جلسات الأسبوع

شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)
شاشة المؤشرات داخل مقر مجموعة «تداول» بالرياض (الشرق الأوسط)

أغلق مؤشر سوق الأسهم السعودية الرئيسية (تاسي)، جلسة الأحد، متراجعاً بنسبة 0.8 في المائة، إلى 11464.5 نقطة، وبتداولات بلغت قيمتها 5 مليارات ريال (1.3 مليار دولار).

وانخفض سهم «أرامكو السعودية»، الأثقل وزناً في المؤشر، بنسبة 1 في المائة إلى 27.2 ريال. كما تراجع سهما «معادن» و«أديس» بنسبة 1.5 و1 في المائة، إلى 70.3 و 18.73 ريال على التوالي.

وفي القطاع المصرفي، انخفض سهم «الراجحي» بنسبة 0.7 في المائة، في حين تراجع سهم «الأهلي» بنسبة 1.4 في المائة. وتراجع سهم «السعودية للطاقة» بنسبة 3 في المائة، إلى 17.12 ريال.

في المقابل، تصدّر سهما «نايس ون» و«الأندية للرياضة» الشركات الأكثر ارتفاعاً بنسبة 6 و5 في المائة على التوالي. وصعد سهم «تسهيل» بنسبة 2.7 في المائة، إلى 132 ريالاً.


كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
TT

كيف أصبحت الصين وسيط الطاقة في آسيا؟

صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)
صهريج لتخزين الغاز الطبيعي المسال في محطة الاستقبال التابعة لشركة «بتروتشاينا» بميناء رودونغ الصيني (رويترز)

لم تعد الصين مجرد أكبر مستورد للغاز في العالم، بل تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى لاعب محوري يُعيد تشكيل سوق الطاقة في آسيا، مستندة إلى شبكة معقدة من الإمدادات وخطوط الأنابيب وعقود الغاز المُسال، ما يمنحها نفوذاً متنامياً، خصوصاً في أوقات الأزمات. هذا ما أكده فيودور دميتريينكو، الباحث والمحلل الجيوسياسي في مجال سياسات الطاقة والتنمية المستدامة، في تقرير نشرته مجلة «ناشونال إنتريست» الأميركية.

وقال دميتريينكو إن حرب إيران كشفت ما بنته سنوات من صفقات خطوط الأنابيب وعقود الغاز الطبيعي المُسال بهدوء، وهو ما وصفه بـ«القبضة الصينية» على إمدادات الغاز في آسيا. فعندما ترددت أنباء عن قيام شركات صينية بإعادة بيع رقم قياسي بلغ 19 شحنة من الغاز الطبيعي المُسال خلال الربع الأول من عام 2026، منها 10 شحنات إلى كوريا الجنوبية، و5 إلى تايلاند، والبقية موزعة بين اليابان والهند والفلبين، قُدّم ذلك بوصفه تداولاً ذكياً، وكان كذلك بالفعل. إذ تبلغ تكلفة الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب بالنسبة لبكين نحو 250 دولاراً لكل ألف متر مكعب، في حين تجاوزت الأسعار الفورية في آسيا 830 دولاراً. وقد كان هامش الربح كبيراً للغاية، غير أن القصة الحقيقية تتجاوز بكثير أرباح مضاربات ربع سنوي واحد.

مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

حرب إيران

وقال دميتريينكو إن ما كشفته حرب إيران هو تحول هيكلي جرى بناؤه على مدى عقد، إذ لم تعد الصين تكتفي بإعادة بيع فائض الغاز، بل تعمل على إنشاء نموذج لم تُجربه أي دولة من قبل، يتمثل في هيكل إمداد ثلاثي المستويات يجعلها المورد المرجّح لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ بأكملها. فهي تشتري الغاز بأسعار منخفضة عبر خطوط الأنابيب، وتبرم في الوقت نفسه عقوداً ضخمة للغاز الطبيعي المُسال عالمياً، ثم تُعيد توجيه الفائض إلى الدول المجاورة، حسب أسعار السوق أو متطلبات الأزمات.

ويضيف دميتريينكو أن الفجوة بين ما تتعاقد عليه الصين وما تستهلكه فعلياً تمثل فائض إعادة البيع. حالياً تبدو هذه الفجوة محدودة، في حدود 5 إلى 15 مليار متر مكعب، لكنها قد تتسع بحلول عام 2030 إلى ما بين 15 و50 مليار متر مكعب. وبحلول 2035، وإذا تحقق جزء حتى من مشروع «قوة سيبيريا 2»، فقد يصل الفائض إلى نحو 70 مليار متر مكعب، وهذه ليست أرقاماً هامشية، إذ إن 70 مليار متر مكعب تتجاوز إجمالي واردات اليابان السنوية من الغاز الطبيعي المُسال.

تعطل مضيق هرمز وميزة أمن الطاقة للصين

قبل 28 فبراير (شباط)، كانت هذه مجرد نظرية، لكن بعد هذا التاريخ أصبحت سياسة واقعية.

فعندما شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات على إيران، وأقدم «الحرس الثوري» الإيراني على خنق مضيق هرمز، بات لدى مستوردي الطاقة في آسيا أسباب جدية للقلق. إذ تحصل اليابان على نحو 93 في المائة من احتياجاتها النفطية عبر هذا المضيق. كما أعلن مجمع رأس لفان في قطر، وهو الأكبر من نوعه في العالم، حالة القوة القاهرة بعد هجوم بطائرة مُسيّرة.

وفي السياق ذاته، لم يكن لدى الفلبين سوى أقل من 10 أيام من مخزون الديزل، ما دفعها إلى إعلان حالة طوارئ في قطاع الطاقة، في حين أُغلق أكثر من 40 في المائة من محطات الوقود في لاوس.

وكانت إعادة بيع شحنات الغاز الطبيعي المُسال الجزء الأكثر وضوحاً في المشهد. ففي مارس (آذار) وحده، أعادت الصين بيع ما بين 8 و10 شحنات، وهو رقم قياسي شهري، إلى مشترين لم يكن لديهم خيار آخر. وجاء بعض هذه الشحنات من مشروعات روسية، وقد اشترتها اليابان رغم العقوبات المفروضة على الطاقة الروسية، إذ لم يكن أمامها بديل عملي سوى مواجهة خطر انقطاع الكهرباء.

دور الصين في سوق الغاز: صانع سوق لا منافس مباشر

يقول دميتريينكو إن السردية الناشئة، التي تصوّر الصين بوصفها منافساً للولايات المتحدة في سوق الغاز الطبيعي المُسال، تخلط بين الشكل والمضمون، فالولايات المتحدة ستضيف بحلول عام 2030 نحو 260–270 مليار متر مكعب من طاقة التصدير، أي ما يزيد على 30 في المائة من الإمدادات العالمية. في المقابل، لا تقوم الصين بتصدير أي كميات من الغاز المسال.

وبالمعنى الإنتاجي البحت، لا توجد منافسة مباشرة، لكن الصين، حسب دميتريينكو، لا تخوض هذه المنافسة أصلاً، بل تدير في الوقت نفسه 3 استراتيجيات مختلفة داخل السوق العالمية للغاز.

سفينة تحمل شحنة من الغاز الطبيعي المسال من روسيا في محطة للغاز بمقاطعة جيانغسو الصينية (رويترز)

ويقول دميتريينكو إن الاستراتيجية الأولى تتمثل في ضغط الأسعار عبر التحكيم السعري، إذ إن كل شحنة تضخها الصين في السوق الفورية الآسيوية تزيد السيولة وتدفع الأسعار إلى الانخفاض، ما يقوّض هامش العلاوة الذي يعتمد عليه المنتجون الأميركيون.

وتبلغ نقطة التعادل للغاز الأميركي نحو 7 إلى 9 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية عند التسليم إلى آسيا. ومع تزايد الشحنات المعاد بيعها، قد تنخفض الأسعار إلى نحو 6 دولارات أو أقل، ما يجعل المشروعات الجديدة أقل جدوى ويثني المستثمرين.

الاستراتيجة الثانية هي تآكل الطلب الهيكلي. فكل مليار متر مكعب من الغاز الروسي أو التركماني المنقول عبر الأنابيب إلى الصين يقابله تراجع مماثل في الحاجة إلى الغاز الطبيعي المُسال من مصادر أخرى. وإذا ضخ مشروع «قوة سيبيريا 2» حتى 30 مليار متر مكعب من طاقته التصميمية البالغة 50 مليار متر مكعب، فإن ذلك وحده كفيل بتقليص الطلب الصيني على الغاز المُسال، بما يعادل إنتاج محطة تصدير أميركية كبرى.

ومع التوسع في الطاقة النووية والمتجددة، يتضح أن اعتماد الصين على الغاز المنقول بحراً يتراجع تدريجياً، في الوقت الذي يستعد فيه المعروض العالمي من الغاز المُسال للارتفاع.

وتشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى فائض في الغاز المُسال قد يبلغ نحو 65 مليار متر مكعب بحلول عام 2030، في حين قد تصل الطاقة الفائضة إلى نحو 130 مليار متر مكعب، أي ما يقارب 15 في المائة من القدرة العالمية غير المستغلة. وفي حين تستطيع قطر، بفضل انخفاض تكاليف إنتاجها، تحمّل هذا الفائض، يواجه منتجون آخرون تحديات أكبر بكثير.

ناقلة غاز طبيعي مسال تغادر الرصيف بعد تفريغها في محطة الاستلام التابعة لشركة «بتروتشاينا» في داليان بمقاطعة لياونينغ الصين (رويترز)

الاستراتيجية الثالثة هي النفوذ في أوقات الأزمات، وهي الأكثر إثارة لقلق صناع القرار في طوكيو وسيول ومانيلا ونيودلهي. فعندما أُغلق مضيق هرمز، كانت الصين الاقتصاد الآسيوي الكبير الوحيد الذي يمتلك فائضاً من الغاز يمكن طرحه في السوق. ولم يكن ذلك بدافع السخاء، بل بوصفه أداة نفوذ. كما أرسلت بكين ناقلات ديزل إلى الفلبين بعد أن بلغت أزمة الطاقة في مانيلا مستوى حاداً. وكانت الرسالة إلى كل جار يعتمد على الطاقة واضحة: أمن إمداداتكم تمر عبرنا الآن.

ما ينبغي أن يثير قلق واشنطن وطوكيو، خصوصاً منتجي الغاز الطبيعي المُسال الأميركيين، هو أن التوقيت يبدو قاسياً. فالولايات المتحدة على وشك تشغيل أكبر موجة من قدرات الإسالة في تاريخها، بنحو 100 مليار متر مكعب من طاقة التصدير الجديدة بحلول عام 2028، مع دخول مشروعات إضافية الخدمة لاحقاً.

وقد تمت الموافقة على هذه المشروعات على افتراض أن الطلب الآسيوي، وفي مقدمته الطلب الصيني، سيواصل نموه. وقد يتحقق ذلك جزئياً، لكن كل مليار متر مكعب من الغاز المنقول عبر الأنابيب من روسيا أو تركمانستان إلى الصين يعني عملياً تراجعاً مماثلاً في الطلب على الغاز الطبيعي المُسال في السوق القابلة للاستهداف.

وإذا واصل المشترون الصينيون إعادة توجيه شحنات الغاز ذات المنشأ الأميركي إلى دول ثالثة، كما يفعلون لتفادي الرسوم الجمركية، فإن جزيئات الغاز الأميركية تنتهي إلى منافسة نفسها في أسواق جنوب شرق وجنوب آسيا.

أما بالنسبة لليابان، فالمشكلة أعمق، فقد كشفت حرب إيران عن اعتماد تدركه طوكيو منذ عقود، لكنها لم تنجح في معالجته. إذ يمر نحو 93 في المائة من واردات اليابان النفطية، وجزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المُسال، عبر مضيق هرمز. وعندما أُغلق المضيق، وجدت اليابان نفسها مضطرة لشراء شحنات أعادت الصين بيعها، وربما تضمنت غازاً روسياً، وهو ما كانت العقوبات اليابانية تهدف في الأصل إلى تجنّبه.

وتواجه كوريا الجنوبية والهند والفلبين وتايلاند المعضلة ذاتها بدرجات متفاوتة. فلا واحدة منها تمتلك خطوط أنابيب برية مباشرة إلى كبار منتجي الغاز، وجميعها تعتمد على ممرات بحرية تمر عبر نقاط اختناق استراتيجية. والصين وحدها بين كبار مستوردي آسيا هي التي نجحت في بناء بديل بري متكامل، لا تستخدمه فقط لتعزيز أمنها الطاقي، بل أيضاً أداة نفوذ تجاري وسياسي في أنحاء المنطقة.

ويخلص دميتريينكو إلى أن هذا الوضع لم يتشكل مصادفة، بل جاء نتيجة استثمار امتد لنحو 15 عاماً وبمئات المليارات من الدولارات، شمل تطوير خطوط الأنابيب، ومحطات الغاز الطبيعي المُسال، والعقود طويلة الأجل، إلى جانب برامج تطوير الغاز الصخري والطاقة النووية. وعليه، لم تكن حرب إيران سبباً في خلق النفوذ الصيني في سوق الطاقة الآسيوية، بل كشفت عن حجمه الحقيقي. وبالنسبة للدول التي تسارع اليوم إلى تأمين إمداداتها من الوقود، فإن هذا الإدراك جاء متأخراً أكثر مما ينبغي.


لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
TT

لبنان ينشد تسريع الاستجابة المالية الدولية لمواجهة أعباء الحرب

وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)
وزير المال ياسين جابر مشاركاً في جلسة لوزراء المالية ومحافظي المصارف المركزية خلال اجتماعات الربيع (الصندوق)

يشهد الملف المالي اللبناني زخماً موازياً لمسار الملف السياسي الذي أفضى إلى اتفاق هدنة لمدة 10 أيام قابلة للتجديد، في ظل ترجيحات باستكمال استجابة صندوق النقد الدولي لتمكين لبنان من الحصول على دعم مالي طارئ، إلى جانب إبرام اتفاقات تمويلية إضافية مع البنك الدولي. ومن المتوقع أن تُخصَّص مجمل هذه القروض لمواجهة جزء من الأعباء التراكمية الناجمة عن الحرب المتكررة في نسختها الثانية، بما في ذلك متطلبات النزوح السكاني وتقديم المساعدات الإنسانية.

ومع تكريس معادلة مرجعية تقضي بالربط التلقائي بين تدفق الدعم المالي والتمويل وتثبيت وقف إطلاق النار، والانطلاق في مسار إنهاء المواجهات العسكرية عبر اتفاق شامل، تُفيد المعلومات الواردة من واشنطن -حسب مسؤول مالي كبير تواصلت معه «الشرق الأوسط»- بسيادة «أجواء إيجابية» ومشجّعة رافقت مباحثات الوفد الوزاري اللبناني مع كبار المسؤولين في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويأتي ذلك في إطار مساعٍ مكثفة لحشد دعم مالي «استثنائي» مخصّص لمعاونة النازحين، وإعادة إعمار البنى التحتية، والتحضير لمرحلة إعادة إعمار المساكن والقرى المدمّرة.

إشارات واعدة

وثمة إشارات واعدة، وفق المسؤول المعني، برزت في الاستجابة العاجلة لطلب الوفد اللبناني من قبل البنك الدولي، بتوقيع اتفاقية تمويل 200 مليون دولار مخصصة لدعم برنامج «أمان» للأسر الأكثر فقراً وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي.

بينما أظهرت إدارة صندوق النقد الدولي تفهماً معمقاً للاحتياجات المالية الطارئة، يؤمل ترجمته قريباً في اعتماد بدائل ملائمة لخطوط تمويلية تتعدّى المانع القانوني لفقدان لبنان شرط استدامة الدين العام، والناتج تلقائياً عن قرار «التعثر عن سداد مستحقات الديون السيادية» منذ ربيع عام 2020.

ومع تطلّع لبنان، وفق مساعي الوفد الرسمي، إلى شراكة متجددة مع البنك الدولي، تقوم على المرونة وسرعة الاستجابة، ومراعاة حجم التحديات الاقتصادية والإنسانية والتنموية التي تواجه البلاد، فقد ركّز على ضرورات توفير تمويل إضافي على شكل منح لدعم المجتمعات المتضررة، مع إعطاء أولوية خاصة لقطاع الإسكان، نظراً لما يُشكله من حاجة ملحّة في مرحلة ما بعد الحرب، إلى جانب دوره الأساسي في دعم الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

من اليسار: وزير الاقتصاد والتجارة عامر البساط ووزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيّد ووزير المال ياسين جابر (إكس)

وقد فرضت الحرب والمواجهات العسكرية، على مدى 45 يوماً، بتداعياتها الاقتصادية والاجتماعية، تغييراً جوهرياً في مهمة الوفد اللبناني المشارك في الاجتماعات الربيعية لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إذ جرى حصرها بهذه المستجدات. في المقابل، تم تعليق ملف الاتفاق التمويلي العالق، بما يتضمنه من التزامات تشريعية وتنفيذية مرتبطة بخطة التعافي الاقتصادي والإنقاذ المالي، إلى وقت لاحق، ريثما يتم احتواء الخسائر المستجدة وتلك الناجمة عن الحرب الأولى قبل أقل من عامين.

وفي ختام برنامج مكثّف من الاجتماعات مع كبار مسؤولي المؤسسات المالية الدولية والدول الصديقة، الهادفة أساساً إلى حشد الدعم للبنان وتعزيز فرص التعافي والاستقرار، واصل وزير المالية ياسين جابر، برفقة الوفد الرسمي، لقاءاته في العاصمة الأميركية. وشملت هذه اللقاءات بحثاً مع مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، في الاستحقاقات المالية الداهمة، وتأكيد أهمية مواصلة الحوار البناء بين الطرفين، بما يفضي إلى التفاهم على أولويات المرحلة المقبلة والإصلاحات المطلوبة لتعزيز الاستقرار واستعادة الثقة.

وشدّد وزير المال في مباحثاته المتواصلة مع كبار المسؤولين في البنك الدولي، على «أهمية إعطاء الأولوية للمحفظة الحالية من المشروعات المموّلة من قبله، والتي تتعدى قيمتها الإجمالية 1.3 مليار دولار أميركي، والعمل على توجيهها، بما ينسجم مع الحاجات المستجدة، ولا سيما تلك المرتبطة بإعادة تأهيل البنى التحتية والخدمات الأساسية وتعزيز الصمود الاجتماعي». وبالتالي المساهمة في تحسين قدرات الحكومة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للنازحين وإعادة تأهيل البنى التحتية الأساسية.

ومن المرتقب، وفق المسؤول المالي المعني، أن يبادر البنك الدولي إلى إعلان تقديرات أولية لإجمالي الخسائر المالية والاقتصادية الناجمة عن الحرب الجديدة، وذلك بعد التثبت من تثبيت وقف المواجهات العسكرية. وسيأتي هذا التقييم على غرار التقدير السريع للحرب السابقة الذي نُشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، والمستند إلى قاعدة بيانات إحصائية معزّزة بمسوحات ميدانية، بما يمهّد لتحديد الاحتياجات التمويلية العاجلة، ووضع برامج المساعدة على المديين المتوسط والطويل.

خسائر تتعدى الـ5 مليارات دولار

وثمة تقديرات أولية تشير إلى أن حجم الخسائر المسجّلة حتى إعلان الهدنة القائمة تجاوز 5 مليارات دولار، ما يرفع حكماً احتياجات إعادة الإعمار والتعافي التي كان البنك الدولي قد قدّرها بنحو 11 مليار دولار بنهاية الحرب السابقة. وقد بلغت الأضرار التي لحقت بالمباني وحدها آنذاك 6.8 مليار دولار، لتُشكل مجدداً مركز الثقل في التقديرات المرتقبة، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية الناجمة عن تراجع الإنتاجية وفقدان الإيرادات وارتفاع تكاليف التشغيل، التي كانت قد ناهزت سابقاً 7.2 مليار دولار.

صدمة سلبية على الاقتصاد

وحسب رصد تقييمي لمعهد التمويل الدولي، عقب انقضاء الشهر الأول على اندلاع المواجهات العسكرية الجديدة، فإن العدوان على لبنان شكّل صدمة سلبية متكررة للاقتصاد، الذي كان ولا يزال يعاني أزمات حادة منذ خريف عام 2019، تمثّلت في الضغوط على الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور الميزانية، وضعف المؤسسات.

وأشار معهد التمويل الدولي إلى أن هذه الحرب قد تؤدي إلى تراجع الناتج المحلي الحقيقي بنسبة تتراوح بين 12 و16 في المائة خلال العام الحالي، تبعاً لمدة الصراع. وفي المقابل، قدّر وزير المالية، خلال اجتماعاته في واشنطن، احتمال انكماش الناتج بنحو 7 في المائة نتيجة الحرب والخسائر الأولية. علماً بأن التقديرات الموثقة ستظل مرتبطة سلباً أو إيجاباً بمسار تطورات إنهاء الحرب وتدفّق الدعم الخارجي من المؤسسات الدولية والدول المانحة.

ومع تأكيده أن الدمار الأساسي الذي لحق بالبنى التحتية (كالطرقات والمرافق وشبكات الاتصال) قد تُسبب خسائر كبيرة، لاحظ المعهد الدولي أنّ تراجع حركة السياحة يُشكل السبب الرئيسي للانكماش، والمعزز بتأثراته على حركة الفنادق والمبيعات والنقل. بالإضافة إلى أن قطاعات منتجة، كقطاع الزراعة وقطاع الصناعة، قد عانت مشكلات وتعقيدات طرأت على صعيد سلسلة الإمداد، وتضرر الأراضي الزراعية وصعوبة تنقل القوى العاملة، ما أدّى إلى خفض الإنتاج وتراجع في حجم الاقتصاد.

وبالتوازي، أشار المعهد إلى أن نزوح أكثر من مليون شخص، أي نحو 20 في المائة من السكان، فاقم الضغوط على السكن والخدمات العامة وأسواق العمل. كما أسهمت الخسائر الكبيرة في الدخل، وارتفاع معدلات البطالة، وتعطل الأعوام الدراسية، والاضطرابات التي طالت قطاع الرعاية الصحية، في تراكم تكلفة اجتماعية مرتفعة، ولا سيما على الأسر ذات الدخل المحدود والأسر النازحة.