البابا فرنسيس... النجم السينمائي غير المتوقع

6 أفلام تظهر جاذبيته السينمائية

جوناثان برايس في لقطة من «البابوان» (آي إم دي بي)
جوناثان برايس في لقطة من «البابوان» (آي إم دي بي)
TT

البابا فرنسيس... النجم السينمائي غير المتوقع

جوناثان برايس في لقطة من «البابوان» (آي إم دي بي)
جوناثان برايس في لقطة من «البابوان» (آي إم دي بي)

نيويورك: أليسا ويلكنسون*

عند مشاهدتي فيلم «كونكليف» أو «المَجْمَع» المثير للجدل، والذي أخرجه إدوارد بيرغر عن الفاتيكان، العام الماضي، وجدت صعوبة في عدم التفكير في البابا فرنسيس. الفيلم قصة خيالية تستند إلى رواية روبرت هاريس الصادرة عام 2016، والتي نشرت بعد ثلاث سنوات من تولي البابا فرنسيس البابوية. لكن إحدى الشخصيات الرئيسية في الفيلم هي شخصية رئيس أساقفة مكسيكي يعمل في كابُل، عاصمة أفغانستان، وهو مُصلح يدعو الكنيسة إلى التركيز على المهمشين والمستبعدين تاريخياً من قبل المؤسسة. ميّز الكثير من التفاصيل بين شخصية فيلم «كونكليف» والبابا الجالس الذي وافته المنية، الاثنين، في اليوم التالي لعيد الفصح. لكن مثل هذا الناشط البسيط والبليغ على الشاشة لا يمكن أن يذكّرنا إلا بالبابا فرنسيس، أول رجل دين من أميركا اللاتينية يتولى البابوية. لقد أثار الإعجاب والجدل على حد سواء، استناداً - إلى حد كبير – إلى اهتمامه بالفقراء والمهاجرين واللاجئين، ودعواته إلى رعاية البيئة.

وقد أثار هذا العمل الأجنحة الأكثر تحفظاً في الكنيسة، بينما كان محبوباً لدى الكثيرين، سواء كانوا كاثوليكيين من عدمه، الذين رأوا في حياته وتعاليمه طريقاً جديداً للمضي قدماً. وهذا أيضاً جعل البابا نجماً سينمائياً غير متوقع. ربما كان البابا فرنسيس أكثر الباباوات من حيث التصوير السينمائي، حيث انتشرت الأفلام الخيالية والوثائقية التي تمثله خلال فترة بابويته التي استمرت 12 عاماً. تم إنتاج بعض هذه الأفلام من قبل الكاثوليك ومن أجلهم، بما في ذلك الفيلم الوثائقي «فرنسيس: البابا من العالم الجديد» إنتاج عام 2013، الذي أنتجه كولومبوس نايتس، وفيلم «فرنسيس: صلِّ من أجلي» للمخرج «بيدا دوكامبو فيخو»، إنتاج عام 2015: «وهو فيلم درامي عن سيرته الذاتية حول أيامه قبل توليه منصب البابوية»؛ وفيلم «شياماتيمي فرانشيسكو» أو «نادني فرنسيس» للمخرج دانييل لوشيتي إنتاج عام 2015، والذي ركز على عمله بوصفه «بابا الشعب».

لكن العديد من هذه الأفلام لم تكن موجهة حقاً إلى جمهور المتدينين. بدلاً من ذلك، فإنها تظهر مصدر جاذبية فرنسيس الأوسع نطاقاً. لقد أتاح اهتمامه بالقضايا الاجتماعية والثقافية المهمة لصانعي الأفلام فرصة لتناوله كشخصية سينمائية على الشاشة، وليس فقط زعيماً دينياً. فيما يلي ستة أفلام من هذا القبيل، والتي تساعد في تأطير إرث فرنسيس وتلقي الضوء على سبب جاذبيته.

ملصق فيلم «البابا فرنسيس: رجل يفي بكلمته»

«البابا فرنسيس: رجل يفي بكلمته» لعام 2018

الفيلم الوثائقي «البابا فرنسيس: رجل يفي بكلمته»، الذي عُرض لأول مرة في مهرجان «كان» السينمائي في عام 2018، هو لمحة حميمة وملهمة بشكل ملحوظ عن تفكير البابا، مباشرة من شفتيه. لا يقضي المخرج فيم فيندرز وقتاً طويلاً في سرد تفاصيل السيرة الذاتية. بدلاً من ذلك، يتحدث البابا فرنسيس بإسهاب - بشكل مباشر ورائع على حد سواء - عن الأمور التي تشغله ولماذا. ويتحدث عن أسفاره، وطريقة تعامله مع قادة العالم، والأسس الفلسفية واللاهوتية لعمله. أصبح من المبتذل القول بأن الفيلم الوثائقي هو «بورتريه» لموضوعه، لكن فيلم فيندرز هو كذلك بالفعل: غالباً ما يظهر فرنسيس في لقطة متوسطة، وحيداً في الكادر، يتحدث بصراحة إلى الجمهور. من الواضح أن الهدف من ذلك هو منح الإحساس بأن البابا يتمتع بالنزاهة واللمسة الإنسانية الرقيقة.

«البابوان» فيلم «نتفليكس» الذي تناول مقابلة خيالية بين البابا فرنسيس والبابا بنديكتوس السادس عشر

«الباباوان» لعام 2019

تلقى فيلم «الباباوان»، الذي أخرجه فرناندو ميريليس، ترشيحات لجوائز الأوسكار عن سيناريو أنتوني ماكارتن (المستمد من مسرحيته الخاصة)؛ والممثل المساعد أنتوني هوبكنز، الذي يجسد دور البابا بنديكتوس السادس عشر، وجوناثان برايس، الذي يجسد دور البابا فرنسيس. الفيلم هو لقاء متخيل بين بينديكت، الذي يفكر في التنحي عن البابوية، وفرنسيس، الذي كان وقتئذ لا يزال يُدعى باسمه «خورخي ماريو بيرغوليو»، والذي يقضي يوماً في الحديث مع بينديكت حول مسائل الإيمان والعقيدة والتاريخ. غالباً ما يكون الفيلم مبهجاً وإنسانياً بشكل رائع، مع مقطع يستكشف مخاوف «بيرغوليو» الخاصة حول أمر من ماضيه. ولكن القوة التي يتمتع بها فيلم «الباباوان» تكمن في الكيفية التي يسلط بها الضوء، من خلال التصور، على الانقسامات في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية بين جناح تقليدي وجناح أكثر تقدمية. فالأمر يشبه مشاهدة حقبتين تتصادمين، ثم يصليان من أجل بعضهما البعض. (ثم يشاهدان مباراة كرة القدم).

أنتوني هوبكنز وجوناثان برايس في لقطة من «البابوان» (آي إم دي بي)

«فرانشيسكو» لعام 2021

«فرانشيسكو» كان من إخراج المخرج الوثائقي يفغيني أفينيفسكي، الذي غالباً ما يستكشف بأعماله آثار الصراعات على الناس في بلدان مثل سوريا وأوكرانيا. بالنسبة إلى «فرانشيسكو»، نظر أفينيفسكي إلى ردود فعل البابا فرنسيس لقاء القضايا الاجتماعية المعاصرة، وخاصة اهتمامه وزياراته للنازحين والمضطهدين.

في الفيلم، يلتقي البابا فرنسيس مع مسلمي الروهينغا النازحين من ميانمار. ويزور مخيماً للاجئين في جزيرة ليسبوس اليونانية، وينقل لاجئين مسلمين رفقته إلى إيطاليا. في عام 2018، أثار البابا فرنسيس غضب ضحايا اعتداءات رجال الدين من خلال التقليل من شأن مخاوفهم، أما في الفيلم فإنه يلتقي مع عدد قليل من الناجين ويطلب منهم الصفح. ويشير الفيلم إلى أن انخراط البابا الظاهر مع المظالم العالمية يستفز الكنيسة الأوسع نطاقاً؛ كي تمعن النظر في دورها في العالم أيضاً.

«الرسالة: رسالة من أجل أرضنا» لعام 2022

تشير أغلب الأفلام التي تتناول موضوعات عن البابا فرنسيس إلى اهتمامه بالقضايا البيئية، ولكن فيلم «الرسالة: رسالة من أجل أرضنا» يركز عليها بصورة مباشرة.

وفي الرسالة البابوية التي صدرت في عام 2015 تحت عنوان «الحمد لك»، دعا البابا العالم إلى التحرك، وانتقد أولئك الذين يفضلون الأرباح فوق الناس، وأشار إلى أن تغير المناخ ينطوي على نطاق واسع من «الآثار الخطيرة: البيئية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فضلاً عن تأثيره على توزيع السلع».

وفي فيلم «الرسالة» عمل المخرج نيكولاس براون مع نشطاء من مناطق لا تشملها غالباً المحادثات البيئية - مثل الأمازون والهند والسنغال وهاواي – في أثناء استعدادهم للقاء البابا. إنها نظرة أخرى إلى زعيم ديني رأى أن عقيدته وإيمانه يمتدان إلى ما هو أبعد من حدود التقاليد، واستنهض الآخرين أن يفعلوا ذلك أيضاً.

لقطة من فيلم «الرسالة: رسالة من أجل أرضنا» تناول اهتمام البابا فرنسيس بالقضايا البيئية (آي إم دي بي)

«في فياجيو: رحلات البابا فرنسيس» لعام 2023

كثيراً ما سافر البابا فرنسيس خلال فترة توليه البابوية، وغالباً ما كان يستخدم وسائل نقل بسيطة عمداً حتى يكون أقرب إلى الناس. يتابع فيلم «في فياجيو: رحلات البابا فرنسيس» رحلاته المكثفة خلال السنوات التسع الأولى من فترة ولايته البابوية - 37 زيارة إلى 53 بلداً. تم إدراج بعض لقطات الأفلام الوثائقية للمخرج جيانفرانكو الروسي حول النازحين في الفيلم، جنباً إلى جنب مع خطابات البابا فرنسيس، والتي غالباً ما تتضمن نصائح لرعاية المهاجرين، وكذلك الفقراء والمحرومون من الحقوق.

من فيلم «كونكليف» (المجمع) (آي إم دي بي)

«كونكليف» لعام 2024

كان فيلم «كونكليف»، الذي يتساوى في مزيجه بين الإثارة والتأمل، مفضلاً لدى الجمهور والمصوتين الذين يمنحون الجوائز. وبما أن خليفة البابا فرنسيس سوف يجري اختياره خلال الأشهر المقبلة، فمن المرجح أن يحظى الفيلم بشعبية كبيرة مرة أخرى؛ فهو عبارة عن دراما تشويقية من بطولة ريف فاينز في دور كاردينال يحاول القيام بما هو صحيح في خضم صراع على السلطة من أجل البابوية. وفي نهاية المطاف، أصبح أحد الكاردينالات، وهو بنيتيز (كارلوس دييز) - الذي اتخذ جزئياً على الأقل صورة البابا فرنسيس - لاعباً رئيسياً.

وعلى الرغم من أن هذا الفيلم، مثل فيلم «الباباوان»، يشير إلى انقسامات في قيادة الكنيسة، وديناميكيات السلطة، وفحوى الإيمان، فإنه أيضاً مجرد فيلم إثارة مباشرة مع خاتمة مذهلة. إنه فيلم مؤثر وتذكير بما هو على المحك بالنسبة للكنيسة في المستقبل.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

يوميات الشرق الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا (أ.ب)

الممثلة الأميركية كاثرين أوهارا توفيت جراء انسداد رئوي

توفيت الممثلة الكوميدية كاثرين أوهارا، المعروفة بأدوارها في مسلسل «شيتس كريك»، وفيلم «وحدي في المنزل»، نتيجة انسداد رئوي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا عناصر شرطة ألمانية (رويترز - أرشيفية)

حكم قضائي يسمح لموريتاني معتقل سابق في غوانتانامو بدخول ألمانيا

قضت محكمة ألمانية بالسماح للموريتاني محمدو ولد صلاحي الذي كان معتقلاً في غوانتانامو والذي جسدت هوليوود قصته في فيلم «الموريتاني»، بالدخول إلى ألمانيا مجدداً.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق الممثل توم كروز يحضر حفل غداء المرشحين لجوائز الأوسكار الـ95 في بيفرلي هيلز بولاية كاليفورنيا الأميركية 13 فبراير 2023 (أرشيفية-رويترز) p-circle

توم كروز يغادر شقته الفاخرة في لندن بعد «سرقات رولكس»

غادر النجم العالمي توم كروز شقته الفاخرة في نايتسبريدج، المنطقة السكنية الفاخرة الواقعة وسط لندن، لاعتقاده أن المنطقة لم تعد آمنة، وفق ما أفاد تقرير إخباري.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الممثلة الكوميدية الموهوبة كاثرين أوهارا (أ.ف.ب)

وفاة كاثرين أوهارا بطلة فيلم «وحدي في المنزل» عن عمر 71 عاماً

توفيت كاثرين أوهارا، الممثلة الكوميدية الموهوبة التي لعبت دور والدة ماكولاي كولكين المتعجلة في فيلمين من أفلام «وحدي في المنزل».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد لقطة جوية التقطتها طائرة مُسيّرة لشعار شركة «نتفليكس» على أحد مبانيها في حي هوليوود بمدينة لوس أنجليس (رويترز)

عرض نقدي ضخم من «نتفليكس» يعقّد مساعي «باراماونت» للاستحواذ على «وارنر بروس»

حوّلت «نتفليكس» عرضها للاستحواذ على أصول الاستوديوهات وخدمات البث المباشر التابعة لشركة «وارنر بروس ديسكفري» إلى عرض نقدي بالكامل.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس )

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
TT

أكثر من 80 ممثلاً ومخرجاً ينددون بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة

رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)
رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز في افتتاح مهرجان برلين السينمائي يوم 12 فبراير (د.ب.أ)

ندّد أكثر من 80 مخرجاً وممثلاً، بينهم الإسباني خافيير بارديم، والبريطانية تيلدا سوينتون، بـ«صمت» مهرجان برلين السينمائي حيال غزة، في بيان اطلعت عليه وكالة الصحافة الفرنسية، الثلاثاء.

وقال الموقّعون إنهم «مصدومون من الصمت المؤسسي لمهرجان برلين السينمائي الدولي» حيال القضية، وعبروا عن استيائهم من «تورطه في فرض رقابة على الفنانين الذين يعارضون الإبادة الجماعية الإسرائيلية المستمرة ضد الفلسطينيين في غزة».

وجاء البيان إثر الجدل الذي أثاره رئيس لجنة التحكيم المخرج الألماني فيم فيندرز، بعدما رد على سؤال بشأن غزة الأسبوع الماضي بالقول: «يجب أن نبقى بعيدين عن السياسة».

صورة من مبنى مارتن غروبيوس في برلين لأجنحة في سوق الفيلم الأوروبي (EFM) الذي يقام على هامش الدورة السادسة والسبعين لمهرجان برلين السينمائي الدولي (أ.ف.ب)

ومن بين المخرجين البارزين الذين وقعوا الرسالة البريطاني مايك لي والأميركي آدم مكاي.

وتضم القائمة العديد من الفنانين الذين قدموا أعمالا في مهرجان برلين السينمائي. وقد فازت سوينتون نفسها العام الماضي بجائزة «الدب الذهبي» المرموقة.

وقال المقوعون إنهم «يختلفون بشدة» مع تعليقات فيندرز، مؤكدين استحالة فصل صناعة الأفلام عن السياسة. وأضافوا في البيان: «كما أصدر المهرجان بيانات واضحة في الماضي بشأن الفظائع المرتكبة ضد الشعوب في إيران وأوكرانيا، فإننا ندعو مهرجان برلين السينمائي الدولي إلى الوفاء بواجبه الأخلاقي والإعلان بوضوح عن معارضته للإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل».

ولم يعترض الموقعون فقط على موقف مهرجان برلين بعدم الخوض في قضية الحرب الإسرائيلية في غزة، ولكن أيضا على «الدور الرئيسي للدولة الألمانية في تمكين ذلك».


«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
TT

«آرت بازل - قطر»... منظومة الفنان والسوق

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)
عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

في حي مشيرب بالدوحة؛ حيث أقيمت فعاليات «آرت بازل قطر»، ارتدت الأبنية والساحات المغطاة لوحات حمراء اللون تشير إلى مواقع العرض في المباني المحيطة، وفي الساحات الخارجية المختلفة.

كان الجو العام مليئاً بالحيوية والحماسة لإقامة هذا المعرض العالمي لأول مرة في المنطقة العربية. ولكنه لم يكن نسخة مكررة من «آرت بازل» بمعارضه المختلفة في سويسرا وهونغ كونغ وميامي بيتش، بل اكتسب شكلاً مختلفا في الدوحة، فالرؤية الفنية للمدير الفني، وائل شوقي، أخذت المعرض من الصيغة المعروفة للغاليريهات، التي تعرض مجموعة من الأعمال لفنانين مختلفين، إلى صيغة مختلفة ركزت على الفنان، بحيث عرض كل غاليري أعمال فنان واحد فقط، وهو ما غير تجربة التجول بين المعارض وجعلها ممتعة بشكل كبير، وتحولت التجربة إلى اكتشافٍ لأفكارِ وممارسة فنان بعينه في إطار السوق الفنية.

وعلق وائل شوقي على ذلك: «ما جذبني إلى هذا الدور هو إمكانية إقامة معرض فني لا يفصل بين السوق والمعرفة، بل ينظر إليهما على أنهما جزء من منظومة واحدة. يتيح الشكل المفتوح لـ(آرت بازل قطر) للفنانين تقديم أفكار مكتملة لا مجتزأة، ويدعو الجمهور إلى لقاء حقيقي مع العمل الفني، وبالتالي يشكل المعرض مساحة مميزة للوصول إلى الفن من جهة، ولتقديم المعرفة وتفعيل الحوار الثقافي وتوليد الفرص للفنانين من جهة أخرى».

زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر (آرت بازل قطر)

التجول عبر الغاليريهات المشاركة يرسم صورة لمشهد فني غني ومنتعش في المنطقة، وهو ما تحول أرقاماً، فقد زار المعرض في نسخته الافتتاحية أكثر من 17 ألف زائر، ومثل جامعو الأعمال الفنية والرعاة من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا نحو نصف العدد.

ووفق البيان الرسمي، فقد شهدت صالات العرض من قطر والسعودية والإمارات تفاعلاً واضحاً من جامعين ومؤسسات فنية، وكان الطلب ملحوظاً بشكل خاص على الفنانين من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب آسيا والجنوب العالمي.

خلال جولة «الشرق الأوسط» على الغاليريهات المشاركة، كان لا بد من التوقف أمام عدد منها قدم أعمالاً مميزة جذبت الحضور بجماليات عالية، وموضوعات تناقش قضايا الإنسان والكوكب.

علي بني صدر.... بين الأساطير والواقع

يعرض غاليري «بيروتين» مجموعة من أعمال الفنان الإيراني علي بني صدر، تتصدرها اللوحات الضخمة التي تنطق بأسلوب مميز بحوار بين الأساطير والشخوص الخيالية وهموم الإنسان المعاصر. ولأول مرة نرى منحوتات من عمل الفنان. تماثل منحوتاته الشخوص والأشكال الغامضة في اللوحات، وبشكل ما تبدو كل منحوتة كأنها عنصر خرج من اللوحة، وهو ما يمثل للناظر نوعاً من الحوار البصري بين الاثنين.

يتجول الفنان في معرضه الصغير، وبابتسامته المعهودة يقول لـ«الشرق الأوسط» إنه حضر إلى الدوحة لزيارة المتاحف ولحضور هذه النسخة من «آرت بازل» لاختلافها عن النسخ الأخرى: «لم أزر الدوحة من قبل، ولكنني أردت الحضور للمعرض لأرى فكرة المعرض الفردي لكل فنان». يقول إن الفكرة تعمل لمصلحة الفنان... «بالتأكيد؛ فالزوار يمكنهم التركيز على الأعمال وفهمها بشكل أفضل، بعكس الوضع في معارض الفن العالمية الأخرى».

من أعمال الفنان علي بنيصدر (الشرق الاوسط)

يتحدث عن أعماله في العرض، وهي تضم لوحات بألوان الباستيل، والمنحوتات التي يقدمها لأول مرة: «بدأت عمل المنحوتات العام الماضي. كنت دائماً أشكل القطع بالطين، ولكني لم أجرب العمل بالبرونز من قبل. كانت تجربة مذهلة في الحقيقة، فأنا من محبي الفن القديم؛ ولهذا اعتمدت على أسلوب عمره 5 آلاف عام. كثيرون علقوا بأن المنحوتات تبدو كنماذج ثلاثية الأبعاد لتفاصيل من لوحاتي». يفسر ارتباطه بفنون الشرق الأدنى بأنها «تحمل صفات قد تبدو مستقبلية، وهو ما يثير اهتمامي».

إدريس خان... طبقات من الرموز والمعاني

في غاليري «فيكتوريا ميرو»، نسبح في عالم الفنان إدريس خان، الذي يقدم أعمالاً تبدو مثل المخطوطات القديمة المذهبة، بعضها مكتوب على خلفية زرقاء اللون، مما يستدعي إلى الذهن «مخطوطة المصحف الأزرق»، وهي مخطوطة أثرية تعود إلى العصر الفاطمي (ما بين القرنين التاسع والعاشر الميلاديين). تحت عنوان «الزمن الحاضر... الزمن الماضي»، نرى سلسلة من اللوحات المزينة بورق الذهب تستوحي تقاليد الثقافة الإسلامية، ولكن بمكنون معاصر.

عمل للفنان إدريس خان (الشرق الاوسط)

مخطوطات إدريس خان هنا مبهمة... لا نستطيع تبين الكلمات ولا الأحرف. تشير المشرفة على العرض إلى أن الفنان استخدم رموزاً موسيقية في بعضها ونصوصاً فلسفياً خاصة.

تقول المشرفة على الغاليري: «كثيراً ما يعمل الفنان على النصوص، ويُركّبها في طبقات. وفي حالة هذه السلسلة، كان يقرأ كثيراً للشاعرة الأميركية إميلي ديكنسون، وبينما كان يفكر في رؤيتها العالم وطريقة تعاملها مع الحياة، وتأملاته الخاصة في أعمالها، حوّلها قصائد؛ بعضها تُرجم إلى العربية، وبعضها الآخر خضع لبرنامج كومبيوتري خاص حوّلها نوتات موسيقية. هو ليس مهتماً بصنع شيء يُقرأ. بل يتعلق الأمر بتكثيف كل المشاعر، وكل المحتوى الروحي الموجود فيه، في لحظة بصرية واحدة».

سمية فالي و«مجلس العشاق»

في ساحة تتوسط مباني المعرض في حي مشيرب، تعرض الفنانة الجنوب أفريقية، سمية فالي، عملها المعنون: «في مجلس العشاق»، وهو عمل تركيبي تم خصيصاً لمعرض «آرت بازل قطر» الافتتاحي، وهو بيت شعري يُنسب إلى شعراء متصوفين؛ من بينهم رابعة العدوية.

ويُشيد عمل فالي بأماكن التجمع المدمَّرة أو المتضررة في أنحاء العالم الإسلامي. يستلهم العمل من مجموعة متنوعة من المواقع؛ من ساحات قرطبة، إلى حدائق غزة، ومن ضفاف نهر كشمير، إلى أروقة حيي «ديستريكت6» ومشيرب في قطر، ليُنسج العمل الذاكرة والعمارة والحضور الجماعي معاً. كان كل منها مكاناً للتجمع، حيث عاشت الصلاة والشعر والتجارة والتأمل والتعايش والمعارضة جنباً إلى جنب.

عمل "مجلس العشاق" لسمية فالي (آرت بازل)

تقول الفنانة لـ«الشرق الأوسط»: «في هذا العمل، استلهمتُ من أماكن التجمع المفقودة في الفن الإسلامي؛ من كنائس ومساجد، بالإضافة إلى الأسواق والساحات العامة والشوارع، التي فُقدت أو دُمّرت في أنحاء متفرقة من العالم؛ من جنوب أفريقيا وقرطبة وغزة. يتتبع هذا العمل مخططات بعض هذه الأماكن وأشكالها، ويرسم ملامحها. إنه يدور حول فكرة التكاتف لإعادة البناء معاً، بشكل جماعي».

يتكون العمل من مجموعة من القطع السوداء التي يمكن نقلها وتحريكها؛ «لذا يمكن استخدامها مساحةً للتأمل، أو للتجمعات» بينما على الأرض نرى القطع تمثل خريطة معمارية قديمة «استوحيناها من الأماكن المفقودة».

عمران قريشي وإحياء تقاليد النسج

في ركن من العرض أشبه بنصف غرفة ملونة، كأنها صنعت من نسيج ملون، جلس شخصان يركّبان الخيوط الملونة على مقاعد خشبية صغيرة. في عمل الفنان الباكستاني عمران قريشي نرى إعادة تصور لنسيج «الشارباي» التقليدي - وهو عنصر أساسي في الحياة المنزلية بجنوب آسيا - بلغة هندسية دقيقة تجمع بين التجريد والترابط.

في هذه السلسلة الجديدة، يُحوّل قريشي النسيج البسيط للسرير إلى عمل فني باستخدام خيوط نايلون نابضة بالحياة، مشدودة على إطارات فولاذية صناعية. يضم العمل الفني مجموعة متناغمة من الزخارف الهندسية، بما في ذلك أنماط «المعين» و«المتعرج» و«الصليب»، مُنفذة بألوان لافتة من الأحمر والأزرق، والأخضر والأصفر، والأزرق والذهبي، بينما يتخذ بعض الأعمال شكل إطارات مستطيلة مثبتة على الجدران تُحاكي زخارف المخطوطات الإسلامية.

عمل الفنان عمران قريشي (الشرق الاوسط)

يقول الفنان لـ«الشرق الأوسط»: «تلقيتُ تدريباً في فن رسم المنمنمات بالكلية الوطنية للفنون في لاهور، وكان تدريبي مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بهذا الفن. ثم بدأتُ تجاوز حدود الرسم المصغر... وهذا أحد أعمالي الحديثة. تخيلتُ صفحات مخطوطة مفتوحة، وإطاراً، وحافة، ثم ابتكرتُ سطحاً ثلاثي الأبعاد يمكن للناس دخوله، بل يمكنهم التجول فيه إن أرادوا». بشكلٍ ما، يمكن للزائر دخول العمل والجلوس على المقاعد ليصبح جزءاً من العمل الفني... يضيف: «أردت بطريقة ما إحياء (الشارباي) التقليدي واستكشاف إمكانية ربطه بالفن المعاصر، أو طرق جديدة للنظر إلى هذا التقليد نفسه».


ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
TT

ماري روز أسطا: «يوماً ما ولد» مُستلهم من حياتي الواقعية

استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)
استوحت المخرجة اللبنانية الفيلم من تجربتها الذاتية (الشركة المنتجة)

في حضوره العالمي الأول ضمن مسابقة «الأفلام القصيرة» في مهرجان «برلين السينمائي الدولي»، يقدّم الفيلم اللبناني «يوماً ما ولد» تجربة سينمائية مكثفة تنطلق من حكاية طفل في قرية حدودية، لكنها تنفتح على أسئلة أوسع تتعلق بالسلطة والاختلاف والذاكرة والعنف الكامن في الصوت قبل الصورة.

الفيلم الذي كتبته وأخرجته ماري روز أوسطا، لا يكتفي بسرد واقعة عن طفل يمتلك قدرة غير اعتيادية، بل يحوّل هذه القدرة إلى استعارة مركّبة عن الطفولة حين تُدفع إلى الاختباء، وعن المجتمعات التي تخشى كل ما يتجاوز معيار «الطبيعي».

وتدور القصة حول صبي في الحادية عشرة يعيش مع عمه في قرية لبنانية اعتادت على أصوات الطائرات الحربية باعتبارها جزءاً من يومها العادي، وفي هذا السياق المشحون، يكتشف الطفل أنه يمتلك قدرة غامضة لا يفهم حدودها.

العم الذي يتولى رعايته، يحاول بكل السبل أن يبدو «عادياً»، ويذيب أي علامة اختلاف قد تجلب الانتباه أو الخطر، غير أن القمع لا يطفئ الطاقة، بل يؤجل انفجارها، وعندما يؤدي اختبار بريء لهذه القدرة إلى سقوط طائرتين حربيتين، يصبح السر عبئاً، وتتحول المخيلة إلى قوة لا يمكن احتواؤها.

ما يمنح الفيلم عمقه الحقيقي ليس الحدث الفانتازي في ذاته، بل الطريقة التي يُبنى بها بوصفها انعكاساً لخبرة معيشة، فالبيت الذي تجري فيه الأحداث ليس مجرد ديكور، بل ذاكرة متجسدة، بناء أسمنتي غير مكتمل فوق بيت حجري قديم، سلالم تؤدي إلى فراغ، غرف مفتوحة على الريح والنباتات. هذا الفضاء، الذي استُلهم من بيت أجداد المخرجة في شمال لبنان، يتحول إلى متاهة رمزية.

المخرجة اللبنانية (الشرق الأوسط)

وتقول ماري روز أسطا لـ«الشرق الأوسط» إن «الفيلم وُلد من لحظة شخصية عميقة تعود إلى عام 2006، حين كانت مراهقة في بيروت لا تتابع الأخبار ولا تنشغل بالسياسة».

مضيفة: «لم نكن معتادين في بيروت على سماع صوت الطائرات الحربية، في ذلك اليوم، دخل الصوت إلى غرفتي فجأة. شعرت بشيء غير طبيعي، وكأن هناك حدثاً يوشك أن يقع، من دون تفكير قلت (بوم) وبعد لحظات وقع انفجار فعلاً قرب المنزل».

استدعاء الكارثة

وأضافت أنها في تلك اللحظة شعرت كأنها تسببت بالانفجار، «كأن لدي قوة خارقة استدعت الكارثة»، قبل أن تدرك أن ما حدث كان بداية الحرب الإسرائيلية على لبنان في يوليو (تموز) 2006.

وأكدت أن هذا الشعور بالتصادم بين الصوت والحدث، بين الخيال والواقع، ظل عالقاً بداخلها لسنوات، مضيفة: «في تلك اللحظة كبرت فجأة، فهمت معنى أن تدخل الحرب إلى حياتك من دون استئذان، أن تشعر بأن حياتك العادية يمكن أن تنقلب في ثانية، وأنك بلا قدرة على القرار».

وأضافت أن «شخصية الطفل تحمل جانباً شخصياً واضحاً؛ لأن البيت الذي صُوِّر فيه الفيلم هو بيت جدها في شمال لبنان، وهو بيت غير مكتمل ظل شاهداً على انهيار اقتصادي قديم بعد إفلاس البنك الذي كان يضع فيه أمواله ولم يتمكن من استردادها حتى الآن».

وأكدت أن «هذا البيت كان بالنسبة لها مساحة حرية، فلم يكن الكبار يخافون أن يفسد شيء فيه، وكانت تركض بين دهاليزه وتخرج إلى الأرض المحيطة به، وتواصل بين الخرسانة والطبيعة، بين الداخل والخارج، مما خلق لديها عالماً من الخيال».

استعادت المخرجة موقفاً شخصياً في طفولتها (الشركة المنتجة)

وأشارت إلى أن «شعورها بالحرية في ذلك المكان امتزج لاحقاً بذكريات الانهيارات المتكررة في لبنان، كأن التاريخ يعيد نفسه، وكأن البيوت غير المكتملة تشبه بلداً يعيش مشاريع لم تكتمل».

وفي حديثها عن البعد السياسي، شددت على أن السياسة في الفيلم ليست شعاراً مباشراً، بل طبقة طبيعية نابعة من واقعها كونها امرأة لبنانية، مضيفة: «هذا الصوت حفظته في جسدي. عندما أسافر وأسمع طائرة مدنية، أقفز من مكاني. هذه صدمة تراكم، فنحن نعيش تحت تهديد دائم، لا نعرف متى تحوم الطائرات فوقنا وماذا سيحدث، في لحظة ما، تتمنى لو أن لديك القدرة على الردع، على إيقاف هذا الاجتياح».

وعن تمويل الفيلم أوضحت أن «الرحلة لم تكن سهلة، خصوصاً في سياق عربي يعاني من محدودية مصادر الدعم للأفلام القصيرة، لكنها أكدت أن المشروع قام على جهد جماعي، وصوّرت في المنطقة التي تعرفها جيداً، وعملت مع ممثلين وأصدقاء آمنوا بالفكرة، وهو الأمر الذي سهل الكثير من العقبات».