د. فهد حسين: روايات المرأة الخليجية كرّست صورة الرجل التسلطي

الناقد البحريني: هناك نزعة جارفة للمرأة لكتابة الرواية... لكنها على حساب القيمة الجمالية

د. فهد حسين: روايات المرأة الخليجية كرّست صورة الرجل التسلطي
TT

د. فهد حسين: روايات المرأة الخليجية كرّست صورة الرجل التسلطي

د. فهد حسين: روايات المرأة الخليجية كرّست صورة الرجل التسلطي

سجل الناقد البحريني الدكتور فهد حسين، حضوراً متميزاً في المشهد الثقافي الخليجي، منذ عكف على دراسة المنجز الروائي وتأثيراته الاجتماعية. بدأ أولاً بدراسة حضور المكان في الرواية البحرينية، حيث وجد أن الروائي البحريني كان منشّغلاً أكثر بحمل الهمّ الاجتماعي وحالة الإنسان عن الثيمات الأخرى.
الناقد البحريني عكف كذلك على تتبع صورة المرأة في الرواية النسوية الخليجية الجديدة، وأصدر في هذا السياق عدداً من الأبحاث والدراسات، وكان لافتاً ملاحظته أن الرواية النسوية الخليجية كرست صورة الرجل أنموذجاً للتسلط والهيمنة، ولم تشر إلى البنية الثقافية التي أنتجت الذكوري.
الدكتور فهد حسين، عضو أسرة الأدباء والكتاب في البحرين، وعضو مجلس إداراتها لأكثر من دورة انتخابية، وحاليا هو الأمين العام لها. وحصل على الجائزة الثانية في مسابقة الكتاب المتميز في البحرين عام 2003.
«الشرق الأوسط» التقت الناقد البحريني، وأجرت معه الحوار التالي:
> رسالتك للماجستير كانت عن «المكان في الرواية البحرينية»، نعلم أن المكان عموماً هو بيئة النصّ وملهمه، فما الخصوصية التي يمنحها المكان للرواية البحرينية تحديداً؟
- المكان وخصوصيته في العمل السردي؛ هو المكون الذي كان يشتغل عليه الروائي سابقاً بوصفه مكوناً ضمن المكونات السردية الأخرى، إلا أن الكتابات الروائية والقصصية الحديثة أيضاً، لم تقف عند المكان أو أي مكون آخر إلا بوصفه تقنية سردية، أي ليس الاهتمام بتوظيف المكان فحسب، بل المهم في هذا التوظيف جماليته الذي تكشف عن زوايا قد التقطها الكاتب ليعطي القارئ فسحة من جمالية المكان من جهة ودعوته لتأويل بعض ملامح هذا المكان. لذلك؛ لا يخلو العمل السردي من المكان، لكن قد يخلو من جمالية المكان، وهذا الأهم في التوظيف التقني لأي مكون سردي.
وعن الراوية البحرينية، فلا يخفى على المتابع في المنطقة أن المكان لدينا على الرغم من صغره ومحدودية تنوعه كما هو في مناطق خليجية أخرى كالسعودية وسلطنة عمان، فإن الكاتب البحريني حاول أن يوظف تلك الأمكنة المحدودة لديه من مدن وقرى وسواحل بحرية، لكن كان توظيفها مرتبطاً بالعلاقة الاجتماعية التي كانت تربط الكاتب بالمكان نفسه. وهذا ما كان واضحاً في سياقات تلك الأمكنة التي جاءت في الروايات التي تناولتها دراستي في الماجستير. أما لو تعمقنا بعض الشيء حول تلك الخصوصية، فهي تكاد تكون عامة في المنطقة كلها، ربما يحدث تباين طفيف بين مكان وآخر، غير أن الدراسات المعنية بالمكونات السردية والتقنيات على مساحة الوطن العربي كانت منصبّة في تناول الشخصية أكثر بكثير من البقية، وإلى الآن الدراسات المعنية بالزمان والمكان قليلة جداً قياساً بالمنجز السردي في المنطقة، وهذا أحد أسباب توجهي لدراسة المكان.
> ما دور «الأسطورة» الراسخة في التراث المحلي، في النصّ الروائي البحريني؟
- علينا هنا أن نحدد مفهوم الأسطورة، حيث لا يدخل اللبس بين الأسطورة والحكاية والفنتازيا، فما يعني بالأسطورة؛ أتصور أن الأعمال البحرينية التي – على الأقل قرأتها – لا تتعاطى مع الأسطورة بسبب عدم وجود الأسطورة في حضارتنا عدا ملحمة جلجامش وكيف وصل إلى المنطقة باحثاً عن زهرة الخلود، وكذلك ما ورد من حكايات عبر الحضارة الديلمونية وتايلوس، لكن كل هذا لم يوظفه الكاتب البحريني في أعماله السردية، حيث كان الهم الاجتماعي وحالة الإنسان هي التي تشغل الروائي، سواء في محاولة كشف زيف المجتمع اجتماعياً أم اقتصاديا، وأثر ذلك على الشخصيات السردية في بعدها النفسي.
- صورة المرأة
> قدّمتَ دراسة عن «صورة المرأة في الرواية النسوية الخليجية الجديدة»، ما سمات تلك الصورة؟
- في دراستي لصورة المرأة في الرواية النسوية كانت منطلقة من البحث عن دور الروائية الخليجية تجاه نفسها وتجاه المرأة في المنطقة وكيف تستدعي قضاياها وتعالجها من زوايا عدة، في سياق علاقة المرأة بذاتها وذات الآخر، المرأة إن كانت أماً أم أختاً أم بنتاً، والآخر الرجل الأب والزوج والابن والأخ والصديق والحبيب، والآخر «تبئيرها» تجاه المكان والزمان، من خلال هذا تبين لي بعد دراسة أكثر من خمسة وثلاثين عملاً روائياً لروائيات خليجيات، أن هناك نزعة جارفة من قبل المرأة للكتابة الروائية، وإن كان ذلك على حساب القيمة الفنية والجمالية، كذلك الاهتمام بإظهار صور متعددة للمرأة توضح مدى التعامل المجتمعي معها وفق هذه الصور، وصف الرجل باعتباره مصدر السلطة والقوة والغطرسة، إلا أن اللغة التي كتبت بها هذه الأعمال لا تشير إلى لغة خاصة بالمرأة، بل هي لغة عادية يمكن أن يكتبها الرجل والمرأة معاً، ولكن ما لفت الانتباه أن كل الأعمال تؤكد على محاربة العنف والتطرف، وتدعو إلى القيم العليا من الاحترام والتسامح والتعايش الاجتماعي والتواصل الثقافي والتلاقي الحضاري، مع هيمنة المكان على جل هذه الأعمال، سواء أكان المكان في منطقتنا الخليجية أم خارجها (أمكنة عربية وأجنبية).
> أنت هنا تعيد ما وصلتَ إليه في دراستك أن صورة الرجل لدى الروائيات الخليجيات عبارة عن أنموذج للتسلط والهيمنة... أليست هذه سمة المجتمع الشرقي عموماً؟
- حينما نناقش وضع الرجل ونظرة المرأة إليه هنا مباشرة سيتجه الحوار إلى رؤية المرأة التي كانت ولا تزال تعاني، لكن لا بد من قراءة فاحصة إلى الرجل الذي هو أيضاً حكم عليه بالتسلط من قبل المجتمع وعاداته وأعرافه، وهذا ما عكسه في حياته اليومية على من حوله بما فيها المرأة، إضافة إلى الوعي الاجتماعي والثقافي الذي يتمثلهما الرجل، فإن كان واعياً ومثقفاً كما أوضحته الروائية الدكتورة بدرية البشر في روايتها «هند والعسكر» في صورة الأب من جهة، وما يحمله من ثقافة، مقابل (منصور) زوج (هند) الذي يمارس دوراً أكثر سلطوية وإجحافاً تجاه المرأة؛ لذلك تكمن الرؤية تجاه الرجل بحسب الزاوية التي تلتقطها الكاتبة لدراسة الشخصية الذكرية.
> أليس من الظلم اعتبارك (في الدراسة) أن المرأة الخليجية اتجهت لكتابة الرواية لتكون فاعلة بذاتها الأنثوية، ومن أجل تحسين صورة المرأة... أين الروح المبدعة؟
- فعلاً، نحن في منطقة الخليج العربي، ونتيجة للمعاناة التي تعانيها المرأة في مناح كثيرة، ومنها الكتابة والنشاط الثقافي، ما لدينا في المجتمع الخليجي من النساء اللواتي يبدعن من الكتابة إلى التمثيل إلى التشكيل إلى الصحافة، إلى الكثير من الجوانب الأخرى، لكن المجتمع يحاصرها حتى في تذييل أسمائهن تحت مقال كتبنه. ألم تصدر رواية «الآخرون» باسم مستعار؟ وكذلك رواية «القِران المقدس» لماذا؟ لأن المرأة محاربة اجتماعياً، بل كان الرجل قبلها لا يذيل اسمه خوفاً من الرقيب الثقافي أو الإعلامي أو الاجتماعي أو الديني، وهنا تكمن حالة المرأة؛ لذلك حين شرعت في الكتابة كانت تريد أن تقول أنا موجودة في المشهد الثقافي، وهذه القضايا التي تلامس حياتي وحياة أخواتي النساء، وهو ما يتضح من الروايات في كيفية بناء الشخصيات النسوية من جهة، ورغباتهن المختلفة في الخروج على النمط الاجتماعي من جهة أخرى من خلال العلاقات العاطفية أو الزواج أو الدراسة خارج المكان أو السفر، أو غير ذلك. وعلى الرغم من هذا الاتجاه فإن بعضهن أبدع في النص، كليلى العثمان، وفوزية السالم، وفوزية رشيد، ورجاء عالم، وليلى الجهني، وزينب حفني، وبدرية البشر وبدرية الشحي.
> ألا ترى أن مصطلح «الأدب النسوي»، يقسّم الإبداع على أساس جندري؟
- أتفق معك بأن الأدب هو أدب، سواء كتبته امرأة أم كتبه رجل، غير أن التقسيم هذا مثله مثل تقسيم دراسة بناء الأعمال الأدبية أو الثقافية، كأن تقوم بدراسة الشخصية أو المكان أو الزمن أو الصورة، على الرغم أنه لا يمكن الفصل بين كل هذه العناصر في العمل، ولكن عادة تفصل من أجل الدرس الأكاديمي أو البحث في موضوع ما أو تناول ثيمة معينة لا غير، وفي الوقت نفسه هناك كتابات ذات علاقة بالنسوية كتبتها المرأة وكتبها الرجل أيضاً، وهي تلك الكتابات التي تتناول ما يخص عالم المرأة العام والخاص. فمثلا رواية طالب الرفاعي «في الهنا» أنا شخصياً أعتبرها رواية نسوية لأن الشخصية الرئيسة امرأة وتتناول هذه الشخصية تجربتها وحياتها وعلاقتها الخاصة.
> أنتَ تلاحظ من خلال روايات المؤلفات الخليجيات، وجود نمطية للشخصيات النسوية تمثلت في صورة المرأة السلبية التي لا تملك سلطة القرار، هل ترى أن الرواية عليها أن تذوّق الواقع أو تطليه بمساحيق التجميل؟
- كما قلت آنفاً، ما حدث للمرأة من خضوع وتهميش كان بسبب سلطتين، هما: سلطة المجتمع وسلطة الرجل؛ لذلك لا يمكننا جميعاً الهرب من هذا الواقع الذي تعيشه المرأة الخليجية، كما لا تستطيع المرأة الكاتبة نفي هذا الواقع، بل كان عليها كشف زيفه وبيان تناقضاته المتمثلة في الشخصية الذكورية التي تنادي بالتحرر من جهة، وتعيش حياة بعيدة عن هذه المبادئ، ولكن ليس كل المجتمع في المنطقة وكل الرجال يهمشون المرأة، أو يمارسون سلطتهم عليها بما يشكل التهميش، لكن المشكلة لا تقع على الرجل وإنما على المرأة نفسها، فهي التي تهمش ذاتها، وهي الراغبة لتكون خاضعة وسلبية تجاه الرجل، والدليل ليس في الكتابات الروائية فحسب، بل في الأعمال الدرامية الخليجية التي نشاهدها بكثرة في شهر رمضان، أليست هذه الأعمال بعضها تهين المرأة أكثر مما تحاول كشف واقع تريد مناقشته وعلاجه؟ لو قرأنا فعلا أعمال رجاء عالم مثلا، أو أعمال ليلى العثمان سيتضح أن المرأة ليست سلبية طوال الوقت، ولا تقبل أن تكون خاضعة في سلطة الرجل، بل ترى ملامح التقدير والاحترام للآخر في مجمل شؤون الحياة.
> هل تقول إن لا وجود لروائيات خليجيات كسرن الصورة النمطية وقدمن عملاً روائياً حقيقياً؟
- بل أقول إن هناك أعمالاً كسرت التابوهات والممنوعات والمسكوت عنه في المنطقة وسجلت حضوراً إبداعياً، فمثلا وراية «الطواف حيث الجمر» لبدرية الشحي، توضح دور المرأة التي كانت مصرّة على أن تبحث عن الرجل الذي هرب بعيداً بكسر العادات والحواجز التي تمنعها من ذلك، كما تشير رواية {هند والعسكر» لبدرية البشر لدور المرأة المثقفة في المجتمع وكيفية اختياراتها، وتناقش ليلى الجهني الهوية والعلاقة بين الرجل والمرأة والمقارنة، بين المرأة من جهة والمكان (جدة) من جهة أخرى. وقس على ذلك، ولكن هذه ليست ظاهرة، وإنما حالات، فالأغلب هو الدور السلبي للمرأة، والرغبة في الخروج من هذا الدور بمواجهة المسكوت عنه.
- الثقافة في البحرين
> بالمناسبة، لماذا انكفأ الإنتاج الروائي في البحرين...؟
- المنجز الروائي البحرين لم ينكفئ، بل هو في ازدياد قياساً بالمساحة المكنية وعدد السكان؛ إذ لا ينبغي مقارنة المنجز البحريني – عدداً – بالمنجز السعودي مثلاً، لكن أؤكد لك أن النتاج الروائي في البحرين غير متوقف - لكن لا أقف عند المستويات الفنية والجمالية والدلالية، فهذا أمر آخر - ولو رجعنا إلى عقد الثمانينات من القرن العشرين سنجد من يكتب الرواية لا يتجاوز العدد أصابع اليد الواحدة، الآن لدينا أكثر من (100) رواية حتى هذا العام.
> من هم أبرز الروائيين البحرينيين الحاليين؟
- لا أرغب في التصنيف حالياً حتى لا أظلم أحداً، لكن على الرغم من وفاة عبد الله خليفة فلا تزال دور النشر تصدر أعماله الروائية التي كتبها ولم يطبعها بعد، ولا يزال محمد عبد الملك يصدر، وكذلك فريد رمضان، فضلا عن الشباب الذي بات عمله واضحاً وملموساً في الساحة الأدبية البحرينية. وحين الرغبة في التصنيف، يعني القيام بدراسة بحثية تحليلية لتصدر هذه الأحكام القيمية.
> ولماذا أيضاً لم تبرز روائيات بحرينيات...؟
- بالعكس، هناك عدد لا بأس به من الروائيات البحرينيات، لكن ربما الإعلام والصحافة مقصرة في هذا الجانب، فلدينا فتحية ناصر، التي لديها ثلاثة أعمال روائية، وكذلك معصومة المطاوعة، منيرة سوار، زهراء الموسوي، جليلة السيد، وغيرهن.
> أنت كنت عضواً في أسرة الأدباء والكتاب في البحرين، وعضو مجلس إداراتها، الكثير يقول إنها دخلت في سبات عميق منذ سنين، ما رأيك؟
- لا أريد أن أكون مدافعاً عن الأسرة الكيان الأدبي الذي تشكل وتأسس في العام 1969، وبخاصة أنني حالياً في منصب الأمين العام، لكن أقول إنها ليست في سبات ولا تراجع، الأسرة مرت مراحل هدوء وتراخٍ في العمل، وهذه طبيعة العمل التطوعي في كل مكان، لكن الأسرة لديها البرامج الثقافية المتواصلة، ولديها الاحتفال السنوي باليوم العالمي للشعر، ولها اتصالات ثقافية مع عدد من المؤسسات الأدبية والثقافية العربية، وقد شكلت قبل عام جماعات متخصصة في بعض المجالات الأدبية، فلدينا ملتقى القصة، ومختبر السرديات، وفضاء شعر، ونعمل على تأسيس جماعة تهتم بأدب الطفل. كما لدينا خطة للطباعة؛ إذ أصدرنا أكثر من عشرة كتب خلال سنة ونصف السنة تقريباً، ولدينا استضافات خليجية وعربية، وآخرها استضافة الروائي السعودي يوسف المحيميد. هذا بالإضافة إلى أن مجلس الإدارة يعمل على إعداد برنامج متكامل للاحتفال باليوبيل الذهبي للأسرة في العام 2019، أي بمرور 50 عاماً على تأسيسها.
- دراسات نقدية
> أصدر الدكتور فهد حسين عدداً من الدراسات النقدية، بينها: «نص في غابة التأويل» (نصّ مشترك) 2001: «إيقاعات الذات» 2002: «من الأدب الخليجي» (كتاب توثيقي) 2002: «المكان في الرواية البحرينية» 2003: «مسافات الدخول - صورة المرأة في روايات فوزية شويش السالم» 2006: «أمام القنديل - حوارات في تقنية الكتابة الروائية 2008: «بعيداً عن الظل – التجربة النسوية في منطقة الخليج العربية» 2012: «الرواية والتلقي – دراسات في لبعض الروايات العربية» 2012: «في اتساع الأفق – المشهد الثقافي البحريني» 2013: «إعداد كتاب حول سيرة إبراهيم حميدان بعنوان (إبراهيم حميدان سيرة ضوء) 2013: «مرجعيات ثقافية في الرواية الخليجية» 2016: «السرد الخليجي النسوي – المرأة في الرواية أنموذجاً» 2016.



مسابقة «النقاد للأفلام العربية» تجتذب القضايا السياسية والإنسانية

من كواليس تصوير فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
من كواليس تصوير فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

مسابقة «النقاد للأفلام العربية» تجتذب القضايا السياسية والإنسانية

من كواليس تصوير فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
من كواليس تصوير فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

اجتذبت القائمة النهائية للمرشحين لجوائز «النقاد للأفلام العربية» في نسختها العاشرة، والمقرر إعلان نتائجها خلال حفل خاص على هامش الدورة المقبلة من مهرجان «كان» السينمائي الدولي يوم 16 مايو (أيار) الحالي، الأفلامَ السياسية والإنسانية، لتكون القضايا الأبرز في الاختيارات التي ضمّت 24 فيلماً من مختلف الدول العربية، تنوَّعت بين الروائي الطويل والوثائقي.

واختار «مركز السينما العربية»، المنظم للمسابقة، 307 نقاد سينمائيين من 75 دولة للمشاركة في التصويت على أبرز الأفلام العربية التي عُرضت خلال العام الماضي. وتصدَّر القائمة الفيلم الفلسطيني «فلسطين 36» للمخرجة آن ماري جاسر، الذي حصد 6 ترشيحات في الإخراج، والسيناريو، والتمثيل، بالإضافة إلى جائزة أفضل فيلم. وهو عمل مدعوم من «مؤسسة البحر الأحمر»، وانطلق عرضه في النسخة الماضية من مهرجان «تورونتو» السينمائي في كندا.

«فلسطين 36» هو دراما تاريخية تستحضر لحظة مفصلية من تاريخ فلسطين، وتُسلِّط الضوء على مرحلة الانتداب البريطاني من خلال قصة إنسانية كثيفة المشاعر والتفاصيل، بالتزامن مع اندلاع الثورة الكبرى عام 1936، بوصفها أوسع انتفاضة جماعية ضد الاستعمار البريطاني، شارك فيها فلسطينيون من مختلف الطبقات والقرى والمدن، وشكَّلت منعطفاً حاسماً في مسار النضال المناهض للاستعمار.

تصدّر فيلم «فلسطين 36» ترشيحات النقاد (الشركة المنتجة)

وينافس الفيلم المغربي «زنقة مالقا» للمخرجة مريم التوزاني في القائمة النهائية على 5 جوائز، من بينها أفضل فيلم، إلى جانب التمثيل، والإخراج، والسيناريو، والموسيقى. وتدور أحداثه حول «ماريا»، وهي امرأة إسبانية تبلغ من العمر 79 عاماً، تعيش وحيدة في طنجة، وتتشبث ببيتها العتيق الذي أصبح جزءاً من ذاكرتها وهوّيتها.

في حين يمثّل الفيلم السعودي «هجرة» السينما السعودية في قائمة الترشيحات، منافساً على جائزتَي أفضل ممثل لبطله نواف الظفيري، وأفضل موسيقى. وتبدأ قصته في مدينة الطائف، مروراً بمكة المكرمة، حيث تختفي الفتاة «سارة»، فتبدأ الجدة والطفلة «جنى» في البحث عنها، متجهتَين نحو الشمال. ومن هنا ينتقل الفيلم إلى الصحراء، قبل أن يستقر في جبال تبوك الثلجية.

ومن بين الأفلام المرشحة أيضاً، أعمال شاركت في مهرجانات دولية، مثل الفيلم المصري «المستعمرة» الذي عُرض في مهرجان «برلين»، والفيلم الأردني «اللي باقي منك» الذي حصد جائزة لجنة التحكيم في مهرجان «البحر الأحمر» بدورته الماضية، إلى جانب الوثائقي المصري «الحياة بعد سهام» الذي نال جوائز عدَّة منذ عرضه في النسخة الماضية من مهرجان «كان».

وأكد المؤسس والشريك في «مركز السينما العربية»، علاء كركوتي، لـ«الشرق الأوسط»، أن استمرار الجوائز للعام العاشر أسهم في توسيع قاعدة النقاد المشاركين من مختلف أنحاء العالم. وقال: «كلما زاد عدد الجنسيات المشاركة، الذي وصل إلى 75 جنسية، اتسعت مساحة مشاهدة وتقييم الإنتاج السينمائي العربي، ولم يعد الأمر حكراً على لغات أو مناطق بعينها، بل أصبح انعكاساً مباشراً لتنوع الكتابة النقدية حول هذه الأفلام». وأضاف أن هذا التنوع يُسهم في إبراز الإنتاج السينمائي العربي سنوياً أمام عدد كبير من النقاد والمبرمجين في المهرجانات الدولية، مما يساعدهم على اختيار الأفلام المناسبة لبرامجهم، وبالتالي يعزّز فرص ترويج السينما العربية عالمياً.

لقطة من فيلم «زنقة مالقا» (الشركة المنتجة)

وأشار كركوتي إلى أن معايير الاختيار تختلف في ظل هذا العدد الكبير من الجنسيات، إذ إن الوصول إلى إجماع ليس أمراً سهلاً، نظراً إلى تباين وجهات نظر النقاد، مما يخلق حالة من التعدد والثراء في التقييم. ولفت إلى أن العملية التنظيمية لا تواجه صعوبات تُذكر، غير أن التحدي الحقيقي يكون لدى النقاد أنفسهم، لا سيما في السنوات التي تشهد زخماً في الإنتاجات القوية، كما حدث في عام 2025، الذي وصفه بأنه عام مزدحم بالأفلام المميزة، مما وضع النقاد في حيرة عند التصويت، قبل أن يحسموا اختياراتهم في النهاية.

من جانبه، قال عضو لجنة التحكيم، الناقد السعودي أحمد العياد، لـ«الشرق الأوسط»، إن أهمية جوائز «النقاد للأفلام العربية» لا تقتصر على تكريم أفضل الإنتاجات، بل تمتد إلى دورها الحيوي في تسليط الضوء على السينما العربية ضمن سياق دولي واسع، خصوصاً مع إعلان نتائجها على هامش مهرجان «كان» السينمائي، إحدى أهم المنصات العالمية لصناعة السينما. وأضاف أن هذا التوقيت يمنح الأفلام العربية فرصة أكبر للحضور والتأثير، حيث تتجه أنظار العالم إلى «كان»، مما يُسهم في إبراز التجارب العربية أمام صُنّاع القرار والمبرمجين والنقاد من مختلف الدول.

وأشار إلى أن توسّع قاعدة المصوتين سنوياً وضم أسماء جديدة من نقاد دوليين يعزّزان انتشار الجائزة ويمنحانها تنوعاً أكبر في الرؤى، وهو ما ينعكس مباشرة على الترويج للسينما العربية عالمياً. ولفت إلى أن المشهد السينمائي الدولي يشهد حالياً توجهاً متزايداً نحو الشراكات العابرة للحدود، مما يجعل من هذه الجوائز منصة مهمة لدعم هذا الاتجاه، عبر تعريف العالم بإمكانات السينما العربية وفتح آفاق جديدة للتعاون والإنتاج المشترك.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


أسلوب الكتابة يكشف الحالة النفسية... هل تفضح الكلمات الاكتئاب؟

ما يمرّ على الورق... مرَّ في القلب أولاً (جامعة فرجينيا كومنولث)
ما يمرّ على الورق... مرَّ في القلب أولاً (جامعة فرجينيا كومنولث)
TT

أسلوب الكتابة يكشف الحالة النفسية... هل تفضح الكلمات الاكتئاب؟

ما يمرّ على الورق... مرَّ في القلب أولاً (جامعة فرجينيا كومنولث)
ما يمرّ على الورق... مرَّ في القلب أولاً (جامعة فرجينيا كومنولث)

وجدت دراسة دولية أن أسلوب الكتابة اليومي قد يحمل مؤشرات دقيقة على الحالة النفسية للأفراد، بما في ذلك عوارض الاكتئاب، ممّا يفتح المجال أمام استخدام اللغة أداةً مساعدة في التشخيص المبكر للاضطرابات النفسية.

وأوضح الباحثون، بقيادة جامعة العلوم الاجتماعية والإنسانية في بولندا، أن نتائج الدراسة تشير إلى إمكان رصد علامات الاكتئاب في وقت مبكر من خلال تحليل الكتابة على وسائل التواصل الاجتماعي، قبل تفاقم الحالة، ونُشرت النتائج، الخميس، في دورية متخصصة بالاضطرابات المزاجية والقلق.

والاكتئاب هو اضطراب نفسي شائع يؤثّر في المزاج والتفكير والسلوك، ويتميَّز بمشاعر مستمرة من الحزن وفقدان الاهتمام أو المتعة في الأنشطة اليومية.

وركزت الدراسة على مفهوم يُعرف باسم «الفاعلية الدلالية»، وهو مقياس يعكس درجة استخدام الفرد للغة التي تعبّر عن السيطرة الفعلية على أفعاله وقراراته.

وأجرى الباحثون دراستين اعتمدتا على تحليل لغوي واسع لأكثر من 17 ألف منشور على منصة «إكس»، وأكثر من 3 آلاف منشور على منصة «ريديت»، باستخدام تقنيات التعلّم الآلي ونماذج الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تقييمات خبراء.

وقد اختيرت هاتان المنصتان؛ لأن المستخدمين غالباً ما يشاركون فيهما تجارب شخصية حقيقية، مع التركيز على النساء في مرحلة ما بعد الولادة، لكونهنّ من الفئات الأكثر عرضة للاكتئاب.

وأظهرت نتائج الدراستين أن انخفاض «الفاعلية الدلالية» يرتبط بشكل موثوق بعوارض المزاج المنخفض والاكتئاب.

كما استخدم الباحثون خوارزمية لقياس هذا المفهوم على مقياس يتراوح بين - 100 و100. فعلى سبيل المثال، حصلت جملة مثل: «كنتُ أشعر بأنني أتحدر تدريجياً إلى عمق أكبر» على درجة - 46.64، وهو ما يعكس مستوى منخفضاً من الفاعلية والشعور بالعجز.

في المقابل، حصلت جملة مثل: «بعد أشهر من ولادتي ركضت أول كيلومتر لي وشعرتُ بفخر كبير» على درجة 56.14، ممّا يعكس مستوى مرتفعاً من الفاعلية.

كما نقل الباحثون شهادة لأحد المرضى جاء فيها: «الاكتئاب يجعلني غير قادر تماماً على القيام بأي شيء... حتى ارتداء الملابس يبدو مهمّة صعبة».

وتوضح الدراسة أن هذا الشعور العميق بالعجز وفقدان القدرة على الفعل يُعدّ من العوارض الشائعة لدى المصابين بالاكتئاب السريري، كما يظهر أيضاً في حالات اكتئاب ما بعد الولادة.

ووجد الباحثون أن الأشخاص الذين يعانون عوارض اكتئاب يميلون إلى استخدام لغة سلبية أو صيغ مبنية للمجهول، وهو ما يعكس شعوراً متزايداً بفقدان السيطرة على حياتهم. كما أظهرت التحليلات أن المنشورات التي تتناول تجارب مؤلمة بعد الولادة تحتوي بشكل أكبر على هذا النمط اللغوي.

ويرى الباحثون أن أهمية الدراسة تكمن في إثبات إمكان رصد هذه الأنماط اللغوية بشكل آلي على وسائل التواصل الاجتماعي، ممّا قد يفتح الباب أمام تطوير أدوات جديدة في تشخيص الاضطرابات النفسية، خصوصاً في حالات اكتئاب ما بعد الولادة، إذ يمكن أن يُسهم التدخّل المبكر في تحسين صحة الأم والطفل معاً.


أسد بحر بوزن طنّين يتحوّل إلى نجم على رصيف سان فرانسيسكو

لا يطلب الانتباه... لكنه يحصل عليه (أ.ب)
لا يطلب الانتباه... لكنه يحصل عليه (أ.ب)
TT

أسد بحر بوزن طنّين يتحوّل إلى نجم على رصيف سان فرانسيسكو

لا يطلب الانتباه... لكنه يحصل عليه (أ.ب)
لا يطلب الانتباه... لكنه يحصل عليه (أ.ب)

تحوَّل أسد بحر ضخم يُعرف باسم «تشونكرز» إلى أحد أبرز عوامل الجذب في رصيف 39 بمدينة سان فرانسيسكو، مستقطباً أعداداً متزايدة من السياح وسكان منطقة الخليج الراغبين في مشاهدة هذا الكائن اللافت.

وذكرت صحيفة «لوس أنجليس تايمز» أنّ وزن «تشونكرز»، وهو من فصيلة أُسود البحر «ستيلر»، يبلغ نحو 2000 رطل، ممّا يجعله أكبر بكثير من أسود البحر في كاليفورنيا، التي لا يتجاوز وزنها عادة 850 رطلاً، ويصل طولها إلى 7 أقدام.

ومنذ وصوله إلى الرصيف قبل نحو شهر، أثار الحيوان تفاعلاً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تداول مستخدمو «ريديت» صوره ومقاطع فيديو له خلال استرخائه تحت أشعة الشمس.

ويقدّم «تشونكرز» مشهداً لافتاً؛ إذ يطلّ برأسه من مياه خليج سان فرانسيسكو، مثيراً حالة من الارتباك بين أُسود البحر الأخرى التي تسارع إلى الابتعاد عن طريقه.

ومع تعالي أصوات النباح، يقفز هذا العملاق إلى المنصّة الخشبية، ممّا يدفع باقي الفقميات إلى التدافع بحثاً عن مساحة جديدة تحت الشمس أو العودة سريعاً إلى المياه.

وفي رصيف 39، يفرض «تشونكرز» حضوره كأنه «الملك» بلا منازع؛ إذ أسهم حجمه الضخم وقربه من مركز سياحي رئيسي في تحويله إلى ظاهرة محبوبة على الإنترنت، تضاهي شهرة حيوانات أخرى لاقت انتشاراً واسعاً مثل «موو دينغ» و«بي-22».

وقال أحد الزوار لشبكة «سي بي إس نيوز»: «شاهدت تقريراً عن (تشونكرز) بينما كنت في أتلانتا بولاية جورجيا، فجئتُ خصيصاً إلى سان فرانسيسكو لرؤيته». وأضاف آخر: «أنا أبحث عن الكبير... أبحث عن (تشونكرز)».

وينتمي «تشونكرز» إلى نوع «ستيلر» من أُسود البحر، وهو نوع أكبر حجماً مقارنة بنظرائه في كاليفورنيا.

ووفق خبراء في «مركز الثدييات البحرية»، فقد وصل هو وبقية أُسود البحر إلى الخليج في منتصف مارس (آذار) الماضي، متتبِّعةً فرائس مثل الأنشوجة وأسماك الصخر.

وأوضحت لورا جيل، مديرة البرامج العامة في «مركز الثدييات البحرية»: «لقد أدركت هذه الحيوانات أنها في الخليج تكون بعيدة عن مفترساتها، مثل القرش الأبيض الكبير وحيتان الأوركا». وأضافت: «كما أن الأرصفة نفسها عامل جذب كبير، فهي بمثابة محطة توقف مثالية خلال هجرتها على طول الساحل».

ووفق الموقع الإلكتروني للمركز، يمكن لذكور أُسود البحر من نوع «ستيلر» أن يصل وزنها إلى 2500 رطل وطولها إلى 11 قدماً، مع متوسّط عمر يتراوح بين 20 و30 عاماً، بينما يمكن للإناث أن يبلغ طولها 9 أقدام ويصل وزنها إلى 1000 رطل.

ثقلٌ جميل يُشبه هيبة البحر (أ.ب)

وأشار المركز إلى أنّ «تشونكرز» ينتمي إلى المجموعة السكانية الشرقية من هذا النوع على سواحل الولايات المتحدة وكندا، ويُعدّ وجوده مميزاً؛ إذ لم تُرصد أسود البحر من نوع «ستيلر» في رصيف 39 منذ عام 2023.

ولا تختلف الشهرة الجديدة لهذا الحيوان البحري كثيراً عن كائنات أخرى تحولت إلى ظواهر ثقافية. ففي عام 2024، استحوذ فرس النهر القزم «موو دينغ» في تايلاند على قلوب الناس حول العالم، بحركاته المرحة التي انتشرت على «تيك توك» ومنصات أخرى. وقبل ذلك بعقد، جذبت صور «بي-22»، أسد الجبال في جنوب كاليفورنيا، اهتمام الجمهور بوجهه المميز وخلفيته الحضرية في لوس أنجليس.

وأوضحت جيل أنّ أسود البحر اكتسبت تسميتها بسبب «اللبدة» الشبيهة بلبدة الأُسود التي يطوّرها نوع «ستيلر». كما أن الذكور البالغة من هذا النوع لا تمتلك نتوءاً كبيراً واضحاً أعلى الرأس، وهو ما يُلاحظ لدى ذكور أُسود البحر في كاليفورنيا، وفق «مركز الثدييات البحرية». وعادة لا يتجاوز وزن أسود البحر في كاليفورنيا 850 رطلاً، ولا يزيد طولها على 7 أقدام.

وتعيش أُسود البحر من نوع «ستيلر» في المياه الساحلية لشمال المحيط الهادئ، وكذلك قرب اليابان ووسط كاليفورنيا. ويحدث التكاثر في مناطق تمتدّ من جزيرة «أنيو نويفو» في وسط كاليفورنيا إلى جزر الكوريل شمال اليابان، مع أكبر تجمُّع لمناطق التكاثر في خليج ألاسكا وجزر ألوشيان.

وينقسم هذا النوع إلى مجموعتين، شرقية وغربية، تختلفان في الخصائص الجسدية والوراثية.

وتولد صغارها بين منتصف مايو (أيار) ومنتصف يوليو (تموز)، ويبلغ وزنها عادة بين 35 و50 رطلاً، وفق المركز؛ إذ تبقى الأمهات معها لمدة تصل إلى أسبوعين قبل أن تخرج للصيد في البحر.

ويحدث التزاوج بعد نحو أسبوعين من الولادة، ولا تأكل الذكور خلال موسم التزاوج، لكنها تتغذَّى لاحقاً على الأسماك واللافقاريات وغيرها من الفقميات، في حين تُعدّ الحيتان القاتلة وأسماك القرش البيضاء أبرز مفترساتها.