تصنع المجتمعات السينمائية عادةً مفرداتها الخاصة، فتُعرِّف بها أفرادها وتسخر من بعض ظواهرها. وفي العالم الغربي، تبدو كلمة «سينيفيل» أشهر الأوصاف المرتبطة بعاشق السينما؛ إذ تطلَق على الشخص شديد الاهتمام بالأفلام والمرتبط بعالمها عاطفياً وثقافياً. أما في السعودية، فقد اكتسبت كلمتا «مُحَنَّك» و«مُسْتَحَنَّك» حضوراً لافتاً في النقاشات السينمائية على منصات التواصل الاجتماعي.
يُوصف المتابع واسع المعرفة بأنه «محنّك سينمائياً»؛ تعبيراً عن كثرة ما شاهده من أفلام، ومعرفته بكبار المخرجين، وقدرته على الربط بين الأعمال وفهم أدوات الصورة والمونتاج. ويستطيع «المحنَّك» التقاط الإشارات التي قد تفوت المشاهد العادي، كما يمتلك مخزوناً يتيح له ربط الفيلم بمدرسة فنية أو مرحلة تاريخية أو أعمال سابقة.
وقد تمتد اهتماماته من السينما الصامتة وأفلام الأربعينات والخمسينات إلى أحدث إنتاجات المنصات وصالات العرض. ويَعرف الفارق بين الواقعية الإيطالية الجديدة والموجة الفرنسية الجديدة، وينتقل بسهولة من أفلام ألفريد هيتشكوك، وأكيرا كوروساوا، وياسوجيرو أوزو، إلى الأعمال السينمائية المعاصرة.
بين الخبرة والاستعراض
تحمل كلمة «محنَّك» في أصلها معنى الخبرة التي تصنعها التجربة، ثم انتقلت إلى قاموس السينما، مثلما تُستخدم في وصف المتمرِّس في السياسة أو الرياضة أو شؤون الحياة. بيد أنها اكتسبت، مع شيوع استخدامها، نبرة ساخرة أيضاً؛ فقد يكتب أحدهم: «وصل المحنّك السينمائي»، عندما يدخل شخص يحوّل حديثاً بسيطاً عن فيلم إلى محاضرة طويلة، أو يحيط رأيه بسياج من المصطلحات.
ومن هذه المساحة خرجت كلمة «مُسْتَحَنَّك»، وهي أوضح في دلالتها الساخرة. فالمُسْتَحَنَّك شخص يسعى إلى الظهور بمظهر الخبير، ويتخذ من السينما وسيلة للاستعراض الثقافي. وقد تمنحه الأفلام الغامضة شعوراً بالتفوُّق، فيما تصبح أسماء المخرجين الكبار جزءاً من الصورة التي يرسمها لنفسه أمام الآخرين. وفي كثير من الأحيان يميل إلى رؤية البطء عمقاً، والغموض عبقرية.
الجماهيري والنخبوي
ترتبط بعض صور «الاستحناك» بالعزوف المعلن عن الأفلام الجماهيرية؛ فالإعجاب بأفلام كريستوفر نولان، أو ستيفن سبيلبرغ، أو إنتاجات «مارفل» يحتاج، في نظر صاحب هذه الشخصية، إلى تبرير، فيما قد يكفي انتماء الفيلم إلى مهرجان أوروبي أو امتداده أكثر من 3 ساعات ليستحق الإعجاب المسبق.
وربما يزداد حماس «المستحنك» للعمل كلما قلَّ عدد مشاهديه، حتى تصبح ندرةُ الفيلم جزءاً من قيمته، والوصولُ إليه إنجازاً يوازي مشاهدته. وهو بهذا المعنى قريب من «المدَّعِي» أو «المتفذلك»، الذي قد يعلن إعجابه بفيلم شديد التعقيد؛ لأن الاعتراف بالملل يبدو في نظره أقل هيبة، أو يقلِّل من قيمة أفلام ناجحة وكلاسيكية، مثل «العرَّاب»، و«نادي القتال»، لمجرد شيوعها بين الجمهور.
جمهور يتسع وقاموس يتشكَّل
يرتبط انتشار الكلمتين باتساع المجتمع السينمائي السعودي خلال السنوات الأخيرة، في ظل ما أتاحته صالات السينما والمهرجانات والمنصات الرقمية وتطبيقات التقييم والحسابات المختصة. وأسهمت هذه المساحات مجتمعة في تكوين جمهور يتحدث عن الأفلام يومياً، ويتجادل بشأنها، ويضع القوائم، ويمنح التقييمات، ويتابع الجوائز والإيرادات.

وتكشف الأرقام عن حجم هذا الاتساع؛ إذ سجل شباك التذاكر السعودي خلال عام 2025 إيرادات بلغت 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، وعرض 538 فيلماً، وفقاً للتقرير السنوي الصادر عن «هيئة الأفلام». وتمنح هذه الأرقام فكرة عن حجم الجمهور الذي تشكَّل حول السينما، ثم صنع تدريجياً نقاشاته وتصنيفاته ومفرداته الخاصة.
ومع نمو هذا المجتمع، ظهرت داخله تيارات وصور نمطية، فبرزت الحاجة إلى كلمات تختصرها. وأدت منصات التواصل دوراً أساسياً في صناعة هذه اللغة؛ فكلمة واحدة مثل «مستحنك» تختصر وصفاً كاملاً لشخصية مألوفة لدى المتابعين. ومع كثرة الاستخدام، تتحول الكلمة نكتةً مشتركةً، ومن ثَم صفةً قد يتبناها بعضهم طوعاً، فيكتب أحدهم عن نفسه ساخراً: «بدأت أستحنك»، بعد مشاهدة فيلم أوروبي طويل، أو يصف قائمته بأنها «اختيارات المحنَّكين»؛ استباقاً لسخرية الآخرين منه.
وامتدت هذه التصنيفات إلى تفاصيل أطرف، من بينها تاريخ الانضمام إلى منصة «ليتربوكسد»، الذي تحوَّل لدى بعض المستخدمين شارةَ أقدمية ودليلاً على سبق صاحبه إلى متابعة الأفلام وتقييمها. ونشأت عبر منصات التواصل مماحكات ساخرة بين أصحاب الحسابات القديمة والملتحقين حديثاً؛ إذ يمنح بعض الأوائل تاريخ انضمامهم قيمة ثقافية إضافية
المعرفة أم التعالي؟
رغم التقارب الظاهري بين «المحنَّك» و«المستحنك»، فإن الفارق بينهما يبقى متعلقاً بالسلوك أكبر من ارتباطه بنوعية الأفلام. فقد يحب المحنَّك فيلماً تجارياً ضخماً وعملاً مستقلاً محدود الجمهور في الوقت نفسه؛ إذ تمنحه معرفته مساحة أوسع للاختيار والاستمتاع. أما المستحنك، فيستخدم هذه المعرفة لإقامة مسافة بينه وبين بقية الجمهور، ويحوّل ذائقته الشخصية معياراً للذكاء والثقافة.
ولا شك في أن مشاهدة أفلام آندريه تاركوفسكي، وإنغمار بيرغمان، والعودة إلى كلاسيكيات الأربعينات والخمسينات، والاهتمام بأعمال المهرجانات، كلها علامات على فضول سينمائي ثري. غير أن «الاستحناك» يبدأ حين تتحول هذه المشاهدات شاراتِ تَفوُّق، ويصبح اسم المخرج وسيلة لإحراج الآخرين، أو تُقاس قيمة الفيلم بمدى صعوبة الوصول إليه ومشقَّة إكمال مشاهدته.
وتحمل الكلمتان في النهاية دلالة تتجاوز المزاح، بوصفهما شاهدتين على تشكُّل ثقافة سينمائية محلية، وعلى رغبة جمهورها في صياغة لغته الخاصة. فمثلما تصف كلمة «سينيفيل» عاشق السينما في أنحاء العالم، تمنح كلمتا «مُحَنَّك» و«مُسْتَحَنَّك» التجربةَ نكهتها المحلية؛ الأولى تحتفي بالخبرة حيناً وتغمزها حيناً آخر، والثانية تختصر التصنُّع السينمائي في كلمة خفيفة وسهلة التداول.








